أخبار عاجلة

أذكر أنني كنت شاعرا

لابد أن الأمر متعلق ببيروت. هذه

الفريدة – اللغز – المعشوقة – والتي

عرفتها في المرحلة التي أصبحت فيها

مدينة الحدود القصوى في الموت

والحياة..

لم أعرف بيروت الستينات إلا قليلا

حيث ذهبت في زيارة عابرة – ورغم

أن البراكين أخذت تتفجر فيها اعتبارا

من منتصف السبعينات الا انني انتمي

الى بيروت الثمانينات -أواخر

السبعينات – 77 وحتى 85. وهي

المرحلة التي تعانق فيها الموت

والحياة على نحو عضوي في المدينة –

ولعل هذه الحالة الفريدة هي التي

أصابتني بما أسميه "الحمى الشعرية"

التي امتدت على مدار سبع أو ثماني

سنوات..

والغريب أن هذه الحمى الشعرية
   

أخذت بالاختفاء تدريجيا كلما

ابتعدت عن بيروت.. وبعد ابتعادي

نهائيا عنها توقفت هذه الحمى كليا

ولم أكتب قصيدة واحدة بعد ذلك..

وأكثرهن ذلك فإن شهيتي للابداع

عموما قد تضاءلت الى حد الزهد..

لدي ما أقوله ولكن لا شهية لدي ولا

دافع كعاشق فقد حبيبته ولم يعد

راغبا في قول أي شيء…

في تلك الفترة من الحمى اعتبرني

البعض شاعرا ذا صوت خاص كأنني

أتحدث عن ذكرى بعيدة! ثم خفت كل

شيء ولا أعرف اذا كان أحد ما لايزال

يذكرانني كنت شاعرا.. وعلى كل حال

فليس هذا بالأمر المهم بالنسبة لي –

فشاعر يزيد أو ينقص لن يهز شعرة
   

واحدة في رأس العولمة الآن.

مع ذلك، لدي حنين الى ذلك الشاعر الذي

كنته – وأرجو الا أقع في فخ الاعجاب

الزائد بالنفس أو فخ الميلودراما عندما

اعترف بأن دموعي تسيل أحيانا عندما

استعيد بعض

تلك القصائد.

وللذين لم يعرفوني شاعرا في فترة خاصة،

أقدم بعض تلك القصائد بتواضع شديد-

وليعذرني

الأصدقاء اذا ما تجاوزت الحدود –

فهدفي هو أن أحاول اشراكهم في أجواء

تلك المرحلة العاصفة.
1- الرأس

بيضة خداج

(بيضة بلا قشرة)

هش كالوضع الراهن

هكذا يكون رأسي أحيانا.

***

بعد أيام

يصبح كرة من الحديد

أو تاجا ثقيلا من الرصاص

رغم أنني أعلفه بالفاليوم والبنادول

ودخان السجائر

وما أشبه ذلك..

***

أحيانا يتحول الى فانوس

يحدق فيه السابلة حتى في وضح النهار

وأحيانا.. (وهذا يحدث في الليل)

أسير هكذا بلا رأس

غير أنه لا أحد يلاحظ ذلك

يزعجني أحيانا عندما يطول شعره

– أقصد شعري –

عندها، أتمنى لو استطيع فكه وأرسله

الى الحلاق مع ابن البواب.

***

الحمام يناضل ليستوطنه

وكذلك الديناميت

ولكنه ليس برج حمام

ولا مستودعا للذخيرة

انه رأس لاستراحة الأعاصير

لتلعب في أبهائه وتسترخي على شرفاته

***

صالح لكل شيء

إلا للبيع

رأس برسم القتلة

***

وداعا أيها الرأس الجميل

وداعا أيها الرأس الأحمق

 

مجموعة "لا تشبه هذا النهر"

بيروت 1981
2- حصالة الألم

ما هذه الحياة؟

تبدأ شاعرا وتنتهي ثرثارا

تبدأ عاشقا وتنتهي، شجرة يابسة

تعال نستمع الى المغني الزنجي

لعله يهبنا بعض الأسى في هذا الصباح الكئيب.

***

هل تطاردنا الشرطة لأننا لم نفعل شيئا

هل يبغضنا الاله القدير لأننا أبرياء

وأكثر تهذيبا من الكلاب المنزلية

ندخر صرخاتنا في حمالة الألم.

***

انها لظهيرة لا معنى هذا – قليل من كل شيء

كثير من الهواء البارد

حيث الأشجار لا تستطيع آن تقف مرة

واحدة

في وجه الرياح.

مجموعة "ذات مقهى"

دمشق 84
   
3- أعداء

في الهواء وربما في الشجر

أعداء – أعداء – أعداء

في العيون الميتة لدمى الأطفال

في أصوات الليل الغامضة وهي تتنفس

قرب سريرك

في الباب الذي يصد ولا يصد شبق

الاجتياح

وملتصقا بك في سريرك

ذلك هو أنت.

                        (لا تشبه هذا النهر)

                        بيروت 1981

4- رثاء مقهى

كان مقهى لغة

صار فضيحة

اغلقوه.

أين نذهب الآن أيها المشردون

وأية شوارع موحشة ستتسع لخطواتنا؟

***

سموه القتيل اذا شئتم

ها هي الأماكن تقتل أيضا

لكن وا أسفا

لن نستطيع أن نعلقه على الجدران

***

وا أسفا

وا أسفا

وا أسفا

أهذا ما آلت اليه الأمور؟!

(هو مقهى أم نبيل في الفكهاني كان

مقرا للرصيفيين قبل أن يغلق)

بيروت..1981

5- لامعون!

الأكثر لمعانا يرشقون وجوهنا

ولا يبخلون علينا بغموض الزهور

الاصطناعية

أعلي أن أعتذر نيابة عنهم؟

كلا.. لن أعتذر.
   

***

شاسعة كملاعب كرة القدم

صفحات يحتلونها

ومسارب النمل التي هي حروفهم

تتحدى أكثر النظارات قوة

أمس قرأت جميع ما كتبوا

وصباح هذا اليوم توجهت الى

طبيب العيون

وفي جيبي علبة من البنادول

***

لو كان صديقي – تيسير سبول –

حيا

لوافقني دون تردد – كان شاعرا.

– لكنه – للأسف – انتحر منذ

زمن بعيد

وضع فوهة مسدس على صدغه

الأيمن

و… تك

هوى في بركة صغيرة من الدم

لو كان حيا لكانت فرصة ذهبية

أخرى للانتحار

جاك بريفيير كان سيكتب قصيدة

مماثلة

***

علي المرء أن يكون متواضعا

– أعرف ذلك –

لكن – لمرة واحدة فقط –

اسمحوا لي أنا الأكثر تواضعا من

زنابق الحقل

اسمحوا لي أن أزف اليكم هذا النبأ

العظيم..

ان ….

………

………..

تك …… بم …

وينتحرون

بم….

ويتأرجحون في فضاء غرفة وحيدة

تك… بم

مايا كوفسكي – تيسير سبول –

تشارنتس – خليل حاوي – يسينين.

أما أنا

فأطلق قهقهاتي

ولا أبالي بشيء

(لا تشبه هذا النهر)

6- علم الجنون

استدعي الأمطار وآمرها أن تهطل مدرارا

لتغسل وجه المدينة.

استوقف البرق واستمهله لاشعل

سيجارتي

وأهتف بالرعد: أعرني صمتك

فحبيبتي نائمة.

***

أتقدم هذه الحشود المحتضرة

رافعا علم الجنون

أو راية اللاشيء

صارخا بالجموع اتبعوني أو لا

تتبعوني

فالأمر لدي سواء

ولست أبالي بشيء.

***

عازف عن الشعر

لأن روحي أكبر من جميع الشعراء

لأن تواضعي أعلى كثيرا من البشر

لأنني أبدا ما أحببت الأصفاد

ولا القيود البيروقراطية

أتقدم معانقا ظلي الوحيد الأوحد

مشهرا جسدي مائدة للجوعى

وقلبي أرجوحة لليتامى

للأوغاد والفريسيين

***
   

في الساعة الخامسة والعشرين

في منتصف اللامكان

أغسل بدموعي جسد الطفلة

الطفلة المشوهة

وأحصي حياتي.

(لا تشبه هذا النهر)

7- صوت الشجرة

ربما ليس أنينا صوت الشجرة وهي

تقطع

ربما – بالأحرى – هو صوت غبطتها

غبطتها الأعمق.

8- أهل الكهف

كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم

صرت خامسهم – أنا الانسان.

8- بورقريه سريع

صدري للبحر

وجهي للشمس وقلبي للصحراء

فأنا العنقاء

في المجزرة وأزهار الحقول

القاتل والمقتول فأنا الغول

وأنا النيل الوفي.

                        (لا تشبه هذا النهر)

مختارات من المجموعة الثانية

والاخيرة "ذات مقهى" التي صدرت

عام 97.

1- غريبان

غريبين ننسل في الشوارع المثلجة

وبابا نويل من رذاذ أبيض

يكاد يبكي في واجهات الحوانيت

بيروت أمست بعيدة كأنما بيت لحم

آه كأنما حدث منذ زمن بعيد

مع أنه لم يكن الا في العام الماضي

عندما شجرة الميلاد كانت تغمز
   

بعيونها الزجاجية الملونة فيصخب

الأولاد مسرورين.

آه الأولاد – الأهل.

أين هم الآن ؟

انهم وراء الحدود

وأما نحن ننسل في الشوارع المثلجة

عائدين بصمت الى فندقنا الكئيب

غريبين لا يعرفنا أحد.

                                (دمشق 83)
2- أحني رأسي خجلا

هذه الكرة الأرضية

(التي يقول رواد الفضاء انها تبدو

هشة

بشكل يدعو الى الرثاء اذا نظرنا اليها

من الفضاء)

هذه الكرة الأرضية

التي خلقها الله

الصدفة أو الضرورة

أو ما لست أدري.

انظروا اليها الآن

انها مقطعة بآلاف الحدود

وممنوعة على سكانها الا بالتقسيط

المكلف

انظروا اليها

أسيرة جشع الانسان وقلة انسانيته

انظروا اليها ملوثة مهددة منتهكة

آه ايتها المسكينة

يا شقيقتي

انني أحني رأسي خجلا

من حماقة بني الانسان.

 3- الكارثة

بين السرير ومرآة الحلاقة

خاصة عندما يهطل المطر

يحس المرء باهتزازات الأعماق

كأنما سينهار كل شيء دفعة

واحدة

يسرع في حلاقة ذقنه

ويعود لاهثا الى السرير

ليوقف الكارثة المحتملة.

4- منتصف الليل

عندما أصغي في منتصف الليل

أسمع انهارا من الدموع

تتدفق في أعماقي
5- ما تأتي به الرياح

سلتي مليئة بالثمار

لكنني اخترت على الدوام

ثمرة الصمت الناضجة.

***

ربما كنت في طريقي لملاقاة

الفتى القديم

حزنه كان أكثر صفاء من الدمعة

ولأنه العدالة

العدالة بالذات

يتلفع عميقا باللامبالاة

منتظرا دونما شكوى

ما تأتي به الرياح.

6- الى يوجين غيفك

أنا ممتليء بالناس

الأشياء؟

ربما… فيما بعد

***

ما جدوى مخاطبة المحيطات

انها لا تجيب

تنفينا.. بعناد الديمومة.

انك تتلو فعلا وحيدا لا يتغير

أهو التنصل

أم الطهارة
   

أم كلاهما معا؟

***

كما يصطاد الكاوبوي فرسا جامحة

هكذا اصطدمت الفتى رامبو

وأنت لا تدري

أو تدري

تلك الأسلاك اللامرئية للخلود.

***

منذ أن عرفتك

أسمع نبضا خفيا في قلب العالم

منذ أن عرفتك

***

منك تعلمت الأكثر طيبة

الأكثر طهارة وحكمة

منك تعلمت:

"ربما"
7- أنا

خيل لي هذا الصباح

انني كاليجولا الأخير

أو .. صالح عبدالحي

لكن من كان ذلك الذي كان يجهز على

ذات شارع

يمسك بتلابيبي ويناكفني دون هوادة!

لأيام وأيام حاولت أن أتذكر من يكون

وأخيرا تذكرت.

اللعنة!

لم يكن هو الا أنا
8- الكلب يقودني

                (الى بورخيس)

ربما سأصبح أعمى ذات يوم
   

فعيني اليمنى شبحية الرؤية مذ كنت

صبيا

واليسرى أرهقتها بأثقال من كتب، هموم

وحروب

يومها سأقتني كلبا ضخما.

وأحمل هراوة غليظة

وكم سيكون منظرنا مؤثرا في الأمسيات

الكلب يقودني

والهراوة في يدي

ووجهي ممتد ممتد .. في اتجاه الذهول.
9- أيام

الأيام كالأصدقاء

يوم يتأبط ذراعك ويأخذك الى البحر

يوم يعبس في وجهك منذ الصباح الباكر

يوم يركلك بقسوة

يوم يطعنك في الخاصرة

يوم يخاف منك

ويوم يمر بك

ولا يبالي

لكن! ماذا عن اليوم الثامن؟
9- الشاعر

قال الخشب:

قتلتني يا مسمار خفف عني قليلا

أجاب المسمار:

لا تلمني يا خشب

بل انظر المطرقة فوق رأسي

قالت المطرقة

يا مسمار! ألا ترى اليد التي تضرب

نظرت اليد إلي وتساءلت

نظرت الى نفسي وبكيت عليها

أنا الخشب.
 
رسمي أبو علي (شاعر من فلسطين)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …