أخبار عاجلة

أفريقيا… الأصل، الجوهر، والحدود الثقافية

متى بدأت الدراسات الأفريقية؟ ثمة مَن يرجع بداياتها إلى مصر القديمة ووادي النيل؛ بوصفهما منطقتي أول حضارة أفريقية عظيمة. تختص الدراسة الأكاديمية المُعّمقة بالتفحص المنهجي لعادات وتقاليد الشعوب. ربما لا تُعرَف مصر القديمة بكونها فقط مهداً للديانات التوحيدية فحسب، لكن باعتبارها أيضا مكان ميلاد الدراسة المنهجية للحضارة الأفريقية.
هناك نقطة إنطلاق أخرى للدراسات الأفريقية، ترتبط بملاحظات حول غرب وشرق أفريقيا لرحالة أفريقي من العصور الوسطى، هو أبو عبد الله محمد ابن بطوطة ( 1304-1368م). ولد بطنجة، المغرب، أضحى هذا الرحالة المغربي أعظم مكتشف أفريقي في العصور الوسطى، حيث شملت رحلته 75,000 ميل (أي ما يزيد عن الـ120,000 كلم). كتب واحدا من أكثر كتب الرحلات شهرة، عنونه بـ (الرحلة)، ليؤرخ من خلاله لتقابلات الثقافة في أفريقيا، العالم الإسلامي، والصين وسومطرة. يمكن أن يُنظر إلى معلومات ابن بطوطة عن شرق، شمال، وغرب أفريقيا باعتبارها عملاً رائداً في مجال الدراسات الأفريقية.
ثمة وجهة نظر أخرى، تعود ببدايات الدراسات الأفريقية إلى وقت بدأت فيه أفريقيا تُعرَّف حقيقة بكونها قارة لها كيانها الخاص. وهذه فترة حديثة جدا، أكثر مما يفترض الكثير من الناس. تبدأ هذه الفترة الحديثة في 1656م، عندما وصف عالم الجغرافيا في القصر الملكي بفرنسا أفريقيا بقوله:(شبه جزيرة واسعة جدا تشكل الجزء الثالث، وهي تقع في الجنوب الأقصى من قارتنا [أوروبا]).
إذن، يمكن أن نفترض أن مفهوم أفريقيا كقارة لم يتبلور قبل القرن الثامن عشر؛ بالرغم من أن مفهوم (أرض السود) كان مصطلحاً قديماً جداً في أفريقيا جنوب الصراء بصفة خاصة. لكن ما يثير الفضول هو أن كلمة أفريقيا (التي من المحتمل أن تكون مرادفا لغويا للبربري)، كان يتم استخدامها فقط في شمال أفريقيا، في بلاد ابن بطوطة. ويستخدم مصطلح (أفريقيا) تقريبا للتركيز على تونس حصرا. لكن توسع استخدامه عبر القرون، حيث شمل في آخر الأمر كل القارة الأفريقية.
ظلّ عدد كبير من الناس طيلة ثلاثة قرون لا ينظرون إلى أفريقيا بوصفها قارة واحدة، حتى إذا كان هُناك القليل منهم ينظر إلى مصطلح (الأفارقة) على أنه ينطبق على سكان كل القارة. لكن، على نحو يشي بالمفارقة، إن مصطلح (أفريقيا) الذي كان يطلق في الأصل فقط على سكان شمال أفريقيا، أضحى يشار به في القرن العشرين، بشكل غير متناسب، إلى سكان جنوب الصحراء؛ أي إلى جزء من سكان القارة. حتى اليوم، هناك عدد من المراكز البحثية المختصة بالدراسات الأفريقية في الغرب، هي في الواقع مراكز دراسات تختص بأفريقيا جنوب الصحراء.
لكن، مَن هو الأفريقي؟ هناك نمطان أساسيان؛ مَن هو أفريقي بالمعنى القاري؛ مثل المصريين والجزائريين، ومَن هو أفريقي بالمعنى العرقي؛ مثل النيجيريين، الأوغنديين، والسنغاليين. المصريون والجزائريون هم أبناء أفريقيا بالمعنى الجغرافي، وسود جنوب الصحراء هم أبناء أفريقيا بالدم. وفي الواقع كلهم أفارقة أصليون وأبناء لأفريقيا بحكم الموقع الجغرافي (ما يُطلق عليه wana-nchi في اللغة السواحلية). لكن علاوة على ذلك فإن السود في جنوب الصحراء هم أبناء أفريقيا بالدم/ العرق.
إن الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي هو أفريقي بالمعنى القاري (للموقع الجغرافي). والأمين العام للأمم المتحدة، كوفي عنان هو أفريقي بالمعنى القاري والعرقي على السواء- لكن كلاهما أيضا أبناء لأفريقيا بالدم/ العرق. ومن خلال موقعهما في الأمانة العامة للأمم المتحدة في القرن العشرين، عرّفت أفريقيا نفسها وأعيد تعريفها من جديد. ثمة دلالة بمعنى مختلف لحقيقة بسيطة، هي أن بطرس غالي كان أفريقياً منذ وقت طويل قبل أن يصبح رجل دولة. بوصفه أستاذا بجامعة القاهرة، تركزت إهتماماته البحثية لوقت ما بشكل أساسي على الدراسات الأفريقية. وبكونه قبطيا، يمثل رمزا ما لاستمرارية الدراسة المنهجية من مصر القديمة. وباعتباره متحدثا باللغة العربية، من شمال أفريقيا، كثير الأسفار، يرمز بطرس غالي إلى إستمرارية تركة ابن بطوطة. وكأكاديمي يكتب باللغة الإنكليزية والفرنسية عن أفريقيا، يرمز غالي إلى حقبة أكثر حداثة من الدراسات الأفريقية ذات السمة الغربية، حيث يوجد ميراث ثلاثي الأبعاد: محلي، إسلامي، وتغريبي. وكان هنا أيضا صياغة ثلاثية الأسلوب: شفاهية، مكتوبة، وإلكترونية على نحو متزايد.
بين الدراسات الأفريقية والدراسات الإسلامية..
كان الإرث المحلي المجرد لدراسة أفريقيا في مجمله عبارة عن تقليد شفاهي. يتدرج من الشعر الغنائي في مدح الأبطال إلى التسلسلات الأوسع من التاريخ الشفاهي. لم تُقدّر الدلالة العميقة لهذه المشاركة بصورة كافية إلّا في النصف الثاني من القرن العشرين، حين بدأ باحثون أمثال جان فانسينا jan vansina والكيني بثول ألن أُكوت bethwell alan ogot يشقان طريقاً جديداً يضفي على النقل الشفاهي بعض الشرعية. حيث مثّلا طليعة الثورة المنهجية، في كشف الصلة الأكثر وثاقة ببقية العالم. حتى صارت بلدان ذات وثائق مكتوبة تتعلم بالتدريج الحاجة إلى المصدر الشفاهي، الذي هو على الدوام جزء من التواصل الإنساني. مهّدت الدراسات الأفريقية الطريق في التطور التقني من خلال استخدام التقليد الشفاهي والتاريخ الشفاهي بوصفهما طريقة توثيقية تصب في مصلحة الكتابة التاريخية المعاصرة.
إن التقليد الشفاهي مصدر لا يُقدّر بثمن لمَن يحاول فهم الديانات الأفريقية التقليدية. تعامل الغرب لعدة قرون مع المعتقدات المقدسة في أفريقيا باعتبارها همجية وخرافية. واستمر ذلك حتى القرن العشرين، ولم تُقدم أي جهود جادة تتعامل معها على أنها معتقدات دينية، بعيدة عن الدجل والخرافة. واستمر هذا الاتجاه حتى النصف الثاني من القرن العشرين، حيث بدأ مفهوم الدين الأفريقي التقليدي (أو الدين المحلي) يصبح متداولا، وكان النموذج الثقافي جزء لا يتجزأ من هذه الثورة.
هل كان للأفارقة فلسفة قبل مجيء الغزو الاستعماري الغربي؟ تحدثنا عن هذه المسألة من قبلُ. لكن، من جديد سيكون التقليد الشفاهي مركزيا في اكتشاف ما إذا كان الأفارقة شعبا متفلسفا منذ زمن بعيد- بالرغم من أنه ليس من الضروري أن يعرفوا أنهم كانوا يمارسون الفلسفة.
إن المسألة تشبه تلك الشخصية في مسرحية الكاتب الفرنسي العظيم مولييه 1622-1672م. اكتشفت تلك الشخصية أنها كانت تتكلم (نثرا) طوال حياتها. ولم تكن تعلم أن الآخرين يسمون طريقتها في الكلام (نثرا). بصورة مشابهة، لم يكن من المهم للأفريقي أن يعرف أن الآخرين يسمون طريقة تفكيره وتأملاته الروحية (فلسفة). كان التقليد الشفاهي قد انتج معلومات جديدة حول مدى عمق وتعقيد نظام التفكير الأفريقي.
يأخذ هذا الأمر بالغربي بأن يحرز أول تأثير في الغرب- وهو ما أثبته في نهاية الأمر البلجيكي الأب بلاسيد تامبلز Placide Tempels في كتابه (فلسفة بانتو)، حتى لو كان عمله موضع خلاف، حيث ذكر أن ثمة بذور يمكن أن تتطور في المستقبل. ساهم عمله في أن يضع أفريقيا ضمن الأجندة الفلسفية لبقية العالم. أسس جون مبيتي John Mbiti في كتابه (الأديان الأفريقية والفلسفة) لإرتباط لا مفر منه بين الديني والفلسفي. مرة أخرى هناك اعتماد قوي على التقليد الشفاهي، وعلى ما سوف أسميه لاحقا بالنموذج الثقافي.
يتضمن الإرث المحلي في دراسة أفريقيا أيضا نصوصا مكتوبة على امتداد وادي النيل. من المؤكد أن لدى أثيوبيا تقليدا راسخا وطويلا في كل من التاريخ الكنسي والتاريخ الملكي باللغة الأمهرية، واللغة الأثيوبية القديمة.
إن الميراث الإسلامي في مجال الدراسات الأفريقية في أفريقيا غني هو الآخر بالوثائق المكتوبة وبما هو شفاهي على السواء. يشمل الشعر الغني الرمزي للشعب الصومالي. وبهذا المعنى، يعد الصوماليون من أكثر الشعوب في العالم التي ترتجل الشعر. تشمل بعض أشعارهم تفاصيل عن ثقافتهم (أنثربولوجيا)، ماضيهم (تاريخ)، والتداخل بين عشائرهم وأنعامهم (اقتصاد سياسي).
إن الدراسات الأفريقية باللغة السواحيلية هي جزئيا تُعد ضمن التركة ذات الصبغة الإسلامية، خاصة في الفترة التي سبقت النصف الثاني من القرن العشرين. نجد الأبحاث السواحيلية، التي هي شفاهية ومكتوبة في ذاته الآن مثلما في الحالة الصومالية، قد تأثرت كثيرا بالشعر، فضلا عن أنها تكشف بعض ملامح المدن- الدول السواحيلية القديمة مثل بيت وكيلوا Pate, Kilwa. في الدراسة المنهجية للسواحيلية، ليس من اليسير معرفة أين تنتهي الدراسات الاسلامية وأين تبدأ الدراسات الأفريقية. فعلى سبيل المثال، معظم الشعر السواحيلي هو شعر تعليمي موضوعه السلوك الإنساني المثالي، مثلما عليه الأمر في القصيدة الكلاسيكية (كتاب ماوانا كوكوبونا) لكن السلوك السواحيلي النموذجي هو إسلامي وأفريقي. في مثل هذه القصائد يمكن أن نلقي نظرة خاطفة على الأنماط الاجتماعية في النموذج الأنثربولوجي السواحيلي.
يجب أن لا ننسى الدراسات السواحيلية المكتوبة باللغة العربية. حتى الوقت الحاضر في بعض الأحيان يكتب الأفارقة حول قارتهم باللغات الأوروبية، بينما كتبت الأجيال السابقة أحيانا عن الشؤون الأفريقية باللغة العربية. وثمة مثال سواحيلي أخّاذ هو مخطوطة الشيخ الأمين بن علي المزروعي المكتوبة باللغة العربية ( تاريخ سلالة المزروعي الحاكمة بممباسا). تجسد هذه الوثيقة كم هو صعب تحديد أين تنتهي الدراسات الأفريقية ومن أين تبدأ الدراسات الإسلامية. قبل فترة زمنية طويلة؛ أي قبل أن تُترجم هذه المخطوطة إلى اللغة الإنكليزية عن طريق ريفرند ريتشي Reverend Ritchie، برعاية من الأكاديمية البريطانية وتنشرها جامعة أكسفورد في عام 1995م، كان يتم الاقتباس منها بصورة واسعة في (موسوعة الإسلام) في 1991م. تحدد هذه الأخيرة أن عشيرة المزروعي هي واحدة من الروابط بين دول الخليج والحضارة السواحيلية. تمثل هذه المجالات من الدراسات الأفريقية رابطا ليس فقط بين الدراسات الأفريقية والإسلامية فحسب، بل والعالم العربي.
كذلك فإن الدراسات المتبحرة للهوسا والهوسا- الفولاني في غرب أفريقيا، التي كانت ذات صبغة إسلامية عالية جدا، بعضها كان مكتوبا باللغة العربية. لكن في حين أن المدن- الدول السواحيلية كانت متأسلمة (دينيا) ومتعربة (جينالوجيا)، كانت المدن- الدول لدى الهوسا متأسلمة فقط على المستوى الديني. الحاكم السواحيلي أفريقي-عربي جينالوجيا، لكن لم يكن الفولاني عربيا على الإطلاق. كان الهوسا- الفولاني هم (محليون) على نحو محض، إذا كانت لهذه المقولة من معنى في أفريقيا. كان أدب الهوسا والهوسا- الفولاني عبارة عن الثقافة، الدين، والمدى الأوسع للتاريخ. يحتوي جزء كبير من شعر الهوسا معلومات أنثربولوجيا على مُثل الهوسا، مبادئ ونظم الحكم. وهنا تتداخل الأفريقيانية مجددا مع الإسلام.
تركة غربية السمة في النكران..
ماذا عن البُعد الثالث في التركة الثلاثية؛ أي الميراث المتغرب؟ من الجلي أنه في السنوات الأولى من هذه الحقبة التي كانت استعمارية بهذا المعنى أو بمعنى آخر. كان المزاج الاستعماري العام يحدد أي من مجالات الدراسات الافريقية قابلة للنمو أو الحياة، أي وجهات النظر صحيحة على المستوى السياسي، وما إذا كان هناك مؤلفون محليون أم لا. انحاز الميراث التغريبي بصورة كبيرة إلى التقليد المكتوب في النصف الأول من القرن العشرين. وأصبح يعتمد على وسائل الاتصال الإلكترونية (الإذاعة، التلفزيون، والتسجيلات صوتية). وما أن شارف القرن العشرون على النهاية حتى كان الميراث التغريبي في الدراسات الأفريقية يغامر في الدخول في علم ضبط الفضاء العام.
على امتداد الثلثين الأولين من القرن العشرين (أي طوال الفترة الاستعمارية) كانت الدراسات الأفريقية تلاحق بأربعة تنكرات فكرية عظيمة، حيث كانت الشعوب الأفريقية أسيرة لها في تلك الفترة: إنكار التاريخ، العلم، الشعر، والفلسفة، بما في ذلك فلسفة الدين. أثرت هذه التنكرات الثقافية الأربعة في مجالات البحث، وطبيعة المناهج والمقررات التربوية في أفريقيا وخارجها، وما سيتدرب عليه الجيل القادم من الباحثين الأفارقة، والحقول الأكاديمية التي كان ينظر إليها على أنها الأنفع من منظور أفريقي .
يستمر إنكار التاريخ الأفريقي ويصبح أفضل تجسيد له في المقولة رديئة السمعة لأستاذ التاريخ بجامعة أكسفورد هُغ ترفور- روبر: (ربما في المستقبل يكون هناك تاريخ أفريقي… لكن في الوقت الحاضر ليس هناك شيء من هذا القبيل، يوجد فقط تاريخ الأوروبيين في أفريقيا. أما خلاف ذلك فلا يعدو كونه ظلاما… وليس هذا الأخير موضوعا للتاريخ)
إنكار أهلية الأفارقة للعلوم هي المحور الثاني. يذكرنا باحثون أمثال أريك مورتون بمقولة ديفيد هيوم حول ما يوجد بين الشعوب الخلاسية (ليس ثمة مصانع محلية… لا يوجد فنون، ولاعلوم). هل لدى الدراسات الأفريقية ما تقوله للدراسات العلمية؟
يُنكر على الأفارقة ثالثاً قدرتهم على كتابة الشعر. ترتكب هذه الحماقة بصفة خاصة من الناحية الأمريكية للمحيط الأطلنطي. لم يكن مرتكبها شخصا آخر غير توماس جيفرسون، الأب المؤسس لأمريكا، حيث قال: (البؤس في بعض الأحيان هو مصدر أغلب اللمسات المؤثرة في الشعر. لكن بين السود، ثمة بؤس بما فيه الكفاية، لكن الله وحده يعلم ليس هناك من شعر. الحب هو المغذي الرئيس للشاعر. عاطفتهم [عاطفة الأفارقة] متوهجة، لكنها تلهب الأحاسيس فحسب، وليس الخيال. الدين، بحق يكون لديه فيلبس ويتلي، لكن ليس في وسعه أن ينجب شعرا. النصوص التي تنشر باسمه لا ترقى لمستوى النقد).
كان جيفرسون، مؤلف العبارة الشاعرية (الحياة، الحرية، والبحث عن المسرات) قد لخص الشعب الأسود في كونه غير مؤهل لكتابة شعر عظيم، وهذه هي الأسطورة التي كانت خطرة على الأدب الافريقي بأكمله.
نكران أهلية الأفارقة لممارسة الفلسفة هي رابع التنكرات. لكن تظهر هنا مفارقة عظيمة. تشمل الفلسفة استخدام العقل والتفكير العقلاني. كان يوجد بين أولئك الذين يتهمون الأفارقة بكونهم غير- عقلانيين، شعراء أفارقة كبار. نستخدم مصطلح (غير- عقلاني) للتمييز بينه وبين (لا عقلاني) مثلما نستخدم كلمة (لا- أخلاقي) مقابل (عديم- الأخلاق).
أولا لدينا نكران جيفرسون القائل بأن الشعب الأسود لم يكن مؤهلا لكتابة شعر عظيم. من ثم جاء شاعر أسود؛ هو سنغور (الرئيس الأسبق للسنغال) ليخبرنا أن الأفريقي يبدأ معرفياً ليس بعبارة (أنا افكر إذن أنا موجود) التي هي صيغة ديكارتية، بل بعبارة (أنا اشعر إذن أنا موجود). يشدد سنغور على أن (العاطفة للأسود والعقل إغريقي) هل كان سنغور يعلن من خلال ذلك عن أن الفلسفة كنشاط عقلي ليس لديها ارتباط بأفريقيا؟ هل هناك شيء ما يمكن أن يُدعى بالفلسفة الأفريقية؟
من المؤكد، هناك غربيون كانوا ينكرون أن الأفارقة مؤهلون لممارسة الفلسفة (يشمل أولئك تاريخيا جيفرسون، كالهون، هييجل، وآخرين) لكن ما يثير الانتباه بخصوص الشعر الأفريقي العظيم، هو أن هناك شعراء كبارا أفارقة يتنكرون سواء لأهلية أفريقيا على الفلسفة (مثلما يقترح سنغور في نظرته الإبستمولوجية) أو قدرة أفريقيا العلمية كما هو الحال مع إيميه سيزار، الذي أكد في قصيدة له تبدأ بـ(المجد لمَن لم يبتكروا شيئا).
تثبت الزنوجة خطأ جيفرسون الزاعم أن السود غير مؤهلين لكتابة شعر عظيم. سيزار، الرجل الذي صكّ كلمة (زنوجة) هو شاعر عظيم. لكن السؤال الذي يظهر: لماذا حاول شاعر عظيم أن يثير الشك حول أهلية أفريقيا لممارسة الفلسفة والعلوم؟ أمضى الباحثون الأفارقة زمناً في النقاش حول ما قبل- الفلسفة. حول ما إذا كانت الفلسفة الأفريقية هي (أفريقية) أم (فلسفة) محضة. لكن فيما يخص معظم الجمهور الأفريقاني في مجال الدراسات الأفريقية، لم يكن هناك تردد في التوصل إلى نتيجة فحواها أن الأفارقة مؤهلون للتفكير الفلسفي؛ من علم الجمال إلى المفاهيم البشرية الشخصية، ومن الديمقراطية إلى دراسة الشخصية الأفريقية، ومن الابستمولوجيا (أنا اشعر إذن أنا موجود) إلى ما وراء الحالة البشرية.
النموذج الثقافي
يأخذنا هذا الأمر إلى النموذج الثقافي في الدراسات الأفريقية، التي كان التقليد الشفاهي جزءا منها. في أقصى طموحه يفحص النموذج الثقافي المجتمع من منظور أولية القيم، المعتقدات، الرموز، سبل التواصل، وطرق الحياة. كل قضايا العرق يتم تذويبها في القيم، المعتقدات، والرمزية. وبذلك كان من المحتمل أن تصل الدراسات الأفريقية إلى حقل الدراسات الثقافية والحضارة المقارنة. لعب النموذج الثقافي في الدراسات الأفريقية دورا في المجالات الحيوية التالية:
* في إعادة تأسيس حقيقة أن الأفارقة هم شعوب تاريخية.
* في ربط الأفارقة بثقافة العلوم.
* في إعادة تأسيس أن الأفارقة كانوا شعبا متدينا قبل مجيء المسيحية والإسلام.
* في كشف أن الأفارقة شعب متفلسف على مر الزمن.
* في ربط الدراسات الأفريقية بنظريات رئيسية تنتظم من الحداثة إلى نهاية التاريخ.
* في ربط الدراسات الأفريقية بحركات التعددية الثقافية.
الدراسات الافريقية والتعددية الثقافية
بالنظر إلى هذه النقطة الأخيرة، كانت الدراسات الأفريقية هي المحفز الرئيسي لكل حركة التعددية الثقافية التي كانت قد زعزعت العالم التعليمي في السنوات الأخيرة من القرن العشرين. ترجع الحملة العنيفة لـ(المركزية الأفريقية) إلى ما قبل ابتكار المفردة نفسها، ويبدو واقعيا أن مطالب الأمريكان- الأفارقة بـ(مقرر دراسي إدماجي) كانت إحدى المحفزات لكل حركات التعددية الثقافية في الولايات المتحدة وخارجها. لقد كانت الدراسات الأفريقية جزء من هذه الحزمة.
لكن قبل أن تنبه المركزية الأفريقية التعددية الثقافية، كانت ظاهرة التعددية الثقافية هي التي حفزت المركزية الافريقية. هل كل فلسفة المركزية هي نتاج لثلاثية إدوارد بلادين حول التعدد ثقافية؟. ربما يكمن ذلك في التركيز على التداخل بين الثقافة الغربية والأفريقانية والإسلام. وهو ما أشرنا إليه من قبلُ حين تحدثنا عن (تركة أفريقيا الثلاثية الأبعاد)، وهو آخر مصطلح ابتدعه المؤلف. لكن، هل تدفع النزعة الأفريقية- الأمريكية المركزية الافريقية مجددا الدين من خلال تنبيه حركة التعددية الثقافية إلى المجالات التعليمية والأكاديمية؟ كانت التعددية الثقافية ذات مرة سببا في وجود المركزية الأفريقية، وأضحت هذه الأخيرة اليوم سببا لوجود التعددية الثقافية. إن الدراسات الأفريقية هي إحدى أدوات النقل في كلا الجانبين.
فيما وراء كل ذلك، إنه لقاء عظيم في عالم الأفكار والبحث- لقاء بين الدراسات الأفريقية والنموذج الثقافي. لقاء كان قد لامس جدالا ثقافيا متنوعا جدا؛ كالحداثة وصدام الحضارات، شخصيات قديمة مثل أخناتون وابن بطوطة، رجال سياسة أمثال بطرس بطرس غالي وكوفي عنان، اكتشافات أفريقية عميقة مثل التقليد الشفاهي وتاريخية الأديان المحلية والتفكير في التجربة السوداء. وكما شارف القرن العشرين على النهاية، يتوجب على الأفريقي أن يكتشف عبر الدراسات الأفريقية أنه/أنها كان/كانت مظهرا تاريخيا، متأملا في كل من التقليد الشفاهي والمكتوب، مبتكرا في العلم، وممارسا للفلسفة والتفكير. كانت الدراسات الأفريقية هي المنطقة الناقلة لإعادة توكيد الأفريقي. إنها التنقيب الداخلي للإثبات، والاضطراب الخارجي المستمر.
هامش:
(1) مفكر كيني من أصل عماني


لـ علي المزروعي(1)
ترجمة/ آدم مريود*

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …