أخبار عاجلة

أركيولوجيا العائلة نصوص للشاعرة ألماز أبي نادر

تقديم وترجمة: شوقي شفيق *

الاشتغال على أركيولوجيا العائلة والانهمام بها حدّ الأسى. أو حدّ التذكّر.. هذه هي الفكرة الرئيسة لعمل الشاعرة الأمريكية من أصل لبناني ألماز أبي نادر .
تقرأ الرسائل التي تصل إلى أبيها من وطن الجذور ; أو هي بالأحرى تقرأ عيني أبيها وهما تجوسان في الرسائل القادمة من وطن بعيد . وتقرأ دمعات تفر من تلكما العينين . من دون أن يكون في مقدورها قراءة لغة أبيها وأسلافها في تلك الرسائل .
في انهماكها بأركيولوجيا العائلة تضع أبي نادر في أولويات أعمالها زيارةَ وطن الأب والأجداد لتكتشف سر تعلّق هذا الأب بتلك اللغة التي تنكتب من اليمين إلى اليسار . وبتجاعيد الكلمات فوق الصفحات الشفافة، كما تقول:
حين زارت وطن الأب كان شغفها الأول أن تستبطن ذلكم الطابع الخاص داخل .العائلة . الآصرة العائلية الي تجذب وتربط الفرد منها بالآخر بحميمية لا تجدها في أية عائلة أمريكية، هذا الاكتشاف المذهل والإحساس الخارق بجماليات العلاقة ودفئها العارم الباذخ كان دليلها في الرحلة صوب تاريخ العائلة والعودة إلى ماقبل مئة وخمسة وثلاثين عاما . تنقّب وتبحث بما يشبه عمل الحفريين والأنثروبولوجيين . على حد سواء .
بيدَ أن عملها هذا الذي أنتج كتابا تحت عنوان «أطفال الرُّجمة» (1)
_ رحلة عائلية _ قام على قراءة الوثائق . وعلى التاريخ وتراكم شغف المعرفة والحنين إلى جذور عائلة وجذور وطن..
في نصوصها ثمة سرد لأحوال العائلة ووقائع التاريخ , لكن بهمس وشجن وحميمية..
في كتاب أطفال الرُّجمة, وفي عدة نصوص لها يؤلم الشاعرةَ عدمُ معرفتها لغةَ أبيها :

( حين تأتي الرسائل أمرّرّ
أصابعي عبر الصفحات
متمنية لو أني أستطيع أن
أميل على العبارات
التي أنجزت أنتَ معرفتها )
l صخرة الحمام
إذا وضعتُ يدي في الماء
سيطفو جسدي ويتمدد مع السمك
على ساحل الروم .
منجرفا نحو الشاطئ .
في القارب ابن عمي يغني
أغنية أمريكية
ليسعدني.
مرتديا أحذية عالية
في كل مكان يذهب إليه.

لا أحد كلن واقفا على صخرة الحمام
حين أرَوني إياها .
ربما يستيقظ العشاق الحقيقون
في المساء
ليتسلقوا حتى قمتها.
لا بد من أنهم يقيمون في الكهوف السفلية
ويتلصصون على القوارب
الصغيرة حين تمرُ.
وإذ كنا نحوم حول الرصيف رمى صياد
قبلة في الهواء ثم رمى
بما اصطادوه إلينا
تسقط الأسماك عند قدميّ
فأفكر في حركة العيون الدامية .
حاولت التقاط
إحداها ; لم أستطع .
سقطت السمكة في الشباك .حيث
لا أجساد لعشاق تتمدد ثمة.
l رسائل من الوطن
( إلى أبي )
في كل وقت تبكي أخس أن سطحَ
نهرٍ في مكان ما من الأرض.
ينكسر.. تمسح عينيك إذ تقرأ جهرةً رسالة من البلاد
العتيقة.ومن القاع
كنتُ أراقب تجاعيد
الكلمات بين الصفحات الشفافة..إخوتك
وأخَواتك كانوا يتجمعون
حولك. وأنا لا أفهم اللغة.
لكنني أحس نَفَسا من الحزن يخيم على
الغرفة.
أمك تخبرك عن هزال جسدها .عن أنها تذهب إلى الكنيسة مشيا.
لكنها لا تستطيع مغادرة
القرية. حين جلستَ معها
استطعت أن أتبين لون
بشرتيكما.
وددتَ أن تغفر لك غيابك عنها.
لكنك لم تطلب ذلك.أخذتك إلى خزانتها
لتريك الملابس التي جمعتها .والتي حال لونها.
بدت يداها صغيرتين
في أشرطة الدانتيل..
ولم تفهم لماذا تشبثتَ
بكتفيها.
تخبرك عن الملاذ الذي لقيه الناس في القرية.
عن الآخرين الذين ذهبوا إلى باريس.. تخبرك عن ابنة أختك التي غدت طبيبة.عن ابن أهيم مهندس المعمار
أطفالك يبدون كاليدو
الرحل. يجلسون في الشقة المبعثرة حيث لا يمكنك رؤية بناتك
الثلاث عبر نوافذهن .أو أبنائك الثلاثة يذرعون خشب غرفهم القديم.
تكتب لأمك _ مع ذلك _ أنهم مازالوا يصلون
تزور أمك الآن كلما استطعت . كل صيف تعبر المتوسط .كل صيف تقف خلف منزلها ناظرا
إلى البحر
.متمنيا ألا تموت هذه المرة.
وحين تأتي هذه الرسالة أمرّر أصابعي عبر الصفحات .
أتمنى لو أستطيع أن أميل على العبارات التي
أنجزتَ معرفتها .

l عتمة كونية
1
يتكلم أبي بالعربية
تتكلم أمي بالعربية

2
أجلس متكئة على المخدات
في انتظار الصباح. سأعلم
متى يأتي…قطع ستائري ستنفتح بلا مبالاة. وستعرّي منضدتي والوعاء الخشبي للدراق غير الناضج
والدوارق الخزفية على
الرفوف.والسترات
المطرزة بالمحيطات.
عمودي الفقري سيتفتح في الضوء. سأعرف أنه الصباح ..بواسطة طقطقة
عظام المدينة.
3
إذا أنتم محوتم شمس بعض البشر.
فعليكم
أن ترسلوا إليهم ليمونات
يستطيعون قطعها ببطء
إلى فلقات
لكي تُعصر بأيدٍ مكوّبة ;
سيتأرجح العصير في إناء
الباذنجان المهروس.
عليكم أن تجمعوا النرجس
لا زهرة أخرى ستقبل .سيزيحون الغبار
عن الأكواب ليلصقوه على خدود أطفالهم .
حين يلهون. بالرمل الأسود
خارج بيوتهم .عليكم
أن تدلوهم على جمال
نسائهم اللائي لا يستطعن نشر شعورهن
وتجفيفها في دفء النهار
أقمار أظافرهن اتسخت.
إنهن مرتبكات الخطى.

إذا لوثتم سماءهم بالدخان
فعليكم أن تنزعوا عروقكم الزرقاء
من أعناقكم وأقدامكم
وتضربوا بها في أعينهم.
عليكم أن ترشوا منازلكم بمياه
الينابيع النقية
بالثلج الناصع الأبيض مأخوذا
من رؤوس المسنين.
طوال غروبات قطعوا صخور
وديانكم; وبرتقالكم..أرسلوا إليهم الفرشاة
والأشياء الرديئة
إذا ملأتم مياههم بالنفط.
أزيلوا النوارس .خثّروا الدولفينات بالبلغم الأسود.
انزعوا الأقوى من سالمونكم .
أبعدوا ثعالب الماء عن الأيائل. امنحوا الجواهر كي يرموها إلى قاع براميلهم

4
الذين سيبقون منهم أحياء
لن يموتوا بأيدي الرجال ولن يقتلهم ت
ساقط النجوم عليهم .
لن يموتوا حتى بسبب عطب جلودهم ;
أو خروم الدانتيللا تحت ملابسهم ربما
لن يموتوا من الجوع أو الغضب

l فـي ليلة صيفية
قفزت اليراعات من بين الحشائش .
كانت تومئ لى
من الهواء اختطفت واحدة
وأخذت أراقبها خلال شقوق أصابعي
لأراقب رفرفتها
نتمدد في الفِناء .نراقب الخفافيش
وهي تنقضّ صارخة ..لا أستطيع
تصديق أنها عمياء ; إذ تنقضّ
مخترقةً النجوم .
أمنعُني من التنفس كيلا
تسمعني.
يتوجب أن أقضي كل ليلة
وحيدة وحولي مراياي:
الكتبُ, الصور , المخدات ,
والفضاء المفتوح
لا أثق بنفسي حين أكون نائمة.
لن أنسل إلى خلاء الأحلام
فأنا حارسة هذا الليل وسكونه.
أحيانا _ لساعات _أجلس إلى هذه النافذة .وخلفي في الغرفة شمعة.
لا خفافيش على مرمى النظر.
وحين وقع بصري على نجمة
انتبهت إلى أنها تختبئ بين أصابعي

l حمولة التاريخ
1
وها هنا في هذه الصحراء
تنهض أعمدة جوبيتر(2)
وسط دوامة الريح الشمالية النائحة
بين بقايا الأبواب والمجازات المقوّسة
ولقد رُوِيت الحكاية ,
بخمس لغات :
حكاية الرحلة عبر الجبال
والأحجار
حكاية العبيد
والأفراس النافقة.
ثمة _ في السقف _.مازالت وجوه كليوباترا , مارك أنطونيو , وقيصر.
ترنو صوب بعلبك
حيث حمل الروم معابدهم
وأضرحتهم
وألواحهم.
الأعمدة تنتصب, في الليل , مذهبة , كالضوء. وككل شيء في الصحراء

2
يجلسون على أمتعتهم وأشيائهم: يعانقون
الأقرباء والأهلين
وهي تعانق _ ضامّةً يديها إلى صدرها _ -رسالة شقيقتها
ومتزاحمة, ثمة لغات شتى تحتشد خلفها.
لم يكن اسمَها. ذلك الذي ورد في الورقة التي مُدّت إليها. ..م_ا_ج_د_ة اسمي……..
لم يسمعها الرجل .اسمي …..
لم يرد عليها.
كان يكلم شخصا آخر.
ونّقلت هي لجانب آخر:
ولاهثة تحركت تنتظر
من يناديها باسمها الحقيقي
مروى.

3
الأطفال ذوو الأيدي الصغيرة
والشعر القوي
إلى الطاولات يجلسون
لقراءة فناجين حظهم.
الذي سيكون بائعا متجولا
سيبيع الملابس
في تلال بنسلفانيا. سيموت اثنان
من أبنائه مبكرا . وسأكبر أنا.
وفي يدي خاتم
من ذهب.

أُ عطيت : الرسائل
اليوميات
واللغة الغريبة , اللغة التي تتأبّى
على الفهم.
هي ذي أنا أبصر
كل الذين ماتوا
قبل ولادتي
وفي ثيابي تكتظ رائحة الأرز
واليانسون والكمون
ثمة الصمت في عينيّ البنيتين .
ثمة كذلك الآن
قارب يعير المحيط .
ووجه يرمقني عبر شقوق الستائر.
امرأة في الليل تصلي
كنت أبحث عن صحراء.
عن عرف كروم مثقلة.
عن مدن ترفل في البياض
بيدَ أنني لا أحد أيا منها ,
إذ أبصر الشروق
يتحول إلى ضوء;
ذلك الضوء
الذي لن أطفئه
حتى الصباح.
* * *
نبذة عن الشاعرة:
– ألماز أبي نادر ولدت عام1954. في كارميكايلز في ولاية بنسلفانيا .
– حصلت على الدكتوراة من جامعة نبراسكا 1985 .
درّست وتدرّس الأدب الإنجليزي في الجامعات الأمريكية .
– حصلت على الجائزة الأولى من «أكاديمية الشعراء الأمريكيين في جامعة نبراسكا.1984 .
– صدرت لها أعمال شعرية وسردية منها:
– يتحركون صوب الماء (رواية)- حمولة التاريخ (شعر)- أطفال الرجمة (سيرة أدبية)- في موطن أحلامي (شعر)- نساء من المقاطعات المحتلة (رواية).
** تُرجمت هذه النصوص بإذن من الشاعرة ألماز أبي نادر
الهوامش
1 – الرجمة كومة من الحجارة توضع أمام البيوت، في قرى جبل لبنان .
2 – جوبيتر كبير الآلهة أو إله الآلهة عند الرومان القدماء

شاهد أيضاً

جون آشْبيري: «بورتريه شخصي فـي مرآة محدبة»

ترجمة وتقديم زاهر السالمي * مقدمة: القصيدة الأشهر لجون آشْبيري «بورتريه شخصي في مرآة محدبة»، …