أخبار عاجلة

إيتل عدنان مختارات من شعرها

إيتل عدنان الشاعرة والناثرة الدائبة على الكتابة والرسم وإعطاء الحوارات والسفر بين القارات واللغات عاشت متنقلة بين بيروت ودمشق وباريس وكاليفورنيا والجزر اليونانية وتكتب بالفرنسية وبالانجليزية دون ارتباط سيكولوجي مرضي بهذه اللغات كما هو شأن أبناء المستعمرات فهي تعيد خلق اللغة في كلامها الشعري لأنها متخفّفة من أي عادات وأساطير لغوية…
ايتل تعيد للكلام بكارته في هذا العصر الذي لم تعد فيه الكلمة بكرا لم تعد الكلمة بيت الكائن كما أرادها هيدغير لم تعد الكلمة تقول العمق الانطلوجي للإنسان وحقيقته الوجودية اذ أفرغتها العلوم والتقنية والسياسة والميديا من ذاك البعد الشعري أي الأنطولوجي ومحضتها للتعبير عن المنطق والتقنية والإديولوجيا والاعلانات
إيتل الشاعرة المعايشة لواقعها والقارئة لواقعها الممتزجة بلحظتها التاريخية والتي تتجلى في نصها مواقف أخلاقية وسياسية دون السقوط في المباشرة الفجة وكتابة القصيدة التحريضية
وهي في كل هذا الاشتباك وكأي شاعر حقيقي منحازة لعذابات وآلام الإنسان المستلب والمقهور والمغيب وفي هذا السياق كتبت عن الثورة الفيتنامية وحرب الجزائر واحتلال العراق وفلسطين التي ظلت لأزمتها الدائمة وكتبت عن تراجيديا العرب في العصر الحديث قصيدتها الملحمية قيامة عربية
رموزها الهندي الأحمر الذي يتماهى في شعرها مع الفلسطيني الذي يعاني هو بدوره ما عاشه وعاناه الهندي الأحمر من إلغاء على يد عصابات قادمة من أركان العالم الأربعة بتعبير واضح الفلسطيني الذي ظل يتعرض ومنذ سبعين سنة لتراجيديا تطهير عرقي بتأييد صامت وصارخ من الديمقراطيات البيضاء التي تقدم نفسها وبكل صفاقة كحارسة لحقوق الانسان وهي المؤسس والممول والحامي لهذا الكيان الفاشي.
و الشاعر لدى ايتل هو الانسان الكامل وهذا الإنسان الكامل يتجلى بأقنعة كثيرة بيد أنه واحد في تعدده فهو الشاعر والثوري والمتصوّف والهندي الأحمر والحلاج وتشي غيفارا وبدر شاكر السياب وبتريس لوممبا وجمال عبد ناصر … هو مالكولم إيكس ومارتن لوثر كينغ وعبد القادر الجزائري المتصوّف والمحارب والشعر لدى ايتل يتماهى مع الخلق مع العالم. شيء شبيه بالحلول الصوفي
سألتها ذات سنة بعيدة في تونس عن الشعر عن الفعل الشعري
قالت: فعل الخلق فعل شعري والعالم قصيدة كبيرة وما نكتبه هو نتف تتجلى لدينا من هذه القصيدة/ العالم
تقول ايتل
نحن جميعنا جزء فاعل
من عمليّة خلق مستمرّة
ثقل المياه التي تسقط لم يكن رعبا
هكذا هي ايتل شاعرة حلولية وحدة الوجود لديها هي وحدة العالم والشعر
في شعرها تتجلى أيضا عزلة الإنسان الأساسية الأنطولوجية في العالم وفي الآن اشتباكه بالتاريخ: الانسان الذي يعاني مفارقة بين نداءات المطلق والحرية والتعالي وبين ضرورات التاريخ وشروط وضعه البشري
شعر إيتل كرسمها تجريدي ولكنه التجريد الذي يعبر عن حقيقة الإنسان العميقة وتوقه وجرحه أكثر من تلك الواقعية المدعية والفقيرة والمختزلة للواقع في صوره المباشرة وتوصيفه الذي هو أقرب للتقرير الصحفي منه للإبداع الأدبي.
أخيرا…
للتعرف على شعر إيتل لابد من قراءته لأن كل كتابة عن الشعر هي اختزال وتشويه له
و الابداع يظل متعال عن كل تعريف. لأن ما يقوله الشعر لا يمكن أن يقال إلا من خلال جسد القصيدة
بتعبير آخر مضمون الشعر هو شكله لأنه لا يقول شيئا خارج الطريقة التي كتب بها مثل الموسيقى والبحر والوردة ووالأعمال التشكيلية جسدها هو حقيقتها العميقة المتخفّية في تجليها.
خالد النجار
سحب تتمدد
أيتها السحب التي تتمدّد حاملة الرصاص
إنّك تثقلين على هذه الأرض
كنت أردت أن اغنّي أوبيريتات من نحاس
تحيّة لجبال السييرّا
وأمام الأجسام الميّتة
للأطفال الزهور
ولكن كلّ شيء ينتهي إلى صراخ وصمت
الأجداد الجدد يثوون
في أسافل جبال أخرى
وفي قبور أخرى
مالكولم إيكس ، مارتن لوثر كينغ
عبد القادر المتصوّف والمحارب
وأنتم يا قوّاد الهنود الحمر دموعكم
تشكل العواصف الكبرى
لكاليفورنيا
أجيء أقول لكم
أنّنا نقف وحيدين
سيّارات مصفّحة
تحشّ الحياة كما لو كان
حصاد موتى
أيها السائرون المتمردون الثائرون
المقيدون الغاضبون
نشيد عقيم فوق شفاهكم
يمنح أضحية لإله السلام
الأخير
حتّى هذا الإله يجب أن نتخلى عنه
لأجل الذرة التي تنبت فوق
سفوح غواتيمالا
*
أيتها الأمم الهندية الحمراء ضروريّة لنا
الحكمة التي تتنزّل
في رؤاكم اليوميّة
ها هي حالة أمّنا التي تشملنا :
الأرض
نحن جميعنا جزء فاعل
من عملية خلق مستمرة
ثقل المياه التي تسقط لم يكن رعبا
ونحن لا نريد تفجير
ذرات ولا أقوام…
في خلايا السجون الأكثر عتمة
ثمّة نور يضيء
العالم
لا تكونوا آخر من يمارس الإبادة
من يقذف بأطفالنا
في المحرقة الكبرى
آه أيّها الجمال اللعين
الذي يسكن كلّ سلطة
***
أرى هنودا حمرا يحملون
جسد تشي غيفارا
عبر غابات تذبل كما تذبل الورود
بسبب عبوره
عندما تأتي الأمطار السوداء الشاسعة
ملائكة متراتبة تطلب
الغفران :
الجنس البشري كما تقول
في خطر.
ما الذي سيحدث للملائكة
عندما نزول نحن ؟
أرى عيني أمي الاغريقيتين
تنحنيان فوق احتضار
أبي العربي :
حضارتان تموتان معا
عاشقان غريبان كانا يقولان
لهذا العالم وداعا…
لا أريد لكوكبنا نهاية
مثل هذه
كأنّما على مضض تقبلا السر الأكبر
لحظة الشروع في السفر الكبير
ونحن لسنا بدائيين لدرجة
نغسل فيها أقدام
الأقوياء
طالبين منهم أن يوفروا
قارّاتنا
أسلحتكم تزيل سلطتنا
لنقل لأنفسنا في وضوح جديد
أن المسيح لن يعود
أبدا
نحن وحيدون
وموزّعون في شكل أغصان عديدة
الشجرة حاملة الأنساب تعبر
المحيط الكبير
ذهبت صديقتي إلى نيكاراغوا
تتعلم مناخا
جديدا
هي لا تستطيع أن تعيش بعيدا
عن فصل خاص
هو فصل حبها
قرون من ممارسات محاكم التفتيش
لم تستطع هدم لغة
الرّيح
هي تدرك غياب
أمريكا اللاّتينية
إنما تعني
أمريكا الهندية
جالسون نحن في غرفنا البائسة
نعدّ ثروات غائبة
مباراة كرة القدم هي الياذتنا
والطائرة الرئاسية
بالنسبة لنا
بيد أنّه هناك
هناك حيث ترتعش الحرارة
تشرع السماء بالدّوران
لأنها قريبة من مناطق الاستواء
ثمّة شعوب عيونها
لا تموت أبدا
وهي تملأ الفضاء
الكبير
الهنود الحمر بصدد
المجيء
لديهم مناجل لقطع
الأعشاب العالية التي تغطّي
وجه الشمس
هنا مقاطع رثاء من كتاب تلك السماء… والقصيدة مرثية جنائزية لصديقتها دومينيك أدّة…
المقطع الثالث
1
كل ما تبقي
طيات البنطلون،
و الجفون المسبلة،
و العضلات المشدودة :
إنه ميّت.

2
ملزمة حديدية وجدت
في أحد السهول
… ثمة حصان يتعثر.
3
أنا لست اصطرلابا
يحدد السماء ولا أنا دورة
دموية. في أسفل الصفحات
تنام التواقيع.
4
ويبقى
الاختناق.
وإرادة
تتماها مع إرادة السماء.
5
لا تألف
المرارة المريرة.
اذا لم يكن لك وطن
سيبقى لك الكون
صديقا.
6
بدأت أعــدّ
السيّارات
ثم شرعت أجمع
الأرقام،
فوجدت نفسي
في بيت الموتى
7
في هذه الكاليفورنيا
الورديّة والزّرقاء
ثمّة قلق الجرائم
غير المكتملة:
الطرقات تختفي
في الغابات.
8
الضوء المنهمر
له صوت مثل خرير الجدول
الذي هو لغة
المادّة.

9
الحقائق
هي متاجر كبيرة
حيث نصعد مشيا
أو بالسلالم الكهربائية
و لا نعود أبدا.
10
في العتمة
الغامضة
لحبّ الزبيب
هناك
نصف
الشمس
و
ظلال الماضي.
11
أحيانا أتهيّأ
لسفر بلا عودة،
ثمّ
يرفع الفجر الستائر،
وتنزوي
مراهقتي
في اللامكــان.
12
تحت سحر
السماوات الباردة
يعيد القديس سان كانتان
إحكام الأقفال :
ثمّة انقطاع
في كهربيّة الأدمغـة. والسجين رقم 116
يعتقد أن حارسه
تزوّج بيسي سميث.
13
و الآن بــدأ هفيف
الخريف،
و لم تعد هناك أسرار
في دهليز بيتي،
أمّا فضاء
الحديقـة
فإنّه لا يقلّ بياضا عن الورود.
14
أهي الفواصل والنقاط
التي تدل على نهاية النصّ
أم الكلمات.
15
إنّها جزر
منعزولة
تدين بشهرتها
لموت الهنود الحمر،
الذي يلفه الخيال.
16
ثور يدوّم
في السماء.
و المسافة التي تفصلنا
هي عبارة
عن صحن بيننا : حول أيّ موضوع
سنتحدّث؟
17
ليست لي
ذات داخليّة،
أنا مشهد ومياه جارية:
بين حرب
و أخرى ثمّة دائما
ظـلّ.
18
لقد حبست نفسها
ثم وجدت بابا
للخلاص : هو الانتحار.
مرآتها هي التي سمعت
الطلقات.
19
لم تعد هناك خراتيت
في الشارع.
أطلب البوليس
فيسألني
أوراقي.
20
الانهيار
مستمر
منذ هذا الصبــاح
لا توجد ثقـوب
في السمـاء،
ولا نـــداء.
21
باريس
هي الصحاري المسكونة
برامبــو
ليالي رمضــان
التي زارها نرفال
و بودلير
في المدارج الخلفية…
22
هبوط الليل
في قلب الحلم
يشظّي الحيـاة
إلى أجزاء .
السلطة تعجّل سرعة
الموت.
23
الجبل يرسم
غيـومه.
يرتعش الضـوء
فوق أشجار الصبار.
والرغبة تغادر هذا الجسد.
24
ليست شجرة التي تقف
أمام بابي، بل
فارس العـدم.
و الغناء حاسة أخرى
تضاف إلى حواسّنا
والأوبرا لا تعزف
سوى في المرآة.
25
في بهاء الصباح
الرمادي
في معسكر الموت
ببيت ساحور
صنعنا
الحياة
بقليل من النـدى
وبقبضة من طين

المقطع الرابع
1
حول القطيعة
تتشكل دوائر تورط
صامت.
2
ثمّة دم
في هذا الضياء
و رائحة ما بعد الموت
في سهول
فلسطين
3
عندما يكف القلب
عن تحديد الساعات، ينمو
العشب على حواف
الجــروح.
4
المحبّة نضارة زمن
انمحاء الجسد
بالجسد
و انطلاق
الرّوح
5
الأصابع والقبضات
هي أدوات العنف،
و القلب مكان بلا
نوافــذ….
6
هاهو أيضا ما يحيط بي :
جار يقدّم للسلطات،
بريد متأخّر،
لحظات إلهيّة مبثوثة
في شرودي
و صمود المفاصل
أمام ضغط الغياب.
7
ثمّة شرايين،
وعروق ومسالك أخرى
كلها تفضي إلى الموت.
8
أخيرا اعتكاف
يخول للشك الدخول
بقوّة ـ فَصد دم ـ
و فوق هذه الهضاب
ثمّة قمم أخرى.
9
بيد أنّ أسباب الغبطة
هي نفسها أسباب الذعر
إنّ ضياع الأندلس
كان بداية صعود
الملائكة
نحو الرفض
و هذا الحب عديم الجدوى.
10
هناك في البعيد حيث كل شيء
أخضر،
والنباتات تنمو لئلا تقول
شيئا،
وأنا ! ضربني
إعصار
11
الكائن أعزب
إنّه ينزل
كالأنهار، ومثل الحدائق
ينطفئ على عتبة
المطلق.

المقطع الخامس
1
منبهرا بحركة الأمواج
الدائمة يتراجع البحر
حتّى خط الأفــق
2
يسوّي القلب معادلاته
بينما تتتالى أحداث التاريخ
في الغرفة المجاورة

المقطع السادس
1
في أي اتجاه ترسل النّظر؟
في داخلك،
تجد نفس الأشياء والعوائق
ذاتها التي تلقاها
أمامك.
2
أمام الفراغ الذي يحيط
بالذاكرة فالكم الأقيانوسي
الذي أنتجته المادّة
يخيفنا

المقطع السّابع
1
التأخر الممنوح
للرغبة يفرط مجرى
الزّمن. ونحن لن نكسر
أيّة كثافة بينما يظلّ
أكبر راقص
محلقا في جنونه.

* قصيدة سحب تتمدد منشورة في مجلة ›HIPPOCAMPE حصان البحر الفرنسية العدد الثاني أبريل .1984

تقديم وترجمة: خالد النجار

شاهد أيضاً

شرفة المكان

طالب المعمري (على سبيل الوداع) يذبل نهارك و يموت على شرفة المكان جمرة شمس في …