صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

أقفلت مجلة «حوار» ولا وجود للعدد (28)

حمل الشاعر توفيق صايغ (1923-1971) الى الشعر العربي جرح الجسد المكلوم بشقاء الروح. جرح الجسد المحتشد باللذة او بالالم او بالحب. بحث عن الخلاص ولكنه تعثر بالخطيئة واللعنة والألم. لبثت القصيدة امامه مثل محاولة الحياة الوحيدة. ولكن توفيق صايغ الشاعر هو ايضا المحرك الثقافي وأحد المؤسسين لمرحلة ذهبية في بيروت الخمسينيات والستنيات حفلت بالأحلام والمشاريع الثقافية والمجلات والبيانات التأسيسية حتى اصبحت بيروت كما كتب الناقد الراحل نزيه خاطر ” مختبراً للضمير العربي الحديث” .
في كتاب الناقد محمود شريح ” مذكرات توفيق صايغ بخط يده وهو يستعد لاصدار مجلة “حوار” نسمع ونصغي لأحد الأصوات الحقيقية المؤسسة لحالة ثقافية عربية في بيروت. نلمس التعب والجهاد الذي يقوم به توفيق صايغ بين بيروت ولندن وباريس لتأسيس مجلة “حوار”. وفي الفترة الممتدة بين 7 نيسان و 31 تموز 1962 يصف توفيق صايغ في مذكراته الجو الثقافي في بيروت وصفاً حياً دقيقاً ويرسم صورة للمثقفين فيها. كتاب هو وثيقة تعبر عن مرحلة، عن عصر . او لعله شهادة قيمة قد لا نراها لدى غيره من شعراء وادباء عصره بمثل تلك الشفافية والجرأة والصفاء والنظرة الثاقبة للناس والأشياء والمدينة.
يتهكم توفيق صايغ من خلال بول خياط الذي يعتقد ان المجلة ستبيع 20 الف نسخة في العالم العربي، ويسأل صايغ ” اذا كان في عالمنا العربي كله لا يوجد 20 الف مثقف intellectual.
او ينقل من اجواء تلك المرحلة ” لام غصوب سعيد عقل. قال انه قال له مراراً ان في حذائه شعراً أكثر من شبلي ملاط. ولما اقيم له مؤخرا مهرجان مدحه سعيد للسماء”.
وينقل ايضا اجواء خميس مجلة شعر ” روى بدر(السياب) انه حضر اجتماع خميس شعر ليلة الامس وانه اثناء النقاش دافع ادونيس عن الشعر العربي القديم والتراث العربي (!!) قال ان اسم طرفة ورد فقال شوقي ابي شقرا ان لا أهمية له، وان بيته الشهير سخيف حيث يقول ( الا ايهاذا اللائمي) فقال له بدر (اللائمي) فقال شوقي : اجل لكن قالها لمقتضيات الوزن”.
يكتب في مذكراته في 21 حزيران ” مكتوب من بدر (السياب) يطلب فيه النقود التي اقترحت المنظمة اعطاءها له للتطبيب، كي يذهب للعراق او يحضر عائلته لبيروت”.
تقرأ في المذكرات أيضاً تبويب المجلة واقتراحات المشاركين فيها. تلمس مبلغ الجدية والحرص على ان تكون المجلة مختلفة ومميزة وصاحبة دور. وكذلك فعالية التواصل مع الكتّاب والأدباء العرب. يكتب في 9 تموز 1962 ” كتبت الى رينيه حبشي ، مولود معمري، آسيا جبار، عبد الرحمن بدوي، عبد القادر القط ونجيب محفوظ”.
يكتب توفيق صايغ في 30 تموز عن ذلك التنافس الحيوي بين المجلات الثقافية في ذلك الزمان” خصمنا ليس الآداب ” بل ” أدب ” أنسي (الحاج) صديق مخلص لي ودوماً يدافع عني تماماً “. ويتابع ” مع ليلى (بعلبكي) في الدولتشة فيتا هجوم على أدونيس ويوسف (الخال) و”أدب” هجوما على كل أدبائنا وحياتنا الأدبية…..”.
يقطف من الأجواء ما يشبه التسريبات او ” ويكليكس” ذلك الزمان . ويمضي بلا خوف ولا وجل شاهداً على حقيقة مرحلة.
وهكذا حتى تتوقف المجلة (حوار) التي أخذت من عمر توفيق صايغ وهمومه والآمه الكثير. تتوقف بعد انكشاف تمويلها من منظمة العالمية لحرية الثقافة، وبعد ان تراكمت الهجمات عليها من الصحف والمجلات العربية واللبنانية. تأسى وأنت تقرأ وتتمنى لو انها لم تتوقف تلك المجلة التي اكتشفت موهبة كبيرة بحجم الروائي السوداني الطيب صالح ونشرت رائعته موسم الهجرة الى الشمال” في حلقات . تلك المجلة التي أرست طرحا” راقياً وأسلوباً مختلفاً وطريقة مغايرة في التعامل مع المواضيع والقضايا والكتّاب والمساهمين. تسمع فيما يشبه الانين كيف تتنهي المجلات الثقافية في بلادنا بألم بصمت بحزن نبيل.
يكتب توفيق صايغ في مذكراته ” لا عدد 28 أنا أقفلت المجلة. دفع مرتبات الموظفين وأهدى الاثاث الى مؤسسة ثقافية أحبها. عصراً حضرت بياني للصحف”.
تشعر انه صمد لوحده. عانى . أمتلأ قلبه بالمرارة. صباح الاحد 21-5-1967 نشرت جريدة “النهار” بيان توفيق صايغ الذي أعلن فيه ايقاف حوار كاملاً. في الايام التي تلت انهمك توفيق في البحث في المكتبات عن كتاب يقرأ ولكنه لم يجد. عرف انه يوم حزين وان الايام الحزينة ستنهمر علينا.
في تشرين الاول 1967 ودع بيروت وأمكنتها ومقاهيها والحسرة في قلبه ليتابع مساره الاكاديمي محاضرأ في جامعات برنستون وجونز هوبكنز وشيكاغو وتكساس وهارفرد وكاليفورنيا. وفي جامعة بيركلي انتهى مشواره في هذا العالم حيث فاجأته نوية قلبية حادة صباح الثالث من كانون الثاني 1971 وهو في مصعد العمارة التي يسكن فيها ودفن في مقبرة الغروب بين غريبين وكما تنبأ في أحد قصائده.
أذكر غير مرة أنني سألت الصديق الراحل الدكتور أنيس صايغ عن شقيقه توفيق وغيابه المبكر وموقعه في الدوحة الصائغية التي فيها فايز ويوسف وفؤاد ومنير.
قال : “كان توفيق يأنف من الشهادات الجامعية حتى انه كتب عند تخرجه في مجلة “الجامعة” منتقداً الشهادات مقالا بعنوان ” جلد الحمار” . قابلته في لندن قبل وفاته بثلاثة أشهر وتبين لي ان تأثره بايقاف مجلة “حوار” ما زال قوياً جداً. وهو ساخط على الاميركيين ومخابراتهم ومؤسساتهم الثقافية المخادعة، وعتب على الاوساط الثقافية العربية التي أساءت اليه ونالت من سمعته الوطنية دون ان تتحرى الحقائق وذلك بفعل الغيرة والتنافس. وأعترف، ولم يكن قد باح بذلك الى أحد، انه فكر بالانتحار جدياً في عام 1967 وما منعه من تنفيذ القرار خوفه من ان يعتبره الخصوم هرباً من مواجهة الحقائق واعترافا ضمنياً بصحة الشائعات”.
وبعد، هل نقول ونحن نتذكر توفيق صايغ بعد 45 عاماً على رحيله انه ما زال يحيا في قصيدة ولا يزال قلبه معلق في مجلة ” حوار” التي ساوت بمعنى ما وجوده وحياته وكرامته واسهامه الكبير. لعله ما زال يحلم بالكلمة التي تحيي وتميت.


سليمان بختي

شاهد أيضاً

تأملات حول السينما السودانية

منذ عُرضت الصور المتحركة لأول مرة، في القرن التاسع عشر، على يد الأخوين أوغست ولويس …