أخبار عاجلة

أبو مسلم :شاعر عمان المتميز

 الحديث عن علم شامخ كأبى مسلم يجعل من هو مثلي في حالة تهيب وحيرة , فماذا عساى أقول في شاعر ضخم له تلك المكانة العالية والشاعرية المتميزة , من أين أدخل في بحره الزخار وكيف اقترب من سواحله الممتدة والعميقة. إن الدخول إلى عالم أبى مسلم مغامرة لا يرومها ويقدر عليها إلا الحاذق الفطن ذو الموهبة الراسخة المتمكن من أدواته وقدراته وأني لصعلوك مثلي تلك الامكانات والمواهب , انه اجتراء غير سهل على اقتحام عالم أبي مسلم ذلك العالم الواسع الكبير، والحق أن ما فعلته ليس اقتحاما بقدر ما هو مقاربات وملامسات من على البعد أرجو ألا تكون فيها مزلة قدم .

" ابن عديم " هو الاسم الأكثر شهرة حينما كنا صغارا في مجال الشعر ولعل الكثير من أبائنا وأمهاتنا لم تكن لهم معرفة تامة باسمه الكامل أو كنيته الشهيرة ولكنهم ، يعلمون تمام العلم أنه شاعر عمان الأكبر الذي لا يدانيه شاعر أخر في منزلته وعلو مكانه وربما كان بعضهم يحفظ أبياتا من أشعاره وخاصة من قصيدته النونية . وكانت النونية أنذاك تمثل ملحمة عمان الكبرى كمثل نونية عمرو بن كلثوم عند بني تغلب في الأعصر العربية البعيدة مع الفارق أن تلك لقبيلة واحدة وهذه لشعب بكامله وأظن أن أغلب البيوت العمانية في تلك الفترة لم تكن تخلو من كتابين اثنين بعد القرآن الكريم هما كتاب "تلقين الصبيان" للسالمي وكتاب "نونية ابن عديم "، وقد كانت هذه النونية مطبوعة في المطبعة البارونية في القاهرة في كتيب صغير بأحرف بارزة مشكولة على هيئة طباعة المصحف الشريف وكان الناس يتنافسون في اقتنائها ومن لم يستطع الحصول هي النسخة المطبوعة اقتنى نسخة مخطوطة مما كانت تنسخه أقلام

النساخ العمانيين الذين كانوا يحترفون نسخ الكتب والقصائد والأراجيز والخطب وكانت خطوطهم عالية الجودة في قمة الروعة والاتقان تكاد تضاهي الطباعة إن لم تكن تتفوق عليها في بعض الأحيان ، وقد رأيت في بيتنا أيام طفولتي بالاضافة إلى النسخة المطبوعة نسختين مخطوطتين ، وكانت النونية تحمل عنوان "الفتح والإيمان " وهي طويلة للغاية قاربت ابياتها الأربعمائة بيت ، وقد حفزت في صغري لحفظ هذه المطولة من قبل والدتي رحمها الله حتى حفظت أغلبها وكنت أشدو بها في الأمسيات العائلية دون أن أفقه شيئا منها .

أبو مسلم إذن من الشعراء الأثيرين لدى العمانيين والأكثر قربا الى نفوسهم ربما لقصائده الاستنهاضية التي يذكر فيها أغب القبائل العمانية ويستثيرها، ولعواطفه الدينية التي تتجلى واضحة في أشعاره سواء الوطنية منها أو تلك الدينية الصرفة الخالصة وهي تمثل في شعره ما يقارب الثلثين كلها تسبيح وتهليل وتوحيد وتمجيد لله وتضرع اليه . وشعره في مجمله جاد صارم بعيد عن الهزل والفكاهة إلا فيما قل وندر وهو بهذا يلتقي مع الشخصية العمانية في ذلك الزمن التي هي أقرب إلى الصرامة والجد والوقار ثم هو مادح لأئمة العلم والدين يشيد بأعمالهم وصلاحهم وتقواهم ، في حياتهم ويرثيهم أعظم الرثاء بعد موتهم وكل هذا يدنيه أكثر من عواطف عامة الناس ومشاعرهم .

وربما جرت المقارنات أحيانا ، بين ابن عديم وزميله ابن شيخان ذلك الشاعر الأخر المنافس لابن عديم والمعاصر له وغالبا ما يكون هذا النقاش بين فئات المتعلمين والصفوة المثقفة من الناس الذين يستوي بعضهم شعر ابن شيخان ويستهوى بعضهم شعر أبو مسلم وتعقد الموازنات بين الشاعرين ويتعصب كل فريق لشاعر الذي يحبه وقد شبه الأستاذ عبدالله الطائي هذه المجادلات بما كان يجري في مصر في ذلك الوقت نفسه بين أنصار شوقي أمير الشعراء وأنصار حافظ ابراهيم شاعر النيل .

كما أن عامة الناس لم تكن تعرف الشيء الكثير عن أبي مسلم سوى أنه ابن عديم صاحب النونية فهي كذلك أيضا في معرفتها بابن شيخان فهو عندها ابن شيخان صاحب قصيدة فتح نخل وقصيدة فتح الرستاق وهما قصيدتاه الوحيدتان ربما اللتان كانتا تدوران على ألسنة الناس . أما اسم ابن شيخان الكامل وأي تفاصيل أخرى عنه فلم تكن معروفة إلا للنخبة .

ويخيل لمي أن أكثرية الناس حينذاك لم تكن متعاطفة مع ابن شيخان كما هي متعاطفة ومحبة لأبي مسلم والناس في ذلك تبع لعلمائهم وفقهائهم حيث إن العلماء وفي مقدمتهم الإمام السالمي كان انحيازهم يومئذ في صف أبي مسلم الشاعر الملتزم ولم يكونوا مع ابن شيخان الشاعر المداح الذي لا قضية له في أغلب أشعاره. وحينما عرضت قضية الموازنة بين الشاعرين على الإمام السالمي قال في تحيز واضح لأبي مسلم ذاك شاعر عصره وهذا شاعر مصره يعني ابن شيخان والإمام السالمي وهو ابن عم شقيق لابن شيخان هو الذي أطلق لقب شاعر العرب على أبي مسلم تفضيلا له على ابن شيخان . ولست هنا في مقام الانتصار لأي من الشاعري أو المفاضلة بينهما ولست مؤهلا لذلك وإنما أقص طرفا من أخبار أبي مسلم الذي أتحدث عنه . وأبو مسلم هو ناصر بن سالم بن عديم الرواحي ولد في مدينة محرم من وادي بني رواحة عام 1213هـ – 1857م وتوفي في مدينة زنجبار بشرق افريقيا عام 1339هـ -1857م وهو من أسرة علمية عريقة. كان جده الأكبر الشيخ عبدالله بن محمد الرواحي قاضيا في دولة اليعاربة وكان والده الشيخ سالم بن عديم قاضيا في دولة الإمام عزان بن قيس البوسعيدي وقد احترف هو نفسه مهنة القضاء حينما كان في زنجبار لسنوات طويلة بل صار رئيس القضاة هناك كما قام بمهنة التدريس وقد ذكر الشيخ مكلا برهان القمري وهو من علماء جزر القمر انه درس علوم العربية على يد الشيخ أبو مسلم مع مجموعة من طلاب العلم وقد أشاد الشيخ القمري بشيخه أبي مسلم وأثنى عليه أحسن الثناء.

وقد عاش أبو مسلم أغب حياته في زنجبار وظل يتشوق للعودة الى عمان ويمني النفس بها حتى وفاته . يقول في ميميته :

معاهد تذكاري سقتك الغمائم

ملثا متى يقلع تلته سواجم

معاهد شط البعد بيني وبينها

وحل بقلبي برحها المتقادم

لئن خانني دهري بشحط معاهدي

فقلبي برغم الشحط فيهن هائم

 أفارق في افريقيا عمر عاجز

وبي كيس كالطود في النفس جاثم

ويقول في مقصورته

أقول للبرق وقد أرقني

لهيبه أعلى ثنيات الحمى

سقيت أجراز البلاد فارتوت

وحظ قلبي منك إلهاب الجذى

 أهفو الى روح النسيم راجيا

إطفاء ما بالقلب من حر الصلا

أعلل الشوق بصادي كبدي

نفح شميم الزهر من تلك الربى

ويكرر نفس الشوق والالتياع في نونيته الشهيرة .

إني أشح بدمعي أن يسح على

أرض وما هي لي يا برق أوطان

هبك استطرت فؤادي فاستطر مني

إلى معاهد لي فيهن اشجان

تلك المعاهد ما عهدي بها انتقلت

وهن وسط ضميري الآن سكان

 نشأت فيها وروضاتي ومرتبعي

ورح الفضيلة لا رند وريحان

وكيفه أنسى عهودي في مسارحها

وهن بين جنان الخلد بطنان

 نأيت عنها ولكن لا أفارقها

بلى كم افترقت ورح وجثمان

 أعيش في غربة عيش السليم على

رغمي وليس إلى الترياق إمكان

والشيخ أبو مسلم عاشق لبلده عمان يمجدها ويفتخر بها وينافح عنها ويرسل القصائد حامية في الرد على من ينالها بسوء أو يتحدث منها بغير الحديث الحسن ، وقد ذكر أن شاعرا مصريا سكن زنجبار اسمه عمر لطفي وكان موضع الحفاوة والتكريم من أهلها حتى كتب قصيدة مس فيها أهل عمان بما لا يليق من الكلام فانحطت منزلته عندهم وكتب أبو مسلم قصيدة في الرد عليه جاء فيها :

 تفضل بالزيارة في عمان

تجد أفعال أحرار الرجال

 تجد ما شئت من كرم وفضل

وأخلاق عزيزات المثال

وفي القصيدة مبالغة في الاعتزار بعمان والافتخار بها .

وأبو مسلم فقيه وعالم كبير من علماء الدين يشهد بذلك كتابه «نثار الجوهر» الذي شرح فيه كتاب "جوهر النظام " للإمام السالمي فبلغ في شرحه الغاية القصوى في الفقه الديني وعلوم الشريعة ، ولكن شاعرية أبو مسلم ظلمته في هذا الجانب حيث طغت شهرته كشاعر على مكانته كفقيه كبير وكقاض شرعي تربع في القضاء لمدة طويلة وبقدر ما اتسعت شهرته كشاعر وملأت الأفاق العمانية بقدر ما جهل الناس عنه الجانب الأخر انتهي والشرعي حتى لم يكن يخطر ببال أحد إلا القليلين ربما من العلماء والقضاة ، ولهذا لم نجد فيما دون من أشعاره أسئلة وأجوبة في المجالات الفقهية والشرعية كما هو حال أقرانه من الفقهاء العمانيين الذين يعتبر من سماتهم الأساسية نظم القصائد في السؤالات الدينية والعلمية والرد عليها بنفس الروي والقافية والحق أن هذا الأمر في حال أبي مسلم يثير لدينا التساؤل فإن افترضنا عدم توجه الناس اليه بقصائدهم الاستفسارية كما تعودوا مع فقهائهم لأنهم جهلوا حقيقته الفقهية فأين سؤالاته هو نفسه للعلماء المعاصرين له وهم من كبار العلماء وفي مقدمتهم نور الدين السالمي أتراه لم يكن يحب هذا اللون من الأسئلة الفقهية الشعرية وربما خشي أن تؤثر على سمعته الشعرية كشاعر كبير أم أن ذلك النوع من قصائده قد ضاع وفقد مثلما فقد الكثير

من أشعاره وأثاره كما ينبئنا عن ذلك جامع ديوانه إبن أخيه الشيخ سالم بن سليمان البهلاني تلك مسألة أحسبها مثير التساؤل من خلال ما أعرفه من نهج مشايخنا العمانيين في تدوين السؤالات الشعرية الفقهية لبعضهم البعض مما لا يكاد يشذ عنه أحد منهم ، ولاشك أن فقه شاعرنا وتبحره في العلوم الدينية لم يؤثر بحال على مستوى شاعريته الجزلة فشعره ليس من شعر الفقهاء الذي ينظر اليه نقاد الأدب عادة أنه ليس بالشعر الخالص أو البليغ وان كانت هذه النظرة في تصوري غير دقيقه فكم من عالم فقيه ترك من الشعر ما هو في قمة البيان ولكن تعمق شاعرنا في علوم الدين والشرع أثر في لغته ومسطحاته وجمله الشعرية فهو حينما يحرض ويستنهض في مقصورته نجده يقول :

 قد آن للاحرام أن نجله

وننحر الهدي على رأس الصفا

قد أن للصائم وقت فطره

لطالما أرمض بالصوم الحشا

 قد أن للوضوء أن ننقصه

بالثائر السافح فرصاد الكلى

وفي مدائحه واعتذارياته للسيد حمد بن ثويني نراه يرتبها على سور القرآن وعلى ألفاظ آية الكرسي وكلمات القرآن والمصطلحات الدينية طاغية في كل أشعاره وحتى وهو يتغزل ترد ألفاظ القرآن ومصطلحاته في غزله :

 يا غضيض الطرف هب لي نظرة

إن إعراضك أدهى وأمر

صدقوا غاب رشادي في الهوى

وعلاقات الهوى إحدى اكبر

وإذا استعطفه القلب على

فعل عينيه تعاطى فعقر

أنا أسلو عن حبيبي ساعة

يا عذولي فل هو الله أحد

ما الهوى في السواد إلا جنون

والهوى في البياض أقوم قيلا

والصبغة الدينية تكاد تصبغ أغلب شعره إن لم نقل كلا، وشعره الديني والإلهي والتصوفي يكاد يصل إلى ثلثي شعره ، وهو في شعره الديني مطبوع مندفع متدفق يكاد لا يود التوقف وحسبنا أن قصيدته التائية التي أسماها "الوادي المقدس" شارفت على ألف وستمائة بيت كلها ذكر الله وتقديس وتمجيد وتضرع وقد رتبها على أسماء الله الحسنى التسعة والتسعين وجعل كل اسم أحد عشر بيتا مع مقدمة طويلة وخاتمة وهو في ابتهالياته وتوسلاته يوظف الدعاء والمناجاة لله مستعينا به لقهر المخصوم والأعداء الذين هم أعداء العقيدة المنحرفون المتسلطون على الأمة من الظلمة والجائرين أومن القوى الأجنبية المعادية المهيمنة وكان عصره عصر توسع الاستعمار وتسلطه علي بلاد العرب والمسلمين . فهو مثلا في اسم القهار من القصيدة التائية يقول :

إلهي جلال القهر ليس بواهن

وإن أمهل القهار مكرا لبرهة

 إلهي طغت فوق العباد عصائب

فعمت سيول الظلم منها وطمت

طغام طغاة تبروا ما علوا ولا

نصير سوى القهار فوق البرية

 إلهي تداركهم بقهر ذواتهم

وعدتهم والعد والمددية

إلهي ومن خاباهم وأعانهم

وداهنهم بغيا لأجل البغية

وفي «المذل »:

إلهي تعدى خصمك الحد واعتدى

على حرمات الله بالأغلبية

وما عزة الطاغي وإن جد جدها

بصائرة إلا لخزي وذلة

 فأرسل عليه يا مذل قواصف النكير

وسربله بسر بال نقمة

وفي "الحكم" :

إلهي لم تجعل سبيلا لكافر

على مؤمن مستمسك بالشريعة

فخذه بمثوى الأمن سنتك التي

خلت في القرون الغابرين فأفنت

وفي " المنتقم " :

إلى الله أشكو وهو منتقم يدا

عتت وبغت واستجدت خير أمة

فقد حل بالاسلام ما لست راضيا

من الفئة العاتين فوق البسيطة

فعاجلهم بالأخذ وأقصم ظهورهم

فقد اصبح الاسلام منهم بذلة

وعلى هذا المنوال استمر يكرر دعواته وتضرعاته لله سواء في هذه القصيدة المطولة أو في قصائده الأخرى الشبيهة .

كذلك فهو يقول في قصيدة أخرى لامية :

 ويا باعث ابعث راية الحق حولها

جنودك تبلو في رضاك وتبتلى

 ويا قائما بالقسط قوم مسددا

قويا على إظهار دينك فيصلا

ويا قابض اقبض بسطة الخصم وانتقم

كفعلك في عاد ومدين أولا

ويقول في قصيدة ثانية :

وسلط عليهم غضبة منك لا تذر

على الدهر منهم في البسيطة باقبا

وجرد علبهم منك صمصام نقمة

تحز بها أكبادهم والتراقبا

وفي قصيده أخرى

الله باسم الله قهر خصمنا

يا قاهر الغلاب صيرهم مثل

الله باسم الله قد مرد العدى

نعم النصير فأيد الحرب الأقل

وهو في هذا ينحو منحى شيخه المحقق الإمام سعيد بن خلفان الخليلي الذي الف الأوراد والقصائد الشعرية في التضرع إلى الله بأن يقمع الأعداء ويحطم قوتهم وأن يمنحه التوفيق فيما يوومه من محاولاته لإقامة الدولة الإسلامية التي يحلم بها ويتمنى ظهورها ، وهكذ ا أبو مسلم في تضرعاته يطلب النصر ويلتمس العون ويرجو من الله قهر الأعداء وإضعاف سطوتهم وهو من المعجبين بالمحقق الخليلي وقد خمس بعض قصائده السلوكية كما كان صديقا حميما وزميل دراسة لنجله العلامة الشيخ أحمد بن سعيد الذي قيل أنه كان المقصود بقوله :

أرتاح فيها الى خل فيبهرني

قصد وصدق ومعروف وإحسان

وفي شعره الديني يشعر المرء بعاطفة دينية شديدة وشفافية روحانية صادقة فهو فيه ينقطع إلى الله محبة وتقديسا وطاعة وإخلاصا وإخباتا ينبث من أعمق أعماق القلب ، أحيانا يسبحه ويهلل باسمه وأحيانا يناجيه ويتوسل اليه وأحيانا يستغفره ويلتمس عفوه في صفاء وانسجام وتوهج .

ومن أشهر أغراض شاعرنا استنهاضياته لقومه أهل عمان وقد بلغت الذروة في قوة التعبير والبلاغة وفي الحماسة وشدة التحريض وأشهر هذه الاستنهاضيات قصائده الأربع المقصورة والنونية والعينية والميمية وكل واحدة منهن ملحمة بذاتها وعالم شعري جليل متكامل ولو لم تكن له إلإ واحدة من هذه القصائد لكفاه بها ولخلدته بين العمالقة من الشعراء الكبار. فهو في النونية توجه إلى القبائل العمانية قبيلة قبيلة يناديها ويستحثها ويذكرها بأمجادها ومأثرها كما يتوجه فيها بالحديث إلى بعض الأعلام العمانيين كالشيخ عيسى الحارثي والشيخ عبدالله بن سعيد الخليلي بالإضافة الى امتداحه للشيخ السالمي وللإمام سالم الخروصي ، وكذلك فعل في المقصورة التي جاءت على شكل مقصورة إبن دريد وقد حشاها بالإستنهاض ومن أبياته في المقصورة :

أين رجال الله ما شأنكم

إلى متى في ديننا نرضى الدنا

 إلى متى نعجز عن حقوقنا

إلى متى يسومنا الضيم العدى

 إلى متى نجزى ولا يؤلمنا

كالميت لا يؤلمه حر الشبا

إلى متى نهطع في طاعتهم

ونتقي وليتها تجدي التقى

إلى متى تقضمنا أضراسهم

إلى متى نحن لهم عبد العصا

نقعد يشكو بعضنا لبعضنا

وما مفاد من شكا لمن بكى

 فوا صياحاه وهل من سامع

لصرختي وهل يجيب من دعا

قد ذبح الملك وهذا دمه

ومدية الذابح في نحر الهدى

أين بنو اقو حيد لو صدقتم

توحيدكم ما رقص الشرك على

ومن أبياته في العينية قوله :

الا هل لداعي الله في الأرض سامع

فاني بأمر الله يا قوم صادع

أفيقوا بني القرآن إن كتابكم

يناقض في أحكامه وينازع

يعدون دين الله بهتا وهجنة

وأن ليس من صوب الإله شرائع

وأن وقوع الدين في الأرض مفسد

وأن قوانين السماء فظائع

 هلم بنا نقطع حبالة ديننا

إذ الدين عن نور التمدن قاطع

 وفي دولة التعطيل مرعى ونضرة

وفي دولة الدين الديار البلاقع

وأن ننحل شبها لدين سياسة

ففي دولة التبشير فعل مضارع

وفي ميميته يقول :

اليكم عباد الله مني نصيحة

يبررها قول من الحق جازم

أحقا تقاعدتم بها وهي دينكم

وخارت عن العز المقيم العزائم

أحقا عباد الله بعض قواكم

لقوه عباد الصليب دعائم

وفي النونية :

يا للقبائل يا أهل الحفاظ ومن

امجادهم في جبين الدهر عنوان

شدوا العزائم في استدراك فائتكم

إن العزائم للالراك أقران

 أين العصائب من قحطان أجمعها

وأين من نتجت للمجد عدنان

أين العزائم أين النخوة انتقلت

أين الحفاظ واين العز والشأن

سلوا القبور التي ضمت أصولكم

هل واطنوا الذل أم في دينهم هانوا

وقد اشتهرت قصيدته النونية شهرة كبيرة ليس في عمان فحسب بل في منطقة الخليج في البحرين وفي الكويت وقد نشرها المؤرخ والصحفي الكويتي عبدالعزيز الرشيد في مجلته "الكويت " على حلقات في أكثر من عدد ويبدو أنها بسبب هذا النشر عرفت لدى الكثيرين خارج عمان من متابعي تلك المجلة من الأدباء والشعراء في المنطقة وقد لاحظت تأثرا واضحا بهذه القصيدة لدى الشاعر النجدي المعروف إبن عثيمين الذي عاش في قطر وكانت له صلة بساحل عمان حيث كان يزور أستاذه الشيخ أحمد الرجباني وهو عالم نجدي يقيم أنذاك في أم القيوين كما يزور صديقه الشيخ مبارك العقيلي في دبي والشيخ مبارك العقيلي هو الذي عن طريقه ذهبت قصيدة أبو مسلم إلى الرشيد في الكويت لنشرها في مجلته وكان تأثر الشاعر إبن عثيمين واضحا جدا في قصيدة نونية مشابهة لقصيدة أبي مسلم في الوزن والقانية قالها في مدح الملك عبدالعزيز آل سعود في وقت لاحق :

 ملك تحسد في أثناء بردته

غيث وليث وإعطاء وحرمان

خبيئة الله في ذد الوقت أظهرها

وللمهيمن في تأخيرها شان

ودعوة وجبت للمسلمين به

أما ترى عمهم أمن وإيمان

فجئت بالسيف والقرآن معترفا

تمضي بسيفك ما أمضاه قرآن

حيث انجلى الظلم والاظلام وارتفعت

للدين في الأرض اعلام وأركان

فهو يستعير أبيات أبي مسلم في مدح الإمام الخروصي متأثرا به في سياق القصيدة حتى انه يورد بعض كلماته بنصها مع الفارق في مستوى الشاعرية فقصيدة أبو مسلم أكثر شاعرية وأقوى سبكا وصياغة بما لا يقارن .

 أما شعر المديح عند أبي مسلم فجزء منه يدخل في قصائده الوطنية والإستنهاضية كما في مديحه للإمام سالم الخروصي وللعلامة نور الدين السالمي وله مدائح في بعض اعلام عصره أبرزها كانت في الفقيه الأكبر العلامة الجزائري محمد اطفيش الملقب "قطب الأئمة " وكذلك له قصائد مدير في السيد حمود بن محمد البوسعيدي ومدائح واعتذاريات في السلطان حمد بن ثويني سلطان زنجبار وقد جعل بعضها مرتبة علو سور القرآن وعلى أحرف أية الكرسي وهو فيها يتشفع اليه ويلتمس عفوه وقد كان غاضبا منه فيما يبدو وهي تدخل في باب الاغتذار وفيها مبالغات سيئة في المديح غير مقبولة من رجل في مكانة أبي مسلم وعلى الرغم من افتخارياته واعتزازه بنفسه في كثير من شعره إلا أننا نجده في اعتذارياته متذللا كسيرا في موقف لا يليق به :

عبد ببابك لم يغادر زلة

إلا وقد علقت به آثامها

عبد ببابك مستجير عائذ

بجبال حلمك نفسه استعصامها

وفي قصيدة أخرى:

وقامت اليوم قيامة أمريء

لولا التاسي بالرجا منك قضى

إلى أن يقول في ابيات كنيرة تسترحم وتتعطف  في تذل شديد:

 وبعت فيه بشراك نعله

وهري والدنيا ومن فوق الثرى

أين هذا من تلك النفس الشامخة المتسامية في المقصورة ونطائرها. وفي بعض اعتذارياته كثيرا ما تكون مخاطبته للمعتذر اليه مثل مخاطبته لله في الضراعة والتوسل . وقد اضطره التزامه بسور القرآن في مقصورته الاعتذارية إلى أن يشبه ممدوحه مرة بإبراهيم النبي لكي يجيء اسم السورة سورة إبراهيم ضمن السياق ,وكذلك تجده حين يذكر سورة الحج يقول :

رحابه مشاعر قدسية

من فرض الحج اليهن اهتدى

وعند ذكره لسورة الروم يقول :

إذا تجلى فارسا تحشرجت

ممالك الروم بغصة الردى

ولا ندري أي ممالك الروم تلك التي حشرجها ذلك الممدوح أهي ألمانيا بصيتها العظيم يومنذ أم إيطاليا بمستعمراتها المترامية في أقاصي الدنيا أم انجلترا التي كانت تطبق على العالم من شرقه إلى غربه وهذا الممدوح ومملكه تحت نفوذها وقهرها وهي التي تأمر وتنهي، واذا جاءت لقمان فإن الممدوح حكمته كحكمة لقمان وهكذا بقية السور سخرت معاني أسمائها لتكون صفات عظمة ومجد لا يطال لذلك الحاكم المعتذر اليه وعلى الرغم من أن كلمة شوري معروفة ومعناها واضح إلا أن شاعرنا حين وصل إلى سورة الشوري وهو يعرف أن صاحبه لا يطبق الشوري في دولته نراه يستخرج للشورى معنى جديدا فهذا العظيم إنما يشاور عقله وهمته وعزيمته فقط أي أنه يشاور نفسه ومع ذلك فما يقضي به هو الرشد بعينه :

لعقله وهمه وعزمه شوري

فعين الرشد ما به قضى

وهذه المقصورة كلها على هذا النحو ويبدو أنه كتبها وهو في حالة حرجة وفي موقف صعب ولعل له عذره وإن كنا نود لو أنه لم يصل في اعتذارياته إلى مثل هذا بيد أنه بشر ولسنا ندري الأوضاع التي كتب فيها قصيدته ولكنها ليست من روائعه ولا من جيد شعره فهي مليئة بالتكلف والمبالغة ليس فيها إبداع أبي مسلم وتدفقه العفوي مما يؤكد لنا انها لم تنبعث من عاطفة صادقة وأنها كانت من أجل حاجة في نفس يعقوب وقد أنبأني أحد الاخوة وهو باحث مدقق وله بعض الكتابات عن أبي مسلم أن هذه المدائح والاعتذاريات كانت في بداياته وقبل قصائده الإستنهاضية والحماسية وقبل نضجه ولمعان اسمه وظهور صيته وتعمق شاعريته وذك واضح جلي عند المقارنة بين لك القصائد الغرر وبين هذه المدائح المتواضعة المستوي .

وفي الوصف لم نجد له قصائد منفصلة وإنما جاءت له بعض المقاطع الصغيرة أو في ثنايا القصائد الطوال وخاصة تلك التي يتشوق فيها إلى عمان كمثل النونية وغيرها فإنها اشتملت على وصف جيد بليغ ورائع ، والمستوى الفني في شعر شاعرنا يقع في الذروة في أغلب أشعاره ولو ظهر هذا الشاعر في مصر أو بلاد الشام لكان يعد اليوم من . رموز الشعر العربي وأعلامه الكبار فهو جزل العبارة قوي السبك غزير الموهبة ولكنه على أسلوب القدماء وإن وردت فيه بعض الملامح عن العصر ولكنه فيما يخيل الينا لم يكن كثير الإطلاع على شعر نظرائه ومعاصريه في مصر والشام واتجاهات أشعارهم وألفاظها الحديثة كمثل شوقي ومطران وغيرهما.

ومن الملاحظ أن شاعريته تتدفق بتلقائية وبصورة غزيرة فيسجل القصيدة كما تتنزل من الذهن مباشرة حتى زعموا أن له أكثر من كاتب يسجلون له فلا يكادون يلحقون لكثرة ما يجري على لسانه من الشعر وهذه حكاية خيالية لا شك ولكنها توحي بغزارة الشاعرية عنده وأن الشعر حينما يجيئه يجيئه منهمرا يتدفق بقوة شديدة . وقد لاحظوا عليه في بعض مطولاته أخطاء لغوية ونحوية يفترض الا تكون من مثله في أستاذيته وسعة علمه باللغة حيث كان يعتبر أحد أئمتها وتنسكب محفوظاته أحيانا وسط شعره فيخال القارئ أنه متأثر بذلك الشاعر أو أنه يستعير منه ويقيني أن ذلك يأتي عفو الخاطر دون قصد من الشاعر وقد دخلت في شعره جمل شعرية لجرير وحسان والمتنبي بعضها تضمين متعمد وعلى أية حال فهي قليلة جدا. ومما أخذ عليه في قصائده الطويلة إصابة بعض أبياتها بالضعف بسبب طول القصيدة مما اضطره إلى تكرار القوافي والألفاظ والوقوع في عيوب الشعر أو على الأقل في ضروراته وهي وإن تكن قليلة إلا أنها مستنكرة منه هو بالذات . وعاب عليه زميله إبن شيخان رفع كلمة «وسنان» في مطلع النونية وكان حقها النصب وإن تأول له بعضهم وما كان أبو مسلم ممن يقع في هذا الخطأ الشنيع وهو الإمام المبرز في اللغة ولكنه إما أن لديه فيها وجها يرده خاصة وأن هذا يقع في مطلع القصيدة مما لا يسقط فيه شاعر مبتدئ فما بالك بشاعر متمكن وقد قرئت القصيدة عشرات المرات في حياته من قبل كبار العلماء والأدباء وأساطين اللغة وفحولها فما نبهه أحد إلى اصلاحها أو لعلهم نبهوه فأخبرهم بوجهة نظره فاقتنعوا بها وهذا هو الأغلب .

أو أنه سها ولم يتنبه والكمال لله والنقص في طبيعة البشر ومهما كانت قدرات الإنسان في حزقه وفطانته فإنه معرض للخطأ وقد عد مؤرخو الأدب ونقاده أخطاء لغوية ونحوية عند عدد من كبار شعراء العربية وفي مقدمتهم المتنبي على عبقريته وعظمته ولقد حدثنا الشيخ عبدالله الخليلي ذكره الله بخير أنه كتب قصيدة ذات مرة وقرئت تلك القصيدة مرات عديدة واطلع عليها عدد من العلماء والبلغاء المعدودين ومنهم العلامة إبن جميل والعلامة أبوعبيد ولم . تستوقفهم جميعا غلطة نحوية شنيعة في مطلعها وقافيتها واستمرت قراءة القصيدة بتلك الصورة لمدة تقرب من خمسة عشر عاما حتى تنبه لها الشاعر بنفسه فبادر لإصلاحها وما أشبه هذه القصة بقصة أبي مسلم إذا افترضنا أنه لم يقصد الرفع عمدا.

ومن الأشياء التي تثير الإلتفات في شعر أبي مسلم أيضا عدم ظهور عصره في شعره ونقصد بذلك حياة العصر الحديثة والحوادث المعاصرة خارج عمان خاصة وأنه صحفي ورئيس تحرير جريدة ولابد أنه متابع للقضايا والشؤون العربية المثارة تلك الأيام ، لماذا يا ترى غابت تلك الأمور عن اهتماماته ؟ أين الحرب العالمية الأولى وأين الخلافة العثمانية التي لم يذكرها لا سلبا ولا إيجابا وحتى في رثائه لقطب الأئمة لم يشر لقضية الجزائر والاستعمار الفرنسي وقضايا مهمة كثيرة لم تظهر في شعره . هل تراه كتب فيها وضاعت تلك القصائد ، ذلك احتمال وارد سيما وقد وجدنا له قصيدة في المؤتمر الإسلامي الذي عقد في مصر عام 1910 برئاسة رياض باشا تنم عن معرفة بالحال التي كانت تشغل الشارع المصري يومئذ ، وقد وصلت هذه القصيدة إلى مصر وقوبلت بالحفاوة والتقدير ونشر الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد مقتطفات منها في جريدته . وقد اطلعنا على رسالة مخطوطة مطولة كان قد وجهها إلى الإمام سالم الخروصي تحمل أفكارا حديثة ورؤى عصرية فيما يتعلق بإدارة الدولة وتنظيمها والدعوة إلى الاعتناء بالتعليم وإلى إنشاء مطبعة في عمان وفيها يذكر أنه نشر مقالة في جريدة الأهرام تتحدث عن تلك الدولة وعن الأوضاع العمانية حينئذ مما يدل على معرفته بمصر وصلته برجال صحافتها مما أتاح له النشر في الأهرام ، وهي من أهم الصحف المصرية يومئذ ، ولعل صلاته بمصر جاءت عن طريق صديقه الأستاذ عبدالباري العجيلي الذي استقدمته زنجبار من مصر ليكون مدرسا بالمدرسة الحكومية فيها بالإضافة إلى الشيخ الشماخي الذي ذكره في رسالته إلى الإمام سالم ولعل مصر عرفته أيضا من خلال جريدته "النجاح " التي صدرت عام 1911 وكانت تصدر ثلاث مرات في اشهر.

ولأبي مسلم مقطوعات صغيرة في الغزل وهي قليلة ولا تحتل من ديوانه الضخم الذي يربو على خمسمائة صفحة أكثر من صفحتين أو ثلاث ولا ندري إن كانت له غزليات أخرى ضاعت أو مزقها في حياته كما كان يفعل أكثر الشعراء في عمان عندما تتقدم بهم السن تحت مقولة أن الغزل من لهو القول . وغزليات أبو مسلم القليلة ليس بها من قوة الشاعرية وزخمها أي شيء وهي لا تعدو أن تكون تكرارا لكلمات الغزل المعادة :

ساحر الطرف سقيم جنفه

قمري الوجه ليلي الشعر

ناحل الحصر ثقيل ردفه

مائس القد رديني الخطر

صدقوا غاب رشادي في الهوى

وعلاقات الهوى إحدى الكبر

 كلام بارد لا حياة فيه ولا روح ولا حيوية يشعر المرء انه خارج من وراء القلب ولا عاطفة فيه ومثل ذلك قوله :

 حجبت جسمها بديباجة سوداء

كانت لنورها قنديلا

مثلت لي حقيقة العين نورا

وسوادا ورقة تمثيلا

وما كان أغنى شاعرنا عن مثل هذا الكلام الميت ، ولعله أراد منه مجرد التسلية والسر بعيدا من الجد ، بيد أن له مقطوعة لا بأس بها في هذا المجال هي الوحيدة يقول من أبياتها الظريفة :

فدا نفسي لبهكنة لعوب

لهوت بها على لثم الشقيق

 أنا ولها من الشاهي كؤوسا

فقالت هكذا طعم الرحيق

تقول وملؤها لعب وضحك

أتعدل شرب شاهيكم بريقي

فقت لها منى نفسي أفيقي

بريقك ينطقي لهب الحريق

فأدنت ثغرها مني وقالت

تمتع بي إلى وقت الشروق

 فبت أمص وردة وجنتيها

وأرشف خمر مبسمها الشريق

على أن الوردة لا تمص عادة وإنما تشم وذلك يؤكد أن شاعرنا وهو يكتب أبياته لم يستحضر في خياله صورة المشهد الذي شاء تسجيله فما هي إلا أسطر كتبت ليس لها من خيال الشاعر شيء . وقد ذكر جامع ديوانه إبن أخيه الشيخ سالم البهلاني أن أبا مسلم لم يقل الغزل إلا قليلا . ولعل مما يدخل في غزلياته أو فكاهياته جوابه لسؤال ورده من الشيخ سيف بن ناصر الخروصي يقول فيه :

 مفتي العصر ما على مستهام

عض  تفاح وجنتي الحبيب

فانثنى مغضبا وقال حرام

عض تفاحنا بعين الرقيب

فأجابه .

مكنوني أعض منه كما شئت

وخلوا بيني وبين الذنوب

ما على المستهام اثم بهذا

وأرى الاثم راجعا للحبيب

هيمان العشاق نوع جنون

ومناط التكلف عند القلوب

ولشاعرنا مقطوعات إخوانية قصيرة كذلك منها تهنئة بميلاد إبن لصديقه الأستاذ المصري الذي ذكرناه ، أنفا :

بورك النجل واستمر الهناء

لك واستجمعت لك السراء

بورك النجل يوم جاء

وللألباب بشر وللعيون بهاء

ومقطوعة أخري يشكر فيها صديقا هنأه بمناسبة إبلا له من مرض ألم به وقد تجلى فيها حبه لصديقه ذاك :

يا من حباني هناء بالشفاء لقد

   صار الهناء شفاء وانجلى السقم

وله مقطوعات جميلة في الشاي الذي كان من المشروبات الجديدة الوافدة اليهم فمن ثم كان الاحتفاء به :

إذا رمت أنسا للنفوس ولذة

فللشاي في الوصفين مرتبة الفضل

كماء عقيق ينفح الجسم روحه

ينادي مذاق النحل قصرت عن مثلي

وقرأ بيتا يقول :

إذا حرم الله المدام فإنه

أتى ذلك التحريم من حكمة الله

فعلق عليه قائلا:

وقام شراب الشاهي عنها خليفة

على عالم الأرواح كالأمر الناهي

أرى كل ما تحوي مجالس أنسنا

جنودا لدفع الهم سلطانها الشاهي

وفي مقطوعة أخرى:

تدار علينا كؤوس الشراب

من الشاي لا من عتيق المدام

 فمن أبيض كذؤاب اللجين

ومن أحمر كلهيب الضرام

وفي مقطوعة ثانية :

قد أكثر الناس في الشاهي مدائحهم

ولست أذكر فيه فوق ما أجد

 طعم ولون وتفريج وطيب شذى

ونشوة حي عفها الروح والجسد

ومع الشاهي وطعما اللذيذ تنتهي جولتنا مع أبي مسلم البهلاني ذلك الشاعر العظيم المتعدد الجوانب والأغراض الذي إذا نثر أيضا كان شاعرا لا يقل عنه في شعره . والكلمة الأخيرة التي نختتم بها هي أن شاعرية هذا الشاعر وعبقريته تتجلى أعظم التجلي في استنهاضياته وحماسياته وفي إلهياته ومدائحه النبوية ذاك هو شعره وهناك ميدانه وعلي هذه المجالات ينبني أن يكون تركيز الدارسين والباحثين والمتذوقين والمستمتعين .
 
أحمد الفلاحي(كاتب من سلطنة عمان )

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …