أخبار عاجلة

أمل الجبوري: (تسعة وتسعون حجابا) جدلية (الأنا – الآخر) في متوالية الحجاب

يتصدر الإهداء الموسوم (إلى سيدة الخسارات، والى المجهول… العشيق الأول والقاتل الأخير) مجموعة الشاعرة أمل الجبوري والتي وسمتها بـ (تسعة وتسعون حجابا) فالإهداء يمثل طاقة السلب من أرومة الذات, ويبدو التصريح العالي بهذه اللسانية صرخة للانعتاق من فكرة الضياع وانفلات المصير ربما تحت سلطات الممنوعات والتحريم ضمن ما تبثه لغة النص في معظم نصوص المجموعة بجرأتها وقوة خلقها وإنتاجها الدلالي وبناءاتها المحكمة وتكثيفها الشديد – إن العلاقة المتشابكة التي تقوم وتتمحور عليها بنية النص وهو ما انتج هذا التداخل الدلالي بمعطى لساني وفكري لأن بؤرة الكلمة تشع على الوجود وتحتويه بذاته، فهو التكشف وتشييد العلاقة بين المسكوت عنه المتمثل في طاقة الكلمة (حجاب) وبين الشعور الشخصي لتأويل حيز الجسد، إن ثمة توازيا يبدأ من رأس العلاقة الثنائية الجدلية عبر متوالية الحجاب التي تشكل دائرة لغوية مغلقة، ومن علاقة التقابل تبدأ أسطورة الجسد واغتراب الشاعرة التي تصرح بالتشبيه التالي في مطلع نصها (حجاب اينانا)ص15
«الديوان مقبرة والقصائد قبور في أجساد مختلفة بلدان وحكايات وأقداح ممتلئة بوهم يبدو حقيقة ووعد يبدو كأنه سراب ص15» إن الملفوظة الشعرية تحيل الفكرة إلى شيء من تلفظات الشفاهي المحكي (الوهم – الحقيقة – والوعد – السراب) حيث فكرة النص التي تقوم على الثنائية الضدية في آفاقها الفكرية العميقة في محور بنيوي يشكل الكل الحياتي الذي يتشكل بين الذات الشاعرة والعالم حين يحتشد بتفاصيل تشغل الحركة التبادلية أو الدائرة النصية حتى الوصول إلى المجهول الذي يتجسد في لغة الشاعرة وانقطاعها إلى فقدان الكينونة في هذا الحجاب.. وبالعودة إلى مرجعيات اليقين تثبت الشاعرة إحداثية نصية تقع على المحمول الميثولوجي الديني في نصها (حجاب قايين) تختتم الشاعرة النسغ الصوري للنص في جمالية تبث قدرتها البارعة على تحقيق أقصى شعرية التكثيف والإيجاز وتغامر بقوة في ارسالية ملفوظاتها مما يقع تحت افتراضات التفلسف الوجودي وتشكيل الوعي الانوي القسري لترسيم حدود الصورة الميتافيزيقية.
إن الشاعرة امل الجبوري لها القدرة على رفد النص بشعرية ذات صيغة قصدية تتبلور عبر ملفوظاتها المتسلطة في إسقاطات اللاوعي على الوعي ومن ثم تأسيس العبارة الشعرية في هيئة فضاء شعري يكاد يمتلئ  بموجزات صورية تكتنفها المفارقة حينا والتركيز الذهني الجدلي من خلال إحداثيات منتجة لأسيجة لغوية حينا آخر تشفرها ملفوظاتها الدالة على المفردة الكليانية التي تؤسس لبنيان النصوص كلها وهي (الحجاب)، ويقع التركيز الذهني على مسارات الألفاظ وتلك هي قدرة الشاعرة الفائقة في امتلاكها لديناميكية عالية خفية لرسم إيقاع وصدى الكلمة، وبين المفارقة والقصدية إعلان الخاتمة أو ملأ الفراغ المنصوص في حضور شديد للمعادل الموضوعي وتتمظهر هذه القراءة في نصها (حجاب حواء ص14) «لحواء لسانان وأربع شفاه اثنتان تسكنان الضوء واثنتان في القمة في الضوء تستطيلان كخط الاستواء في العتمة تنتصبان مثل عمود البامبوس لسانها الثاني لايجيد الا لغة واحدة.. ص14) إن هذه الثنائية التضادية في هذا النص تمظهرت في العلائق اللغوية من الاستهلال وحتى الخاتمة, ولا نكاد نلمس نجاة الشاعرة من هذه اللازمة عبر مساحة نصوصها ومحمولاتها الدلالية والتي تقوم تحت وطأة الشعور بالخيبة واللاجدوى من الشعر أو من كتابة الشعر حين اعلنت انها اعتزلت الكتابة، واحساسها العميق هذا بالإحباط والانتكاس تحول إلى قراءة افتراضية للغموض الكوني ربما، أو تجلي ارتباطها الوجودي بالوجود الشرطي، إن ثمة مخيلة متقدة ضاجة في فرن الكتابة تزدهي بلسانية صورية ممكنة تنضح بالحيوية والحرارة تحمل الالق والاتساع تصل بالقارئ إلى حدود التلقي والتفاعل والدخول في مرارات مزدحمة ومتعددة صادقة تقف أحيانا في مفترق الطرق، تجمع بين صور الشاعرة الواقعية والتخيلية وتتضح في نقائض المتواليات الشعرية مثل عناقيد لتعثر على معادلها الفني في أشكال الصراع وتجلياته ولتتحول إلى آفاق شعرية متعددة.
تجتهد الشاعرة امل الجبوري في تمفصل مجموعتها إلى حجب تكاد تغطي سيميائية وسيمولوجية خطابها الشعري، ففي حجاب الطيف يستبق المحمول الدلالي الخطاب ليشع على كثافة نصية تؤرخ لحياة كاملة تتقاطع فيها الأغلال في بنية زمنية تقع بين الحاضر والأزل، فالحضور هنا هو كينونة الشاعرة الهاربة من الحلم إلى الكلمة والوجود، وحين تتحرك الشاعرة باتجاه الجوهر، تمسك بلحظة الشعر, اللحظة الشعرية التي هي اختراق للمجهول الكوني: (الأغلال مثل ممرات بيوتك تنتهي كي لاتنتهي تلاصق الأجساد وتختم بيوتك بوشم الأزل وحاضر يفوق كل شيء في طيف لم يشخ | وأبواب لم تصدأ من الصبر أو الفقر ص23 حجاب الطيف) هذا إذا هو مايؤسس ليوتوبيا الشاعرة التي تمارس لعبة الحضور والغياب في جدلية حادة تتجاوز فيها نظاما آخر للوجود بين فردوس الشعر وبين لاجداوه، إلى الاحتفال البارع بالحدس والتشبث بالحياة لحظة الإمساك بالعالم وصيرورته الحلمية واللوغوسية، بين عزلة الذات في نظام (الحجب) وبين صدمات الوجود الذي يطارد حضورها، حضور كل الإضافات الملحقة بالحجب لاختراق العالم المرئي وهي تدخله بكل حواسها لتؤرخ لموتيفات قريبة أو شديدة المقاربة بالتعريف المتعذر تعريفه شعريا: (المدن نساء أو ثكنة عائدين من حرب غامضة طريق سريعة لشهوة عابرة أو جماع ابدي المدن أحزاب اليسار، أو أفكار يمين المدن تقنية لزمن مبتور لكن بيوتك التي تلبس وجه تريم، سيئون وشبام توقظ غفوة المعمار بعيون شبابيكها، ولغز أبوابها وترابها الذي يختزل عطر البخور..ص24 حجاب البيوت) إن الشاعرة تنقل الحضور الشخصي الوجودي في مصورة لوجودها المتعين ويوتوبياها الشعرية التي تصل بها إلى الجنون والفتنة الموؤودة بالحرام، حين يمثل الجسد تلك الملامح الشقية التي لها الحق في إثارة الشهوات، حين يتحول الجسد إلى أية للتقديس وترجمان الجمال ليتمم علاقته الأرضية به، في لحظة انبثاقه من الروح، فهو معطى للتشكيل الحقيقي للذات، (إن حيوية الجسد ليست ضم أجزاءه الواحد إلى الآخر وبالتالي هبوط الروح آتية من مكان آخر إلى إنسان إلي، الأمر الذي يفترض ان الجسد ليس له داخل وبدون ذات، هذا مايقوله ميرلو بونتي..) هذه الثنائية المتصادمة المهيمنة على أفق المجموعة الشعرية التي تتمحور نصوصها والتي تمثل البنى العميقة لها، تستوعب طقسا بريئا يمثل الطقس السحري للغة والصورة، تلك الطقوس السحرية التي تكلم عنها جيمس فريزر في كتابه (الغصن الذهبي)، هي فضاءات سحرية التحقت بالسحر التشابهي في لسانية ظاهرة، طافية، تطفو بالنص الى وثاقات دلالية تمثلها بنية الاستهلال وبنية الخاتمة في ضربة شعرية متقدة بالفكر والفلسفة ونكاد نقتفي آثارية مناخية للتشظي والانشطار حين تحول الحدس إلى انفعال مترع بإيحائية عالية عبر انزياحات استعارية متراكمة تمنح المتوالية الشعرية ضخها الشعري ونشوة الذات، ونستشف هذا من طبيعة الأفعال الأسلوبية الشعرية، فالذات الشاعرة هي الراوي العليم الذي يغطي معظم مساحة النصوص في خرائطها الدلالية  وتمظهرها السحري الصادم في تكرارات تتموقع على شكل انثيالات لاحدود لها: (الحجاب عنق نزلت منه انهاري، جنوني حروبي وفتنتي الموؤودة بالحرام الحجاب خطيئة التي تحج إلى كعبة الجسد لكن الوشايات عربات بخيول جامحة تنتهك الحجاب.. ص27 حجاب الانتهاك)  وفي حجاب الشهيق ص31 تتحقق هذه المعادلة المعادلة الصادمة التي يعبر عنها سارتر(هل الآخر هو الجحيم.. أم فردوسها؟) فما معنى انزياح الصورة في جدلية حادة ثنائية بين الأنا والآخر وتحرك هذه الجدلية بأسئلتها الاشكالوية في مناخات ضاجة بالانشطار والتشظية ؟ هل أن الشاعرة تسعى إلى المراوغة في حركة التشكيل حين تستدعي وجودها الملتبس وهي تواجه دهشة التغييب وصدمته، وبعثرة وضياع الذات في الفاصل الكينوني وغياب وحضور الآخر معا: (أن تكون حرا في مالا تريد… حجاب أن تكون مقيدا في ما تريد… حجاب فما معنى أن تكون رئتي طافحة بك دون أن يكون لها حق الشهيق باسمك..؟) (حجاب الشهيق ص31) إن كل نص من نصوص المجموعة يشكل مشهدية تحفل برموز الحضور والغياب وتمتد إلى آفاق حياتية تشع بلغتها الحادة على العالم في موشورات ترشح شعريتها من الداخل في أجواء من الأحاسيس والعواطف والشجن إن ثمة إحباطا نفسيا باطنا يخيم على آثار النص وينعكس على الذات الشاعرة وبالتالي تفرزه المخيلة بهكذا غمر واسع يوسع الفضاء في تحقق النمو الدلالي وتنويعه داخل مشهدية تراجيدية مركبة، إن في ذات الشاعرة جوهرة غامضة هي جوهر الشعرية تلك التي تحاول إرسالها باستثمار الواقع وموجوداته وتقدم لنا الشاعرة ثنائية مغلقة حيث لا يوجد تجانس على مستوى الدال، لقد أشار جون كوهين في كتابه (بنية اللغة الشعرية) إلى أن التماثل في البنية يكون على صعيد الدال كالتجانس، وعلى صعيد المدلول كالترادف، وثمة تماثل على صعيد العلاقة، إن الشاعرة امل الجبوري في حركة من الذات إلى العالم الخارجي لتشاكس توقع القارئ وإدهاشه بعيدا عن القولبة الإيقاعية: (اعشق وأحدق صوب الخلود وأعيش وعيني على الفناء اعشق لأتزوج الذكريات وأعيش لأخون النسيان ص42 ــ حجاب الفناء) وتؤسس الشاعرة نصها من قاموس لساني من توالي الدوال في سلسلة من موتيفات تعريفية تضخها شعريا في وحشة المعنى لتوقظ القارئ إلى ضرورة الإصغاء العميق لنصها في أبعاده الانثروبولوجية والسيكو ثقافية وتتمظهر هذه الاشتغالات في (حجب اللغات) ومنها:(جسد الزمن: القارات أعوام لبيوت جدرانها القلق. الأشهر بلدان محايدة. الأيام مدن لعوب. الأسابيع شوارع متشابكة. والساعات قرى تطير. تتبادل أعضاء الزمن أدوارها في جغرافية الجسد. تنهض الأيام، توقض الأعوام من شيخوخة آتية فيركض الزمن غزالة شريدة من فك الصياد لتتبادل الأسابيع والأشهر لقاءاتها الزوجية فيجثم الزمن سلحفاة فوق أنفاس الملل..ص108 حجاب جغرافية الزمن) تجتهد الشاعرة على تبئير طبيعة التحولات الكيانية شعريا عبر إقامة متواليات ثنائية تتسارع في اغترابها وانغلاقها، وبعد مخاض عسير تسعى إلى اجتراح معادلها الكلي في انفتاحها الرامز والمقروء على كل الاحتمالات، عبر تفجير رؤية استكناهية تتسلل إلى باطنية النص بالمخيال الانزياحي ، حيث نقرأ هذا التوازي المشفر من خلال تحولات داخل النص تلك التحولات التي تقود الأنا إلى البوح والإفصاح حينا والى تصعيد المحمول الدلالي  على صعيد المحمولات اللفظية حينا آخر ومواجهة المتلقي ودخوله بؤرة الحدث وتمفصلاته المتشظية، تلك هي حركة الذات المثخنة بالوحشة والانكسار ضمن دائرة المجهول……….
 
شاكر مجيد سيفو
شاعر وكاتب من العراق

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …