أخبار عاجلة

إبراهيم داوود شاعر الحلم والبراءة

تتميز شعرية إبراهيم داوود منذ ديوانه الأول «تفاصيل» بخصائص جوهرية ظلت تلازمه حتى ديوانه الأخير «حالة مشي» من حيث بنية القصيدة ومفردات العالم الشعرية، عبر لغة بدت غنائية في « بداية تجربته من خلال ديوانه الأول «تفاصيل» غنية بالاستعارات والجمل الإنشائية،وتفاصيل المكان/ الريف بمفرداته الأثيرة، حيث الشارع، والنهر،والسماء والخضرة والحضرة، والبيوت، الحصاد،الأخضر, -ارتخاء المد – عطش المراعى- فلاح نحيف –الشمس – النداوة –الغيوم –كرامات الأولياء-الظلال – النخل –المراكب- المدي، الحنين، النهار، الحقول
وهذه المفردات ليست رموزا لدلالة ميتافيزيقية ولكنها مفردات لواقع متعين ووقائع يرصدها الشاعر عبر رحلته مع الحياة،مع الشعر .لذلك يظل تأول شعرية إبراهيم داوود محفوف بالمخاطر أنه ضد التأويل، ضد الاستبطان، أنها شعرية عارية أو تحاول أن تكون عارية تماما، فالمقهى هو المقهى الذي يقضي أوقاته فيها والحبيبة هي حبيبته لا الحبيبة الوطن ولا الحبيبة الحلم، أو الرمز وأحسن معبر عن رؤية الشاعر يأتي في قصيدة لولت ويتمان يقول فيها طفلٌ قال: ما هو العشب؟
كان يحمله إليَّ بكلتا يدَيه؛/ كيفَ يُمكنُ أن أُجيبَ الطفل؟…/ إني لا أعرف عن ذلك أكثر مما يعرفه هو.
من مختارات من الشعر الامريكي ترجمة شريف بقنه الشهراني
فمفردات، الحصاد والشمس لدي إبراهيم داوود هي الحصاد والشمس إلخ، الذي يعرفها طفل ويتمان،ولا شيء آخر، يقول في قصيدته الأولى من ديوان تفاصيل
بالأمس كنت أقيس شارعنا/ لكي اكسوه معنى ما/ شارعنا الذي الذي أعطيته قدمي/ وأعطاني شعورا/ وحدد لي مساحة بيتنا المرهق/ أمر الآن عبر بيوته العذراء/ محفوفا/ بخطرٍ ما
إبراهيم داوود شاعر البساطة الآثرة، شاعر البراءة والحلم والحنين، يتنازعه رغبتان، العودة للبيت، المحفوف بالخطر، والشارع الذي يحاول أن يضع له معنى ما غير متعين لأنه لا وجود لمعنى لدى الشارع انه الشارع الذي يعرفه الطفل، شارع فقط، شاعر يلعب فيه ويلتقي بأبناء الجيران، ويسهرون فيه، ويتعرفون من خلاله على الحياة سرعان ما نتعرف على الأماكن الحميمة والقريبة من روحه، أنها الأماكن الذي يلتقي فيها أصدقاءها رفقاءه الروحانيين، لا مكان بدون ناس يحبهم ويحبوه، المكان هو التقاء الأحبة، في المقهى في الكاب دور، في البيت، في الميادين, في شوارع وسط البلد في الليل .
هذا لا يعني بالمطلق انه خصى الرمز تماما، أبدا، كل كتابة شعرية لها دلالات ورموز و ولكن الذي نريد أن نقوله أن الشاعر ضد تحويل كل مفردة، كل استعارة إلى رمز، لأن هذا غير صحي ويشوه ويحمل النص بدلالات غير موجودة، تعيق القدرة على النفاذ لجوهر النص، وتشغله بهوامش كثيرة غير ذات شأن فالرموز موجودة ودالة ولكن محدودة وتظل في النهاية رموز شخصية، فمثلا «تفاصيل» أو «الشتاء القادم» أو «مطر خفيف في الخارج»، هذه رموز دالة، ولكن لا يمكن أن تقول أن الشتاء القادم مرتبط بفكرة الوطن، أو الحبيبة بل هى هموم شخصية محدودة يوضحها التفاصيل الصغيرة، الذي تغني المشهد . .
أن حداثة الشاعر تكمن في وعي بأهمية اللغة ودورها الجوهري في تفجير الدلالات ولا يعني هذا التعالي باللغة عن الواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي، أبدا، ولكن إدراك ماهية اللغة، تعطي مرونة في المضمون والنظرة للعالم وأنا أعتبر أن أهمية تجربة الشاعر إبراهيم داوود هو إدراكه المبكر لماهية اللغة الشعرية، لذلك كانت تجربة ديوانه الثاني «مطر خفيف في الخارج» تطور نوعي،في هذا الاتجاه تخلى فيه درجة عن الغنائية واستعاض عنها بالإيقاع الهادي، أسقط الزخارف، والتزيين والتوشية، وأهتم بالمشهد المقتصد الحاد، والمفارقة الأقرب إلى الشَّذرة، أنها كتابة الصمت، عن السكون، للتعبير عن غربة الذات في مدينة، لا تحفل،بأحد، مدينه نحاسية لا تحفل بغريب، ولا تبالي بجارٍ، فقط حوائط صماء، باردة تقف بين الذات وبين الحياة،أنه ديوان الغرف المغلقة والتصنت، على الخارج والداخل، والانتظار والترقب، ترقب سقوط المطر، الغيوم السوداء التي تكسي السماء، البرق، الرعد، الوحدة، البحث المضن عن دفء ابتسامه، عن تشابك أيدي، عن مسامرة في هذا المكان، لا شيء يؤنس سوي المذياع، أنه غربة الذات المرعبة
– عندما تفتح الباب وتدخل/ عندما تحتفي بالضيوف/عندما تلتقي والعيون/ عندما يخرج الكل وتبقى وحيدا/ عندما ينفذ التبغ/ عندما تتذكر وجها حميما/ عندما تشتهي أي شيء/ دع المذياع مفتوحاً
من قصيدة «حال» من ديوان مطر خفيف في الخارج في ديوانه الشتاء القادم، يقطع الشاعر علاقته بالريف وبالغنائية ويحتفي بالنثر والسرد وتستحوذ المدينة على مخيلة بداية من الشوارع, والمقاهي، والفنادق، والبنايات، إلى الولع بالسينما واستخدام تقنياتها في بنية النص الشعري بشكل واضحة لا لبس فيها بداية من المشهد، والفلاش بك، والقطع والمونتاج لخلق مشاهدة حيه، وقوية ومحكمة، يهتم فيها بالضوء والتقشف في استخدام الحوار تاركا عين/الشاعر/ الكاميرا، تلتقط، مشاعر إنسانية بسيطة، لحظات فرح، إحباط، قهر، تصميم، شجن،
شرفة وحيدة /في شارع طويل/وشاعر يركل الحصي/ويفتش في دفتر العمر/عن بشر يطلون على البحر/ويغني آخر الليل/تحت شرفة بعيدة/في شارع آخر
أو استخدام مفردات السينما بشكل مباشر سواء في النص مثل، الكاميرا، الكادر، المشهد، أو كعناوين للقصائد، مثل قصيدة، الإضاءة، موعد عمل، سيناريو، الحب الضائع، عنوان لفيلم عن رواية لطه حسين، تلبس الذات دور عامل الإضاءة في مشهد في فيلم
تبدوا الإضاءة أعلى قليلاً/ويبدوا أنني جئت متأخرا/كلهم في أماكنهم/من قصيدة مكان عام
الشتاء القادم، هو ديوان الصراع مع المدينة والسلطة واستكمال مهمته في توسيع المساحة التي يتحرك فيها رغم، الخذلان،والعوامل المحبطة، التي تعوق تقدمه، لذلك يلتقط في هذا الديوان شخوص تبزق منيرة، معبرة عن رغبة الشاعر في التواصل، شخوص مدينة بامتياز،سواء كانت هذه الشخوص مهمشة، ضحية النادل، الجارة، التي تعيش وحيدة وتغسل ملابس زوجها حتى كاد الجلباب ان يبلى وزوجها في الغربة من سنتين، الرجل الوحيد و الذات في اقسى ضياعها وتشتتها، أو الفاعلين في المدينة، الميادين،السينارست عبد الحي أديب والصحفي إبراهيم عبد العزيز،المجنون, الولي، أ:ط الخ/
كنا شتاء/عندما دخل علينا في الهواء/ونحن نمد الجسور ونختبر النار/عرفناه من ألفاظه البذيئة/وعينيه المغمضتين/كبيرنا – ليلتها – لم يسترح له/وبمرور الوقت صار صديقهم/يذهبون إليه/ويأكلون خرافه/المجنون – الشتاء القادم/ أن الذات مصممة على المزاحمة في المكان، على حق الوجود هذا على عدم الاستسلام، على أن هذه المدينة مدينته هو، مصمم على زرع زوجة وأولاد وأصدقاء ولا يحفل بالتجارب المجهضة مع حبيباته ولا بحبه الضائع فهو مستمر في المحاولة، في هذا الديوان يخرج إبراهيم داوود منتصرا بنهاية الديوان منتصر فمجرد أن تأمل معناها انك مستمر لذلك يغلق ديوانه بقصيدة «الشتاء القادم
سيكون الدفء مختلفاً/في الشتاء القادم تبدأ القصيدة/بعد أن أفسدت الشتاءات التي مضت/المعاطف والأصدقاء/ستغير الغرفة والشارع/وتلبس قمصانا مشجرة/بيتك الجديد/سيكون صغيرا/وجميلاً .
وينتهي بي.. ..
لن تجرحك – عندئذ –/جيوبك/وسيكون الله سخيا معك/لتغرق الجيران بالورود/وربما تتزوج/في الشتاء القادم
في ديوان «لا احد هنا» وانفجارات إضافية، ينحو الشاعر نحو التأمل لذلك جاءت القصائد في كلا الديوانين الأكثر طولا في شعر إبراهيم داوود عموما وبدا يراجع أفكاره تجاه مفهومه للشعر عن السلطة رغم أنه ظل طوال مسيرته الشعرية يتجنب الإشارة إليها، أو حتى بمفردات تدل عليها ويكتفي بسرد الوقائع الدالة على قسوتها وعنفها، والاحتفاء بضحاياها دون أن يتورط في المباشرة أو الصوت العالي، لذلك يفتتح ديوان لا أحد هنا بقصيدة «الأيام التي تسبق الحرب» ومنها
تمتلئ المساجد تدريجيا بالمصلين/وتعمل محلات الذهب ليل نهار/ويصبح رجال الدين عاديين/يعتزل «الجواسيس» الناس/يصبح الوطن في كل شيء:/في الأغنيات التي صدئت مع البنادق/في الصحف التي تعلن عن الفقد/في الكلام السريع عن الخبز،/في الموت الذي احتكره الصغار/يحس المسؤولون بالذنب/فيشيدون مساجد جديدة/في منطقة مزدحمة بالمساجد/ويعاملون الشعب برقة طاغية/ويتحدثون عن السلام/ويشربون نبيذا مع المناضلين القدامى/ويشترون مزارع خلف الناس/يزرعونها بالأمل/……./يستعد العسكريون للمجد/وتبحث السلطة عن شعراء جدد/يكتبون قصائد عن النيل وأحمس/و «وقفة عابدين»
هذه السخرية الذي ظلت تلازم قصائد الشاعر إبراهيم داوود تصل أقصاها في هذا الديوان، السخرية من الذات، السخرية من الأصدقاء، من السلطة، من شعراء السلطة .
يتميز الشاعر بعين بصرية حادة تلتقط التفاصيل الصغيرة وكأنها عين روائي لذلك تكثر في نصوص الشاعر قصائد البورتريه، والحكايات الصغيرة، والبناء الدرامي في لغة هشة، هامسة، نقية، صافية، غير مهجورة ولكن لغة من أفواه الناس يعيد نحته ونظمه في عقد جديد، لتظهر في أعلى بساطتها، لغة خاصة لتعبر عن ذات وعالم تم تهميشها بشكل مروع، لذلك جاءت القصائد تعبيرا عن أحلام وأشواق وإحباط وأفراح وانتصارات وانكسارات، طبقة اجتماعية،خاصة في انفجارات إضافية لذلك سقطت في التقريرية، وتخلى الشاعر عن التقطير والتكثيف فكانت الجملة الشعرية طويلة والإسهاب في الوصف، وجاء ذلك في قصائد، البحارة، ويحدث كثيرا، والواقعيون،اللحاق بالمقهى قبل أن يخلو، زي بسيط لأعوام قادمة، أجمل ما بعثته الموسيقى من فوضي،
قبل أن يخطف القانون الأضواء/ويرجع ضابط الإيقاع خلف الكواليس/يكون «الناي» تحت سكين صاحبه/- مالذي يجعل «الكمان «خائفاً هكذا/القانون يحتمل الرهافة أيضاً/وهو يأخذ وقته فقط
والإيقاع الذي جاء مع القطرة/أشار على أول الطريق.. .. ومضي/من قصيدة القانون – لا احد هنا .
أما في ديوانه الأخير «حالة مشي» فتسيطر على الشاعر رؤي قاتمة من ترجل المحبين وغياب البراءة و واختفاء الحبيبة و زيادة مساحة الظل في المدينة، وانتشار النباتات الطفيلية، أنه ديوان الوحدة والفراغ، وانعدام الجدوى وغياب الدف الإنساني، وتمدد الخوف بعمق الذات، خوف يزحف ويأكل الروح بدأب لذلك لديه رغبة حارقة في المشي والنأي والتخلي وترك هذه المدينة القاسية، بما تحفل به من صراعات دامية، قبض ريح، لتنهك الروح التي تفضل العزلة
كلما اكتشف طريقة على العزلة/اصطدم بهم/أولئك الذين يسدون عليه ارتجالاته/كلما شرع في العزف/متاريس – حالة مشي .
في هذا الديوان يصل الشاعر فيه لذروة التكثيف والتقطير، لذروة الحذف والمحو، أنها روح صوفي شديد الشفافية، تكتب، دون أي حسابات، دون أي ضغائن أو شرور، لذلك جاءت القصائد عذبة، معبرة عن أشواق الذات ورغبتها في الإنعتاق، وهذه الروح ليست جديدة ولكنها الشكل الأكمل للروح الصوفية التي تسري في شعرية إبراهيم داوود منذ ديوانه الأول، تفاصيل، والذي جاء بشكل مباشر في قصيدته الأكثر طولاً «إلى رجل أحبه
لرائحة اغترابك نكهة الصوفي/ساعة عريه والليل/أو في قصيدته «قليلاً من الوجد»/أتيتك/لا اشتهي فيك ضعفي/وعرت سواحل حلم مشاع/فبانت تجاعيد قلب يكابر/يمد يدا لفتاة ستعبر بعد قليل
وتناثرت مفردات الصوفية بشكل مباشر في أرجاء قصائده و مثل الوجد، والفقد، والدراويش، الذكر التي تمتح من تراث الصوفية العظيم، سرعان، ما يستعيض عنها بالتخفي في الموجودات ودلالاتها الصوفية الواضحة، الوحدة، والغريب والصباح، والدراويش، والشجرة، الطريق، والغربة، والوحشة، والحلم، والموسيقى، والغناء، الولي
انتظرناه أول الليل/قال : لن أتأخر/فرشنا له صدورنا بالبيوت/وعلقنا الكواكب/وابتدعنا الربيع/قال : لن أتأخر/وأرسل فاكهة بأشجارها/ونهرا يبشرنا بقدومه/الولي – الشتاء القادم
ولكن في ديوان حالة مشي، تختفي أي مفردة دالة عن أو على الصوفية ولكنه ديوان صوفي بامتياز،بالعكس أن إبراهيم في ديوان «حالة مشي، أقرب فهما لمعنى الصوفية، من يطنطنون مستعيرين من تراث الصوفية لغته، ومن الدراويش القدامى الذين سجلوا تجاربهم وأشواقهم وأحلامهم من خلال لغة خاصة، خاصة بهم، لا خاصة بنا، خاصة بزمانهم وليس خاصة بزماننا، هؤلاء كتبة و لا يعرفون أن الروح هي التي تكتب وليس كل من نهب من كلمات الصوفية يعتبر أنه صوفي، هو في تلك الحالة تابع يسير على أقدام غيره لا أكثر، يسير في طريق حدده له سلفه فلا مغامرة ولا تجريب، ولا مشاق، كيف تسلك سبل الصوفية وبداية الطريق معرفة المشاق وقسوة الطريق، كيف تنتمي للصوفية، وأنت بين اهلك وناس، ما الذي تبقى لك ؟ الصوفية طريق موحش، وغربة، غربة في المكان وغربة في الزمان الصوفي الحق من يختار طريقة، من يتخلى، تخلى جوهري ليصبح خفيفا من كل الحمولات، لذلك أعتبر «حالة مشي، هو ديوان صوفي، دون أي نزوع نحو الرمز الذي جاء محدود ليعبر عن وحشة النفس ووعثاء السفر
لدي ما يكفي من السجائر/ وأحب طريقتي في/المشي/والخير للناس
وأحب أن اسمي الوحدة «شجرة» وأكره القطط السوداء
في الليل/وعندما أكون حزينا/أأكل كثيرا/وأسرف في كل شيء/وأبدو مسالما/…/- عندما أكون على وشك النوم –/ألتقي الكوابيس في الطريق . من قصيدة قبل النوم .
أن لشجرة تعيش وحدها في عزلة لدلالة اقوى عن الصوفية، أكثر مائة مرة، من استخدام مصطلحات ابن عربي والحلاج والبسطامي وغيرهم من أقطاب الصوفية .
في نصوص إبراهيم داوود متعة حقيقية ولذة في القراءة، لذة تغري بالاستعادة, لذة صافية تدخلك في حالة نشوة خاصة قصائده في مطر خفيف والشتاء القادم، وحالة مشي، ومنها
نلتقي في المساء/ لكي أراك جيدا/أريد أن أراك جيدا/أنا لا أدخن وأنا اركض/ولا أنام وأنا سعيد/
أنا حزين منذ سنوات/نلتقي.. ./لنر الكلام من العتمة/سأصافح معك التعاليم/وأقول كلاما جانبيا.. لك/عن الألم الذي لازمني في الطريق/وشدني على الحفرة الجانبية/التي أوصلتني إليك
ان صورة المرأة في شعر إبراهيم داوود فقد كانت في بداية تجربته صورة مثالية، أنشودة براءة وحنين، ولكن مع صدور ديوانه مطر خفيف في الخارج بدأت تلك العلاقة تأخذ منحى آخر فقد رصد أوجاع وهموم المرأة التي تتلاقى مع أوجاعه وأحزانه واحباطاته، فالمرأة الوحيدة المتعطشة للحب والدفء ولا تجد طريقة سوى غسل ملابسه وتحسس نسيجها، أو الفتاة التي تعمل الشاي وأوجاعها إلى أن تتغير هذه النظرة في المدينة، حيث العلاقات مقطوعة والتجارب مجهضة و والمرأة دائما له ظل وحضور في الواقع العيني حتى يصل إلى تسميتها باسمها، فليس هناك علاقة كاملة أو طبيعية، التباسات وتشوش و هناك سبب غامض و لا يريد الشاعر أن يعلنه و أنه يزيحها من ذاكرته أو يهرب منها فقط، أو يتحايل ليمر الموقف في انتظار لقاء آخر يكون فيه قادرا على المشاركة على العطاء، ولكن ليس الآن، غدا، أنها الفرص الضائعة،
أين هي الآن/كانت باستطاعتها ان تكون معي/
منذ عشرة أعوام خرجنا/كنا مساء/قبلتها بهدوء غريب/وبعض الأصدقاء الذين أحسوا/لهفتي/رحلوا/وتركوا المدينة لي/واستقلوا القطار إلى المنفي/قد يعاتبني واحد ويقول/اختفيت/ولكن عشرة أعوام كالتي مضت/تجعلني أجيب/كيف ؟
من الشتاء القادم
هذه القصيدة التي تبدأ بتساؤل الذات الشاعرة عن غياب والذي يشعر بالحسرة على أن الفرصة فاتته، محملها مسؤولية عدم تحقيق حلمة، دون ذكر الأسباب، ثم تتبدى الدهشة في تساؤل أصدقائه المتكرر عن غيابه هو لتنتهي القصيدة، بكيف وعلامة الاستفهام تدل على الحيرة وعدم معرفة الأسباب وكأن الذات سرقة، وكأن الذات غيبت، وكأن الذات أصبحت فجأة على واقع مغاير واقع مرير لم يكن يتصور أن يكون موجودا، لينتهي في ديوانه حالة مشي «لرصد العلاقة المشوهه والعنيفة من خلال قصيدة، الآخري، الحبيبة القديمة الذي هجرها ولا يشعر بالذنب لأنها كانت تريد أن تسرق من روحة الأشجار، وقصيدة الصورة التي ترصد العلاقة الدامية من خلال فيلم لجوليا جوليا روبرتس حيث تقوم بقتل زوجها الاستحواذي، العنيف،
ان إبراهيم داوود رغم أنه لا يشير للسياسة بلفظ يخصها،لكنها تحلق دائما وتفرض سطوتها القامعة على الذات، مما يؤدي بها إلى الاغتراب، والخوف والحزن، وهذا ليس محض اختلاق لأن الذات لا تقمع نفسها بنفسها والذات في معظم النصوص تسعى لإثبات الوجود وفرض مساحة للتحقق, ولكن دائما هناك قوة قامعة تجهض الأحلام
يبقى ان نشير لأن الشاعر إبراهيم داوود يخاف من الشعر ويخاف من أن يهُجر شعره لذلك تعلم الدرس جيدا من سابقيه فلم يتورط في الاهتمام بالقضايا السياسية الآنية، المباشرة،لأن فاعلية القصيدة تنتهي بزوال القضية ثم أنها «الوقائعية السياسية أو الاجتماعية» تعيق المخيلة لأنها ترتبط بواقع محدد لذلك يسعى دائما إلى الإشارة، الإشارة فقط أو بحسب بارت، أن يضع علامة أو راية بدلا من استحضار الجيوش على المسرح أو القصيدة، انه شاعر يومئ، لكي لا تتحول القصيدة إلى بيان سياسي، هو شاعر سيري دون أن يحول القصائد إلى سجل أو أرشيف يسقط فيه أيامه أنه شاعر انتقائي و يبحث بعين مفتوحة، عن مناطق شعرية تعبر عن ما يريد أن يقوله، ما يحقق مفهومه للشعر، الشعر، فقط، الشعر أولاً الجمالي أولا وتأتي بعد ذلك القضايا، السياسية/الاجتماعية/ حسب مقتضى الحال، داوود لا يخلص لشيء قدر إخلاصه للشعر انه شاعر إنساني، تتلاقى مفرداته مع مفردات العالم، دون السقوط في التغريب، فالقاري المصري سيجده معبر عنه و عن هذا الكائن الهامشي، الحزين الغير متحقق، الرجل في أخر العالم سيجد همومه مبثوثة من خلال القصائد . لا يسقط في الترهل أو الثرثرة، ان يسعى لكتابة ما يعرفه ما يعرفه فقط .

عبد النبي فرج / روائي مصري

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …