أخبار عاجلة

أنطونيو تابوكي: عتمات التاريخ الأوروبي

يتنقل أكثر الكتّاب الإيطاليين «أوروبية»، وبشكل خاص ومميّز جدا، بين اللغات والحدود: بعد أن نجح بشكل لا غبار عليه، في تجربة كتابة رواية بلغة مختلفة عن لغته الأم «Requiem» («جنّاز» أو «صلاة للموتى»، نشرت بالبرتغالية العام 1992)، عاد لينشر بعدها كتاباً، وعلى الرغم من أنه مكتوب بالإيطالية، إلا أنه صدر في ترجمة فرنسية قبل صدوره في مسقط رأسه، وبحسب رغبته. انه كتاب «الأيام الثلاثة الأخيرة من حياة فرناندو بيسووا هذيان» (صدرت بالعربية بترجمتي العام 1997 عن «المركز الثقافي العربي»، بيروت – المغرب).
  أحد أسباب اختيار الكاتب في صدور كتابه الآنف الذكر، بالفرنسية قبل الايطالية، هو أن هذا الكتاب السردي الصغير يُشكّل، بمعنى من المعاني، إجازة من الشاعر البرتغالي الذي وسم، بعمق، حياة أنطونيو تابوكي وأعماله بدءاً من «لقائه» الأول به، في باريس، مع بداية الستينيات. بالنسبة إلى تابوكي كانت باريس، بشكل قاطع ومحدد، قطبا لعب دورا حاسما في تشكله ككاتب وكمثقف.
 حول هذه المدينة، قال تابوكي في أحد أحاديثه الصحفية (مجلة «لا ريبوبليك دي ليتر»، عدد نيسان 1994) انه ذهب إلى باريس، «بصفتي طالبا شابا في بداية الستينيات. خلال سنة، تابعت المحاضرات في السوربون كمستمع حرّ. بيد أن الأمر الأهم بالنسبة إليّ، لم يكن هنا، إذ بالرغم من أنني استطعت يومئذ اكتشاف ديدرو وفلوبير، اللذين دخلا بشكل دائم، في حقيبتي ككاتب، إلا أنني اكتشفت في باريس، بخاصة، السينما. اكتشفت نوعا من السينما لم نكن نستطيع مشاهدتها في إيطاليا في تلك الحقبة. كنت أمضي فترات ما بعد الظهيرة، بأكملها، في صالات الحيّ اللاتيني، أشاهد مرارا وتكرارا أفلام بونويل وجان فيغو وأعمال السورياليين وكوكتو. منذ ذاك الوقت، وأنا أعود طواعية إلى باريس. في أيّ حال، الثقافة الفرنسية في عملي الأدبي، حاضرة في غالب الأحيان: ففي روايتي «يريرا يدعي» (صدرت في ترجمة عربية لروز مخلوف عن «دار ورد» بدمشق) يحتل الأدب الفرنسي مركزا أساسيا، عبر الشخصية الرئيسية التي تقرأ وتُترجم أعمال بلزاك وموباسان وكبار الكتّاب الكاثوليك الفرنسيين؛ مثل برنانوس ومورياك».
اللحظة البرتغالية
 بعد هذا التشكلّ الفرنسي، جاءت بالنسبة إلى تابوكي «اللحظة البرتغالية»، وإن كان قد اكتشف الأدب البرتغالي في باريس. ففي واقع الأمر، ومثلما يروي تابوكي في حديثه الصحفي (المصدر السابق)، كان يومها في نهاية فترة إقامته، وكان متوجها إلى «محطة ليون» ليستقل القطار عائدا إلى إيطاليا، وهناك في المحطة، وفي أحد الأكشاك اشترى كتيبا لكاتب «مجهول» (بالنسبة إليه): فرناندو بيسووا. هذا الكتيب كان يحوي الترجمة الفرنسية لقصيدته «دكان التبغ»، وهي قصيدة كان وقعها بيسووا باسم أحد «بدلائه» (ألفارو دو كامبوش). يقول تابوكي: «كانت الترجمة الفرنسية مدهشة، وقام بنقلها بيير هوركاد. وهوركاد كان أول مَن ترجم بيسووا في الغرب. عمل ملحقا ثقافيا في السفارة الفرنسية في لشبونة، وأتيحت له هناك الفرصة للتعرف إلى بيسووا في الثلاثينيات. قرأت هذه القصيدة خلال رحلة عودتي إلى إيطاليا، وكان الأمر بمثابة اكتشاف بالنسبة إليّ، بمثابة قوة خارقة، لدرجة أنني قررت تعلّم اللغة البرتغالية سريعاً: قلت لنفسي «إن كان هناك شاعر كتب قصيدة ساحرة إلى هذه الدرجة، فعليّ إذاً تعلم لغته».
 قصيدة بيسووا هذه، كانت بخاصة قصيدة حول النظر، حول فعل النظر. إنها قصيدة فينومينولوجية (ظواهراتية). والثلاثينيات عصر الفينومونولجيا في الفلسفة الفرنسية خاصة. يتساءل بيسووا في هذه القصيدة حول وضعية واقع ما نراه في الخارج، كما حول ما نشعر به في الداخل. وفي ذلك نجد قلب تساؤله الشعري. لقد كان الأمر بالنسبة إلى تابوكي اكتشافاً مذهلاً. وهو المعتاد على سماع وقراءة الشعر الإيطالي، كثير الوجدانية كما كثير الفردانية. وهذا ما لا يحبّه، كما قال في ما بعد. كذلك كانت قصيدة بيسووا، قصيدة مسرحية بشكل كبير، تحتفظ بأصداء قوية جدا من الأدب الدرامي لدرجة أننا نستطيع إلقاءها من فوق خشبة المسرح. بإمكاننا أيضا اعتبارها شعرا حكائيا روائيا، إذ أنها سرد ما لفترة ساعة أو ساعتين أمضاهما الشاعر على نافذته. «في تلك الحقبة، لم يكن هناك أي شاعر إيطالي جدير برواية أي شيء، بهذا الشكل القوي، إذ كان الجميع يتلوون ويبكون من ألم الحب».
 هناك أيضا، في هذه القصيدة، مسعى فلسفي راديكالي، إلاّ أنه في الوقت عينه، مسعى لا يثقل أبدا التجويد الشعري الصافي. باختصار، وبعد هذا الاكتشاف، بدأ تابوكي دراسة اللغة البرتغالية في جامعة بيزا. عند نهاية السنة، رحل إلى البرتغال بعد أن حصل على منحة دراسية. هناك تعرف على مثقفين وكتّاب، على عالم حيّ مدهش بالرغم من وضع البلاد الصعب المسحوق بدكتاتورية سالازار. كان على الكتّاب أن يعيشوا بشكل خفي تقريبا، فالرقابة تلاحقهم، وبعضهم تعرض للسجن لأسباب سياسية. شعر بالتضامن الكبير مع هؤلاء الفنانين الذين تناستهم أوروبا بأسرها: «إلا أن ارتباطي مع ذلك البلد، كان ارتباطا إنسانيا وثقافيا في الوقت عينه».
الالتزام
 ضمن هذا المناخ، تأتي رواية «بيريرا يدعي» وهي رواية «معقدة»، أيّ نستطيع قراءتها على عدّة مستويات. فعلى المستوى التاريخي، نجد أن السرد (أو الرواية) يتبع «يقظة الشجاعة» في قلب معلّق صحفي عجوز غامض. تدور الأحداث في العام 1938، في عزّ الدكتاتورية السالازارية في البرتغال. وعبر السيرورة البطيئة والمعقدة لسيرورة الوعي، يصل بيريرا إلى القبض على مفهوم المسؤولية: إنها مسؤولية كل فرد تجاه التاريخ وتجاه الآخرين. يقول تابوكي، وهو يتحدث عن هذه الشخصية في مقدمته للكتاب التي أحبها جدا، أن بيريرا «يكتشف في داخله روحا ديمقراطية في اللحظة الأعتم في التاريخ الأوروبي». ففي العام 1938، كان الجنرال فرانكو في طريقه إلى كسب الحرب الأهلية في إسبانيا، أما موسوليني فقد نجح جيدا في الإمساك بزمام الأمور في إيطاليا، أما هتلر فقد وصل إلى سدّة السلطة في ألمانيا وكان في طريقه إلى اجتياح بولندا. أما سالازار فمن جهته، فقد نجح في فرض نفسه في البرتغال. ضمن هذا الإطار ينجح بيريرا في اكتشاف نزعته للديمقراطية. وهذا ليس أبدا مسعى سهلا بالنسبة إليه، بل على العكس، كان الأمر تعلما أليما عبر مراحل مختلفة، عبر لقاءات مختلفة: لقد وصل إلى هذه النزعة الديمقراطية من خلال ندمه على حياة لم يعشها، عبر قراءته بلزاك، كما، في ما بعد، عبر لقائه مع الشابين اللذين يعيشان متخفيين: مونتيرو روسي وخطيبته مارتا، أو عبر الأحاديث مع الطبيب كاردوسو الذي يشرح له نظرية «الأطباء الفلاسفة»، أو أيضا، عبر وجود دون أنطونيو، وهو كاهن فرانسيسكاني ذو أفكار تقدمية. كلّ هذه اللقاءات كانت بالنسبة إلى بيريرا مراحل من مراحل تفتح وعيه للمسؤولية.
 لكن قبل الدخول أكثر إلى الرواية، لنعد قليلا إلى العام 1994، أيّ إلى الوقت الذي صدرت فيه بالايطالية، نجد أنها سرعان ما تحولت إلى «بيان سياسي» للايطاليين الذين تهافتوا على قراءتها بأعداد كبيرة، كما أنها «بيان لليسار» الجديد معتبرينها نقدا لاذعا لبيرلسكوني (عندما كان رئيسا للوزراء، للمرة الأولى) واجدين فيها شكلا من أشكال مقاومة التسطيح الذاتي والدعاية الإعلامية.
 صحيح أن الرواية لا تدعي ذلك، بل لا تقترب أبدا من ذلك المناخ ولا تسقط في راهنية اللحظة التاريخية، إذ أنها تروي سيرة صحفي عجوز، مدير صفحة ثقافية، في إحدى صحف لشبونة، الصادرة في فترة بعد الظهر. بيد أن الايطاليين، وجدوا فيها تورية للأحداث الاجتماعية والسياسية التي كانت مسيطرة على الشارع الايطالي، مقيمين جسورا ما بين صعود الفاشية في البرتغال، أيّ مع صعود الدكتاتور سالازار (وبالطبع مع نازية هتلر في ألمانيا وفاشية موسوليني في ايطاليا وفرانكو في اسبانيا) وبين الدكتاتورية الإعلامية الجديدة في ايطاليا (مع نهاية القرن المنصرم) وإعادة إحياء فكرة الفاشية التي تجسدها حفيدة موسوليني.
 في أيّ حال، هكذا قرأ القسم الأكبر من الايطاليين الرواية، التي يؤكد فيها تابوكي، مرّة أخرى، انه كاتب يملك مناخه الخاص والمميّز، إذ، منذ «ساحة ايطاليا» (روايته الأولى التي صدرت عام 1975، الترجمة العربية لوفاء شوكت عن منشورات ورد في دمشق)، والتي يروي فيها مغامرات الفوضويين التوسكانيين الذين استبعدوا من التاريخ الرسمي الايطالي – أي بمعنى آخر إنها رواية ضد التاريخ المدون ومرورا ب «ليال هندية» (الترجمة العربية لمعن صطفى حسون، عن «دار الكلمة») و«صلاة الموتى» وغيرهما – وتابوكي يرسم خطا ويحفر مسارا عميقا في الرواية الأوروبية، جعلته احد الوجوه الحاضرة في دنيا الأدب.
 «بيريرا يدعي»، بهذه الجملة التي أصبحت عنوان الرواية يبدأ كلّ فصل من فصول الرواية، وبها تنتهي أيضا. وبيريرا هذا صحفي عجوز يعاني مشكلات في القلب، صرف جزءا كبيرا من حياته، في العمل في إحدى كبريات صحف البرتغال، حيث كان مسؤولا عن صفحة الأحداث المتنوعة، وحيث كوّن له اسما في عالم الصحافة، ويسميه الجميع الدكتور بيريرا لأنه حاصل على شهادة جامعية في الآداب.
 حين بدأت صحيفة «ليسبوا» بالصدور، وهي صحيفة جديدة تصدر في فترة بعد الظهر، وغير سياسية، طلب مديرها من بيريرا أن يدير صفحتها الثقافية، فيحمل هذا العجوز ثقل الأيام والتجارب، ليبدأ في مغامرة جديدة. وتبدأ القصة من الموت، وتنتهي عنده. البداية، مع الموت، حين كان بيريرا جالسا في غرفته بالصحيفة، يفكر في الموت، فيقع على مقالة يعجب بها كتبها شخص يدعى مونتييورو روسي في إحدى المجلات الفلسفية. وبما انه يرغب في مساعد له، ليكتب له مقالات ما، إذا غاب احد الكتاب، يتصل بمونتييورو طالبا منه المساهمة. وسرعان ما يعترف روسي انه ليس هو كاتب المقالة. بل «سرقها» من مقالات أخرى عدة، ويطالب بيريرا بالعمل لأنه في حاجة إلى المال.
 مع هذا الشاب، مونتييرو روسي، تبدأ رحلة جديدة من حياة بيريرا، هذا الأرمل الذي لم يتوقف للحظة، عن الحديث مع صورة زوجته الراحلة، مثلما لم يتوقف عن الارتياب، للحظة أيضا، في «بوابة» العمارة حيث يعمل، والذي يشك بأنها مخبرة للشرطة السرّية. ليست رحلة جديدة فقط، بل يبدأ بيريرا في اكتشاف ذاته أو مثلما يقول له الطبيب كاردوسو إنها «الأنا المسيطرة»، الأنا الجديدة التي تبدأ بالتشكل، مع هذه المرحلة الأخيرة من العمر. بمعنى آخر، تبدو هذه المرحلة التي يعيشها بيريرا، وكأنها رفض لماض بعيد، أو إعادة اكتشاف وعي مخالف.
 لم يكن مونتييرو روسي، مجرد كاتب يعشق الأدب، مثل بيريرا، بل كان ميله هذا، إلى إخفاء نشاطه الحقيقي، وهو ارتباطه بمجموعة من المناضلين اليساريين الذين يحاولون محاربة سالازار، كما جمع التبرعات المادية لإرسالها إلى الجمهوريين في اسبانيا. ومع روسي، يدخل بيريرا، شيئا فشيئا إلى دنيا السياسة. وملاحقة التطورات الحاصلة في العالم. قبل ذلك، لم يكن يهمه سوى الأدب، وسوى تحضير صفحة ثقافية، تعتمد، بالدرجة الأولى، ترجمة عيون الأدب الفرنسي في القرن التاسع عشر.
عزلة الحياة
 عادية جدا وهادئة، كانت حياة العجوز بيريرا، قبل أن يدخل إليها روسي. كانت تدور على ثلاثة أماكن لا غير، المقهى، حيث اعتاد الأكل وشرب عصير الليمون، المنزل، وغرفته في الصحيفة. ثلاثة أماكن لا تظهر، فقط، ضيق أمكنة العيش، ولكنها أيضا، أشبه بعزلة عن الحياة الخارجية. فالصحفي بيريرا، لا يعرف شيئا عن أخبار الدنيا، إلا عبر النادل «مانويل» الذي يستمع صديقه إلى أخبار لندن، فيخبره إياها، وينقلها هذا الأخير إلى بيريرا.
 ومثلما يفتتح روسي الرواية بالموت، من خلال المقالة، ينهيها بالموت، لكنه موته الشخصي هذه المرة، فبعد أن يجول في البرتغال، مع ابن عمّه، بحثا عن دعم لثوار اسبانيا، يلتجئ إلى منزل بيريرا للاختباء، فتعرف الشرطة السرّية بوجوده، حيث تقتحم عليه المنزل، وتقتله بعد التعذيب.
 لم يكن روسي ابن بيريرا بالطبع، فهذا العجوز، رغب دائما، هو وزوجته، في إنجاب طفل. لكنهما لم يرزقا به، لذلك تتحول هذه العلاقة الوهمية بينهما، كأنها علاقة بين أب وابنه. حين طلب بيريرا من روسي كتابة بعض المقالات، بدأ هذا الأخير، بإرسال بعض منها، إليه، لكنها كانت كلها، غير صالحة للنشر ولأسباب عدّة. ومع ذلك، بقي يدفع له ثمنها، من جيبه الخاص، مدركا أن روسي وصديقته مارتا، في حاجة إلى المال. وحين يكتشف جثته بعد أن يكون قد سمع الكثير عن أعمال العنف التي تمارسها الشرطة السرية يدرك صوابية هذه الشائعات، فيقرر أن يكتب مقالة يصف فيها مقتل روسي، مثلما يقرر أن يوقع اسمه عليه، إذ انه لم يوقع ولا مرة واحدة، اسمه في صحيفة «ليسبوا». وبحيلة ما، على الرقابة، يستطيع دفع المقالة إلى المطبعة، بعد أن يكون قرر أيضا، مغادرة البلاد بجواز سفر مزور.
 قصّاص ماهر، هو انطونيو تابوكي، إذ يعرف كيف يأسر اللحظات الهاربة، من تاريخ بلاد بأسرها، ليقدمها إلينا، بلغة شيقة، تستولي على دهشتنا. بهذا المعنى، تقترب رواية «بيريرا يدّعي» من روايته الأولى «ساحة ايطاليا». فهو في هاتين الروايتين، يحاول أن يقدم تاريخ المهزومين، الذين بقوا على هامش التاريخ الحقيقي، بالرغم من أنهم هم الذين صنعوه في واقع الأمر.
 يحدد تابوكي فترة أحداث روايته، خلال شهر واحد، لكنه شهر كاف، لإعادة اكتشاف حياة بأكملها. وكأن الحياة ليست فقط قد اختصرت خلال هذه المدّة، بل كأنه، لم يكن لديها أيّ معنى، قبل أن تتحول إلى المشاركة عميقا في المجتمع هذه المشاركة التي تأتي، خلال لحظة تاريخية، خلال تنامي صعود الفاشية في أواخر ثلاثينيات هذا القرن، وبعد ستين سنة بالضبط، أيّ خلال تسعينيات هذا القرن، تعود أوروبا لتشهد حمى الفاشية من جديد، أبهذا المعنى وجد الايطاليون وكأنهم يكتشفون ذواتهم مرة أخرى، مثلما فعل بيريرا؟
 سؤال لم يخطر على بال تابوكي أبدا، لكنه خطر ببال القراء الذين «التهموا» الرواية منذ صدورها، جاعلين من تابوكي، ضمير عصرهم، أو الكاتب الذي ردّ إليهم الوعي، لأمور اجتماعية وسياسيّة. فبعد خمسين سنة من حكم التيّار الديمقراطي المسيحي، الذي عرف الكثير من الفضائح، والذي ارتبط كثيرا بالمافيا، جاءت حقبة بيرلسكوني، الانتقالية، الذي شكل بدوره، فاشية أخرى، من خلال امتلاكه العديد من وسائل الإعلام، التي حاولت غسل دماغ الايطاليين، لكنها فترة، لم تستمر طويلا، بل اختار أحفاد تولياتي وغرامشي، أن يعيدوا صوغ خطاب هذين الرجلين، من خلال تحولهم إلى اليسار الجديد.
 أكان بيريرا يساريا؟ إطلاقا ولا للحظة واحدة، وعلى امتداد الرواية، رأيناه يتخلى عن خطابه الكاثوليكي في أمور الوجود والحياة، بل كأنه في لا وعيه، يسترد خطاب المسيح الذي ناصر الضعفاء والمظلومين، ضد الأقوياء الأشرار. بهذا المعنى، يقترب بيريرا من فكرة الكاتب اليوناني نيكوس كازنتزاكيس، حيث كتب رائعته «المسيح يُصلب من جديد» أو أيضا من الشاعر والسينمائي والروائي الايطالي بيير باولو بازوليني في فيلمه «الإنجيل بحسب متى». فالاثنان قدّما مسيحا «اشتراكيا»، بعيدا عن صنمية الكنيسة. صحيح أن تابوكي، لا ينحو، في التطرق إلى مثل هكذا خطاب، ولكننا نجد امتدادا له، في لا وعي بيريرا الذي يدعي.
 ماذا يدّعي بيريرا؟ هنا يكمن السؤال، سؤال الرواية بأكملها. إذ تبدو قصته وكأنها أشبه بحوار ذاتي، خلال قيظ شهر آب من العام 1938، يكتشف فيه إنسانيته التي لم يعرفها. ماذا يدعي؟ لا يجيب تابوكي عن هذا السؤال قط بل يتركنا، نحن القراء، لنجد الجواب المناسب، وان اختلف الجواب، من شخص إلى آخر.
 وقد يكون من ضمن هذه الأجوبة، (إذا ما أحببنا أن نذهب في تأويلنا الخاص)، مفهوم المسؤولية عند الفرد وعلاقته بالتاريخ، هو موضوع تأملات وتفكير لا يتوقف عن العودة في نصوص تابوكي الإبداعية والمتنوعة. نستطيع مثلاً أن نذكر شخصية الشاهد في كتابه «سوء فهم صغير بلا أهمية». فخلال محاكمة سياسية، يتعرض فيها اثنان من أعز أصدقاء شبابه، لتجربة مرة، إذ الأول هو القاضي والثاني هو المتهم، تجد الشخصية التي كانت مختبئة بين الجمهور في المحكمة حاملة دفتر الملاحظات، تلاحظ فجأة أنها لا تستطيع، أو إنها لا تملك الحق ولا الإمكانية، في الخروج من لعبة التاريخ، ولا أن تختبئ خلف دور الشاهد الحيادي. لقد وجد بيريرا، بشكل ما، نفسه في وضع مماثل. يقول تابوكي في مقدمة الكتاب الايطالية «إن قضية المسؤولية، قد ذكرها سارتر جيدا، حين قال إن الكاتب الملتزم شخص يتدخل في شؤون الآخرين. يكتشف بيريرا أن المرء لا يستطيع أبدا أن يقضي حياته بأسرها وهو ينظر إلى سرته، إذ عليه في لحظة معينة من لحظات التاريخ، أن يجعل من التزامه التزاما أكثر وجودية من كونه التزاما سياسيا».
اتحاد «الأنات»
 لجأ تابوكي في روايته هذه إلى نظريات الأطباء الفلاسفة، الفرنسيين: تيودول ريبو وبيير جانيه، وخاصة إلى نظرة «كونفيدرالية الأرواح» الحاضرة في كل كائن. بحسب هذه النظرة، فإن «الأنا» الموحدة غير موجودة، بل هناك اتحاد «أنات»، وعند كل مرحلة من مراحل الحياة، تفرض «الأنا القائدة» نفسها. فالروح التي تتوافق مع هذا المفهوم هي روح متعددة.
 إنها نظرية تعود إلى نهاية القرن التاسع عشر، لكن النظرية الفرويدية تمحوها، ومع ذلك فقد كانت لها سلطة تأثير كبرى على الكتاب. هذا المفهوم للأنا المتعددة، مفهوم مهم جدا في عمل تابوكي الأدبي. فهذا التأمل حول التوالد بالانقسام للهويات هو بالضبط ما لفت تابوكي إلى بيسووا. بالتأكيد، كان هناك في إيطاليا، بيرانديللو الذي قام بتأملات مماثلة إلا أن مسعى بيسووا كان متطرفا ودراميا، وقد وصل في الواقع إلى نتائج أكثر جذرية من الشعرية البيرانديللية (واحد، شخص، مائة ألف). فبيسووا لم يطرح فقط سؤالا جذريا حول الهويّة، بل أيضا حول الروح وحول وضعيتها المتعددة. ربما كان بيرانديللو على اطلاع على نظرية الأطباء الفلاسفة. أما مع بيسووا، فالأمر غير مؤكد. بيد أن ثمة اقتناعا بشكل أو بآخر، بأنه وصل إلى معرفة هذه النظريات والى التأثر بها بعمق، وبشكل مختلف عن بيرانديللو بالطبع. لقد كان بيسووا يملك عمقا ثقافيا أنغلو – سكسونيا، اكتسبه في إفريقيا الجنوبية، وبخاصة ثقافة الجماليين والكلاسيكيين الأنغلو – سكسونيين في القرن التاسع عشر. ووفقا لهذا الأثر الذي اجترحه، وصل أيضا، إلى اختراع من بين الأسماء التي اخترعها فيلسوف مجنون، هو أنطونيو مورا، الذي التقاه في احدى المصحات العقلية في كاسيه، والذي كان يكتب بحثا حول عودة «الباغانية». لقد ناضل بيسووا في العمق، ضد فكرة الروح الكاثوليكية، المسيحية، أي الروح الوحيدة التي لا تتجزأ. كان يتمنى عودة روح متعددة، كما في الديانات الكلاسيكية الوثنية. إن نظريات الأطباء الفلاسفة الفرنسيين، عند بيسووا، لم يكن لديها أي أثر حاسم على الصعيد البيسكولوجي أو النفسي التحليلي، بل على الصعيد الديني. أما بيرانديللو، الغارق في مناخ متوسطي، فهو في النهاية رجل كاثوليكي، مرتبط بالخط الفاشي، وبالفكرة المهيمنة، فكرة: الله، العائلة، الوطن. بيد أن بيسووا، في مسعاه كمنعزل كبير وذلك عائد إلى وضع البرتغال الخاص قد وصل إلى القبض على المستوى الفلسفي للمسألة، كما وصل إلى التفكير بتعددية الأرواح عبر استرجاع معتقدات العصور الوثنية القديمة. وهنا يكمن جديد بيسووا (مثلما يعتبر تابوكي في كتاب «حوارات منقوصة»).
فرويد الروائي
 بعد ذلك يجد تابوكي أن النظرية الفرويدية جاءت لتفرض نفسها على أنها النظرية الأساس، ماحية بذلك كل المدارس أو المحاولات الأخرى. في واقع الأمر، نجد أن علاقة تابوكي مع فرويد، علاقة إشكالية. يكفي أن نقرأ «حلم فرويد» في كتابه «أحلام الأحلام» (الترجمة العربية لرشيد وحتي عن منشورات الجمل)، لننتبه إلى ذلك. فعبر «قفا اللعبة» (إذا استعرنا عنوان إحدى مجموعاته القصصية)، وهي لعبة نموذجية في كتابة تابوكي، نجد فرويد غارقاً، عبر حلم، في وسط شبكة العنكبوت هذه التي تمثل نظرية لم يستطع الخلاص منها. كأنه داخل فخ. يقول تابوكي في حوار أجرته معه مجلة «ليه مارتيكول دي زانج» (عدد شهر أيلول 1996) «اقرأ فرويد بصفته روائيا كبيرا. إلا أنني أرتاب بشكل كبير في إمكانية تطبيق مراتب التحليل النفسي على تعقيدات الروح البشرية. ومع ذلك، فنحن لا نستطيع أبدا إنكار أن «الحالات العيادية» عند فرويد ليست سوى روايات رائعة. إنها «سرد السرد»، وتذكرني بطريقة هنري جيمس. ثمة مريض يروي قصة قصته إلى فرويد، بينما نجد فرويد، بدوره، يعود ليكتبها، مضيفاً إليها تعليلاته الشخصية. فهذا السرد للسرد، يصبح عملا أدبيا. وأنا مدهوش بأنه لا أحد حتى اليوم، قد وضع فرويد بين كبار روائيي عصرنا».
 إن كان فرويد كاتب الروح الواحدة، فإن بيسووا هو كاتب الروح المتعددة، تابوكي يعود إلى ذلك دائما، في تأملاته ككاتب. في كتابه «الأيام الثلاثة الأخيرة…» يتخيل تابوكي أن بيسووا، خلال فترة نزعه في مستشفى سان لويس الفرنسي في لشبونة، يتلقى زيارة جميع البدلاء الذين اخترعهم. فإلى جانب سرير موته، يمرّ كل من ألفارو دو كامبوش وألبرتو كايرو وريكاردو رييش وبرناردو شواريش وأنطونيو مورا. تعود أصواتهم لتنبثق مرة أخرى، ولتقوم بزيارة الذي أبدعهم. ولتعترف له بأسرارهم وتطلب منه الغفران النهائي والمناولة للحياة الأبدية. يبدو الأمر أشبه بمسرح تدخل فيه الظلال لتؤدي التحية وتختفي في عمق الخشبة. قد تكون صورة المسرح هذه ملائمة جدا لهذا السرد. ففي واقع الأمر، استعمل تابوكي غرفة المستشفى بمثابة منصة مسرحية. في المسرحيتين اللتين نشرهما تحت عنوان «حوارات منقوصة». بيد أننا في «الأيام الثلاثة الأخيرة…» نجد أن باليه الشخصيات قد اقتصر على الشيء الأساسي: فالزمن يبدو ضاغطا، مستعجلا، حيث لا وقت للخطب المسهبة، للتساؤل، وحتى لا وقت للندم. تصل الظلال على أطراف أصابعها، وحيث كلماتها إضاءات صغيرة في صمت الموت الذي هو الشخصية الصامتة، لكن الأساسية في قلب الحكاية.
الجذور الأخرى
 إن كان بيسووا هو، بشكل من الأشكال، أحد الجذور الأساسية في مسيرة تابوكي ككاتب، نجد أيضا في هذه المسيرة، جانبا مختلفا تماما، مرئيا على سبيل المثال في روايته الأولى «ساحة إيطاليا». إنها «الجذور الأرضية» التي يتحدث عنها سيزار سيرج في مقدمته للرواية، وهي التي تشكل أكثر من كونها رواية التحديد الفعلي لما يسميه الكاتب «الحكاية الشعبية». يقول تابوكي في حواره مع مجلة «ليه مارتيكول دي زانج» إن «جذوري هي في الواقع، جذور طفولة أمضيتها في توسكانة. إنني أفخر بكوني ولدت في منطقة كتوسكانة، في منطقة مخضبة بالثقافة العلمانية، المعادية للفاشية، منطقة الجمهورية والفوضوية. لقد عاش الفوضويون هناك فترة مهمة من تاريخهم. ومن ثم تناسى التاريخ هؤلاء الفوضويين، لقد محتهم إيديولوجيات أخرى. إلا أن من واجب الأدب أن يستعيد الأجزاء المنسية في التاريخ، ولهذا السبب كتبت ساحة إيطاليا». ويضيف في مكان آخر من الحوار: «رغبت في التذكير في هذه «الحكاية الشعبية»، بثلاثة أجيال من الفوضويين والغاريبالديين الذين لعبوا دوراً مهماً في تاريخ إيطاليا وأوروبا. أنا لن أنسى أبدا، فجذوري كإنسان وكاتب موجودة هنا».
 هل هذه الجذور العلمانية والتحررية هي التي تدفع تابوكي للقلق، أو بالأحرى تدفعه إلى أن يكون شخصا مهاجما خلال «الأحداث» التي تعرضت لها إيطاليا في العام 1995 – 1996؟ حين صدرت «بيريرا يدعي» في تلك الفترة في إيطاليا، قال تابوكي إن «من المهم جدا أن يتكلم المرء في إيطاليا، إنها لحظة حساسة جدا، حيث نجد أنفسنا وبشكل غير متوقع، مع وزراء ينتمون إلى الفاشية الجديدة، في قلب الحكومة. في أيّ حال أعتقد أن أولى واجبات الكاتب تكمن في أن يتبع نبضات قلبه. إن روايتي «بيريرا يدعي» نص ملتزم بوضوح، على المستوى السياسي لدرجة انه أفضى إلى جدالات طويلة. على سبيل المثال، كتب لوقا دونينللي في «ال جورنالي»، إن روايتي هي رسالة هجاء سياسية، بالأحرى، بل وصفها بأسوأ من ذلك، إذ قال إنها رسالة هجاء انتخابية. بالطبع ليس عليّ أن أتحدث بشكل سيّئ عن فرانكو وعن سالازار، ربما كان يحبهما، لكنه للأسف ليس الوحيد في إيطاليا اليوم.. بالنسبة إليّ، كان من المهم جدا أن أتكلم وأن أزور مجددا تلك الحقبة الأعتم في التاريخ الأدبي. يعني ذلك، إنني مقتنع بأن على كل كاتب أن يتبع نبضات قلبه».
 عاد تابوكي، بعد ذلك، ليتبع نبضاته، من خلال زيارته لأعتم حقبة في تاريخ إيطاليا الحديثة، قصدت «سنوات الرصاص»، وهي فترة السبعينيات، حيث كانت سنوات «الألوية الحمر»، وذلك عبر كتابه «التهاب معدة أفلاطون» (فعبر رسالة يوجهها تابوكي إلى ادريانو سوفري أحد قادة «الألوية الحمر»، الذي يقبع حاليا في السجن، يعود الكاتب ليذكر بتلك السنوات الحاميّة، ويجد أن لا حلّ اليوم سوى العفو عن هؤلاء الفلاسفة.
التهاب معدة المثقفين
 «التهاب معدة أفلاطون»، عبارة عن مقالات كتبها في عدد من الصحف الايطالية، وكانت في الأساس، ردودا على جملة من القضايا من بينها، دفاعه عن سوفري، الزعيم اليساري السابق، والفيلسوف الذي حُكم عليه بالسجن 22 عاما، بعد اتهامه بأنه المحرض على اغتيال أحد مفوضي الشرطة في ميلانو.
 وإذا كان صدور روايته «بيريرا يدّعي» في العام 1994، كما أشرنا سابقا، دفع بالنقد الإيطالي إلى تحيّة عودة الكاتب إلى نوع من الكتابة الروائية، ذات المناخات السياسية الحادّة والحاضرة بوضوح، مثلما كانت عليه كتبه الأولى، وبخاصة في رواية «ساحة ايطاليا»، إلا أن كلام النقد الايطالي هذا يبدو كأنه يتناسى الاهتمامات السياسية التي سكنت مطولا أعماله ورواياته، وان بدا ذلك بشكل غير مباشر نسبيا. فهو تحدث تارة عن الفاشية الايطالية وما خلفته من أشباح تجلت خلال الحرب العالمية الثانية، كما تحدث طورا عن السالازارية التي هيمنت على البرتغال لمدة طويلة لدرجة إنها خنقتها وأماتتها.
 مع ذلك، ينبغي الاعتراف، أن رواية «بيريرا يدّعي» (وعبر تشهيرها الصريح والواضح بالرقابة وضغط وهيمنة نظام سالازار الدكتاتوري، كما من خلال قدرتها المجازية على أن تكون صورة عن أوروبا وليس عن البرتغال فقط) بقيت هذه الرواية لعدة أشهر سلاحا معارضا لحكم سيلفيو برلسكوني، بقيت الشعار الذي رفع في وجه هذه السلطة الايطالية اليمينية. من هنا، جاءت هذه الرواية، لتشير إلى تبدل مواقع أنطونيو تابوكي، أي في أن تكون رواية سياسية بامتياز.
 بعد ثلاث سنوات من رواية «بيريرا يدعي»، أصدر تابوكي في العام 1997، رواية جديدة بعنوان «رأس داماسينو مونتييرو الضائع» (الترجمة العربية لرفعت عطفة، عن دار ورد في دمشق)، فجاءت لتؤكد أيضا، وبنبرة ربما أكثر ميتافيزيقية، ذلك المظهر الواشي أو على الأقل ذلك المظهر المتسائل الذي سبق لتابوكي أن تبنّاه في بعض كتبه. بيد أن الأمر تعلق، في روايته هذه، بخبر صغير «تافه»، معزو إلى الحرس الوطني البرتغالي، إلا انه يصلح لأن يكون وبشكل أكثر مجازية عنوانا عريضا لاغتصابات كثيرة أخرى تقوم بها الشرطة في السجون، في «هذه الأوروبا المتحضرة»، (على قول الكاتب الذي يستعمل هذا التعبير).
في رواية «رأس داماسثنو مونتيرو الضائع»، يعود تابوكي إلى وطنه الثاني، إلى البرتغال. ويشرح لنا في ما يشبه الكتاب، أن الكتاب فرض نفسه عليه هناك، إذ لم يكن من المفترض أن يغرق في هذه القصة، لأنه كان يعمل على رواية أخرى. لكنه ذات صباح اكتشف في صفحة المتفرقات في إحدى صحف البرتغال خبرا ما. فتابوكي يؤمن بشكل من أشكال الاختيار التي تفرضها إحدى القوى الخفية. «تكون أحياناً في الباحة أو في المترو، وفجأة تسقط قصة فوق رأسك بطريقة تشبه سقوط طابة صغيرة من الفضاء كأنها اختارتك، كما لو أن في رأسك جاذبية ما».
 بعد مضي أسبوع «ومن دون أن يعرف لماذا، بدأ الكتابة. حول تلك الجثة التي تنبثق من ليل بورتو. كانت جثة رجل مقطوع الرأس، مرمي في أرض حديقة عامة بالقرب من المدينة. يتم تكليف فيرمينو وهو صحفي يعمل في إحدى صحف الفضائح التحقيق حول جثة هذا الرجل. فتقوده المعلومات إلى أن يصل إلى عنق رقيب في شرطة الحرس الوطني.
 انطلاقا من هذه الحبكة البوليسية، يتابع تابوكي عمله في استكشاف المجتمع البرتغالي، هكذا نجد الصحفي المدعوم من بعض الوجوه العليا، يفند العنف والرشوة والفساد المستشرية في صفوف الشرطة.
 يبني تابوكي رواية سوداء مخيفة، مليئة بالسخرية والأسرار، وينصف الاعترافات والعقلانية المخبأة، فحول هذه الجثة البلا رأس تحوم «أصوات» بلا وجوه وقضاة لا يخدمون إلا مصالحهم. فسرّ هذه الرواية يتمثل، قبل أي شيء، بهذه الهوية المجهولة التي تبدو كأنها استعارة لسر الطبيعة الإنسانية الغامضة».
 لكن، وبشكل مواز لهذه الروايات، لا بد لمتتبع أعمال هذا الكاتب، أن يلاحظ، ذلك الحضور الكثيف لتابوكي، في الجدال حول العديد من القضايا الآنية والراهنة، ذات الأوجه المختلفة، عبر نبرة غالبا ما تكون، نبرة حية، مثيرة للجدل بدورها.
 جدل تابوكي، جاء عبر مختلف صحف ومجلات ايطاليا، مثل «لاكوريير ديلا سيرا» أو «لونيتا» وغيرهما. فعلى سبيل المثال، هاجم برلسكوني علانية، حين صرح هذا الأخير بأن مشاهدة الناس وهي خارجة من صناديق الاقتراع، أهم من جميع النتائج التي ستتمخض عن عملية الاقتراع هذه. ربما لم يحسب برلسكوني حساب فشله في الانتخابات التي فاز بها الشيوعيون يومها. كما فتح النقاش والجدال في صحيفة مع الناقد فرانكو كورديلي الذي اتهمه بأنه يبدع شخصيات ملتزمة بشكل خاطئ.
 أما في ربيع العام 1997 فقد قرر تابوكي انتهاك القاعدة الذهبية للشكل الأدبي الايطالي، إذ هاجم عبر كتابة ردّ على مقالتين كتبهما ألبرتو أرابازينو وهو احد «ملوك» الجدال الثقافي في ايطاليا، (وأحد المعلقين الرومانيين ويكتب في صحيفة «لاريبوبليكا» ومؤلف عدة كتب، منها واحد عن مدينة باريس). وذلك بشكل قاسٍ، وبعزم لا يشك فيه احد. الأسوأ من ذلك، هو أن الجدال الذي انخرط فيه تابوكي، كان لا يزال جدالاً أدبياً، لكنه سرعان ما تحول إلى جدل سياسي، أصبح الدافع لهذا العراك برمته.
 كان أرابازينو، قد هاجم المثقفين الفرنسيين الذين تظاهروا ضد القانون الذي يحتم على الجميع الإعلان والوشاية، عن الذين يعيشون بلا أوراق قانونية في فرنسا، ومن ثم هاجم في مقالته الثانية، المثقفين الايطاليين الذين أخذوا على عاتقهم مهمة الدفاع عن اللاجئين الألبانيين (كانت يومها وفود اللاجئين الألبانيين تهرب من بلادها بسبب المعارك، وتطلب اللجوء من الحكومة الايطالية) اخذ عليهم بأنهم يتمتعون بخطاباتهم العديمة الجدوى، إذ أنهم لا يحققون ما يقولون بالفعل واقترح عليهم لذلك أن يستقبلوا، على سبيل المثال، كل هؤلاء المساكين في بيوتهم الثانوية.
أنا هو الألباني
 فتحت عنوان «الألباني، أنا هو»، والذي يمتدّ على تسعة أعمدة من الصفحة الثقافية في الصحيفة الايطالية، هاجم تابوكي، أرابازينو، واصفا إياه بأنه يكتب كثيرا وبشكل سيء. ويضيف: «ما من يوم مقدّس، يمرّ، من دون أن نقرأ رأيك.. حول العروض والمعارض والمشكلات الاقتصادية والسياسية التي تحدث في جميع أنحاء العالم». ورأى تابوكي أن أرابازينو يشعر بالسرور دائما حين «يطلق الرصاص من سبطانة بندقيته من دون أن يقترح شيئا محددا..». كما انه يكيل «التفاهات والفحش» للألبانيين (الذين وصفهم بأنهم مضيفون بلقانيون يستقبلون الزائرين وهم يحملون الكلاشينكوف بحسب ما تقتضيه أصول النهب الأخلاقية)، مثلما يكيل «التفاهات» حول الهولوكوست (كما يرى تابوكي، التي يصفها كمجزرة ارتكبها العرق الألماني الأعلى ضد الشعب اليهودي المختار، حيث تعرض الجميع لخسائر مرعبة لم يستفد منها احد). وقد علق تابوكي على ذلك بالقول: «يتراءى لي أن اختناق ستة ملايين يهودي بالغاز، خسارة أكيدة، أما مليارات الماركات التي خزنتها عائلة كروب، بفضل الأشغال الشاقة التي قام بها الالبانيون الذين اختنقوا بالغاز في ما بعد، فهذه منفعة أكيدة مثلما يبدو»!.
 وقد حاول تابوكي في مقالته هذه، فضح أو بالأحرى الكشف عن غموض وارتباك هذا الهجوم الذي يجد انه السبب في ازدهار «البوجادية» (حركة سياسية فرنسية، أطلقها بوجاد دفاعا عن التجار والحرفيين)، التي تضع دائما وباسم التفوق والسلطة «البراكسيس» – (التطبيق العملي، في الفلسفة الماركسية، محاولات تغيير العالم، وبخاصة وسائل الإنتاج التي تقوم عليها البنى الاجتماعية..) – في مواجهة الخطاب الثقافي، كذلك حاول أن يبدأ بدفاع أولي عن مبدأ تدخل المثقف في قضية اللاجئين الألبان، فاصلا بين الدفاع عنهم وضرورة إيوائهم في منزله..
 جواب أرابازينو في صحيفة «لاريبوبليكا» كان أقسى، إذ تفّه اتهامات ومواقف تابوكي، قائلا: لماذا يعلن انه ألباني فقط، في حين أن عدد المذبوحين الجزائريين أكبر من غرقى المراكب، كذلك وجد أن الأسباب الحقيقية لهجوم تابوكي، تشكل جزءا من استراتيجية دعائية تافهة في سبيل دفع الجميع إلى الحديث عنه في الوقت الذي أصدر فيه كتابه الأخير («رأس داماسينو…»).
في تلك الأثناء وعند اشتداد إلحاح «القضية الألبانية» في ايطاليا، ودور المثقفين، كتب الباحث والروائي وعالم الألسنيات أمبرتو ايكو، رأيه في القضية، ضمن مقالته الأسبوعية التي ينشرها في مجلة «الاسبريسو» وهي تدور تحديدا، حول سؤال المثقف وكلامه وحقه في التدخل بالقضايا الراهنة. فيرد عليه تابوكي، في سلسلة من المقالات، ظهرت أولاها في مجلة «ميكروميغا» في حزيران 1997. (وهذه المقالات هي التي تشكل في الواقع كتاب «التهاب معدة أفلاطون»).
 يعارض تابوكي في مقالاته هذه، رأي إيكو الذي نتعرف عليه من خلال الحجج والاستشهادات التي ينقلها تابوكي عنه الذي يتلخص في نصائحه للمثقفين في أن يهتموا بقضاياهم الخاصة، وان لا يتدخلوا أبدا لا في المشكلات الراهنة ولا في المشكلات الأخلاقية التي تنتج عن أمور مماثلة. أي بمعنى آخر، طالب إيكو بالإحجام عن إضاعة الوقت في الدخول في متاهات مماثلة.
 يأتي جواب تابوكي على مستوى عال من التفكير، عبر العديد من المراجع النظرية والفلسفية. بيد أن مؤلف «بيريرا يدّعي» يعرف كيف يحافظ، في كلامه، على خاصية عباراته التي لا يجيد استعمالها غيره. وهي عبارة تتخطى الجدل الراهن، الآني، لتقترب من الأسئلة الخطيرة والكبيرة، من دون أن تغلق على نفسها داخل يقينيات بديهية وسريعة.
رسالة إلى سوفري
 طوال نصه الأول كما في الرسالة التي كتبها خصيصا للطبعة الفرنسية، (وهما موجودان في الكتاب) اختار تابوكي توجيه حديثه إلى أدريانو سوفري، وهو زعيم سابق لحركتي «الحركة العمالية» و»النضال مستمر»، وقد حكم عليه في مطلع العام 1997 بالسجن لمدة 22 سنة، كما على رفيقيه اوفيديو بومبرزي وجورجيو بييترو ستيفاني، بعد أن حُملوا المسؤولية المباشرة لاغتيال مفوض الشرطة كالا بريزي في 2 أيار 1972 في ميلانو.
 الحكم على المسؤولين اليساريين وهما من المفكرين والفلاسفة – (حول قضية محاكمة الفلاسفة اليساريين الايطاليين، أنظر إلى مقالتنا في «سفير»11- 7 1997، الملحق الثقافي، بعنوان، «سيرة منظر الألوية الحمراء: أنطونيو نيغري يسلم نفسه إلى العدالة») – وصل إلى نقطة، لا يستطيع أحد معها، طلب استئناف الحكم، ولم يبق أمامهم سوى طلب المغفرة من رئيس الجمهورية، وهذا أمر يرفضونه رفضا باتا. جاء الحكم على سوفري ورفاقه، بعد العديد من الجلسات المتناقضة التي كانت ترى المتهمين أحيانا بأنهم أبرياء وأحيانا بأنهم مذنبون.
 سال الكثير من الحبر حول هذه القضية، حتى أن المؤرخ كارلو غينزبورغ، أفرد لها كتابا كاملا («القاضي والمؤرخ: اعتبارات على هامش محاكمة سوفري»، منشورات «فيردييه». باريس 1997)، كي يبرهن أن ثمة كثيرا من الأمور، غير المتناغمة في التحقيقات المختلفة، التي أجريت، كذلك كشف عن اختفاء بعض عناصر هذه القضية بشكل غير معقول بالرغم من أنها أساسية وفي صلب القضية مثل ثياب المفوض الذي اغتيل، والرصاصة التي استخرجت من جثته، والسيارة التي استعملها القاتل. كذلك كشف غينزبورغ، أن الاتهام الموجه ضد كل من بومبرزي وبييترو ستيفاني وسوفري، لم يأتِ إلا في العام 1988، بعد أن شعر ليوناردو مارينو وهو احد منفذي عملية الاغتيال بالندم المفاجئ على ما ارتكبه، مما دفع المسؤولين إلى إعادة فتح التحقيق في القضية من جديد.
 ويجد غينزبورغ أن هذا الندم الذي جاء بعد 16 سنة، له قيمة واحدة بحسب قانون «النادمين» في ايطاليا ألا وهو إطلاق سراح الجميع، كذلك يجد غينزبورغ أن ما من دليل مادي واحد يستطيع أن يلقي بظله فوق هذه القضية..
 إزاء ذلك، تشكلت هيئة دولية من المثقفين وعلى رأسها موريس بلانشو وجاك دريدا وموريس نادو وجاكلين ريسيه للمطالبة بالسهر على مصير هؤلاء المساجين السياسيين كي لا يضيعوا في غياهب النسيان. وقد نجحت هذه اللجنة التي استطاعت جمع اكثر من 5000 توقيع في مقابلة الرئيس الايطالي، سكالفارو، لالتماس الرحمة في الإفراج عن المعتقلين. لكنه لم يستطع شيئا، لأن المتهمين أنفسهم، يرفضون هذا الطلب. بيد أن اللجنة نجحت في إقناع محكمة ميلانو، بإعادة النظر في القضية، وقد صدر حكمها بعدم إعادة فتح القضية، لأن الملف الذي قدم مجددا، لا يحمل أي تفاصيل إضافية، أو معلومات جديدة.
 إزاء ذلك، هل يحق للمثقف ألا يتدخل في القضايا الراهنة مثلما قال إيكو، حيث أن رأيه هذا استدعى جواب تابوكي الذي تجده في كتابه «التهاب معدة أفلاطون» ربما كان الصواب في جانب تابوكي، وبخاصة إذا عرفنا ان إيكو نفسه، كتب مقالة في صحيفة «لوموند» الفرنسية(«ينبغي مراجعة قضية سوفري، باسم الحسّ الطيّب»، صحيفة «لوموند»، 18 آذار 1998.)، طالب فيه بإعادة النظر في قضية سوفري.
العفو
 قد يكون موضوع العفو، بمعنى من المعاني، في قلب روايته «ليال هندية»، كذلك نجد فيها، فكرة تلك الأنا المتعددة. فالراوي الذي يغادر إلى الهند، بحثاً عن صديقه كزافييه (وليس كسافيير، مثلما جاء في الترجمة العربية الصادرة حديثاً عن دار الكلمة)، يدخلنا إلى جانب من جوانب الهند. هند السحر والمصحات والفقراء والمواخير. وشيئا فشيئا مع مرور الأحداث، نبدأ بالاكتشاف على خلفية شعر بيسووا أن كزافييه هذا لم يكن في واقع الأمر، سوى الراوي نفسه. كأنه في بحثه الطويل والعبثي يدرك أن البحث الحقيقي كان يجب أن يكون من داخل الذات البشرية. وهذه الرحلة التي لم تكن ضرورية في الأصل، كانت مسوغا لالتقاط إحدى هذه «الأنات» الهاربة.
 الوقت يتأخر
 في شهر آذار من العام 2002، يصدر تابوكي رواية جديدة بعنوان «يتأخر الوقت، يتأخر أكثر فأكثر»، بيد أن النقاش الذي عرفته إيطاليا لم يكن بسبب الرواية بل بسبب رسالة بعث بها الروائي إلى رئيس الوزراء الايطالي سيلفيو برلسكوني، إذ كان تابوكي قد أرسل عبر صحيفة «لا ريبوبليكا»، «رسالة إلى أوروبا» طلب فيها مساعدة ايطاليا، إذ تحدث فيها عن انحراف نظام برلسكوني و»انزياح البوصلة» الذي أعقب تصريحات الرئيس الايطالي كارلو أزيليو كيامبي الذي «سامح» فاشيي دولة سالو «الدمية» التي أُعلنت العام 1943 بعد استسلام ايطاليا.
 حين تعود أشباح الفاشية لتؤرق بلدا بأسره ولتصل إلى داخل أروقة قصوره الوطنية، قد يكون من الخطر أن يمزح المرء مع الذاكرة والحقيقة التاريخية. من هنا، جاءت استقالة وزير الخارجية الايطالي ريناتو روجييرو لتبرهن أن مخاوف تابوكي لم تكن عارية عن الصحة أو من دون أساس. لنقل أن الكاتب مثل خبير أطلق صفارة الإنذار.
غطرسة السلطة
 هذه الصفارة عاد وأطلقها مرة ثانية، بعد مدة، في حوار مع صحيفة «لوموند» الفرنسية إذ قال: «منذ أن تسلّم برلسكوني مقاليد السلطة، لم يتوقف عن ترداد انه انتخب ديمقراطيا. بالتأكيد، هناك العديد من الأشخاص الذين هضموا الديموقراطية التي جاءت بهم: موسوليني، هتلر، سالازار. ومع إصداره لعدد من القوانين، بدأ برلسكوني في تحويل قواعد الديموقراطية التي انتخب من خلالها. انه يقترح الآن، تعديل مادة في الدستور. أعتقد انه سيكون لدينا ديمقراطية بحت شكلانية وليست ديمقراطية جوهرية. أن سقطت إيطاليا في هاوية التوتاليتارية، فسيكون الرئيس الايطالي شريكا كاملا في ذلك حتى أن دوره سيكون مشابها لدور فيكتور ايمانويل الثالث مع موسوليني».
 قد يكون الداء الذي تعاني منه ايطاليا أخطر من ذلك، إذ على قول تابوكي أيضا: «هناك بعض أشكال غطرسة السلطة السياسية ضد النظام القضائي، قد أصبحت واضحة اليوم في أوروبا، أعتقد أن على الاتحاد الأوروبي أن يهتم بذلك، أقول إلى أوروبا: انتبهي من الزكام. لقّمي نفسك ولقمينا».
 من هنا، ليس من قبيل الصدفة أن يتحول بطل رواية تابوكي «بيريرا يدّعي» وهو صحفي عجوز واجه السالازارية في البرتغال إلى رمز المعارضة اليسارية في ايطاليا في وجه برلسكوني. أي أنها ليست المرة الأولى التي يعلن فيها الكاتب عن مخاوفه تجاه الانحرافات السياسية والإيديولوجية في بلاده. وربما كان واحدا من قلة، لا تزال تجرؤ على رفع صوتها أو بالأحرى، كما قال عنه المسرحي داريو فو (نوبل للآداب العام 1997) انه أي تابوكي يحاول «أن يردم فراغ المعارضة السياسية».
 ومع ذلك كله، لا نستطيع أن نصف أنطونيو تابوكي بأنه كاتب ملتزم. بالأحرى لا يحب أن يقال عنه انه كاتب: «الكتابة؟ ليست مهنة. إن الأدب شيء أخلاقي لا نستطيع أن نجعله بيروقراطيا». بالنسبة إلى تابوكي، هناك دور وحيد للأدب: أن يطبع الشك. من هنا، نجده يبحث دائما عن التمزقات، ليشير إليها، ليسأل الواقع، من دون أن يعطينا بالطبع أي جواب.
الفن التراسلي
 لا يهرب كتاب «يتأخر الوقت، يتأخر أكثر فأكثر»، لا يهرب من هذه الشاعرية التابوكية التي تنغرس في الشك وسوء الفهم، كما أنها تحاول أن تصوغ مرة جديدة مقولة أن الذاكرة مثل المتخيل، هما مصدر العاطفة، فنور هذه النيران الماجنة تضيء كل صفحة من صفحات الكتاب. رواية تقوم على الفن التراسلي، وتتألف من رسائل بُعثت إلى نساء «غير محتملات»، صديقات غاليات، عزيزات أو عزيزات جدا (نجد أيضا أن واحدة منهن تدعى «يا حبي»). ينتقل الكاتب وشخصياته تحت مناطق الزمن والعالم الواقعي الضبابي. ما هو موضوع هذه الرسائل؟ إنها عن كُتب لم تكتب أبدا، عن رحلات لم يقم بها أحد، عن لحظات هاربة، خيالية، محلوم بها أو معيشة من جديد «مثل السحر»، عن حنين متوقع، عن «النوتة» السرية لافتتاحية موسيقية أغلق عليها الموسيقي روحه بأسرها. إنها رسائل لما كان يمكن أن يكون الأمر عليه أو ربما عما كان عليه أحيانا. اليقين الوحيد الذي نجده فيها، عائد إلى التاريخ الذي يستدعيه بدقة واختصار عبر الصيغة «الكيماوية المرعبة» التي، بحسب بريموليفي، تحتوي على «كل هاويات القرن السابق»: «زيكلون بـ انشطار الذرّة، أسلاك شائكة».

 يصعد الراوي سلك الحيوات التي يخترعها وهو يعود إلى ذكرياته. كل رسالة من رسائله ترسم متاهة مبهمة تتلوى تحت الشمس المزدوجة للذكرى والخيال. ها هو فجأة في سمرقند، حيث لم يذهب للأسف: «أتذكرين حين لم تذهب إلى سمرقند… لقد اخترنا أفضل فصول السنة». كي يراقب النجوم من مرصد «لوغ بيغ» أو نجده في باريس بين بولفار جوردان والمدينة الجامعية، ومن ثم أمام باب صالة سينما في السان جرمان حيث يعرض فيلم الكلب الأندلسي، ليبدو كسيد أوهام حين يعيد تنغيم أغنية الماضي السرية.
الذاكرة
 لا يقف الحب عند تابوكي بعيدا عن الذاكرة، فالأمر بالنسبة إليه هو بمثابة «أمكنة، تتوه فيها الشخصيات التي أرسلت الرسائل». ما يصدم في الكتاب، هو هذا «الكوكتيل» البخاري في مجمله والدقيق في تفاصيله؛ هذا المزيج ما بين «المجسم الضبابي والذرة القاسية». انه تحالف جميل ومقدس بين الأضداد، فعال بشكل رهيب. إن دقة الكلمات وإيقاعاتها التي تبدو موزونة بأسرها في كل صفحة ليست فقط اكسسوارات ساحر أو أدوات فنه. الكلمات تحت ريشة تابوكي، تصبح قماشة الزمن، النسيج المتموج حيث تبدو العواطف والندم في داخل حركة واحدة للسيطرة على حريتها ولتخضع للحياة.
 بمعنى من المعاني، يستدعي الكاتب هنا «بدلاءه»، وهو بذلك يبقى مخلصا لمثاله المطلق الذي يمثله فرناندو بيسوا، الشاعر البرتغالي. انه «يفرفط» هنا هذه الحيوات التي كادت تكون حيواته، كما إنها الرسائل التي كان يمكن له أن يكتبها أو يتلقاها.
 ما يفعله تابوكي في كتابه هذا، هو هذه العودة إلى «طعم الوهم» كما فعل ذلك في رواية «ليال هندية» إنها عودة للبحث الرصين عن ممر من عالم إلى آخر، أو ربما لندخل إلى حدود الكون. في ملحق الكتاب، يذكر تابوكي الكاتب الإيراني صادق هدايت، مؤلف رواية «البومة العمياء». في رواية هدايت هذه، نجد رجلا متبوعا بإحدى حيواته الداخلية. هذا «الاعتراف» يقودنا إلى ما نعرفه عند تابوكي، عن سماته، عن هذا الحس بالذنب اللاعقلاني الذي يسكنه، عن ندمه المحكوم أن يعيش معه، وبخاصة ألا يكون شخصا آخر… «أن تكتب فلكي نفصل الكائنات والزمن»، لكي نسكن ذكريات أخرى غير ذكرياتنا ولتصبح هذا المجهول الذي يكتب إلى عزيزاته. إنها الحياة بحسب أنطونيو تابوكي، إنها الحياة.
الملاك الأسود
 في العام 2008 يعيد تابوكي إصدار مجموعته القصصية «الملاك الأسود»، مضيفا عليها بعض القصص التي لم تحملها الطبعة الأولى. مجموعة أقاصيص – يصفها الكاتب – بأنها عبارة «عن أصوات حملتها أشياء ما، من الصعب تحديدها». هذا ما تقوله شخصية القصة الرئيسة، التي تحمل عنوان المجموعة. شخصية تحب أن تتكلم، أن تبحث عن جمل جميلة لكنها تتفاجأ بموت صديقها الذي كانت على موعد معها. لكن المفاجأة في هذه القصة أنها تجد تكملتها في قصة ثانية في الكتاب بعنوان «بحر، ليل أو مسافة» حيث نطل على الليل الإيطالي، خلال سنوات «الرصاص» (أي سنوات الحركات اليسارية الثورية في السبعينيات) حيث كانت عمليات الخطف والاغتصاب والقتل وما شابه. بهذا المعنى لسنا أمام قصة سياسية، بل ثمة شهادة يريدها الكاتب عن زمنه كما عن حقبة من تاريخ إيطاليا المعاصر.
 «أتستطيع فراشة تفرد جناحيها في نيويورك أن تسبب إعصارا في بكين؟» تبدو أفضل أقاصيص هذه المجموعة، ربما لكونها تقترب من مناخات خوليو كورتاثار- الكاتب الأرجنتيني – من حيث إنها تمزج ما بين المسرح والرواية البوليسية السوداء، وتتحدث عن اتهام شخص بريء بارتكاب جريمة لدرجة أنه يرتكبها في نهاية الأمر. صحيح أن الفكرة هذه طرحت كثيرا في آداب العالم لكن ما يميزها هنا، أسلوبها الذي يعرف كيف يصوغ مناخات الجريمة المناخات النفسية التي تقود الشخصية الرئيسية إلى الغرق في متاهات هذا العالم. أما قصة «مركب فوق المياه» فتتحدث عن غرق حياة بأسرها وعن مقاومة ذلك بعدم السقوط إلى الهاوية، بينما قصة «سمكة الترويت التي تنساب بين الحجارة تذكرني بحياتك» تعيد الحديث عن الخوف من الاحتيالات الأدبية التي تسود الساحة الثقافية.
لكن تابوكي لا يتوقف عند ذلك، أي نجد أيضا تأثيرات لكتاب آخرين، أو لنقل مناخات أخرى، مثل مناخ جول فيرن الذي يستدعيه في قصة «اليوم الأول من السنة» حيث نجد أن بطلها شخص يتذكر طفولته وحياته، أي بمعنى آخر يعود لمحاولة القبض على الحياة الهاربة والمنسابة مثلما تنساب الرمال من بين الأصابع.
 إنها هذا العالم المتشعب، عالم، يحاول أن يبحث فيه عن الإنسان، أيّ أن الكائن البشري يقف في قلب أعمال تابوكي، حيث يحاول أن يرسم لنا «بورتريهات» تدفع القارئ إلى طرح العديد من الأسئلة، لعلّ أبرزها: ما معنى الهُويّة حين تكون هذه الأخيرة غير ثابتة وفي تحرك مستمر؟ وفي موازاة هذا السؤال الوجودي لا بدّ لنا أن نلاحظ اختبارات الكاتب في تجريب العديد من الأشكال الأسلوبية، المتراوحة بين «اللهو» (إذا جاز التعبير) والمتطلبة في الوقت عينه، لدرجة أننا في بعض الأحيان نجد صعوبة ما في متابعة الخيط الحكائي وتطوره كلما تقدم النص بنا.
 ربما يكون مرد ذلك إلى جملة هذه التأثيرات المتعددة التي يقع فيها نص تابوكي. بالتأكيد هناك فرناندو بيسوا كمرجعية أولى، لكن هناك أيضا، بالإضافة إلى الأسماء التي ذكرنا، غوستاف فلوبير وجيمس جويس وأيضا وليم فوكنر وبخاصة في هذا «الجانب الحديث» الذي يُدخلنا في هذه الأفكار المتاهية التي تعاني منها غالبية شخصيات تابوكي الروائية. غالبا ما يبشرنا الكاتب بالشك، فهو يفضل الشخصيات التائهة، القلقة، الخائفة، وبهذا المعنى يحاول أن يجعلنا نتيه أيضا في هذه الأصوات المتعددة التي تسكن أقاصيصه. إزاء ذلك، علينا أن نكون حذرين إذ يكفي أن نشرد ولو للحظة واحدة حتى نتيه عن سير القصة ونمرّ إلى جانب القصة.
في بعض الأحيان، تترك أقاصيصه القارئ مرتابا بالمعنى الذي نجدها فيه موازية لأحد الأشكال التعبيرية المعقدة والمركبة لدرجة أننا نجد أن القصة المروية قد تبدو كثيرة الحكائية، أي مليئة بالقصص والخبريات. من هذا المناخ يأتي كتاب «الملاك الأسود» إذ يشكل مجموعة قصصية تملك الكثير من ألغازها الداخلية. وهو كان صدر للمرة الأولى العام 1991.
 في أيّ حال، صحيح أن «الملاك الأسود» هو واحد من كتب تابوكي، لكنه سابق للروايات الأخرى، بمعنى أن الكتابة قد تبدو هنا بمثابة تمرين لكل النجاحات التي أتت لاحقا.
 «الزمن يشيخ بسرعة»
 «الزمن يشيخ بسرعة» عنوان المجموعة القصصية الذي أصدرها الكاتب الإيطالي في العام 2009، والتي تبدأ بسؤال كبير: ماذا تشبه اللانهاية؟ هل من الأسهل علينا أن نراها حين نقف على أطراف أصابع قدمينا؟ «ليزين» هذه الأسئلة «الميتافيزيقية» العابق بها كتابه هذا، وجد أنطونيو تابوكي، فكرة طريفة إذ اتصل بفيليب راميت – وهو فنان تشكيلي، يُقدّر الكاتب عمله، وبخاصة التراكيب والتمديدات التي يبدعها – الذي تخيل له الغلاف الذي نجد عليه رجلا واقفا على رافعتين حديديتين، محدقا بالأفق، وهو في مشهد طبيعي جميل. صحيح أن ساقيه ثابتتان على هاتين «العكازين»، لكن يبدو جليا أن رأسه يبدو «خارج المكان»، بعيدا، هناك، في … اللانهاية، وكأن هالة الأضواء تحيط به من كل جانب. منظر الرجل يفيدنا بأنه يرى أشياء مهيبة لن نستطيع أن نميزها نحن، إلا ان الأمر على العكس من ذلك… أي أن الرجل وصل إلى نهاية طريقه. وها هو يقف وحيدا، تائها، لا يعرف ماذا يفعل. ربما طرأت له فكرة أن يصبح أطول قامة، من هنا اعتماده على هذا «الطول الافتراضي»، وما بحثه الأخير عن اللانهاية إلا عبث منذور للفشل: لم ير شيئا مختلفا عن الذي كان سبق ورآه وهو على الأرض.
 تبدو هذه الصورة بكل ما تمثله من إبهامات وإيهامات وكأنها تُسحر تابوكي. «ثمة شخصيات في كتابي، واقعة بالضبط في هذه الوضعية»، يقول الكاتب في حوار مع جريدة «لوموند»، ليضيف: «من هنا، ما معنى هذا المجهود الذي يقومون به لكي يروا؟ وفي النهاية ما سيجدون؟ ربما سيجدون شيئا في البعيد، غير محسوس، وربما سيجدون «هذا الزمن الضائع». مع العلم أن الزمن لا يضيع أبدا، بل يتقدم دائما، يخبئ نفسه، يسيل، يصبح أكثر ميوعة، يحدث دوائر إعصارية… لا يضيع الزمن، بل نحن من نضيع…»
 مرة جديدة، يعود الكاتب الإيطالي الكبير إلى موضوعاته المفضلة، التي عجت بها كتبه الماضية: الزمن، الشيخوخة، الشك… عبر تسعة نصوص مليئة بالسرد المدهش والجميل، يُنقب صاحب كتاب «بيريرا يدعي» ذاكرات الكائنات الهشة، الذاهبة في شيخوختها، الكئيبة. يفعل ذلك من دون شفقة، لدرجة أنه يدفع أحدهم إلى القول: «فكّر بالقناني البلاستيكية، قناني المياه المعدنية، ثمة معنى للقنينة طالما هي مليئة بالماء، لكن عندما تشربها، يمكنك أن تجعلكها على نفسها، ومن ثم ترميها، هذا ما حدث لي تماما، لقد تجعــلك الزمن بالنسبة إليّ، كما فقرات ظهري قليلا، إن كان بإمكـاني قول ذلك».
 على شاطئ البحر، يتحدث ضابط متقاعد منذ فترة طويلة عن «سوء الفهم الوجودي» مع فتاة شابة يعلمها كيف تقرأ مستقبلها عبر الغيوم. في حديقة نباتات، يقف رجل، يبدو عليه وكأنه ضائع قليلا في هذه الحياة، محاولا تخمين عمر الأشجار؛ أما على سرير في المستشفى، فنجد امرأة عجوزا تحاول أن توصي ابن أخيها بالاهتمام بالذكريات «التي ربت عليـها قبل بداية الذاكرة». بينما نجد في شوارع برلين، عميلا سريا سابقا كان مكلفا يومها بمراقبة برتولت بريشت حط بها القدر ليصبح معدما ومتسكعا، وهو يعيد التفكير بالمرأة التي أحبها ذات يوم قبل أن تختفي…
 كلّ شخصيات أنطونيو تابوكي تتعرض إلى ما يسميه هو «اللاتناغم المقرر سلفا بينهم وبين عصرهم». ربما تكمن هنا الموضوعة السياسية للكتاب: هذه «الزمانيات المتعددة والطريقة التي تتصادم فيما بينها». ما من شيء يتقدم بالخطى نفسها. «الحقبة التاريخية، إيقاع الصحف والتلفزيونات، دوائر الأجساد وخفقات القلب، النبضات الداخلية وحركات الوعي، إيقاع العواطف… كل هذه الأشياء تشكل عقدا مبهمة لا يستطيع المنطق حلها» يقول تابوكي في حواره مع الصحيفة الفرنسية. إزاء ذلك، ما هو الوقت الحقيقي؟ ما هو الزمن الصواب؟ بالتأكيد، ثمة استحالة في إيجاد جواب عن هذين السؤالين. من هنا تبدو شخصيات تابوكي وكأنها لا تملك آلات قياس لمعرفة ذلك. أو ربما على العكس من ذلك. شخصيات تشبه ساعات خربة، تدور عقاربها بشكل جنوني، وفي جميع الاتجاهات.
 ما تقترحه علينا أقاصيص أنطونيو تابوكي قد يكون التالي: ثمة جوانب كاملة من ذواتنا محكومة بهذا الفارق الزمني بشكل مستمر. وما شيء، سوى أمر واحد قديم جدا مثل الأسطورة والحلم والأدب يمكن له أن يصلح ويصالح فيما بينها، أن يعطيها إيقاعا وشكلا. علينا أيضا أن نسرع في أمورنا لأن «الزمن يشيخ بسرعة» كما يقول السابقون على أرسطو. في النص الأخير الذي يحمل عنوان «زمن معاكس» تصل الشخصية الرئيسة إلى آخر عملية بحثها في اللحظة المناسبة، إذ ليس من قبيل الصدفة أن تحط طائرته فوق الأراضي اليونانية. «على الصفحة التي كتب عليها رقم تاريخ السنة الراهنة، كانت سنة الحظ 2008 بعد الميلاد، ليجد نفسه متزامنا معها (…) ما هي الصورة التي تزامن معها؟ كان يجهل ذلك، لكنه لم يقلب الصفحة. إذ كان قد وصل».
 إلى أين؟ كل هدف أنطونيو تابوكي أن يصغي جيدا إلى هذه الحساسية الأوروبية الراهنة التي يعتبرها مفارقة للزمن، بعيدة عن الزمن الراهن، كما لو أن عقارب ساعة وعينا تشير إلى وقت آخر غير الوقت الحقيقي الذي نعيشه.
 لنراهن إذا بأن الرجل الموجود على الغلاف يعجب تابوكي جدا: واقف على عكازين حديديين، على أطراف أصابعه، ويظن أنه يرى اللانهاية، إذ يعتقد أنه وصل إلى مبتغاه.

اسكندر حبش
 شاعر ومترجم من لبنان

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …