أخبار عاجلة

أحمد المعيني: أن تكون مترجمًا يعني بالضرورة أن تكون كاتبًا

أحمد المعيني مترجمٌ شاب، دأب على ضخِ أفكارٍ جديدة منذ أن كان على مقاعد الدراسة الجامعية، أفكارٌ ذات بعد تجديدي وتطوعي في آن – غالبا ما يكون المثقف في انتظارها من المؤسسة الرسمية- من قبيل ملحق “الجسر” للترجمة، ومدونة “أكثر من حياة” ومن ثم المجلة التي حملت ذات الاسم، ومشروع مُهم أطلق عليه “عُمان تقرأ”، وليس آخرا مشروع مكتبة “روازن”. أفكارٌ جريئة –بغض النظر عن استمرارها أو انطفائها- تصدر عن فرد يُحاول تحويل أحلام المثقف والقارئ إلى حقيقة. كل هذا إلى جوار مشروعه الحقيقي في مجال الترجمة والتي قدّم عبرها كُتبا مهمة للقارئ العربي منها: براهمة العالم ومنبوذوه” للمفكر علي الأمين المزروعي، “الفرس: إيران في العصور القديمة والوسطى والحديثة” لهوما كاتوزيان، “ملوك النفط” لأندرو سكوت كوبر، “علي شريعتي: سيرة سياسية” لـعلي رهنما.. ومشاريع أخرى بعضها لم ير النور بعد.
ولعلنا نتساءل عبر هذا الحوار، عن الأسباب التي تدفع المعيني لترجمة أعمالٍ لا تنساق وراء المزاج العام للقراء الذي يتحلقُ حوله المترجمون غالبا، فهو يختار طريقا وعرا، رغم ما قد يؤدي إليه ذلك من خسارة المبيعات ذات الأرقام الفلكية.كما تساءلنا عن مساحة الحرية المتاحة، والخشية التي تربيها المؤسسات والدول من المثقف، وحول آلية تصدير الخوف التي انتقلت عدواها من الجهة الرسمية إلى المثقف. عن المبادرات الثقافية التي خرجتْ من رأسه كفرد، وأسباب انطفاء بعضها بأسرع مما هو متوقع!
وسألنا المعيني: كيف ينضجُ مشروعه الذي يبدو مُتطلبا وأنانيا في كثير من أحواله، وعن زوجته وشريكته في أغلب مشاريعه الثقافية زوان السبتي، و”اللاتنافسية” بينهما، أين تتجلى ، وكيف تسمحُ للعمل الدؤوب بأن لا يتراخى.
uv المُتتبع لترجماتك، يجد أنّك تذهب إلى شخصيات إشكالية، أو مواضيع ذات بعد جدلي غالبا، من مثل “براهمة العالم ومنبوذوه” للمفكر علي الأمين المزروعي، “الفرس: إيران في العصور القديمة والوسطى والحديثة” لهوما كاتوزيان، “ملوك النفط” لأندرو سكوت كوبر، “علي شريعتي: سيرة سياسية” لـعلي رهنما. فأي دافع يُحركُ هذا النوع من الخيارات إذا افترضنا جدلا أنّ المُترجم في بداية طريقه ينتقي ويختار؟
– الأمرُ لا علاقة له بالبعد الجَدَلي أو الشخصيات الإشكالية بقدر ما هي رغبة في سدّ فجوات معرفية لدينا قدر الإمكان. فمثلًا، علي الأمين المزروعي مفكّر رصين وازن على المستوى العالمي، لكنه لم يجد ما يستحقه من اهتمام من المترجمين أو الباحثين العرب، لذلك رغبتُ في أن أقدّم بعضًا من إنتاجه للقارئ العربي. أما كتاب “الفرس” فقد عُرضت عليّ ترجمته مع كتب أخرى واخترته هو تحديدًا لأنّ المكتبة العربية تفتقر إلى كتاب شامل عن التاريخ الإيراني يعيننا في فهم إيران وثقافتها. وكتاب “علي شريعتي” حين قرأته وجدتُه كاشفًا لجوانب عديدة لم نكن نعرفها سابقًا عن شخصية مؤثرة ومثيرة للجدل. وأما كتاب “ملوك النفط” فهو كتاب مهم في التاريخ السياسي يستند على وثائق جديدة أُفرج عنها، ولذلك رحّبتُ بعرض دار النشر لأنني وجدتُ الكتاب يستحق الترجمة. وحتى الكتب التي أعمل على ترجمتها حاليًا رغم أنها روايات إلا أنها لا تصبّ في المسار العام الذي يُكثر المترجمون العمل فيه.
وفيما يتعلق بالشقّ الأخير من سؤالك، ففي الحقيقة المترجم لا يُجبر على شيء. نعم قد تكون الخيارات لديه أضيق في بداية مشواره، ولكنه في النهاية هو من يقبل ترجمةً أو يرفضها.
uv هل يُغامرُ المترجم تجاه كتبٍ يُحبها كما يؤكد صالح علماني دائما، أو صوب كتبٍ تفرضها دور النشر، أو ما ينتظره الجمهور منه؟
– كلّ هذا وارد في مشوار المترجم؛ فهو قد يقبل عملًا معينًا لا يهمّه على الإطلاق بهدف الحصول على عائد مادي (وهذا ليس عيبًا طبعًا). وقد يسعى المترجم إلى إقناع دار النشر بترجمة كتابٍ يحبّه رغم أنه ليس من النوع الذي قد يجد رواجًا بين القراء. وهناك أيضًا من يقيس اهتمامات القراء فيبحث عن كتبٍ معينة يترجمها لأنه يعرف تعطّش القراء لها.
uv هل تجد نفسك في هذه النوعية من الكتب ذات البعد التخصصي أكثر مما تجد نفسك في الكتب الأدبية من قصص وشعر وروايات ؟ على الرغم من أننا نفترض جدلا أنّ جمهور الأدب أكثر وفرة من جمهور الكتب المتخصصة؟
– قد يغيب عن البعض أنني خرّيج قسم اللغة الإنجليزية وآدابها، وأنني بدأتُ حياتي الترجمية مترجمًا للقصص والقصائد والمسرحيات. مع ذلك أصدقكِ القول إنني أصبحتُ أجد نفسي أكثر في ترجمة الدراسات. ما زلتُ أواظب على قراءة الأدب العربي والأجنبي بحكم الشغف والتخصص، لكنني أجد في ترجمة الدراسات متعةً لا نظير لها؛ ذلك أنني مع كل مشروع ترجمة أشعر كما لو أنني أحضّر رسالة ماجستير، فأبحث عن المراجع وأقرأ وأدوّن الملاحظات وأسأل وأقابل الخبراء في مجال الكتاب. ولهذا ضريبة طبعًا، وهي أنّ مترجم الدراسات غالبًا لا يلقى معشار الشهرة التي يحظى بها مترجم الأدب.
uv هل التمكن من زمام اللغة يُخول المترجم لأن يُترجم كل شيء، أم أنّ هنالك إمكانيات أخرى أساسية لمسألة اللغة، تحسمُ مسألة المنطقة التي قد يبرعُ فيها مترجم عن آخر؟
– ثمة مجال بحثي كامل في “دراسات الترجمة” يتناول موضوع الكفايات الترجمية، وهو موضوع شائك غير محسوم، ووفقًا لأحد الباحثين فإنّ منظّري الترجمة يضيفون مهارات وكفايات جديدة بين فترة وأخرى. ولكن لا يختلف اثنان على أنّ اللغة أداة أساسية من أدوات المترجم، كالكاتب تمامًا؛ فلا يُعقل أن ينبري للكتابة من لا يُحسن اللغة. غير أنّ الكفاية اللغوية لا تغني عن مهارات أخرى ضرورية، كالمعرفة بالموضوع أو مهارات الوصول إليها على الأقل. في رأيي الشخصي أجد أنّ المهارة الأساسية التي لا بدّ أن يمتلكها المترجم هي القدرة على الكتابة. أن تكون مترجمًا يعني بالضرورة أن تقتنع بكونك كاتبًا يكتب نصًا لقارئ. فمتى ما استحضر المترجم هذه الصورة سوف يرتفع أداؤه الترجميّ، حسب زعمي طبعًا.
uv ما الذي يجعل نصا مُترجما فاتنا وعذبا ويضجُ بحمولاتٍ المعنى، وذات النص يخرجُ من يد مترجمٍ آخر فاترا جامدا ومجردا.. إنّه ذات النص والمترجمان يملكان ذات اللغة؟
– هذا بالضبط ما أشيرُ إليه؛ فالأمر يعتمد في رأيي على مدى استحضار المترجم لفكرة أنه “يكتب”. التصوّر الذهني المفاهيمي للعمليات التي نقوم بها يؤثّر في كيفية إنجازنا. لتوضيح الفكرة، تخيّلي أنّ مترجمًا يتصوّر نفسه “ناقلًا” أو “ناسخًا” للنص الأصلي، وتخيّلي مترجمًا آخر يتصوّر نفسه “كاتبًا” و”مبدعًا” ثانيًا يبني على إبداعٍ سابق. لا شكّ عندي في أنّ التصوّرَين يؤثران في الآلية التي يعمل بها المترجمان حتى وإن تساوت الكفاية اللغوية بينهما.
uv هل تقع خيانة النص ها هنا، عندما يقدحُ المترجمُ شرارة النص من روحه ووهجه وحمولاته الذاتية؟ وإلى أي حد يمكن أن يكون ذلك مقبولا؟
– الخيانة هنا تعبير هُلامي لا معنى دقيقًا واضحًا له. المترجم يُعيد كتابة النص بلغةٍ مختلفة، لقارئ مختلف، في ثقافة مختلفة، فبطبيعة الحال لا يمكن أن يتشبّث المترجم بالمفردات والتراكيب والتعابير التي اختارها الكاتب الأصلي لقارئ آخر وثقافة أخرى. إنْ شئتِ يمكنني تشبيه الأمر بالقول إنّ الترجمة هي “الكتاب الأصلي برواية المترجم الفلاني”، على غرار “الإنجيل برواية فلان” مثلًا. فنحنُ إنما نقرأ “مئة عام من العزلة” برواية صالح علماني مثلًا، ونستطيع أن نقرأها برواية محمد علي اليوسفي أيضًا. ترجمة صالح علماني لا بدّ أنها متأثرة بمخزونه اللغوي وثقافته وتأويله، وكذلك ترجمة اليوسفي، فنحن إذًا نقرأ النصّ الأصلي بروايتين مختلفتين متأثرتين بجوانب ذاتية في المترجم. وهكذا لا يعود هناك مجال للحديث عن خيانة، وإنما عن دقّة في التعبير وإيصال الصورة أو الفكرة ورواية الحدث.
uv المُتابع لنوعية الكتب التي تترجمها يستشعر أنّها ليست بالكتب السهلة، كونها تشترطُ الالمام بالبعد التاريخي والسياسي والثقافة العامّة، ولذلك نرى أنّك تعمد إلى الكثير من الهوامش التوضيحية؟
– هنا تكمن المعاناة والمتعة في وقتٍ واحد. هذا النوع من الترجمات يتطلب يقظةً من المترجم وبحثًا واطلاعًا، ولا أبالغ إن قلتُ إنّ الوقت الذي أقضيه في القراءة حول الموضوع لا يقلّ كثيرًا عن وقت الترجمة. فيما يتعلق بالهوامش، لا بدّ أن نتذكر أنّ الكتب الأجنبية كُتبت لقارئ آخر في ثقافة أخرى، وقد يكون ذلك القارئ ملمًا بإحالات ثقافية وتاريخية ليست حاضرة في ذهن القارئ العربي بالضرورة. لذلك أشعر بأنه من واجبي لإيصال فكرة الكتاب أن أضيف بعض الهوامش. وهذا في نهاية المطاف يعود إلى حُكم المترجم (والناشر أحيانًا)؛ فقد أغفل عن أشياء تحتاج إلى هوامش، وقد أضيف هوامش لا ضرورة حقيقية لها.
uv الترجمة في عُمان –كما يبدو – في المستوى التعليمي، تحثُ الخطى قدما، وهنالك أسماء عُمانية تطالعنا بأعمال جديدة بين الفينة والأخرى، ولكن المُلاحظ أيضا حالة الانطفاء التي تمر بها بعض الأسماء، بصورة أدق، لم يظهر بعد مترجمون يقدمون الترجمة كمشروع حياة، كمشروع مستمر ودؤوب. برأيك ما الذي يُعطل ذلك؟
– أعتقد أنها مشكلة عامة؛ فأين “مشروع الحياة الدؤوب والمستمر” لدى المبدعين الآخرين غير المترجمين؟ أتفق معك في أنّ المشكلة تبدو أوضح مع المترجمين لأننا نتصوّر أنّ مخرجات أقسام الترجمة سوف تنتج مترجمين يترجمون الكتب بالضرورة، وهذا غير صحيح. أقسام الترجمة في الجامعات كغيرها من الأقسام الأكاديمية، يدخلها الطالب الشغوف والطالب المضطر والطالب الذي لا يعرف ماذا يريد أصلًا سوى الحصول على شهادة جامعية. وهذه الأقسام في الغالب لا تهتم كثيرًا بمسألة الدور “الثقافي” للمترجم بعد تخرّجه. من يقوم بذلك فعلًا الجماعات الطلابية، التي تكون أحيانًا محظوظة بوجود مشرف أكاديمي يهتمّ بهذا الجانب.
uv ترى هل الترجمة “لا توكل عيش” كما يقال؟ أو أنّ المسألة لا تعدو أن تكون كسلا وتخاذلا، فما أن يجد المترجم وظيفة تغنيه عن هموم الترجمة يذهب إليها، أو هو عدم التفرغ لإتمام مشاريع الترجمة هو السبب؟
– الترجمة “الثقافية” إن صحّ التعبير بالفعل لا تجلب عائدًا ماديًا مغريًا، ومن يترجم للنشر يفعل ذلك بدافع الشغف. التفرّغ قد يساعد المترجم في كثرة الإنتاج بالطبع، لكنّ غياب التفرغ ليس عائقًا أبدًا أمام من يريد أن ينجز.
uv ذكرت في أحد حواراتك جملة مُهمة جدا: “يمكن لعُمان أن تضع بصمتها على خارطة المعرفة العربية، إنْ وُجِدَ الدعم اللازم والإدارة المتمكنة، وبالتخفّف قليلا من التركيز على الكتب التي تخصّ عُمان فقط”. هل تجد المترجم العُماني غارقًا في ترجمة ما يخص عُمان كأولوية؟
– الترجمة في عُمان تكاد تكون منغلقة تمامًا على الشأن العُماني (باستثناء الترجمات الأدبية)، فإلى عام 2013م لم تظهر ترجمات تهمّ غير العمانيين سوى ثلاثة كتب فقط: “ملاحظات في السينماتوغرفيا” لعبدالله حبيب، و”إعلام جديد سياسة جديدة” لعبدالله الكندي، و”السلطة وتعاقب الحكم في الممالك العربية” لمحمد الحارثي. لكنّ الوضع بدأ يتحسّن مؤخرًا بظهور مبادرات فردية مختلفة مثل كتاب “أشكال لا نهائية غاية في الجمال” لعبدالله المعمري وحمد الغيثي، وكتاب “ماذا يعني هذا كله” لحسين العبري.
قد يكون هذا في بعض مستوياته استجابةً لا واعية لضغط المجتمع وتطلّعاته. أذكر أنّ واحدًا من المثقّفين الروّاد في عُمان عاتبني على ترجمة كتابَي “الفرس” و”علي شريعتي”، وحثّني على الالتفات إلى الكتب الأجنبية التي تناولت عُمان!
uv ألا يحصل هذا من مبدأ: إن لم يهتم المُترجم العُماني بما يخصه فمن عساه يفعل؟
– المترجمُ العُماني هو في المقام الأول مبدع إنسانيّ، وما يخصّه يخصّ الإنسانية كلّها وليس فقط ما يتعلق ببلده. لو أنّ المترجمين العرب الآخرين حذوا حذونا لظللنا متخلّفين وجاهلين أكثر مما نحن فيه بكثير. تخيّلي مثلًا لو أنّ سامي الدروبي وصالح علماني وجورج طرابيشي مثلًا اكتفوا بترجمة الكتب التي تخصّ سوريا!
uv لكي يطفو مشهد الترجمة العُماني على السطح، هل بالضرورة تحولها من مشروع فردي إلى مشروع مؤسساتي؟ في وقتٍ رأينا فيه أسماء عربية حققت فرصها باشتغال فردي في بداياتها من مثل: صالح علماني، بسّام حجار، ماري طوق وغيرهم..
– لا ليس بالضرورة. المشروع المؤسسي يجمع الطاقات ويوجّهها ويخلق لها البيئة الحاضنة، وهذا أمر محمود ومطلوب لتنفيذ مشروع كبير. لكنّني في الحقيقة أعوّل أكثر على المشاريع الفردية، ذلك أنّ خيارات الأفراد وتوجّهاتهم متنوّعة وحرّة، بعكس المشروع المؤسسي الذي “قد” يهيمن عليه توجّه واحد.
uv ارتبط اسم أحمد المعيني بكونه المثقف الذي يضخُ أفكارا جديدة ذات بعد تجديدي وتطوعي في آن – غالبا ما يكون المثقف في انتظارها من المؤسسة- من قبيل ملحق “الجسر” للترجمة، ومدونة “أكثر من حياة” ومن ثم المجلة التي حملت ذات الاسم، ومشروع مُهم من قبيل “عُمان تقرأ”، وليس آخرا مشروع مكتبة “روازن”. أفكار جريئة تصدر عن فرد يُحاول تحويل أحلام المثقف والقارئ إلى حقيقة. الغريب أنّ هذه الأفكار لم تخفق ولم تُرفض إلا أنّ أغلبها لم يستمر أيضا؟ هل هو الحماس الذي يتملكك في أول الطريق ومن ثم ما يلبث أن يخفت؟ أم أنّ الضريبة الخفية التي يدفعها أصحاب المبادرات الفردية هي السبب؟
– مفهومي للمبادرة قد يختلف عن تعريفها لدى آخرين؛ فالمبادرة ليست مشروعًا مستمرًا بالضرورة. المبادرات التطوعية عادة ما تنشأ من حاجة وقتية وظرف يستدعي وجودها، لكنها ليست مؤسسة منذورة للبقاء. ذكرتُ ذات حوار أنّ بعض مبادراتي خرجت بدافع الهروب من المشاغل الدراسية، لكنّها أيضًا كانت بدافع ضرب المثل والتمهيد لأفكار أخرى. ما يهمّني في المبادرة هو أن أقول “هذا شيء ممكن”، لتخرج مبادرات أخرى شبيهة. ومتى ما انتفت الحاجة إلى المبادرة لا أجد غضاضة في أن أتوقف. في بعض الأحيان يكون هدف المبادرة هو رفع الوعي بقضية معينة، مثل “مدوّنة انتحالات”، والتي منذ البداية لم يُقصد لها أن تكون مشروعًا مستمرًا. حين شعرتُ أنني فعلتُ ما عليّ وأصبح جزء لا بأس به من المجتمع (الافتراضي على الأقل) يفهم هذه الظاهرة ويبني موقفًا منها، توقف ملحق “الجسر” ومجلة “أكثر من حياة” توقفا فترةً بسبب انقطاع الدعم، وحين وجدنا أنّ لا أحد يسأل عنهما أصلًا بعد الانقطاع، قررنا التوقف.
uv هنالك من يخشى أن ينتهي حال مكتبة “روازن” كما انتهت مشاريع أخرى؟
– لا بدّ من أن نفرّق بين الأمرين؛ فمكتبة روازن مشروع ومؤسسة، وليست مبادرة. ثمة مشروع آخر بدأتُه وأنا على مقاعد الدراسة قبل ستة عشر عامًا، وما يزال باقيًا إلى اليوم، وهو “مجموعة الترجمة” بجامعة السلطان قابوس. قد تكون هناك توقّعات من الآخرين حول بعض المبادرات وضرورة استمراريتها، لكنّ هذا لا يُلزم صاحب المبادرة. أما المشاريع فأمرها مختلف، لأنّ من يُقدم عليها يكون حريصًا منذ البدء على استمراريتها لفترة طويلة.
uv قالت كاتبة عربية ذات يوم بما يشبه الاستغراب: “في الوقت الذي يُغلق العالم فيه المكتبات الورقية لتحل المكتبات الإلكترونية محلها، تفتحُ المكتبات في عُمان”؟ ما رأيك؟
– أزعم أنني متابع لحركة المكتبات والنشر، ولا أرى هذا الكلام دقيقًا أبدًا. ليس صحيحًا أنّ المكتبات الورقية تُغلق، وليس صحيحًا أنّ المكتبات الإلكترونية تحلّ محلها. يحدث أن تمرّ بعض المكتبات (الواقعية والإلكترونية على حدٍ سواء) بنكسات اقتصادية، فتغلق، شأنها شأن أي مشروع تجاري. ما من شكّ في أنّ المكتبات الإلكترونية تشكّل منافسة للمكتبات الواقعية، وذلك لقلّة تكاليف التشغيل فيها مقارنة بالمكتبة الواقعية، إلا أنّ التجربتين مختلفتان تمامًا وما يزال قراء كثيرون يفضّلون المكتبات الواقعية ويرتبطون بها. حتى في الغرب مع وجود مكتبات إلكترونية كبرى مثل “أمازون” إلا أنّ المكتبات الواقعية الكبيرة مثل “بارنز أند نوبل” أو “ووتر ستونز” ما تزال تضجّ بالزوار يوميًا.
uv لنتحدث بصدق حول تصوراتك الذهنية الأولى حول مكتبة من هذا النوع في عُمان بعد حرمان طويل، وواقع التجربة الحقيقية بعد أن خضتها؟

– لفترةٍ طويلة جدًا ظللنا في عُمان محرومين من مكتبة شرائية حقيقية وليست قرطاسية، ورغم وجود بعض المكتبات سابقًا إلا أنها لم تستمر للأسف. وهذا ما شجّعني على تحقيق حلمٍ طالما راودني بأن تكون لدي مكتبة. أصدقكِ القول إنني كنتُ متخوفًا بعض الشيء وربما أكثر من شركائي، غير أنّ التفاعل والإقبال الذي وجدناه فاق توقعاتنا. المكتبة بعد أيام ستكمل سنتها الأولى، وأعتقد أنها حققت نجاحًا جيدًا.
uv لنتحدث أكثر حول ما يتعلق باختيارات المكتبة.. بين كتبٍ تمثلُ في جوها العام ذائقة فريق العمل، وكتبٍ أخرى تذهب للقارئ العام أو تلك التي يمكن أن توصف بالساذجة والتافهة، والتي قد يُفاجئُ البعض اختيارها من قبل فريق عمل نحسبه مثقفا؟ فما هي معاييركم في الاختيار؟
– بطبيعة الحال لا يمكن لأية مكتبة أن تُرضي جميع الأذواق، لكنّ المكتبات تستطيع أن تقرّر مدى التنوّع الذي تنشده، ونموذج العمل الذي تريد تطبيقه. ثمة مكتبات قليلة جدًا تتخصص في مجالات معيّنة، وأخرى نخبوية ترى أنها ملزمة بانتقاء الكتب وفقًا لما تراه هي كتبًا قيّمة. مكتبة روازن منذ البداية قرّرت أن لا تكون لفئة دون غيرها، وأن لا تفرض إدارة المكتبة وصايتها على القارئ. دور المكتبة توفير التنوّع وتقديم الاقتراحات والترشيحات، وبعد ذلك الأمر للقارئ. بعض المثقّفين يعتبون علينا أننا نحضر كتبًا يعدّونها “تافهة”، وأنّ هذا لا يليق بمكتبة يديرها مثقّفون. وأنا أختلف مع هذا الأمر تمامًا، فلا يوجد معيار واضح محدّد للكتب “التافهة”، كما أننا في شبابنا قرأنا كتبًا كثيرة قد يعتبرها آخرون “سطحية” و”ساذجة” ثم تطوّرت معارفنا وتغيّرت ذائقتنا وارتقت معاييرنا في الحكم والنقد. أقصى ما يمكن أن نطمح إليه في روازن هو أن نساعد القارئ على معرفة خيارات جديدة كي لا يبقى حبيسًا لنوعٍ معيّن من الكتب.
uv طالعتنا “روازن” باشتغالٍ موازٍ للمكتبة، عبر فعاليات أعطتْ المكتبة دورا أبعد من الدور التجاري في مسألة الشراء والبيع.. إلى أي حد تلقى هذه الفعاليات حضورا ومتابعة؟ من جهة أخرى قد يعتبُ البعض لأنه لا يوجد جدولٌ ثابتٌ ومستمر؟
– فيما يتعلق بالفعاليات، فأتفق معكِ أنها حتى الآن غير ملتزمة بجدول ثابت، ونسعى حاليًا إلى وضع خطة فعاليات واضحة، لا سيما أنّ الفعاليات التي أقمناها وجدت قبولًا ممتازًا.
uv في فترة ما أيضا ارتبط اسم أحمد المعيني بالاشتغال على تقديم مراجعات صحفية لروايات البوكر في قوائمها الطويلة والقصيرة، وكانت تجربة لافتة سلّطت الضوء على اسم المعيني، وكشفت عن موهبة نقدية، وهي الأخرى لم تستمر؟
– التجربة استمرّت للفترة المحددة لها، فقد كان بيني وبين ملحق “شرفات” آنذاك اتفاق استكتاب لكتابة مراجعات على مدى أربعة أشهر تقريبًا. كانت تجربة مرهقة، تستدعي أن أقرأ عدة كتب أحيانًا في الأسبوع الواحد لكي أختار كتابًا أكتب عنه، لكنها كانت تجربة جميلة أرجو أن تتكرر مستقبلًا.
uv كتبتَ مُعاتبا في السوشل ميديا، أولئك الذين يوقفون أو يعطلون مشاريع الكتابة أو الترجمة بسبب الخوف من منع كتبهم لاحقا؟
– لا، أبدًا. البعض لم يفهم هذا المنشور للأسف؛ فالعتب الذي كنتُ أوجهه ليس للكاتب أو المترجم، وإنما للسلطة بشتى أنواعها (السياسية والاجتماعية والدينية). الذي كنتُ أقوله هو أنّ هذه السلطات زرعت في المبدع خوفًا ورقابةً ذاتية مفرطة تشلّ عملية الإبداع أو تشوهّها على أقل تقدير. الإبداعُ قد يتعايش أو حتى يتوهّج مع الفقر أو الإعاقة أو المرض، لكنه مع الخوف يختنق. العقل الخائف يعجز عن الإبداع لأنه يخاف أن يطرق أي باب جديد غير معتاد.
uv هل حصل لك شيء من هذا القبيل، أعني المنع؟ كتاب “ملوك النفط” على سبيل المثال؟
– كتاب “ملوك النفط” مُنع في معارض السعودية والبحرين، وكتاب “الفرس” مُنع في معرض البحرين، وكتاب “علي شريعتي” منع في معرض الكويت.
uv ما رأيك في استمرار سلطة الرقيب في زمن نحصل فيه على كل شيء بضغطة زر؟
– أعتقد أنّ السلطات الرسمية في بلادنا العربية بحاجة إلى إعادة النظر في مسألة منع الكتب، لأنها في جوهرها علامة على الضعف، لا القوة. فحين تكون الدولة واثقة من التأسيس الفكري المتين لدى شعبها لا تخشى من الأفكار الأخرى. وكلما أغلقنا عقولنا على أفكار ومسلّمات محددة، كلما ازدادت هشاشتها لأنها لم تُختبر ضد أفكار مناقضة لها، ولم تتولد لديها مناعة حقيقية ناتجة من فعل الجدل والمساءلة. من جهةٍ أخرى لا أجد الأمر منطقيًا أن تمنع دولة كتابًا معينًا في حين أنّ لديها كلّ المؤسسات التعليمية والإعلامية (والدينية أيضًا) الجاهزة بإشارة واحدة للتصدي لذلك الكتاب! من أسوأ المنعطفات التي تمرّ بها حضارةٌ ما هو أن تُمنع الأفكار، أيًا ما كانت تلك الأفكار.
uv هنالك من يرى أنّ أحمد المعيني من أكثر الأشخاص الذين يجيدون التعامل مع السوشل ميديا بحرفية عالية، فهو يستطيع قول رأيه بشجاعة في مسائل كثيرة تتماس مع التابوهات المُغلقة، دون أن يقوده ذلك إلى مصير لا تحمد عقباه. كيف ترى مساحة التعبير المتاحة في ظل منصات الرأي المتوفرة؟ برأيك هل المسألة حقا لا تتعلق بمساحة الحرية بقدر ما تتعلق بإدارتنا لهذه المساحة؟
– لا أدري إن كنتُ حقًا كما تقولين، لكنني أحاول قدر استطاعتي أن أكتب دون انفعال، قد أنجح وقد أخفق. لا شكّ أنّ الإنترنت بشكلٍ عام أتاحت منصات متعددة للتعبير عن الرأي، لكنّ “مساحة الحرية” غير واضحة أبدًا. فنحن لا نعرف ما هي ومن يحددها ولا كيف يحددها. ثمة مواد في القانون فضفاضة لأبعد الحدود، ولا يستطيع أي كاتب أن يأمن على نفسه من تأويلات قد تُستخدم ضدّه بالقانون. كلنا نجتهد في التعبير عن آرائنا، لكننا نتفاوت في قدراتنا على ضبط انفعالاتنا أو اختيار مفرداتنا، وهذا طبيعي جدًا. غير أنّ هذا ليس مبررًا أبدًا للحكم على إنسان بالسجن لمجرد أنه كتب شيئًا. سجنُ الإنسان بسبب كلامه أشبه عندي بمعاملة الأطفال؛ فأنتِ حين تسمعين ابنك الصغير ينطق بشتيمة أو يرفع صوته، قد تحبسينه في غرفته لبعض الوقت حتى لا يعود إلى ذلك (ولا أقول إنّ هذا تصرف تربوي صحيح بالمناسبة)، لكنكِ لا تتصرفين هكذا مع شخص بالغ عاقل. نحن نتحدث عن مواطنين ودولة، لا عن أبوين وأطفال.
uv أنت وزوان السبتي تُشكلان ثنائيا استثنائيا مُلهما، حيث تتقاسمان مسؤولية العائلة والاشتغال الثقافي، ولأننا نقدر أنانية المُترجم في علاقته بمسألة الوقت والزمن نتساءل: كيف يمكن للصداقة بين الزوجين أن تكون قادرة على رفع سقف التفهم بينهما؟
– ليس عندي أدنى شكّ في أنني محظوظ جدًا بوجود زوان في حياتي؛ فهي الصديقة أولًا وآخرًا قبل الحبيبة والزوجة، وهذا بالتحديد ما يضمن الانسجام بيننا. الصداقة هنا هي الضمانة الحقيقية للتفاهم، ذلك أنّ الصديق يفهم ويتفهّم ويغفر ويضحّي بدافع من الصداقة أولًا قبل الحب. الحبيب قد يهجرك لو انطفأت شعلة الحب بينكما، أما الصديق الحقيقي فهو ذراعك دائمًا.
* أنت رجل لديك عائلة، وأكاديمي، وصاحب مكتبة إدارتها ليست بالأمر الهين، وأكثر من هذا تحاول أن تصنع لك اسما في عالم الترجمة، كيف تحقق كل هذه التوازنات في حياتك؟
– سأكون كاذبًا لو ادعيتُ أنني أحقق هذه التوازنات. هناك أشياء تطغى على حق أشياء أخرى في حياتي، وما زلتُ أحاول أن أجد صيغة ملائمة لتحقيق القدر الأدنى من التوازن، ولولا أنّ زوجتي صديقتي كما ذكرتُ لما استطعتُ أن أنجز شيئًا يُذكر. ثمة تضحيات لا بدّ منها، فأنا في الغالب منعزل عن الناس ومقلّ جدًا في الزيارات والمناسبات الاجتماعية بل حتى الفعاليات الثقافية. وهذا ما يمنحني بعض الوقت للعمل.


حاورته: هدى حمد

شاهد أيضاً

طالب عبد العزيز: لا أجدني حراً ، ما زلت أتحسس فوهة المسدس خلف أذني

يكتسب الحديث في الشعر والحياة والمكان مع الشاعر طالب عبد العزيز مكانة مختلفة بالنسبة لي …