أخبار عاجلة

أنطوان أرتو وتثوير المسرح

مقدمة
لقد حاول مسرح العشرين إعادة الاتصال مع الأصول المسرحية المزالة منها الصفة البرجوازية، والعودة إلى الأساس، انطلاقا من الثورة التي قام بها الرمزيون والسرياليون، واكتشاف الأشكال الدرامية الغريبة التي سوف تساعد على تطوير الأبحاث المسرحية، وقيادتها نحو أشكال جديدة ذات جماليات متنوعة عالية، مثل، وضع جسد الممثل على المسرح الذي صار يشبه إلى حد كبير جسد الراقص، بفضل اللعب بالإنارة الذي أعطى قيمة إلى الحركات التي يقوم بها، أثناء انتقالاته، وتعبير وجهه، وعمل المخرج الذي أصبح متفوقا، سواء في قيادة الممثل، أو في بحثه عن (تطابق الهوية)، وفقا لمنهج ستانسلافسكي، أو في تنظيم الفضاء، والإضاءة، والصوت.
وبمواجهة أندري أنطوان، تبنى جاك كوبو1 أفكار(Luguné-Po)2 مستوحيا في ذات الوقت نظريات كوردن كريك، وأدولف أبيا في محاكاتهما للبساطة، والتجريد، والأسبلة. ومع اكتشاف المسرح الشرقي من خلال قدوم فرقة مسرح بالي في عام 1931 إلى باريس، التي أثرت كثيرا على أنطوان أرتو وتركت انطباعا قويا عليه، وكذلك مسرح النو الياباني، ومسرح خيال الظل في الدراما السنسكريتية، اكتشف المسرحيون الأوروبيون لغة جديدة دعتهم لأن يعيدوا التفكير في مسرحهم وفي الوهم المستخدم فيه. وقد ابدي انبهاره هنري ميشوا في أعاجيب وثراء المسرح الصيني، في كتابه (البربري في آسيا3)، ، في حين كتب جان جينية، في نص (كيف يمكن تمثيل مسرحية الخادمتان4): لا نستطيع إلا أن نحلم بفن يتشكل من مجموعة متشابكة من الرموز العميقة النشطة، القادرة على التحدث علنا إلى الجمهور، بلغة لا تكون بالضرورة مسموعة، ولكن أن يكون فيها كل شيء حاضرا). وقارن أنطوان أرتو من جانبه، ممثلي مسرح بالي بالطلاسم الهيروغليفية الكبيرة، عندما جمع كتاباته التي كتبها في عام 1932، في كتاب (المسرح وقرينه) الصادر في عام 1938. متأثرا بالجانب الميتافيزيقي للمسرح الشرقي، مفتونا بالدم والمأساة. مناديا بمسرح القسوة الميتافيزيقية القادرة على جرح الروح، التي بفضلها قد يستعيد البشر أصولهم المقدسة. وإذا شاء المسرح أن يصبح حفلا، وفقا لأرتو، فيقتضي عليه أن يكون قاسيا مع نفسه. ودعا إلى تعزيز الإخراج والحركة، ورفض المسرح السيكولوجي والمسرح الذي يحكي قصة. وطالب بالعودة إلى الأساطير وسحر الشرق للتعبير الجريء عن أعمق النزعات المحتملة في العمل البشري. وهو ما يسميه (بمسرح القسوة) وطالب بأن يكون التمثيل متطرفا، فلا قائمة للمسرح إلا منذ اللحظة التي يبدأ فيها المستحيل. وطالب بخلق الوسائل الضرورية واللازمة لحدوث (ردود الأفعال) لدى المتفرج، لانتزاعه من خوفه الكبير ومن سكونيته وسلبيته. ورغم أن أرتو قد وضع اللبنة الأولى لكثير من الأسس التي قام عليها مسرح اللامعقول إلا أنه لم تتح له الفرصة المناسبة ليضع نظرياته موضع التنفيذ. ولكن يبقى فضل أرتو كبيرا على معظم الكتاب المسرحيين المعاصرين، الذين طوروا بدورهم ذوقهم باتجاه مسرح الصورة، كرسالة بصرية أساسية، بإعطائهم الكلمة مكانة ثانوية.
قراءة في كتاب (المسرح وقرينه) … أنطوان أرتو
سنقوم هنا بقراءة بعض فقرات كتاب (المسرح وقرينه). يعمل أرتو في هذا الكتاب، على تأسيس مسرح من شانه أن يستعيد قوته من خلال توحيد الجسم بالعقل، والمجرد بالملموس، والإنسان بالعالم. ولد أرتو في عام 1896 وتوفي في عام 1985 في مدينة مارسليا الفرنسة. وقد عانى من اضطرابات نفسية في وقت مبكر من عمره. ولم يبق لنا منه حتى يومنا هذا، إلا النظريات الأكثر راديكالية في المسرح الحديث. فهو واحد من آباء المسرح اللامعقول. انتقد في هذا الكتاب المسرح الغربي الذي بموجبه لا يركز إلا على الكلام، والعقلانية، وأعرب عن اعتقاده بأن المسرح قد فقد صحته عندما اتجه نحو الترفيه والتسلية.
يتألف كتاب (المسرح وقرينه)، من مجموعة محاضرات نشرها المؤلف، من بينها (المسرح والطاعون)، و(الإخراج والميتافيزيقيا)، ومقالات أخرى حول ( المسرح والخيمياء)، و(المسرح الشرقي والمسرح الغربي)، و(عن المسرح في بالي)، كما يشتمل على بحثين عن (مسرح القسوة) نشرهما على هيئة منفيستو أول ومنفيستو ثاني، وقد أحدثا ضجة كبيرة، مع العديد من الرسائل بين عامي 1932- 1937. يطرح أنطوان أرتو، من خلال هذه النصوص المتنوعة، أفكاره المسرحية التي هزت سبات الثقافة الغربية التي بدت له راضية عن حالة تجمدها، باعتبار (الكلمة في المسرح هي كل شيء ولا وجود لأي إمكانية خارجها)، وإن المسرح هو فرع من الأدب ونوع ثانٍ من الكلام. مقترحا رؤية أساسها الممارسة المسرحية العملية، وهذا ما خلق (نظاما نقديا هزّ التاريخ الغربي بأكمله)، مثلما يقول جاك دريد5.
تسعى نظرية أنطوان أرتو إلى التأكيد وبشكل واضح وصريح على أن النص لا يصنع مسرحا وإنما الإخراج هو الذي يعتبر الأساس الحقيقي للمسرح المعاصر. وقد ركز في أفكاره على الممثلين الذين يرسمون الفضاء بتحويلهم النص إلى حركات، ولكنه يأخذ بعين الاعتبار أيضا بالموسيقى، والصوت، والإضاءة، الاكسسوارات، والأزياء … والخ. أي إن أرتو يتعارض وبشكل قطعي مع المسرح مثلما هو في الغرب.
إن مفهوم الإخراج جديد للغاية، ويعود تأريخه إلى القرن التاسع عشر، أي إلى العصر الذي حدد فيه أندري أنطوان وظيفة الإخراج في المسرح. وقد تجاوز أرتو حدود هذه الوظيفة إلى ما هو أبعد، عندما كتب: ( لم يعد الإخراج مجرد انعكاس لنص على مسرح، بل نقطة انطلاق كل خلق مسرحي، ومن دونه فإن المسرح لا يساوي شيئا)6. إن هذا الموقف المتطرف يتضمن ثلاث نقاط رئيسية، هي:
– رفض النص
– استبدال النص باللغة المسرحية
– تجديد وظيفة المسرح من قبل الجمهور، ووضعه تحت مصطلح مسرح القسوة.
رفض النص
إن رفض النص يتم في ثلاث مراحل: نلاحظ أولا وقبل كل شيء، رفض نص المؤلف، وهذا يعني النص المكتوب، والكلام الواضح. إنه يرفض اللغة التي تعبر عن وجهة نظر الدراماتورج في فرنسا. وإذا كان يرفضها، فذلك لأن لها علاقة بعلم النفس، الذي بالنسبة لأرتو، لا يمكن أن يكون إلا غير مجدٍ. إن أرتو يعترض على مفاهيم ومعايير المسرح الغربي لأنه (من النوع الذي يعتمد على النص)، مثلما يعترض أيضا على حيوية مسرح البوليفار نفسها في ذلك الوقت، التي خلقها أندري أنطوان. وهذه هي أيضا ردود فعل جاك كوبو، الذي عمل في بداية القرن العشرين مخرجا في مختلف الفرق المسرحية. وهي أيضا نوع الأفكار التي يمكن نسبها إلى مسرح الكارتل. ومسرح الكارتل يعني تعاهد أربعة مخرجين على العمل معا في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، وهم: شارل ديلان، لويس جوفيه، غاستون باتي، وجورج بيتوييف. وقد وحد بين هؤلاء المخرجين الأربعة اتجاه واحد كبير يقوم على أساس المعارضة الشديدة لمنهجين متطرفين: منهج المسرح التجاري الاستهلاكي، ومنهج الكلاسيكية الأكاديمية الذي دعا إليه جاك كوبو. وقد عمل هؤلاء المخرجون على نصوص كبيرة (كاعتراض على مسرح البوليفار) ولكن أيضا على بعض النصوص الحديثة لكتاب ، مثل : جان جيرودو، بول كلوديل، جان جينيه، وصموئيل بيكيت.
لقد كان أرتو يحلم بمسرح آخر، مختلف كل الاختلاف عن المسرح الفرنسي الذي كان ما زال يبحث عن التوازن بين النص والعرض، وخاصة بعد أن انضم لرواد حركة (السريالية) الذين كانوا ينددون باتخاذ مسافة عن كل ما هو (أدبي). وإذا كان أرتو قد انضم إلى الحركة السريالية، فهو سرعان ما تخلى عنها وذهب بعيدا في تفكيره الذي كان يرفض الفكر الماركسي الذي توجه نحوه بريتون. وعلاوة على ذلك، أن أرتو كان يتهم السرياليين بمهاجمتهم للغة الواضحة، والتواصل العادي، في الوقت الذي كانوا يستخدمون دائما واحدة من الاثنين.
ويشمل هذا الرفض أيضا الروائع ، فيعنون إحدى مقالاته المنشورة في الكتاب (فلننته من الروائع). إنه يرفض اللجوء إليها بشكل أبدي، ويتجه نحو الإبداع الجديد، وتجديد هذه الروائع من خلال الكتابة الجديدة، لتحريرها من تقاليد الماضي. ويتناول مسرحية (أوديب ملكا) كمثال، ليكشف عن القوى الهائمة على وجهها، وثيمة الحب المحرم بين الأم وابنها، وفكرة سخرية الطبيعة من الأخلاقيات، يقول، إن هذا النص يجسد بشكل مادي تلك القوى، وكل هذا تحت ثياب ولغة فقدت كل صلة بالإيقاع الخشن الذي كان لذلك الوقت، ولكنه يظهر أيضا أن النص لم يعد ملائما لعصرنا. إذن إن أرتو يثير المشاكل المتعلقة باللغة نفسها، التي تمثل بالنسبة له، نوع من الاتصالات المجردة تماما، والتي فقدت قوة علاقتها مع الواقع، ويوجد هناك تباين بالتأكيد بين الواقع كما هو والواقع المُعبر عنه عن طريق اللغة. يقول، يوجد في اللغة الغربية نوع من (التحجر الكلامي) وإن كلماتها (متجمدة). إنه مثل مالارميه، الذي يعتقد أن الكلمات قد فقدت قوتها الاستذكارية، وقوتها الموسيقية، وإمكانيتها على إثارة العواطف. وهما بهذه الطريقة ينضمان إلى رأي كلوديل الذي يرى أن وظيفة الشاعر هو إعطاء معنى آخر للكلمة، شأنه شأن الخالق الذي قام بتسمية الأشياء. وقد غير أرتو وجهة هذا المفهوم عندما نقله إلى المسرح، بعدما دمرّ اللغة من أجل رفضها على نحو أفضل. ويهاجم أرتو أيضا علم النفس، خاصة، عندما يكون النص مرتبطا به ارتباطا جوهريا. يقول: (إن المسرح أصبح مسرحا للقص، إنه يروي علم النفس). ويشمل هذا التأكيد مسرح عصر النهضة ومسرح بريشت. إن أرتو يريد من الرسائل المسرحية أن تتجاوز علم النفس، وأن يتوقف القارئ عن تقمص الشخصيات المحللة على خشبة المسرح. وهذا يعني أن الرسالة المسرحية في مفهومه، لها مفهوم فكري محض. وأخيرا، من أجل رفضه للغة، يعرض أرتو الإخراج، لأنه في المقام الأول، هو إخراج لنص مكتوب مسبقا (سواء كان كلاسيكيا أو حديثا). وهكذا تتميز نظريته عن جميع النصوص النظرية الأخيرة التي ظهرت في فرنسا في ذلك الوقت. كان جاك كوبو، على سبيل المثال، يبجل ويعظم مسرح المصطبات العارية théâtreux nu ، فبالنسبة له، إن المسرح يجب أن لا يكون مجرد مكان تنبثق فيه وتسيطر عليه عوالم شخصية بقدر ما هو فضاء يجب أن يتأسس على الفهم الحقيقي للعلاقة القائمة ما بين الكاتب، الممثل، والمخرج، لأن العمل المسرحي، عمل جماعي، ولا يملك المخرج فيه سلطة عظمى أو مطلقة، مثلما تم تخيل ذلك من قبل (كوردن كريك). إن جاك كابو لم يقم إلا بتجريد المسرح، من أجل جعله بسيطا، وأفضل لعمل الممثلين على النص. إن هذا المفهوم بالنسبة لأرتو بمثابة انحراف وإن المسرحة يجب أن تكون في المقام الأول بدنية.
لغة تتوجه إلى الحواس وليس إلى العقل فقط
يجب على اللغة من الآن فصاعدا أن تتوجه إلى حواس المشاهد وليس إلى عقله فقط. وينبغي على البناء الكلي للخشبة أن يخاطب المتفرج وفقا لمفهوم أرتو: الإضاءة، وعناصر الديكور، والأزياء، وإن عمل المخرج يقوم على الجمع بين هذه العناصر معا لأجل خلق لغة مسرحية جديدة. وبدل اللغة الواضحة، يفضل أرتو لغة الإشارة، مستوحيا ذلك من المسرح الشرقي الذي يستند في المقام الأول على الإشارات لأنه مسرح مشفر، مثل الكتابة الهيروغليفية. وإن عرض مادة ما فيه بمثابة عرض لفكرة: تقديم طائر في عين واحدة مغلقة هو عرض لليل. إن هذا التلاعب في الحواس والمعاني لا يأتي أو يتحقق من خلال العمل على النص، وإنما يتم بصورة مباشرة على المسرح. وإن نتائج مثل هذا العرض له قيمة تعبيرية أكبر بكثير من تلك التي تنتجها اللغة الواضحة. إن عملية اكتشاف الكلمة من خلال معناها الذي ينتج صدمة عاطفية يسمح للمشاهد بعقد علاقة مع المبدع نفسه. يقول:(علينا أن نؤمن في شعور تجدد الحياة من خلال المسرح)، وهذا هو التحدي في جميع تنظيرات أنطوان أرتو، وفي هذا المبدأ يكمن ما سيدعوه أرتو فيما بعد بمسرح القسوة. إنه يقارن المسرح بتجربة الطاعون والآثار التي يخلفها المرض على الجسد، وهذا يعني، هذيان المريض الذي ينتج انهيارا في كل أماكن جسده، وفي جميع سياقاته الاجتماعية. ويُعرف أرتو المسرح أيضا بأنه فن (مجاني)، وهو يشير هنا إلى مجانية لعب الممثل الذي يحاكي الأحداث التي تعبر عن الفوضى الاجتماعية التامة، (المُجسدة من قبل الحروب والثورات …)، وانتشار الطفح الذي نجده لدى المصابين بمرض الطاعون. وهكذا يصبح المسرح شيئا فشيئا بالنسبة للناظر إليه مكان للتفريغ العاطفي بقوة تماثل قوة الوباء. ولكي يعمق هذا المفهوم، يستخدم أرتو نظرية القديس أوغسطين الذي يعتقد أن المسرح هو خطر مثل الطاعون. ولكن الفرق بينهما هو أن الطاعون يقتل دون أن يقضي على الأعضاء، في حين أن المسرح لا يقتل، ولكنه يثير أكثر التغيرات غموضا، لا في فكر الفرد، بل في فكر شعب بأكمله. إن هذا الهذيان الأخلاقي الذي ينتجه المسرح يمكن أن يكون معديا. إن هذا المنطق يقودنا إلى مفهوم المخرج الأمريكي جون فورد الذي يفكر مثل أرتو تقريبا، باعتبار أن المسرح يكشف من خلال تطرفه العنيف عن عمق اللاشعور الفردي والجماعي المليء بالقسوة. يقول أرتو: (إن كل الأساطير العظيمة سوداء). ولا يمكن أن نتصور كل الحكايات الرائعة التي تروى للناس، خالية من المجازر، والتعذيب والدم المسكوب. إنه يشبه المسرح بالطاعون، أي إن تأثير المسرح من وجهة النظر الإنسانية، كتأثير الطاعون، يقول: ( إنه نافع، إذ يدفع البشر إلى أن يروا أنفسهم كما هم، وهكذا يسقط القناع، ويكشف الكذب، والنذالة والنفاق. إنه يكشف للجماعات عن سلطانهم القاتم، وقوتها الخفية، ويدعوها إلى أن تتخذ، أمام القدر، موقفا بطوليا ساميا، لولاه لما اتخذته أبدا). وتأخذ القسوة هنا لدى أرتو معنا خاصا، إنها شعور منفصل ونقي، وعلى المسرح أن يقدم الحياة في شموليتها، في مجملها، بكل ما تحمل من أثقال ومتاعب. ولهذا يأخذ أرتو المسرح الشرقي كنموذج، لأنه يتأسس على (الميتافيزيقيا)، على عكس المسرح الغربي الذي لا يعتمد إلا على علم النفس. بالإضافة إلى ذلك، لا توجد في المسرح الشرقي لغة للكلمات، بل لغة مكتوبة من الحركات، والوقفات، والإشارات، ولكل من هذه العناصر، من وجهة نظر الفكر العامل القيمة البيانية التي تتمتع بها اللغة الأخرى. لهذا يقترح أرتو فكرة عرض شامل لا بد من بعثها.
انطلاقا من هذه المقدمة الاستعراضية لأهم مرجعيات أرتو النظرية، كيف يمكن لنا موضعة أرتو من الناحية التاريخية ومقارنته بماذا وبمن يمكن موضعته؟ وما هو تأثيره ونفوذه بعد أعوام 1930؟ (تأثيره سيكون متأخرا بعض الشيء لأنه قد تم الالتفات إلى أفكاره حقا في سنوات السبعين، على الرغم من تأثيره على أبناء جيله)، ثم أن الأفكار التي تناولها أرتو تطرح مشكلة علاقة النص بالكاتب وفي المخرج.
في مطلع الستينيات، وبعد عشر سنوات على موت أرتو، كثيرون ممن يعملون في حقل المسرح، تبنوا نظرياته وآراءه الجديدة وخاصة مؤسسي المسرح الحي جوليان بك وجوديث مالينا، Le bread and Puppet theatre، وروبير بوب ولسون، غروتوفسكي، وهكذا ظهرت وتألقت دمي ارتو الضخمة الحجم التي كان يستعملها في مسرحه، في عروض مسرح Le bread and Puppet theatre الذي يمزج بشكل قصدي وإرادي صورا وأشكالا يستعيرها من مختلف التقاليد الدينية، ابتداء من العبادات الوثنية إلى المسيحية مرورا بالميثولوجية الإغريقية (عرض Fire، عام1966) مثلما نجد دمي ارتو الضخمة أيضا، في عروض بوب ولسون (Civil Wars, 1988, Death, Destrution and Detroi, 1977)، وفي عروض تاديوز كانتور. ومع هؤلاء المبدعين المحدثين في مجال المسرح، أخذت الحركات والإيماءات، أبعادا طقسية مقدسة، مثل هذا الذي يعبر باستمرار المسرح راكضا، في عرض النظرة الأصم ، عام (1970)، لبوب ولسون. إن هؤلاء الفنانين جميعا يتعاملون مع المسرح باستمرار، مثل مكان خارق، تجربة غير مستقرة طوعا أو مثل مكان جذاب وفي نفس الوقت، خطر ويحتاج إلى المغامرة. إن جوليان بك وجوديث مالينا، اشتعلا في عرضيهما (1966، The Brig، والجنة ألان،1968) في هذا الاتجاه والمعني أيضا، أي أنهما، واجها المتفرج بصور وحشية ومتطرفة لدرجة أن ضمنا الحدث نفسه، في بعض الأحيان، بعضا منها وألصقوها بالفعل، بحيث أصبحت جزءا منه، أما غروتوفسكي (صاحب المسرح الفقير) فقد سعى في عروضه إلى خلق طقوس مسرحية حديثة مستوحاة من الطقوس الدينية القديمة، لغرض: إثارة الدهشة والإعجاب، والإيحاء، واستفزاز الطاقة العضوية للمتفرج والممثل في الكلمات والإشارات السحرية. ولم يكتف بهذا وإنما أضاف عناصر أخرى وظفها لاستفزاز الجمهور وإرغامه على المشاركة فيما يجري من أحداث (مسرحية الأمير كونستان،1962). في حين أن تاديوز كانتور، متبعا نفس الرغبة في إقحام المتفجر في كيمياء العرض من خلال تغذية عروضه بذكرياته الخاص، المعاشة منها والمتخيلة، ملتجئا في ذلك إلى القيء والرغبات التي يمكن أن يشترك فيها كل فرد من الأفراد (مسرحية الصف الميت، عام1977).
أفكار تعارض التقاليد علنا
منذ العصور القديمة، والمسرح هو في المقام الأول نص، أما الإخراج ما هو إلا تابع له، بديكوراته، وحركاته، وأزيائه … ويؤكد أرسطو على أن الإنتاجات الأدبية تتضمن بالضرورة النص، وبشكل خاص المأساة التي هي تقنية تكوين النص يحكمها المضمون والفعل. وإن الدور الذي أعطاه أرسطو إلى اللغة يعتبر غاية في الأهمية، وخاصة في المسرح، لأن اللغة هي انعكاس للكرامة. وهي تختلف عن اللغة المشتركة، وتعوض عن أوجه القصور.
إذن، أن العرض يعتبر منسقا للنص، وإن الرثاء الذي ينتج عنه لعب الممثلين، ما هو إلا مكمل له. وهناك أشياء قليلة جدا في كتاب (فن الشعر) لأرسطو حول العرض، وإن وجدت فهي تشير بشكل ظاهر إلى كونه مكملا للنص. وفي القرون الوسطى، تم تطوير حرية العرض سواء في المسرحيات الجادة (الأسرار) أو في المسرحيات الشعبية (الفارس). ومع ذلك، هناك اعتماد كامل على النص. أي أن جهود الإخراج في العصور القديمة كانت صغيرة جدا أو بالأحرى تكاد أن تكون غير موجودة.
المنظرون والمسرح
إن المقدمات التي تتناول النوع المسرحي كثيرة جدا، ولكن غالبا ما تكتب من قبل الكتاب الذين هم ليسوا من الكتاب المسرحيين، مثل: جان جاك روسو (خطابات حول العروض)، وستندال (راسين وشكسبير). إذن هناك عديد قليل جدا من المخرجين الذين نظروا للمسرح، هذا إذا استثنينا موليير، الذي هو في نفس الوقت، ممثلا، مؤلفا، ومخرجا. وفي القرن العشرين فقط أصبح المؤلفون مخرجين أيضا، وهذا يمكن ملاحظته عند بريشت وأرتو. والسبب يعود في تقديرنا إلى أن مفهوم المخرج لم يكن موجودا حتى القرن التاسع عشر. وقد كان الممثلون يتدربون على النص في الغالب مع المؤلف ولكن كان من السائد أيضا، أن مدير المسرح الذي كانت تعرض فيه المسرحية يقوم هو عادة بإخراج النص وقيادة الممثلين. ولم يبدأ التنظير للإخراج المسرحي إلا في نهاية القرن التاسع عشر، ولا سيما بعد الإمبراطورية الثانية7 ، وبعدما أصبحت إبداعات الرومانسية نادرة أكثر فأكثر، وهذا مما فسح المكان والمجال إلى أعمال الفودفيل والأوبريت. ونعود إذن إلى مفهوم المسرح باعتباره حدثا، لنشير إلى أن أول شخص أراد فعلا أن يوحد جميع العناصر المسرحية هو أنطوان أرتو، وإعطائه قيمة كبيرة إلى النصوص بإخراجها إلى المسرح، وأنشأ قطيعة جذرية برفضه النص لصالح الاحتفالية في العرض. وقد اعترض المخرج جان كوبو على هذا المفهوم، باشتغاله على مفهوم (المصطبات العارية)، وتجريد المسرح من الديكور، والأزياء وتسليط الضوء على النص.
أرتو وقلق البحث عن مسرح جديد
يناقش أنطوان أرتو في كتابه (المسرح وقرينه) الذي صدر عام 1938، مسألة المسرح (الخالص). ويحتوي هذا الكتاب على خمسة عشر مقالا مكتوبا بين 1931 و1936. وإن عنوانه هو غاية من الأهمية ويحيل إلى العديد من المعاني والدلالات: المسرح وقرينه.
كتب أرتو، من الباخرة التي أقلته إلى المكسيك في 25 يناير سنة 1936 إلى )جان بولو(8 ليقول له: (أعتقد أنني وجدت العنوان المناسب لكتابي. وسيكون المسرح وقرينه، لأنه إذا كان المسرح قرينا للحياة، فالحياة قرينة بالمسرح الحقيقي)9. ومع ذلك، فعندما يستدعي أرتو القرين، فإن هذا المصطلح لا يعني انعكاسا بسيطا للواقع. يقول:( يجب أن نعتبر المسرح قرينا، لا لذلك الواقع اليومي المباشر الذي أصبح، شيئا فشيئا، مجرد صورة جامدة منه. بل قرينا لواقع آخر نموذجي، وخطير)(مجلد 4 ص 46)، وقال أيضا:( هناك ما بين المسرح والحياة فصل سخيف)(مجلد 4 ص218)، ويضيف: (إذا كان المسرح قد فقد منذ فترة طويلة كل اتصال مع الواقع، فبإمكاننا أن نحيي هذا الاتصال)(مجلد 4 ص227)، أو ( ليس الفن محاكاة للحياة، بل إن الحياة هي محاكاة لمبدأ متعال يضعنا الفن في تواصل معه)(مجلد 4 ص242). وهذا هو الشيء المعقد في أفكار أرتو، ولكن، إذا كان المسرح لا يعرض ولو جزءا بسيطا من الواقع، فماذا يشاهد المتفرج من على المسرح بعد ذلك؟ ولتوضيح هذه النقطة، لا بد لنا من مقارنة أفكار أرتو التي تتعلق في المسرح الشرقي والمسرح الغربي. لهذا نقترح أولا معرفة حدود المسرح الغربي. ثم سندرس بعد ذلك إمكانية المسرح الشرقي، لكي يتسنى لنا تحديد معنى المسرح الخالص لدى أرتو.
موقف أرتو من المسرح الغربي
نحن نعلم أن أرتو قد تأثر ببعض الثقافات الأجنبية، مثل الثقافة المكسيكية والبالية، مثلما نعلم أيضا أنه لم يتوقف عن انتقاد المسرح الغربي والإشادة بالمسرح الشرقي. ما هي عيوب المسرح الغربي؟ يجب أن نتصدى لمسألة اللغة، التي تقع في مركز بحث أرتو. إن عدم ثقته باللغة يظهر في مقدمة كتابه المسرح وقرينه: (يعني تحطيم اللغة من أجل لمس الحياة، وصنع المسرح أو صنعة ثانية)(مجلد 4 ص14). لماذا ينبغي تحطيم اللغة من أجل القيام بصنع المسرح؟ لأن اللغة لا تمتلك الخصائص المسرحية التي يبحث عنها، كيف (يترك-على الأقل- المسرح كما نعرفه في أوروبا، في مركز ثانوي كل ما هو مسرحي بحت، أي كل ما يخضع للتعبير، بالكلمات، أو إذا شئتم، كل ما لا يشتمل عليه الحوار).(مجلد 4ص35.) إن هذا الاستشهاد يوضح أن العناصر في المسرح يجب أن تكون حرة: كلام، كلمة، وحوار. ويلخص أرتو سمة المسرح الغربي في تفوق الكلمة: (الكلمة في المسرح كل شيء بالنسبة لنا، ولا وجود لأي إمكانية خارجها)(مجلد 4 ص66). إن حدود المسرح الغربي يكمن في اعتماده على الكلمة بشكل مفرط. لماذا الكلمة هي التي تقوم بتحديد وتقويض المسرح ؟ إن جاك دريدا يحلل بدقة أفكار أرتو في (مسرح القسوة، وحدود التمثيل). إنه يسمي ستة موضوعات ليس لها علاقة بمسرح القسوة. فهو يعتقد أن الجوهر العميق لمشروعه وقراره التاريخي-الميتافيزيقي، إنه أراد مًحْو التكرار بعامة: (كان التكرار هو في نظره أصل الدَّاء، ويمكن بلا شك أن ننظم قراءة كاملة لنصوصه حول هذا المحور)10. لكن الكلمة تحتوي بالفعل على تكرار الحروف، لأن الكلام ينتمي إلى النظام اللغوي الذي يجب أن يكون المعنى فيه معروفا، وأن يبقى هو نفسه. إذن، إن رفض التكرار في المسرح يكاد أن يكون مستحيلا طالما يتدخل فيه الكلام.
أنا أكتب للذين لا يقرأون ولا يكتبون
إن موقف أرتو ضد الكلمة يظهر أيضا في عملية الكتابة. وسنقدم تعريفه للحوار:( الحوار- هو شيء مكتوب وشفوي- ليس ملكا للمسرح خاصة، إنه ملك الكتاب) (المجلد 4 ص36)، ويقول في رسالة موجهة إلى كريميو 1931: (يخيل إلي أن، على المسرح-هذا الفن المستقل- إذا ما أراد أن ينبعث أو ببساطة أن يعيش، فهو عليه أن يؤكد وبوضوح، على المسافة التي تفصله عن النص وعن الكلام الخالص وعن الأدب، وجميع الوسائل الأخرى المكتوبة والمثبتة) (المجلد 4 ص102). إن عملية الكتابة تستند على وضع النص. وبالنسبة لأرتو، إن جوهر المسرح يكمن في الحركة الملائمة. ويذكر في كتاب المسرح والآلهة، الذي صدر في عام 1936: ( فالمسرح الحقيقي مثل الثقافة لم يكن مكتوبا أبدا)(المجلد 8 ص165). إن أرتو يتهم اللغة، إلى حد قوله: (أنا أكتب للذين لا يقرءون ولا يكتبون). ولكنه لا يجرؤ على التخلي عن اللغة. وبدلا من تقييد إمكانيات المسرح، إنه يحاول توسيع لغة الخشبة وإدخال لغة جديدة، مستقلة عن الكلمة قائمة بذاتها: (أقول إن خشبة المسرح مكان مادي ملموس يطلب منا أن نملأه، وأن نجعله يتكلم لغته الملموسة) (المجلد4 ص36). أين توجد هذه اللغة الجديدة التي تناسب المسرح الذي يختلف عن الكلمة؟ إن أرتو يبحث عن هذه اللغة في المسرح الشرقي.
أرتو ومسرح بالي
شاهد أرتو في عام 1931 مسرح بالي في باريس، في معرض المستعمرات. وقد أتاحت له هذه الفرصة بتعميق أفكاره المسرحية، وبشكل خاص تلك التي تتعلق في إمكانية الطعن في هيمنة الكتابة. ويحتوي كتاب (المسرح وقرينه) مقالين يخص فيهما الثقافة الشرقية: (عن المسرح في بالي)، المكتوب في عام 1931، و(المسرح الشرقي والمسرح الغربي) المكتوب في عام 1935. إن المعارضة بين المسرح الغربي والشرقي في منطق أرتو تعتبر واضحة. فالثقافة الغربية تعتمد بشكل مفرط على الكلمة، في حين تمتلك الثقافة الشرقية وسيلة أخرى للتعبير على المسرح، وهي اللغة الجسدية: (أعطانا اكتشاف مسرح بالي فكرة مادية، لا كلامية، عن المسرح، حيث إن المسرح يظل داخل حدود كل ما يمكن أن يحدث على الخشبة، بغض النظر عن النص المكتوب، في حين أن المسرح كما نفهمه في الغرب متفق مع النص ومحدد به) (المجلد 4 ص 65). إن عيون أرتو اتجهت نحو إمكانية القيام بمسرح يكون خارج النص: (كل ما أعتبره مسرحيا في المسرح، يسمى بإهمال فنا، عندما يوجد خارج النص) (المجلد 4 ص 39). وسنعرض هنا بعض التناقضات بين المسرح الشرقي والمسرح الغربي: الأول يعتمد على النزعات الميتافيزيقية، والثاني يعتمد على النزعات النفسية، والأول يعتمد على الحركات، والإشارات، والوقفات، والأصوات، التي تتكون منها لغة الإخراج والمسرح، في حين أن الثاني يعتبر الكلمة هي كل شيء. وقد سبق لنا وإن قدمنا بعض العناصر التي تعتبر (غير مسرحية): الكلام، الكلمات، والحوار. على عكس لغة المسرح الشرقي التي تتيح إمكانية إنشاء نظام جديد لا ينتمي إلى نظام الخطاب، الذي يأخذ مكانه الوحيد على خشبة المسرح، لغة شرقية نستخلصها من: ( متاهة من الحركات، والوقفات، والصرخات المنطلقة في الهواء، وبعض التحركات والخطوط المائلة التي لا تدع جزءا من الفضاء المسرحي دون أن تستخدمه، كما نستخلص معنى لغة جسمانية جديدة أساسها الإشارات لا الكلمات) (مجلد 4 ص52). إن أرتو يقدر الكفاءات البدنية المتوفرة في المسرح الشرقي، وهذه اللغة التي تحتوي على نوعين من التعبير: البصري والسمعي. إنه يفضل الشكل البصري على الكتاب في المسرح، ويستبدل الكتابة بالحركات والإشارات. وإذا جردنا المسرح من الكلمات، لم يبق أمام الممثلين إلا أن يعبروا بأجسادهم. ويتعلق الأمر هنا باستبدال اللغة الناطقة بلغة مختلفة الطبيعة، تتساوى إمكانياتها التعبيرية بلغة الكلمات: (علينا أن نعثر على نحو هذه اللغة الجديدة، الحركات مادتها ورأسها، وألفها وباؤها، إذا شئنا. وهي تبدأ من ضرورة الكلام أكثر مما تبدأ من الكلمة المكونة سلفا. وإذا تجد في الكلمة طريقا مسدودا، تعود إلى الحركة تلقائيا). (مجلد 4 ص106). إن أرتو يواجه هذا (الطريق المسدود) في محاولته لتحويل الكلمة حتى تتمكن من التعبير أكثر بعد ذلك. إنه يعيدها إلى الحركة، ويقترح عليها طريقا جديدا. ونلاحظ التعبير الذي يستخدمه عندما يقول: (علينا أن نعثر على نحو هذه اللغة الجديدة). أي إن من خلال الحركات سوف نحقق لغة لا زلنا لم نعثر على قواعدها النحوية. لهذا يلغي الرجوع إلى الكلمة ويخترع لغة بدنية لا يمكن أن تكون لها معنى خارج الفضاء المسرحي. وفيما يتعلق بالإشارات، يكتب أرتو في مقاله (الإخراج والميتافيزيقا): (إن شكل هذا الشعر الفضائي (…) يوجد في لغة الإشارات. وآمل أن تتاح لي فرصة الحديث عن الوجه الآخر للغة المسرحية الخالصة، تلك التي تفلت من الكلمة، لغة الإشارة، والحركة، والوقفة، كتلك التي في البانتوميم غير الفاسدة) (مجلد 4 ص38). إن مفهوم الإشارة عند أرتو يعتمد على اللغة البصرية التشكيلية، وليس على كونها تمثل دائما شيئا ما. فهو واقع تحت تأثير وسحر مسرح بالي، لذلك يعتبر جسد الممثلين مثل الإشارات: (إن هذا العرض الرائع يتألف من مجموعة صور مسرحية خالصة، تجعلنا نفهم لغة جديدة يبدو أنه قد تم اختراعها، ويبدو هؤلاء الممثلون، بأزيائهم الهندسية، وكأنهم حروف هيروغليفية حية ومتحركة). (مجلد 4 ص58). وفي مقال مسرح القسوة (المنفستو الأول)، يقول أرتو: ( وبما أن المسرح قد وعى هذه اللغة في الفضاء- لغة الأصوات، والصرخات، والأضواء، والكلمات التي تحاكي الصوت- عليه أن ينظمها، وبأن يجعل من الشخصيات والأشياء رموزا حقيقية). (المجلد 4 ص87). أو في المنفستو الثاني: (ويمكن أن نقول إن روح أقدم الحروف الهيروغليفية ستشرف على خلق هذه اللغة المسرحية الخالصة). (المجلد 4 ص 120). إن الكتابة الهيروغليفية ستكون بلا معنى إن كنا لا نعرف الرمز أو الشفرة. ولقد تحدث مالارميه عن راقصة واصفا حركاتها (بالكتابة الجسدية)11 ، وهنا أرتو يحول الشخصيات والأشياء إلى كتابة بلاستيكية بحتة، ذات قيمة تصويرية.
إن الشكل السمعي البديل للكلام، هو الترنيم والتعزيم. ولكن يجب أن لا ننسى أن أرتو يعتبر اللغة الواضحة لغة (غير مسرحية). ولكن اللغة السمعية ألا تعتبر هي الأخرى لغة واضحة ومحكية ؟ ويجدر الإشارة هنا إلى جانبين من جوانب اللغة الواضحة: الصوت والمعنى. إن الترنيم يشير إلى الاستخدام الخاص للصوت الذي يؤكد على مظهره الصوتي: (ولا يمكن تعريف هذه اللغة إلا بإمكانيات التعبير الديناميكي في الفضاء، وهي تناقض إمكانيات التعبير بالكلمة داخل الحوار(…) هنا تتداخل النبرات، والطريقة الخاصة التي تنطق بها الكلمة).( مجلد 4 ص 86). إن الترنيم يطور لغة موسيقية انطلاقا من النطق المستقل عن المعنى المادي للكلمات. إما التعزيم فله استخدام أيضا آخر للكلمات، يكتب أرتو: ( يعني صنع ميتافيزيقا الكلام المنطوق (…) يعني أخيرا النظر إلى الكلام على أنه سحر). (مجلد 4 ص 44).يحاول أرتو استخدام اللغة للتعبير عما لا يعبر عنه بالعادة. ويبدو أن التعزيم مثل نقطة النهاية لهذا العمل، يقول: (تستخدم هذه اللغة المسرحية الموضوعية المحسوسة في الإحاطة بالأعضاء وتثبيتها، بإحساس شرقي بحت بالتعبير. فهي تجري في الإحساس. وإذا نتخلى عن الاستخدام الغربي للكلمة، نجعل من الكلمات تعزيما. وندفع الصوت، ونستخدم ذبذباته وأنواعه). (المجلد 4 ص 88). إن التعزيم هو استخدام الكلمات التي تسمح بالتأثير بالعاطفة بقوة. وإنه لا يتوجه إلى الذهن وإنما إلى الحساسية. وهنا يجب علينا أن نتوقف عند كلمة (صوت). فالصوت لا يغادر أبدا هذا الذي يتكلم هنا الآن، على عكس الكتابة المسرحية الموجودة خارج المشهد. إن أرتو يعطي تعرفين إلى (اللغة المسرحية الخالصة)، في مقال (مسرح شرقي ومسرح غربي). وإن طبيعة عناصر اللغة الشرقية تتلخص في هذين التعريفين:
– من ناحية، تجسيدا مرئيا تشكيليا للكلمة.
– لغة كل ما يمكن أن يقال ويتم التعبير عنه على خشبة المسرح، بغض الطرف عن الكلمة، لغة كل ما يجد تعبيره في الفضاء، أو ما يمكن أن يبلغه الفضاء أو يحلله. (المجلد 4 ص 67).
إن الحركة، والترنيم، والتعزيم، هي محاولات ضد الكتابة، وضد الكلام. ولكن إذا ما تشكل المسرح من عناصر لا معنى لها سيتحول إلى فضاء غير معقول. وهذا النوع من المسرح لا يبحث عنه أرتو. فهو لا يقبل بمسرح لا يتأسس على الوظيفية الفكرية. لهذا فهو يكتب في عام 1925 منفستو في اللغة الواضحة: ( أنا أستسلم لحمى الأحلام، ولكن لاستخلاص قوانين جديدة, أنا أبحث عن التكاثر، والدقة، والعين الفكرية في الهذيان، وليس التنبؤ المقامر). (مجلد 2 ص 52). وإنه يتهم أيضا الإبداع السهل، المصنوع من اللاوعي أو المصادفة. لذلك يجب إعادة بناء مسرح جديد، مسرح خالص.
* حول المسرح الخالص
يبدو سبق لنا وإن ذكرنا ماذا يعني المسرح (الخالص). إنه يتكون من عناصر مثل: الحركة، الصراخ، والترنيم، والتعزيم، وباختصار شديد، كل ما ينتمي إلى المسرح الشرقي. وبالإضافة إلى ذلك، إن أرتو نفسه يعترف بأن في مسرح بالي، هناك إخراج مسرحي خالص. ولكن يجب أن لا نكتفي بقائمة خصائص المسرح الشرقي. ولكن كيف فعل أرتو الأوروبي، لكي يعثر على المسرح المثالي ؟
إن المسرح الخالص بالنسبة لأرتو هو مسرح قد انتهى مع اللغة، ومع الكتابة. وإن جوهره يكمن في الإخراج: (يختلط المسرح في نظري بإمكانيات إخراجه، وتنتمي هذه الإمكانيات بأكملها إلى مجال الإخراج، باعتباره لغة تتحرك في الفضاء). ( مجلد 4 ص 44). وهذا يعني إن المسرح من خلال الفضاء والحركة يوفر حقلا مميزا للإخراج.
إن الإخراج لا يحتاج إلا لفضاء واحد، وهو فضاء المسرح خارج النص. إن اللغة المسرحية هذه المرة سوف تتخلص من الكلمة من أجل بناء فضاء لغوي مستقل، وهذا الفضاء لا يحتوي إلا على عناصر مسرحية فقط، وإذا اقتبسنا عبارة دريدا: ( إعادة تأسيس فضاء مغلق يعود إلى التمثيل الأصلي)12. فسنجد أن تعبير دريدا يبدو متناقضا، لأن التمثيل يحتاج دائما إلى نموذج ينتسب إلى مكان آخر. وهنا يجد مسرح أرتو خصوصيته. ففي هذا (الفضاء المغلق) يتم تحويل الكلمة إلى (لغة المسرح الخالص)، وتبدأ في خلق معناها الخاص، الذي يعتبر مهما وبليغا مرة وإلى الأبد على الخشبة: (ولندع نقد النصوص للحمقى ونقد الأشكال لعلماء الجمال، ولنعترف بأن ما قيل لا ينبغي أن يقال، وبأن التعبير لا يستخدم مرتين، ولا يحيا مرتين، وبأن كل كلمة ينطق بها كلمة ميتة لا تؤثر إلا في اللحظة التي يتم النطق بها، وبأن الشكل المستخدم لا يستخدم، ولا يدعونا إلا إلى البحث عن شكل آخر، وبأن المسرح هو المكان الوحيد في العالم الذي لا تتكرر فيه الحركة مرتين).( مجلد 4 ص 73). فكرة أن المسرح لا يعيش إلا مرة واحدة، هي التحدي والاعتراض الكبير في تاريخ المسرح الأوربي ومسرح المحاكاة.
إن المسرح يتنبأ بتدميره، عند تنفيذه (مرة واحدة)، لأنه كما يقول أرتو: (بأن كل كلمة ينطق بها كلمة ميتة لا تؤثر إلا في اللحظة التي يتم النطق بها ). وبمجر ما تلد الكلمة، تذهب نحو الموت. ومع ذلك، إن الحياة المسرحية التي تتحقق (إلا مرة واحدة) لا تخضع إلى تدمير وحشي. وهنا يأتي موضوع الحياة والموت. ينادي أرتو في المنفستو الأول، بتحطيم اللغة من أجل ملامسة الحية. إلى جانب هذه المحاولة، يختبئ الموت دائما. ويشير آرتو في كتابه (المسرح والآلهة)، إلى التعايش بين الحياة والموت في الفضاء: ( الثقافة في الفضاء، تعني ثقافة فكر لا يكف عن التنفس والإحساس بالحياة داخل الفضاء، ويطالب بضم أجساد الفضاء إليه كموضوعات فكره نفسه، ولكن باعتبارها فكرا متمركزا وسط الفضاء، أي في نقطته الميتة). (مجلد 8 ص 164). في هذا النص، الثقافة مطابقة للمسرح. يقول أرتو على إنها حركة ذهابا وإيابا بين الحياة والموت: (إن الثقافة حركة فكرية تنتقل من الفراغ نحو الأشكال، ومن الأشكال تدخل في الفراغ، وفي الفراغ كما تدخل في الموت. أن تكون مثقفا معناه أن تحرق الأشكال لكي تربح الحياة. يتعلق الأمر بمعرفة كيف نقف مستقيمين داخل الحركة الدائمة للأشكال التي ندمرها على التوالي). (مجلد 8 ص 165). إن المسرح مثل الثقافة، إنه أحد المجالات التي نقاوم فيه التدمير المتوالي. بعد هذا الدمار، ما الذي يبقى على الخشبة ؟ لا شيء سوى مصطلح (الخالص) الذي يوحي بهذا العدم. إن أرتو يقارن المسرح بالطاعون: (والطاعون داء أسمى لأنه أزمة كاملة لا يبقى بعدها سوى الموت أو أقصى التطهير، وكذلك، المسرح، داء لأنه التوازن الأعظم الذي لا يكتسب بلا هدم). (مجلد 4 ص 341.)
في المرحلة الأخير للطاعون، يوجد (التطهير) الذي لا نتمكن من الحصول عليه إلا من الموت، من خلال تدمير له. وتأتي هنا ضرورة مقارنته بـ(الخيمياء)13، يقول أرتو في مقاله (المسرح والخيمياء): (إن العملية المسرحية التي تسعى إلى صنع الذهب (…) تذكرنا في نهاية الأمر، بالنقاء والمطلق المجرد، الذي لا يوجد بعده شيء).(مجلد 4 ص 49). وهنا تبدو المسرحة (الخالصة) مثل النقطة القصوى التي لا يوجد بعدها شيء، النقطة الأخيرة بين الحياة والموت، والمحافظة عليها والدمار. ويتوصل آرتو إلى اقتراح هذه النقطة الحاسمة من خلال تشييده لمكان مغلق توجد فيه حركة مستمرة تؤدي إلى الدمار.
إن المسرح الخالص يصنع المشهد الذي تكون فيه اللغة معناها الخاص غير القابل للاستبدال، والتكرار ابدأ. وإن محاولة خلق المسرح الخالص، في نهاية المطاف، هي بناء فضاء مغلق حيث لا يتكرر فيه شيء.
الهوامش
1 – جاك كوبو، ولد في باريس في عام 1879، وتوفي في 20 أكتوبر عام 1949، ويعتبر شخصية مهمة في عالم الفكر والفن الفرنسي في النصف الأول من القرن العشرين، وخاصة في مجال المسرح، حيث عمل كناقد مسرحي في العديد من الصحف الباريسية، وشارك مع أصدقائه الكتاب مثل أندري جيد وجان شلمبرجير، في تأسيس مجلة لانوفيل الفرنسية في عام 1908،. وأسس مسرح دو فيو- كولومب في عام 1913، وقام بإدارته لعدة سنوات.
2 – لوكن-بو، ولد في باريس 27 ديسمبر 1869 وتوفي في مدينة أفنيون في 19 يونيو 1940، وهو ممثل ومخرج ومدير المسر الفرنسي، ويعتبر مع أندري أنطوان، من ممثلي النهضة المسرحية الجدية في المسرح الباريسي في نهاية أواخر القرن التاسع عشر.
3 – البربري في آسيا، كتاب في أدب الرحلات لهنري ميشو، كتبه خلال رحلته إلى آسيا في عام 1928. وفيه يصف هذا الشاعر/الكاتب، انطباعاته في مختلف البلدان التي مرّ فيها، وسكان هذه البلدان، وثقافاتها الخاصة، بنظرة ثاقبة ولكن لا هوادة فيها، كاشفا عن روح الدعابة والاختلاف الثقافي الموجود بين هؤلاء السكان، وتلك الموجودة في أوروبا الغربية، داعيا الأوروبيين فيه للتعلم من هؤلاء الناس.
4 – الخادمتان: مسرحية للكاتب الفرنسي جان جينية، كتبها في عام 1947. وهي مسرحية مأساوية، وعنيفة، مستوحاة من وقائع مختلفة، حتى وإن كان الكاتب لا يعترف بذلك.
– جاك داريدا، الكتابة والاختلاف، (مسرح القسوة وحدود التمثيل)، ترجمة كاظم جهاد، دار نشر توبقال، المغرب سنة 188.5
6 – أنتونان آرتو، المسرح وقرينه، مسرح القسوة،دار نشر غاليمار، عام 1985، صفحة 87.
7 – الإمبراطورية الثانية، هو النظام الدستوري والسياسي الذي أنشئ في فرنسا في2 ديسمبر كانون الأول 1852، عندما لويس نابليون بونابرت، رئيس الجمهورية الفرنسية، أصبح نابليون الثالث، وإمبراطورا للفرنسيين.
– جان بولون: هو كاتب وناقد ومحرر فرنسي، ولد في ديسمبر 1884 وتوفي في باريس نوفمبر1968.8
(الطبعة إن جميع الاستشهادات الموجودة في هذا المقال، مأخوذة من أعمال أنتونان آرتو الكاملة – 9 الثانية)، دار نشر غاليمار الفرنسية. ونحن نشير إليها في النص نفسه بذكرنا لرقم المجلد ورقم الصفحة. المجلد الخامس، صفحة 196.
– جاك ديريدا، الكتابة والاختلاف، (مسرح القسوة وحدود التمثيل)، ترجمة كاظم جهاد، دار نشر توبقال، المغرب سنة 1988، 196.10
-ستيفان مالارمية، (بالية)، دار نشر غاليمار، مجموعة شعرية، 1978، صفحة 192.11
-انظر المرجع السابق، مسرح القسوة وحدود التمثيل، المرجع السابق، صفحة، 349.12
– الخيمياء، وهي الكيمياء القديمة، وكانت غايتها تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب، واكتشاف علاج كلي للمرض، ووسيلة لإطالة الحياة إلا ما لا نهاية.13


محمد سيف

شاهد أيضاً

المتعالـــم نص مسرحي قصير

يفترض الراوي، إنها بلدة صغيرة ، فقيرة مهمشة . ويفترض إن عالمها المبجَل، لايختلف عنها …