أخبار عاجلة

ارتحال إلى التّخوم رحلات قصيرة وصور متفرّقة عن عُمان

 تمهيد:
تتمثل أهمية كتاب «عُمان في عيون الرحالة البريطانيين: قراءة جديدة للاستشراق» لهلال الحجري في محورين رئيسيين: المحور الوطني والمحور الفكري. وطنيا يسد الكتاب ثغرة في الدراسات العُمانية، فجل الأدبيات العربية عن عُمان يمكن أن يقال عنها إنها تتناول جانبين فقط من الحياة: الجانب الديني والجانب السياسي. أما كتاب الدكتور هلال الحجري فيتجاوز هذه الثنائية، إذ يعرض بالتحليل الموضوعي تفاصيل دقيقة عن الحياة اليومية التي أوردها الرحالة البريطانيون الذين أتوا عُمان في الفترة من عام 1800 حتى عام 1970، مبينا من خلالها نظرة الآخرين إلى عُمان، سكانا وشعبا وثقافة. 
من تلك التفاصيل التسامح والعبودية والشعوذة وملابس الرجال والنساء وتسريحات الشعر وعادات الأكل والشرب وشعائر الختان واستخدام التعاويذ للعلاج والطرق التقليدية للتعلم والعمران وغيرها. الحق أن هذه الموضوعات إنْ تُطِرق إليها في الأدبيات العُمانية فإنها غالبا ما تُتناوَل من منظور عُماني محلي، أما كتاب الدكتور هلال فيتطرق لها شرحا وتحليلا من منظور أجنبي، ولعل في ذلك مكمن تميز الكتاب عن سواه. 
أما المحور الفكري فيكمن في أن الكتاب لا يخاطب جمهورا عُمانيا أو آخر متخصصا في أدب الرحلات فحسب، بل يخاطب جمهورا «عالميا» بامتياز، فالكاتب يناقش خطاب الفيلسوف إدوارد سعيد ومناصريه حول الاستشراق، ذاهبا إلى أنهم يرونه خطابا ثابتا جامدا أحادي الصوت، وينظرونه على نحو يدافعون به عن افتراضهم المسبق أن الغرب «خَلَقَ» «الاستشراق» واستثمره أداة للهيمنة على الشرق سياسيا وثقافيا، كما ينبههم بأنهم في سبيل إثبات دعواهم يسلكون منهجا انتقائيا قِوامه روايات تاريخية مختارة مختزلة وأقوال شديدة التعميم. ويضع أطروحة يراها مغايرة لتلك التي أتى بها سعيد، ومؤداها أن الاستشراق يتميز بتعدد الأصوات وتنافرها، ليس على مستوى النصوص المختلفة فحسب، بل حتى على مستوى النص الواحد، وأن صور الشرق وتمثيلاته تتنوع ما بين سلبية وإيجابية وموضوعية. ويبين ذلك من خلال الرحالة الذين قَدِموا عُمان، وقدموا عنها صورا لا تجري على نسق واحد مطرد، وإنما تنزع بشدة نحو التعدد والتنوع.
خلاصة القول أن أهمية الكتاب لا تتمثل في تزويدنا بمعلومات عن جوانب مهمة من الثقافة العُمانية همشتها كتب التاريخ فحسب بل أيضا في جانبه التربوي المتمثل في بعده الإنساني.
مقدمة الكاتب:
vv «لقد واصلنا رحلتنا البحرية حتى دنونا من ساحل عُمان، البلاد المعروفة بـ«أرض الأمان»، والتي تشمل، حسب أفضل المصادر العربية الموثوق بها، المنطقة الواقعة في جنوب شرقي الجزيرة العربية، الممتدة حدودها جنوبا من رأس الحد إلى ساحل زبرة‌ في شمال شرقي الجزيرة». (روبرت مجنان، «رحلة شتوية عبر روسيا وجبال القوقاز وجورجيا»، المجلد الأول، ص: 232).
يبلغ طول الساحل العُماني، الممتد من مضيق هرمز شمالا إلى ظفار جنوبا، أكثر من 1700 كم عبر شبه الجزيرة العربية والمحيط الهندي. لقد أمست مسقط وصحار وصور وصلالة من أكثر مدن عُمان ازدهارا بعد أن طرد العُمانيون البرتغاليين عام 1650، بيد أن مسقط فاقت غيرها من مدن عُمان وبلداتها في كونها أكثرها أمناً وأنشطها تجارة. 
وقد عدها الرحالة الأوروبيون، بحكم موقعها الاستراتيجي عند مدخل الخليج، خير الموانئ البحرية. كما أنها ظلت، بحكم موقعها المخبوء وراء الجبال، ملاذا ممتازا للتجار والبحارة والمغامرين، فلا عجب أن ارتادها في القرن التاسع عشر تجار بريطانيون ومستكشفون ووكلاء شركة الهند الشرقية وممثلوها. ومن الموضوعات المثيرة للاهتمام التي تحدث عنها الرحالة فيما كتبوه عن عُمان تسامح الشعب العُماني، وطيب تعاملهم للعبيد، وسلوك «إمام مسقط»، السيد سعيد بن سلطان «الحضاري»، وصور مسقط الرائعة، وجبالها الشامخة، وحرارة جوها اللافحة، وشوارعها الضيقة، وبهاء هرمز، ومجدها الآفل، وتربة ظفار الخصبة. سأتطرق في هذا الفصل إلى مثل هذه الموضوعات وغيرها مما كتبه عن المنطقة الساحلية الرحالة والمستكشفون البريطانيون الذين زاروا البلاد في القرن التاسع عشر. إلا أنه قبل تناول الموضوع تناولا مفصلا سوف أخصص صفحات قليلة للحديث عن العلاقة التاريخية بين عُمان وبريطانيا وعن صُوَر عُمان في أدبيات رحلات ما قبل القرن التاسع عشر، عسى أن يساعدنا ذلك على فهم السياق التاريخي للموضوع المراد نقاشه.
العلاقات العُمانية البريطانية
صُـــوَر أوليــة 
إن الرحالة البريطانيين كانوا قلما يأتون عُمان زائرين قبل عام 1800، أي قبل العام الذي جرى فيه أول اتصال رسمي بين عُمان وبريطانيا. ويُعَد جون فراير، الذي زار مسقط عام 1677، من أوائل البريطانيين الذين كتبوا عن العُمانيين. فوصفهم بأنهم «شعب شرس، بلغ بهم الغدر منتهاه، إذ إن ما يجنونه بالحِيَل يعادل ما يجنونه بالتبضع». هذه السمعة السيئة يجب أن يُنظَر إليها في سياقها التاريخي، فالتاريخ الموثق يشهد أن مسقط حين زارها فراير كانت مدينة ذات طابع إثني متعدد، فالعرب واليهود والبانيان،‌ كانوا كلهم يزاولون التجارة فيها. من هنا لنا أن نقول إن هذه الصورة لم يُرِد بها فرايرُ العُمانيين فقط، وإنما جميع قاطني مسقط، بمختلف إثنياتهم وطوائفهم. كما أنه من المهم الإشارة إلى أن العُمانيين في ذلك الوقت كانوا ينافسون أعداءهم البرتغاليين والقوى الأوروبية الأخرى وخصوصا البريطانيين والهولنديين. وفي خضم هذا التنافس، لنا أن نعد «الشراسة» أمرا مألوفا لدى كل هذه الأطراف المتصارعة، وليس لدى العُمانيين وحدهم فحسب. 
 أما جون اوفنجتَن، الذي زار عُمان عام 1693، فقد قدم صورة تغاير تلك التي أتى بها فراير، إذ كان معجبا بعادات العُمانيين وتقاليدهم:
«إن هؤلاء العرب على قدر كبير من دماثة الخلق، يُظهِرون لطفا وكرما كبيرين للغرباء، فلا يحتقرونهم ولا يُلحِقون بهم أذى جسديا. وهم، على تشبثهم الثابت بمبادئهم والتزامهم الراسخ بدينهم، لا يفرضون تلك المبادئ وذلك الدين على الآخرين. كما أنهم لا يغالون بالتمسك بها مغالة تجردهم من إنسانيتهم أو من حسن معشرهم، فالمرء يقطع في بلادهم مئات الأميال دون أن يتعرض للغة نابية أو لأي سلوك فج». 
ولإثبات رأيه هذا، يستدل اوفنجتَن بكابتن إدوارد سي الذي يقول عنه إنه مكث بعُمان سنوات عدة، انتقل فيها بين أطراف البلاد المختلفة، دون أن يتعرض له أحد بشيء، مع أنه كان أحيانا ينام أعزل في الشوارع والقرى. ولم يسمع طيلة فترة وجوده أن أحدا قد سُرِق. ويمتدح اوفنجتَن أيضا «كرم» العُمانيين و«لطفهم» للكابتن حين تعرضت سفينته للغرق قبالة جزيرة مصيرة. كما نجد في وصفه مثالا مبكرا على مواقف الرحالة البريطانيين تجاه الطريقة التي عومل بها العبيد في عُمان. فقد كان شديد الإعجاب بـ«الكرم» و«السخاء» الذي أبداه العُمانيون لعبيدهم. وذكر في ذلك أن أسرى الحروب التي جرت بين العُمانيين والبرتغاليين كانوا يُسترقَون، إلا أن أسرى العُمانيين:
«كانوا يُعامَلون معاملة كريمة أغرتهم بأن يقعوا في حب حياة الأسر، إذ إن العُمانيين لم يعاملوا أسراهم معاملة السادة للعبيد، فلم يجبروهم على القيام بأعمال شاقة مذلة حملتهم على محاولة الفرار، ولم يقفوا منهم موقف الرقيب والحسيب. وإنما أنزلوهم منزلة فيها طمأنينة وراحة، بل زودوهم بالمؤن وقسط من المال لسد حاجاتهم اليومية».
ويأتي موقف اوفنجتَن المتعاطف مع العُمانيين متسقا مع ما قاله هنري بودت عن الرحالة الأوروبيين الذين زاروا العالم الإسلامي في أواخر القرن السابع عشر، إذ لم يقدموا المسلمين في الآداب الأوروبية برابرةً وهمجاً، وإنما «ممثلين عن عالم بديل آخر، فيه ما فيه من الصدق والأصالة»، عالم وصف الرحالة قاطنيه بأنهم «فريدون، مثيرون للاهتمام والإعجاب، بل هم أعلى شأنا، وأرفع مكانا من الغربيين في مجالات عدة». أما في القرن الثامن عشر فنجد أن الرحالة الذين أتوا عُمان يزدادون عددا. ولعل مرد ذلك إلى أن القرن السابع عشر، كما يقول جون ديدر آرباين، كان «كرجل قُعَدَة، ملازمٍ بيتَه، كارهٍ الخروجَ منه»، فقد كان القرن، من بدايته إلى نهايته، «خلوا من روح الارتحال»، وكان أقرب إلى الحراك عبر حدوده منه إلى الارتحال نحو عوالم خارج تلك الحدود». 
وقد زار ألِكسَندر هاملتَن عُمان عام 1715، وكتب أكثر مما كتبه اوفنجتَن عن عُمان وأهلها. فقد كان يتوقف في مسقط في طريق رحلاته بين البحر الأحمر والصين، ويجد نفسه مشدودا بـ«بتواضع أهلها وتحضرهم الفريدين»، شأنه في ذلك شأن اوفنجتَن. ويورد مثالا على ذلك فيقول إنه بينا كان ماشيا ذات مرة في شارع ضيق إذْ به أمام حاكم البلاد، فتنحى عن الطريق حتى يمر موكب الحاكم. إلا أن هذا الأخير، بعد أن أدرك أنه غريب عن البلاد، أمر حراسه بأن يبتعدوا عن الطريق، وأومأ إليه يستدنيه. ويضيف أيضا أن مأدبة «عرب مسقط» لم تقتصر على أفراد معينين، وإنما كان «الملك وعوام الجُنْد والسيد والمسود جميعهم يجلسون جنبا إلى جنب، ويأكلون من الطبق نفسه». إلا أنه له رؤية مختلفة عن العُمانيين في سياق آخر، فيقول في حديثه عن كابتن إدوارد سي، المذكور سابقا، «يبدو أن سكان عُمان سحِرة مشعوذون». ويورد في ذلك حادثة سفينة إنجليزية غرقت قبالة السواحل العُمانية، زاعما أن العُمانيين أنقذوا الإنجليز، لأنهم عرفوا عن هذه الحادثة قبل وقوعها بثمانية أيام، عن طريق «فقيههم»ت‌ الذي تنبأ بأنه
«في وقت قريب كهذا، ستضل هناك [في مصيرة]سفينة طريقها، وألح عليهم أن يتجهوا إلى هناك لإنقاذ الرجال الذين ستغرق سفينتهم، والذين سيسعدون بلقائهم، وبامتلاكهم نصف ما سيبقى من الحطام. وقد استحضر «الفقيه» الأرواح، ناشدا سامعيه أن ينفذوا بكل أمانة وإخلاص ما طُلِب منهم، فكان له ما أراد. بيد أنا نجد البدو في أوقات أخرى خوَنة غدَرة أفظاظا».
هذه الحادثة، بصرف النظر عما إذا كانت صحيحة صادقة، على جانب من الأهمية، إذ أنها تؤكد ما يحمله الرحالة الغربيون من رؤى وافتراضات مسبقة حول الشرق. فهاملتَن، استنادا إلى هذه القصة، يأتي بكلام غير ممكن تبريره أن عرب عُمان إنما «سحِرة مشعوذون»، ويصر على وسمهم بنعوت كـ«الخونة» و«الغدرة» و«الأفظاظ»، مع أنه يقر في الوقت ذاته بأنهم كانوا، في تعاملهم مع الإنجليز، «كرماء وطيبين». 
وبعد سنة من زيارة هاملتَن نجد رحالة آخر ينحو منحى فراير في وصفه للعُمانيين. ففي عام 1716 نجد الكابتن هنري كورنوول يصف سكان مسقط بهذه الصفات:
«إن السكان عرب، وأقل ما يقال عنهم أنهم ليسوا خيرا من القراصنة، فهم غدرة ذوو طبع حاد، يجنون منافع بوسائل هي أقرب إلى الاحتيال والغش والسرقة منها إلى التجارة العادلة، مما يجعل هذا الميناء مصدر إزعاج للغرباء وخطر عليهم. وأنا أنصح كل من يأتي هنا للتبضع أو المتاجرة أن يأخذ الحيطة والحذر اللازمين، وإلا فلن يظفر بشيء من هذا السوق».
يبدو أن كورنوول اتخذ فراير، كما يقول بِدويل، مرجعا له وسندا في وصف العُمانيين، فأتى بتفاصيل كان قد ذكرها فراير. على أنه حين وصل كورنوول إلى مسقط كانت المواجهات بين العُمانيين والبريطانيين قد بدأت في المحيط الهندي، فالعُمانيون قد استولوا على سفينة بريطانية كانت في مهمة تجارية على الخط الساحلي بين سورات‌ والمخا.‌ وكان تبريرهم لفعلهم هذا هو أنه جاء انتقاما على ما اقترفه البريطانيون من قتل وذبح في حق العُمانيين في سورات عام 1704. واغتاظ البريطانيون من ذلك، فأعلنوا أن مسقط «مرتع القراصنة وحصنهم المنيع»، وأن الحائل بينهم وبين هجومهم عليها وتدميرهم لها هو انشغالهم بالحرب في أوروبا». يُستنتَج من ذلك أن اتهام كورنوول سكانَ مسقط بالغدر والقرصنة يأتي في سياق الصراع بين حكومته والعُمانيين في المحيط الهندي.
وبعد مضي ما يقارب نصف قرن زار الرحالة أبراهم بارسنز مسقط، وقدم صورة تختلف عن تلك التي أتى بها كل من فرير وكورنوول، فلم يجد السكان «خونة» أو «قراصنة»، وإنما رأى مسقط «مكانا تزدهر فيه التجارة ازدهارا كبيرا»، ووجد فيها كميات كبيرة من البضائع «متكدسة في الشوارع، مكشوفة دون رقابة أو حماية، إلا أنه لم يحدث قط أن تعرضت تلك البضائع للسرقة أو النهب». كما قال عن الميناء إنه «آمن وسهل بلوغه»، وبحكم ما فيه من غزارة المؤن فليس لأي حصار أن يكون ذا أثر كبير فيه. بيد أنا نجد في وصف بارسنز بداية خطاب ينم عن الهيمنة، إذ يعلن أن العُمانيين «لا بأس عليهم من قوى أخرى ماداموا في سلام مع الإنجليز. ولا ريب في أن من مصلحة الإنجليز أن يعيشوا في وئام مع أهل مسقط». هذا الشعور المبكر بتفوق بريطانيا قد يعزى إلى أنه في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان لبريطانيا، بفضل انتصاراتها على فرنسا بين عامي 1756 و1763، موقع في الخليج أقوى مما كان لنظيراتها الأوروبية. وبشكل عام فإن شعورا وطنيا كهذا لا ينم عن ثقة الرحالة البريطانيين في قوتهم الاستعمارية فحسب، بل يكشف أيضا عن تبريرهم للهيمنة. ولِوكتور كيرمن في هذا قول مفاده أن العقل البريطاني ترَسخ فيه في القرن الثامن عشر اعتقاد أنه لولا الوجود البريطاني لوقعت الهند فريسة للفوضى والغزو. 
رحالة آخر زار مسقط في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، فوصفها وصفا كئيبا قاتما، فقد ذهب ماثيو جينور إلى أن «مسقط مدينة غير متقنة البناء، تتكون من بيوت طينية فقط، تحاصرها صخور شديدة العلو، وقريبة من البلدة قربا يعرضها لأشعة الشمس اللافحة من جهة ويعوق عنها الرياح من جهة أخرى، وهو ما يجعل مسقط في حرارة لا تطاق. على أنه يصف سكانها بأنهم «شجعان ذوو وجوه وسيمة، ليس لسوء النية من سبيل إلى قلوبهم». 
الرحالة الرومانسيون
إن مطلع القرن التاسع عشر، كما سبق الذكر، شهد حدثين مهمين: أولهما كان اتفاقية عام 1800، الفاتحة الرسمية للاتصال المباشر بين عُمان وبريطانيا، إذ بها ابتدأت العلاقات بين البلدين في مختلف أوجهها وصورها، وثانيهما كان اعتلاء السيد سعيد بن سلطان العرشَ عام 1807، وهو من كان معروفا بانفتاحه على القوى الأوروبية انفتاحا يمكن أن يُرَد إلى طموحه لتوسيع حكمه خارج حدود عُمان، لذا كان شديد الحرص في غالب الأحوال على استقبال الزائرين الإنجليز، وإظهار نفسه بالحاكم الحسن المعشر والودود الجانب، بل بالحاكم الذي بلغت به دماثة الخلق أن يبادل الرحالة الإنجليز الزيارة. وكان مما تمخض عن هذين الحدثين أن زاد عدد زائري عُمان من الأوروبيين بشكل عام والرحالة البريطانيين بشكل خاص.
فقد قدِم السير جون مالكوم، كما سبق الذكر، مسقط عام 1800ممثلا للحكومة البريطانية، وذلك للتوقيع على ميثاق مع السيد سلطان بن أحمد. وأورد رحلته في كتابه «صور وصفية لبلاد فارس» (1827). فيقول إنه أخذته الصدمة حين رأى مناظر مسقط المنفِرة المقزِزة أول مرة وهو على متن السفينة، فقدم اعتذارا لقرائه الذين ظن أنهم ربما كانوا يتوقعون شيئا رومانسيا:
«لكم وددتُ أن أحمل ريشة فنان يستحضر المناظر التي رآها، فيرسمها رسما يُحدِث في ناظره عين الانطباع الذي تُحدِثه الصورة الحقيقية! فأنا إنْ ملكت ناصية البيان أبهجت القارئ بلوحة تقابل بين تلال الجزيرة العربية الصخرية القاحلة الخالية من أي أثر للنضارة وبين شواطئ سيلان‌ المصطبغة بالظلال الوارفة، وجبال ملبار الشامخة المكتسية بالغابات الحالكة. إلا أني رحالة ليس له من ذلك نصيب».
ونظرا إلى أن مالكوم لم يكن «فنانا» فقد انصرف إلى وصف عادات الناس وأعرافهم. وكما هو معلوم فإن كثيرا من الرحالة الغربيين تحدثوا عن «استبداد» الحكام الشرقيين. على أن مالكوم نظر إلى الموضوع من منظور آخر، إذ قال عن «إمام» مسقط إن حكمه كان أقرب «إلى طابع أبوي منه إلى طابع استبدادي، شأن الإمام في ذلك شأن العديد من الحكام العرب». ويورد مثالا مما رآه، فقد لقي ذات مرة «إمام» مسقط، سلطان بن أحمد، ورأى أن ملابسه كانت، على ما فيه من جلال ووقار، في غاية البساطة: «إذ كانت عمامته شالا لُف حول رأسه. وثوبه العربي الفضفاض المتدلي على ملابسه البسيطة كان أبيض، منسوجا من القطن، ولم يكن منمَقا أو مرصَعا بالجواهر، ما حمل سلاحا ولا حتى لبس خنجرا. أما عن خُلقه فقد بدا بسيطا متواضعا، متسما بسمات الرجل الحق اتساما دَل على إقدامه واتقاد همته. أما حاشيته (العرب والنوبيون والأحباش) فكانت أبصارهم الشاخصة لا تنصرف عن أميرهم. بيد أن تلك الأبصار كانت إلى الحب أدنى منها إلى الخوف. ولم أملك إلا أن ألحظ أنه لم يكلمهم أو ينظر إليهم قط إلا عاطفا ومشفقا عليهم». 
ويذهب مالكوم إلى أن تجليا آخر لهذه البساطة ظهر في «الأسلوب الودود الدافئ» للترحيب الذي أبداه حاشية الإمام وحراسه، إذ كان الضباط المشرفون على حراسته يرحبون بأصدقائهم أصحاب الرتب العسكرية الصغيرة بتحية الإسلام، السلام عليكم، وبالطريقة العُمانية للمصافحة، استخدام اليد اليمنى ورفعها. وهنا ينتقد العادات الشديدة التعقيد في الغرب: 
«ما بدا فريدا في الأمر هو دفء هذا الترحيب الودود القريب إلى النفس، إذ إنه ليس مقيدا بتلك القيود التي تكبل المجتمعات الأكثر تحضرا، فالبحار العربي، مهما كانت دناءة مهنته، أظهر يسرا في التعامل مع ربابين الرحلة واعتدادا بالنفس في حديثه إليهم، مما أوحى إلي أنه كان يرى نفسه ندا لهم». 
وأيا يكن تعريفنا لكلمة «المتحضر»، ومهما نسهب في الجدال حولها في هذا النص، فإن الجلي أن مالكوم لم يقصد به ازدراء الثقافات المحلية ووضعها موضع الدونية. فنجده في وصفه لرحلته ينتقد غير مرة القيم الغربية ويقابلها بقيم عُمان، ففيما يتعلق بتجارة الرقيق الرائجة في مسقط التي انتقدها العديد من الرحالة الأوروبيين، يذكر مالكوم نظراءه الرحالة أن يقارنوا بين وضع العبيد في مسقط ووضعهم في الغرب:
«حين ننظر من منظار مقارن إلى مصير ضحايا هذه التجارة، الوصمة التي لم تنته منها بلادنا، ولا تزال تُمارَس تقريبا في كل بلد من أوروبا المتحضرة، سرا أم علنا، نجد أنفسنا مضطرين إلى الإقرار بعلو كعب شعوب آسيا إنسانيا».
ويؤكد مالكوم، بعد وصف وضع العبيد في عُمان والبلدان الشرقية على نحو مفصل، أن العبد في هذه المجتمعات إذا أحسن صُنْعا وصل إلى مرحلة «الخادم المفضل»، وإذا اعتنق ديانة سيده خطا خطوة نحو العتق. ويبرهن على أن العبيد نادرا ما كانوا يُحمَلون على القيام بأعمال شاقة. فـ«لم تكن هناك مزارع يحرثها العبيد، ولم تكن هناك مصانع كان على هؤلاء أن يكدوا فيها كدا بالغ العناء»، وذلك خلاف ما كان عليه الوضع في أوروبا. ويضيف أن جل ما كان يقوم به العبيد قد تمثل في أعمال منزلية كانوا يُكافَأون على إتقانها «بحسن المعاملة وكسب الثقة»، وهو ما كان يرفعهم مقاما، ويعليهم شأنا. كما أنهم إذا ما تزوج أحدهم صار أبناؤه، على نحو من الأنحاء، «جزءا من عائلة سيده»، ولربما حق له أن يرث جزءا من ميراثه. وينوه بأن الدين الإسلامي يشجع المسلمين على عتق عبيدهم. 
ويواصل حملته ضد ما يسميه بالآراء «المستقاة من مصادر ثانوية غير مباشرة»، فيقول، في موضع آخر، إنه كان ذات مرة يمتدح سكان مسقط لدى صديق بريطاني له، فإذا بهذا الأخير تأتيه «نوبة من الضحك العارم»، ويزعم أنه بإمكانه أن يريه صورة مغايرة عن تلك التي أتى بها، فأتى بيوميات «رجل جلف»، كتب فيها: «من حيث الأخلاق فلا أخلاق لهم، أما عاداتهم ففيها من الوحشية ما فيها». يعقب مالكوم على مثل هذه الصور النمطية بقوله:
«إن ما يطلقه المرء المستَند نظره إلى آراء مستقاة من مصادر ثانوية من أحكام على الشعوب القاصية هو أقرب إلى التعبير عن ميوله ورؤاه منه إلى حقيقة ما يراه. إن الغالب الأعم من القراء إنما يستمدون سعادتهم من تحيزهم وميلهم الفطري إلى استحسان طرائقهم وأساليبهم. وهم، بطبيعة الحال، ميالون إلى تعزيز كبريائهم وحسهم الوطني عن طريق إضفاء صبغة سوداء على كل ما يجدونه مختلفا عن إنجلترا القديمة».
مثل هذا النقد الذاتي في مطلع القرن التاسع عشر يأتي مخالفا لمنظور ادوارد سعيد ومؤيديه، الذي نوقش في الفصل الأول، والزاعم أن الاستشراق كتلة أحادية مطردة متناغمة اطرادا وتناغما كاملين. من هنا يمكن لنا أن نعد مالكوم مثالا جيدا يفند الرؤية التي تتهم كل ما كتبه الغربيون عن الشرق بالانحياز والحقد.
وفي عام 1816 زار عُمان رحالتان هما وِلْيم هِيُوْد وجيمز سلك بِكِنجهام، في نوفمبر وديسمبر، على التوالي. ويقدم كل منهما صورة مغايرة للبدو في عُمان. فهِيُوْد، بعد حديثه عن تركيبة مسقط العرقية المختلفة المتألفة من العرب والبلوش‌ والأتراك واليهود والهندوس والأفارقة، يبدي دهشته بمظهر بدو الصحراء:
«إن البدوي الجاف الخشن يمكن تمييزه عن غيره بعمامته المخططة والمحاطة بما هو أشبه بحبال مفتولة، محكَمة الجدل، تتطاير على نحو طليق حول رأسه، وبقميصه الغليظ، وبطرحته ذات الخطوط المربعة، وبسوطه الذي في يده. الحق أن البدوي، بكبريائه وشموخه، بعينه الوهاجة وقلبه الوقاد، يبدو أميرا للكون سلطانا عليه. إنه سلاب الصحراء الجامح الثائر على قوانينها».
إن تصوير البدوي العربي «أميرا للكون سلطانا عليه» ليس بالشيء الغريب، فتيم فُلفورد يقول إن البدوي العربي، الذي يظهر فيما يرويه وَردزوورثد‌ عن حلم كولردجذ‌ وهو يتفادى «أسطول البحار والمحيطات للعالم الآئل إلى الغرق»، صُوِر في العهد الرومانسي «نبيا يحمل إلى البشر رؤى يلهمهم بها». على أن بكِنجهام يفصل سكان مسقط ذوي الإثنيات المختلفة عن «عرب الصحراء»، الذين يراهم «وحوشا» و«برابرة بلغ بهم الجهل مبلغه».
ويأتي هِيُوْد برؤية أخرى تتعلق بمذهب العُمانيين الإباضي: «إن سكان مسقط…إباضية… متسامحون غاية التسامح، متميزون بسلوكهم البسيط الذي يعاملون به أهل الملل الأخرى من دون تمييز. وعلى نحو مماثل، كان بكِنجهام معجبا أشد الإعجاب بتسامحهم وكياستهم، ولكن دون أن يتطرق إلى دينهم:
«من أهم ما تمتاز به مسقط عن غيرها من المدن العربية هو أن سكانها، بجميع فئاتهم، يعاملون الأوروبيين معاملة تتسم بالاحترام واللطف…فهنا… الرجل الإنجليزي يمكنه الذهاب حيثما شاء، دون إزعاج أو مضايقة… إن السكون الذي يفوح به جو مسقط والتسامح والكياسة التي يُقابَل بها الغرباء من أي فئة كانوا أو طائفة إنما مردها إلى طبع الشعب الودود المسالم، وليس إلى براعة الشرطة في تأدية مهامها، كما كان يُظن». 
إن صورا كهذه عن الإسلام تكثر بوجه عام في الكتابات البريطانية في العهد الرومانسي. يقول توماس براش إن «الإسلام كان يُعاد فيه النظر على نحو متعاطف في القرن التاسع عشر، وتجسد ذلك أول ما تجسد في الاستشراق الرومانسي». ويتبدى من هذه النصوص أن سكان مسقط المحليين عُدوا مثالا على «التسامح» الإسلامي. وفي موضع آخر يصف بكِنجهام عرب مسقط بأنهم «أكثر تحضرا من بين بني وطنهم». وفي مقابل ذلك، نجده يصف العرب في جزيرة مصيرة في شرقي عُمان بأنهم «شعب قاسٍ وحشي غير مضياف». ويبدو أن هذه ما هي إلا صورة نمطية مكررة معادة، فهاملتَن، كما رأينا سابقا، استخدم الكلمات ذاتها في وصف سكان مصيرة عام 1715. ويضيف بكِنجهام أن سكان مسقط يتميزون بالأناقة والبساطة، وقد بدا له أنهم «أكثر نظافة وأناقة، وأفضل لباسا وأحسن خلقا من جميع العرب الذين رآهم»، وأنه «لا شيء يصرف النظر عن بساطة مظهرهم، والغني لا يكاد يُميَز عن الفقير، فهما متساويان فيما يلبسانه». هذا التواضع وتلك البساطة تحلى بهما حتى أشهر تجارهم وأغناهم، إذ رأى بكِنجهام «بعضَهم جالسين عند مدافع صدئة، وآخرين عند أعمدة غليظة متهدمة، وآخرين على حبال لف بعضها على بعض. تجدهم أشتاتا قرب الرصيف: هذا يمس لِحيته، وذاك يتلو صلواته مستعينا بسُبحَة، بدا كأنهم أدنى الناس إلى التراخي، وأبعدهم عن العمل. على أنه إنْ جاءهم غريب وجد التجارة محور كلامهم ومدار أفكارهم».
وقد ذهب مذهب مالكوم في تأكيد حسن معاملة العُمانيين للعبيد، وعدم إجبارهم إياهم على القيام بما شق من الأعمال، ويقول في ذلك:
«إنهم جميعهم يجلسون في كنف سيدهم، يسكنون وينامون تحت سقفه، يأكلون من طبقه ويشربون من فنجانه، ولا يُعرَضون أبدا للبيع إلا إذا شاقوا سيدهم وساء سلوكهم. أما العبد المخلص الوفي فكان يُعامَل معاملة فيها غاية الاحترام، وإذا ما أتت على سيده ضائقة حملته على الانفصال عنه كان يَكِل أمره إلى صديق له يتوسم فيه أنه يحسن معاملة عبده ويقدر إخلاصه له حق قدره». 
لعل شيئا من المعرفة عن الوضع المختلف للعبيد في المستعمرات البريطانية يضفي مصداقية على تصورات هؤلاء الرحالة الرومانسيين. يقول فرانك ويزلي بِتمان، في دراسته لمعاملة البريطانيين للعبيد في جزر الهند الغربية إن: «قانون جزيرة باربادوس كان في بدايته يضع الزنجي موضع المتاع لسيده، يقتنيه وينتفع به، ويحكم قبضته المطلقة عليه، ويجعله عرضة لنزواته»، وإن العبيد لم يكن مسموحا لهم بأن يغادروا المزارع وحقول العمل دون رخصة تسجل وقت مغادرتهم لتلك المزارع والحقول، وكانوا ممنوعين من حمل السلاح وقرع الطبول وحضور الاجتماعات العامة، وإنه إذا ما أقدم عبد بضرب مسيحي عوقب بالجلد بقوة، وإذا كرر فعلته «جُدِع أنفُه أو حُرِق وجهه». إن معاملة فيها مثل هذه الوحشية والشدة حزت في قلوب البريطانيين ذوي التوجهات الإنسانية في أواخر القرن الثامن عشر، مما أدى في النهاية إلى نشوء حركة تبنت تحرير العبيد. 
رحالة بريطاني آخر، جون جونسَن، أدلى بشهادته في عام 1817 حول العبيد. فبعد أن قارن وضع العبد لدى العائلة المسلمة العُمانية بوضعه لدى العائلة الأوروبية، وبالتحديد الهولندية والبرتغالية، خَلُص إلى أن العبد في الأولى كان أقرب إلى «فتى تم تبنيه» منه إلى عبد، فهو له الحق في بعض ما يمتلكه سيده، وأنه ما يلبث أن يكون مساعدا له ومديرا لأعماله، له الحق في أن يتصرف بقدر معتبر من ممتلكاته وفي أن ينال بيتا إذا ما أقدم على الزواج. ويرى أن:
«هذا النوع من التبني وما يصاحبه من مشاعر السادة تجاه عبيدهم ومعاملتهم لهم تختلف جذريا طبعا عن معاملة البرتغاليين والهولنديين لعبيدهم الذين حملهم سوء الطالع أن يكونوا عالة عليهم. فالبرتغاليون والهولنديون يقفون من عبيدهم موقفا قاسيا ووحشيا، إذ يضربونهم ضربا مبرحا، ويحتقرونهم احتقارا سافرا، ويضطهدونهم اضطهادا لا هوادة فيه، بل ينظرون إليهم على أنهم أقل منزلة من البهائم، ومن ثَم يستحقون عناية وكرما أقل مما تستحقه البهائم». 
بل ذهب جونسَن إلى أبعد من ذلك في مقارنته، فانتقد بني جلدته في الهند فيما سلكوه من مسلك، و«المسيحيين في نعتهم العبيدَ الأحباشَ بـ«الكفرة»، وهو ما اصطلح عليه المسلمون في تسمية من لا يؤمن بالرب. على أنه في النص نفسه يتذمر، بناء على منطلقاته الأوروبية، من افتقار السكان إلى السلوك الراقي المتمدن الذي يتصف به ما يسميه بـ«الشعوب المستنيرة».
يبدو أن فلسفة «البدائية الثقافية»،‌ التي ظهرت أول ما ظهرت في القرن السابع عشر وبلغ انتشارها أوجه،، في رأي أبرامز، في القرن التاسع عشر، كانت حاضرة في أذهان بعض الرحالة البريطانيين في هذه الفترة، فقد رأينا فيما مر أن مالكوم استحسن «الملابس البسيطة» لإمام مسقط وأسلوب سكانها «الودود الدافئ». وهنا نجد جونسَن أيضا ينتبه «للعادات القارة، غير القابلة للتغيير» للسكان:
«الحق أن أي غريب يأتي الجزيرة العربية لا يملك إلا أن يقف حائرا أمام الطابع الأبوي لسكانها، بغض النظر عن قلة معرفته بتاريخها المقدس. هذا الطابع نجده مجسدا أمامنا في بساطة ملابسهم ومسالكهم في الحياة، والتي تبدو كأنها لم تتعرض لأي تغيير يذكر منذ زمن مخلِصنا المسيح عيسى ابن مريم، وواضح أيضا أن الرداء الطويل المشدود بالحزام حول الخصر الذي كان يلبسه الرهبان في البلدان الكاثوليكية الرومانية يُعد نسخة من ذاك الذي يلبسه العرب اليوم، شكلا وملمسا ولونا أيضا». 
 وإنْ وقف جونسَن «حائرا» تجاه هذه «العادات القارة» و«بساطة» السكان فإنه لنا أن نقول إن ذلك الموقف ينطوي على نوع من النقد الثقافي الذاتي. يقول هنرى بودِت إن فكرتي «الاستشراق» و«البدائية» في الكتابات الغربية تشكلان وحدة «فيها قدر كبير من الرفض والتبرؤ» من حضارة شرع الناس يشعرون أنها «عبء ومسلك يفضي بهم إلى الوجهة غير الصحيحة». ولعل رؤيته المنحازة إلى البدائية جعلته يؤثر مظهر عرب البادية على مظهر قاطني المدن والبلدات: «إن بدو الداخل الذين لقيناهم أكثر نظافة من رجال المدن، فملامحهم كانت أنيقة صافية تفيض رجولة وحرية وشجاعة». صورة العرب هذه تختلف كليا عن تلك التي أتى بها بكِنجهام. 
على أن جونسَن يقدم رؤية كئيبة لمسقط ووأضاعها، إذ اعتقد أن فيها خطرا كبيرا تمثل في الحمى التي فشت في مسقط، وثبتت مرارا «أنها مميتة للأوروبيين». ولا يجد في ذلك غرابة، بحكم أن «المدينة موقعها متدنٍ جدا، وتحيط بها جبال صخرية عالية، مفتوحة فقط من جهة واحدة قل ما ينفذ الهواء منها». كما يضيف أن حرارة مسقط «اللافحة» حملت السكان على الهجرة منها إلى الضواحي المجاورة حيث كانت حقول النخيل تخفف من وطأة الحرارة. حتى إن السلطان نفسه كان «يتفادى وضع المدينة غير الصحي» باللجوء إلى بركاء، القرية الواقعة في شمال غرب مسقط. ويخلص إلى القول إنه لا أحد يقدر على أن يتخذ هذا المكان الكريه المؤذي مسكنا سوى السود القادمين من ساحل إثيوبيا، جنوب البحر الأحمر، ذوي الشعر المجعد الشبيه بالصوف».أما مطرح الواقعة قرب مسقط فقد وجد جونسَن أن أسقف البيوت فيها «مسطحة»، وجدرانها يكسوها لون أصفر كريه ملطخ بالأتربة والأوساخ، مما كان يؤثر، حسب رأي جونسَن، في بصر ساكني تلك البيوت. فلا غرو، والحال هذه، أن «العيون القَرِحة» كانت متفشية بينهم على نحو مخيف. أضفْ إلى ذلك أنه وجد كثيرا من الشحاذين، الذين مُنِعوا من دخول البلدات من إصابتهم بالجذام، يسكنون أكواخا من الحصير. 
أما الرحالة توماس لَمسدِن، الملازم في كتيبة بنجال هورس آرتلري،‌ الذي زار مسقط عام 1820 وهو في طريقه من لندن إلى الهند، فقد رأى فيها غير ما رآه جونسَن، إذ وجدها «مكانا قذرا فقيرا تعِسا»، فالبيوت كلها رثة بالية، والشوارع والأسواق «ضيقة على نحو خانق». على أنه يقدم صورة عن المرأة في عُمان تكاد تكون هي الأولى، فيقول إنه بينما كان يتجول في أزقة مسقط الضيقة وبين شعوب آسيوية مختلفة جذب انتباهه منظر النساء:
«شد انتباهَنا منظرُ النساء بملابسهن الغريبة، إذ كن يلبسن خِمارا من قماش أسود أو أزرق حول وجوههن مع ثقب ينظرن من خلاله. كنا نحن تسلية لهن بقدر ما كن هن تسلية لنا، إذ صرن ينعطفن نحونا، ويضحكن بصوت عال حين مررنا بجنبهن».
ويعلق على ذلك بإصراره على أن «هذا النوع من القناع» كان مقبولا في جميع المجتمعات المسلمة، فالنساء المسلمات كن «يُحبَسن في «حريمهن» ويُعزَلن عن العالم كليا». هذا النوع من الملبس، حسب رؤيته، مكن المرأة من أن تَرى دون أن تُرى، مما وفر لها «درجة من التحرر» استطاعت بها النساء الأصغر سنا أن يطلقن العنان لأنفسهن. إن دهشة لَمسدِن بملابس النساء في عُمان ليست أمرا غريبا، فأكبر الظن أنه لا جانب آخر للحياة الشرقية استأثر بدهشة الأوروبيين مثلما استأثرت، كما تقول أنيتا دامياني، «عادةُ الشرقيين في حجز النساء خلف الأقنعة وفي «الحريم». على أنه لشيء عُجاب أن يحاول لَمسدِن ربط قناع النساء بالتحرر، إذ إن ذاك أمر يندر ذكره فيما كتبه الرجال الغربيون عن الشرق. ويبدو أن ملحوظة لَمسدِن هذه تتلاقى مع ما ذهبت إليه مارى مونتاجو حول النساء التركيات في القرن الثامن عشر، فهي تعتقد أنهن في «تنكرهن الدائم» تمتعن بتحرر أكثر من النساء الغربيات:
«لا يمكن لأشد الرجال غيرة أن يعرف زوجته إذا ما صادفها. وليس لأحد الجرأة على أن يمس امرأة أو يتتبعها في الشارع. فهذا التنكر الدائم يؤتي المرأة الفرصة لإشباع ميولها دون أي خوف من أن ينكشف أمرها».
كما نجد فيما يسرده لَمسدِن ملاحظات سياسية عن علاقة بريطانيا بسكان الخليج:
«لا شك أن مسقط مدينة مزدهرة، بل أكبر الظن أنها سترتقي أكثر، وتكتسب أهمية أعظم مما لها الآن. وأرى أن الاتصال بين العرب والبريطانيين حول القارة الهندية والمستعمرات الأوروبية الأخرى في آسيا من شأنه أن ينير عقول الشعوب العربية ويحسن أوضاعها». 
من الواضح بما فيه الكفاية أن لَمسدِن هنا يربط «تنوير» العرب و»تحسين وضعهم» بالوجود البريطاني في بلادهم، وهي نقطة أثارها باحثو ما بعد الاستعمار الذين اتهموا بعض الرحالة إلى الشرق بمحاولتهم تبريرَ الاحتلال الغربي، فنجد جياتري سبيفاك تحاول أن تثبت أن الخطاب الغربي أقر بـ«تبرير الإمبريالية على أنها مهمة حضارية». ونجد في نص لَمسدِن أن فكرة «مهمة حضارية» تستند إلى الافتراض أن العرب بحاجة إلى من «ينورهم» ويخرجهم من ظلمات البؤس. وتذهب جيني شيرب إلى أن عبارة «مهمة حضارية» ظهرت أول مرة ملتصقة بشكل من أشكال الإمبريالية التى بدأت على نحو خجول في سبعينيات القرن التاسع عشر. بيد أن تصور الاستعمار، كـ«التزام أخلاقي» يراد منه نشر الحضارة الغربية بدأ بالظهور قبل ذلك بوقت طويل. ويؤكد لَمسدِن في موضع آخر أنه لم يكن رحالة فحسب، فقد تبنى موقف حكومته، فذهب إلى ما ذهبت إليه ورأى ما رأته في التدخل في شؤون المنطقة. ومن هذا المنطلق وَصَف بعض السكان الثائرين على الوجود البريطاني بأنهم «قراصنة سفاحون، ظِماءٌ إلى الدماء».
وبالمقابل يقول القبطان روبرت مجنان، الذي زار مسقط أول مرة عام 1820، إن عُمان هي «بلاد الأمان»، ويصفها بأنها «جبلية وعرة المسالك مجدبة»، حتى إن الأجزاء الشديدة الخشونة من أوروبا لا تُعَد شيئا إذا ما قورنت بتضاريس عُمان:
«هنا أودية عريضة وقمم شامخة، تكل العين في البحث عنها وسط السحب وقطرات الرذاذ المتدلية عليها والمتحدة معها، هنا صخور مرصوصة فوق بعضها، ولكأن ماردا عاتيا كدسها وهو نشوان في مرحه وصخبه. ويعذر الذي يتخيل أن الجني الشرير قد حبسه في هذه الصخور الملك‌ سليمان بواسطة خاتمه الذي لا يُقاوَم، فلا يكلف المرء عناء كبيرا أن يتخيل أن الجلال الشديد الخشن لهذه الصخور الهائلة إنما يعزى إلى كفاحها المصحوب بالتحرك بل التزلزل من أجل الحرية، وأن غياب الاخضرار يعزى إلى وجود تلك الصخور وجودا هو أدنى إلى آفة مهلِكة مميتة».
وعندما نقرأ، من منظور العهد الرومانسي، وصفا كهذا لمناظر الطبيعة، وصفا طنانا مفعما بتعبيرات مثل «تكل العين في البحث عنها وسط السحب وقطرات الرذاذ المتدلية عليها والمتحدة معها» و«لكأن ماردا عاتيا» و«الجني الشرير قد حبسه في هذه الصخور» و«كفاحها المصحوب بالتحرك بل التزلزل من أجل الحرية»، نتذكر فكرة «التسامي» الرومانسية. يقول إيم إتش أبرامز إنه من القرن الثامن عشر فصاعدا بدأ الرحالة والجغرافيون يشدون الرحال إلى مقاطعة ليك ديستركت الإنجليزية وسلسلة جبال الألب، ليبحثوا عن «المنظر السامي» الذي كان، على نحو فاتن، «فسيحا هائجا عاصفا مظلما منْذِرا بالدمار». ويضيف أن كتاب ما سمي بـ«الأودش‌ السامي» أرادوا أن يضفوا على أعمالهم طابع «الجموح والغموض في أسلوبهم الوصفي وفي استطرادهم غير المصقل، كما أرادوا أن يعبروا عن جموح المواد السامية وغموضها وسعة مداها». وكان مجنان معجبا، على خشونة المنظر، بالجلال الخشن لجبال مسقط «الهائلة». وفي الشأن ذاته يخلص سامويل تريفيلو إلى أن الرحالة البريطانيين الذين زاروا تشيلي في بداية القرن التاسع عشر راقتهم «القمم المظلمة» لجبال الألب، فدُهشوا «بجلالها وجمالها». ويدلي مجنان دلوه في مناخ عُمان، فبعد قضائه طيلة شهر أغسطس في مسقط يؤكد أنها «الأكثر حرارة من بين المناطق المأهولة على سطح الأرض»، إذ إن مؤشر حرارتها ارتفع من 95ْ إلى 120ْ في النهار، أما في الليل «فالندى فيه كان حادا وساما مثل لدغة الكوبرا». 
وكان معجبا بتسامح العُمانيين الديني، فقد وجدهم، على تقيدهم الشديد بممارسة شعائرهم الدينية، «غير متعصبين وغير متشددين»، حتى انهم كانوا، من كرمهم، يشاطرون غير المسلمين الطعام. وكان رأيُه في معاملة العُمانيين لعبيدهم رأيَ غيره من الرحالة الذين مر ذكرهم، فأكد أن السماحة التي أبدوها لعبيدهم كان «مضروبا بها المثل، و[تحدث] عن استحسانه هذه الصفة الحميدة لدى العرب الذين [كانوا] ألطف السادة وأرهفهم حسا»، ولم يكتفِ بالقول إن العبيد كانوا يلقون لطف المعشر بل أعلن أنه تيقن من رحلاته إلى الجزيرة العربية بأن العبيد قد يكونون فيها أسعد و«أحسن حظا» من الفلاحين في أوروبا. 
كما يصف الملامح الجسدية للسكان في مسقط:
«إن السكان، على ما فيهم من هُزال وقلة حظ من البدانة والعمر المديد، تنمو أعصابهم وعضلاتهم نموا مطردا. أما ملابسهم فهي في غاية البساطة، فالرجال يلبسون قميصا أبيض أو أزرق، مزرَرا عند الحلق، وزوجا من السراويل، وينتعلون نعالا من الجلد ويحملون منديلا، ولا يعيرون بالا يذكر لتهذيب لحاهم وشواربهم، وهي غالبا ما تكون قصيرة وصغيرة، والرأس يكاد يكون حليقا دوما. أما ملابس النساء فهي القميص ولحاف الرأس وقناع أسود على أنوفهن. وهن، خلاف ما يذهب إليه الرجال، يتباهين بتطويل شعرهن الأسود سواد الفحم، ويربطنه خلف الرأس». 
على أن هذه الصورة ربما أُرِيدَ بها عرب مسقط فقط، فعدد سكان مسقط كان يقارب، كما يخبرنا مجنان، عشرة آلاف، بعضهم كانوا هنودا قدموا من بومباي وغجرات، استقروا فيها تجارا، «وعوملوا معاملة اتسمت بسماحة كيبرة». 
عاد مجنان إلى عُمان عام 1821، ضابطا برتبة ملازم تحت إمرة السير ليونل سمِث، في حملة عسكرية ضد بنى بوعلي، وذلك للثأر لهزيمة البريطانيين في السنة ذاتها، فوجد أن العرب فاقوا الجنود البريطانيين شجاعة وحماسة، إذ إن «كل من شاهد هذا الهجوم الفريد أعلن أن شكيمة أقوى وعزيمة أمضى لم تُظهِرهما قط قوات أي شعب آخر». وفي عام 1825 أتى عُمان مرة ثالثة حين دُعِيَت زوجته لزيارة «حريم الإمام». وفي وصفه لزيارته يقدم صورتين يمكن عدهما تعبيرا عن بالغ افتتان الرحالة الرومانسيين بالشرق. ونظرا إلى أن الرجال لم يكن مسموحا لهم بالاقتراب من «حريم» الإمام فالوصف يأتي على لسان زوجته. الصورة الأولى تتعلق بزوجة السلطان التي تصفها زوجة مجنان:
«السلطانة لم تكن جميلة، بل إنها أقل النساء حظا من الجمال. ولكن من ذا الذي يرى حسن الملامح ورشاقة القد أمرا ذا بال حين تأسر عينيه مادة بالغة الدسم، ماثلة أمامه في أبهى الحُلِي وأحلاها؟ فإنك لن تستطيع أن تشتري بعشرات الآلاف من الروبية نصف ما كانت السلطانة تتزين به، إذ إن حبَة زمرد واحدة تشكل محور قلادة من الزمرد والياقوت والماس كانت أكبر حجما من بيضة حمامة. وكانت قدماها وكاحلاها حجبتها درر وجواهر جليلة مهيبة استعاضت بها من التستر. أما ذراعاها فقد غُلِفتا بغلاف من مجوهرات مطرزة بخيوط من الذهب والفضة حتى المرفقين، حيث لقي كُم مشدود جسما شُد أكثر، في حين كان عليها شريط من النسيج الحريري، قرمزي اللون، ضارب إلى السواد، مطلي بالذهب، وقد بلغ من الطول أن لامس الأرض. أما ثوبها فكان من الحرير الصقيل، أرجوانيا، مطليا بالذهب، بلغ منتهاه في الهيبة والأبهة بشال كشميري نفيس غطى كتفيها واستقر به المقام في حضنها. أما عيناها فقد ألبستهما شيئا مخيفا، شأنها شأن جميع النسوة اللاتي جلسن عندها في ذلك الوقت. كان هذا الشيء أشبه بنظارة ذات إطار عريض، إلا أنه مصنوع من قماش صلب مزخرف زخرفة وافرة وموشى بصفائح من الذهب». 
وتصف غرفة في قصر السلطان فتقول إن «غرفة أُدخِلت فيها شدت انتباهي كثيرا برفاهيتها وترفها، إذ بها مجموعة من الثريات الضخمة، أنيقة الشكل، حلوة المظهر، ونوافذ تتعاقب بين نافذة ذات خطوط منقوشة وأخرى عليها أعمدة زجاجية تصل السقف بالأرضية. ولا نجد لوح القاعدة الخشبي إلا في زاوية الغرفة حيث السرير. أما المجلس فكان على ارتفاع ثلاث بوصات، وفيه أرقى أنواع الحصير الفارسي الذي كان في ملمسه ونمطه قريبا شديد القرب إلى نسيج الشال الكشميري. كما وجدنا صفين مزدوجين من الوسائد، كان أولهما يتألف من وسائد مطرزة بخيوط من الذهب والفضة تطريزا يُعرف به النساجون الهنود، وأما ثانيهما فكان يتألف من وسائد من الحرير الأبيض المزركش بالذهب، تتدلى منها أهداب وشرابات مذهبة».
وترى مرليون بتلر أن الفرنسيين بدأوا، منذ منتصف القرن السابع عشر، يقدمون إلى القارئ الأوروبي العالمَ العربي بطريقة جذابة ساحرة، إذ إن مجموعة من الرحالة «أُدهِشوا بالعالم العربي فأرادوا أن يدهشوا به العالم الغربي، فعرضوا عليه شرقا يعج بالثراء والترف: قصور وحدائق وعذارى زين وجوههن بالخِمار وأشربة مثلجة التي طالما عُرِف بها البلاط الشرقي». وفي بداية القرن الثامن عشر ترجم الفرنسي أنطوني جالاند مجموعة قصصية سماها بـ«ـسلوى الليالي العربية» ظهرت فيما بعد باللغة الإنجليزية. من هنا يمكن القول إن «الليالي العربية» كانت هي الشرارة التي جعلت بعض كتابات الرحالة الغربيين حول الشرق تصطبغ بالغرائبية ولا سيما تلك الكتابات المتعلقة بـ«الحريم». وفي هذا السياق يمكننا أن نفهم لمَ تعمدَ مجنان وصف ثراء «حريم» السلطان وترفهن، مع أن زوجته كان رأيها أن «السلطانة لم تكن جميلة». كما يمكن القول إن اقتفاءه أسلوبَ «الليالي العربية» الظريفَ والهزليَ حمله على أن يخبر قراءه بأن سلطان مسقط، «من بين نسائه الأربعمائة، تجد واحدة من كل حدب وصوب»، مع إشارة خفية مضمرة إلى رغبة السلطان الجامحة. 
صحيحٌ أن الغرائبية الشرقية ترتبط ارتباطا سلبيا بـ«اللاعقلانية وغياب التمدن»، كما يقول سمِث، بيد أني أرى أن نص مجنان لا يوحي بشيء من هذا القبيل، وإنما يعبر عن الافتتان والتبجيل. ورؤيتي هذه تقوم على أن السيد سعيد بن سلطان، «إمام مسقط»، كان يعده الأوروبيون حاكما شرقيا متحضرا. الحق أن مجنان نفسه يقول عنه كلاما حسنا، فيؤكد أنه «بلغ مبلغا عظيما في دماثة خلقه ولطف معشره»، و«أن البون بينه وبين حكام آسيا الآخرين شاسع شسوعا يجعله بلا ريب «الأسد» الأعظم في الشرق». أضف إلى ذلك أن تي او ثومبسَن، التي كانت تقيم بالخليج العربي، وصفت السيد سعيدا، إثر زيارتها له في عام 1826، بأنه «الحاكم الآسيوي الوحيد الذي رأيتُ فيه ما تعنيه الكلمة الإنجليزية جنتلمان».
أما الرحالة والمؤلف الإسكوتلندي جيمز بيلي فريزر، الذي زار مسقط في طريقه إلى خراسان عام 1821، فقد حذا حذو جونسَن ولَمسدِن في تصوير مسقط مكانا كئيبا. فيقول إن مسقط ذكرته عند زيارته لها أول مرة، بـ«مدينة هندية رثة بائسة»، كما وجد مناخ عُمان عموما ومسقط خصوصا «قاسيا شديد القسوة» ولا سيما على «البنية الجسدية الأوروبية»، زاعما أنه، بسبب ارتفاع درجة الحرارة وخاصة حرارة «الليالي الخانقة»، ليس هناك من أحدٍ أقام بها مدة طويلة دون أن يصاب بالحمى.وقد أخبره سلطان مسقط بأن بسبب هذا المناخ غير الصحي أباد وباء الكوليرا حوالي عشرة آلاف من سكان المدينة. على أنه إذا ما وضعنا هذه الصورة القاتمة جانبا، نجد أن فريزر كان مشغوفا بتنوع السمك في مسقط، فقد قال: «لا عهد لي بمكان يضاهي مسقط في وفرة السمك وجودته»، وكان معجبا بها مركزا وميناء تجاريا عظيما تُستودَع وتُتبادَل فيه بضائع أمم مختلفة وسلعها».
كما زار هرمز ووصفها على نحو مماثل، فقال عنها إنها «من البقية الباقية لأطلال مدينة شرقية استحالت في الأعم الأغلب إلى ركام من النفاية»، وذهب إلى أن «ثراء هرمز وبهاءها إنما بولغ فيه مبالغة لا حد لها»، وأن «وصف بعض الرحالة الرائع المهيب لهرمز تعوزه الدقة». بناء على ذلك يقول بوجوب إعادة النظر في صورة الشرق بأنه موطن للثراء، فـ«الحديث عن أبهة الشرق وفخامته إنما يقتصر على شخص الحاكم وحاشيته، أما الشعب ففقره يزداد بمقدار زيادة ثراء الحاكم». إلا أنه، عند انتهاء رحلته في هذه المدينة الشرقية العتيقة، يصر على توديعها بهذه الكلمات الرومانسية: «كانت ليلة بهية فاتنة، فقد سحرنا المشهد والزمان والمكان وملابس مرافقينا سحرا أثار في أذهاننا ذلك البيان البليغ الذي جادت به قرائح أشعر شعرائنا وأعذبهم». 
وزار مسقط أيضا الكابتن وِلْيَم أوْوِن عام 1823 وهو على متن سفينة «ليفين»، وذلك للحصول على إذن من السيد سعيد، سلطان مسقط، لمسح الخط الساحلي من الممتلكات العُمانية في شرق أفريقيا. ويسرد تفاصيل رحلته في كتابه «قصة رحلات بحرية»، المنشور أول مرة عام1833. ويبدأ سرده برسم صورة سوداوية كئيبة، فيقول إنه: «من المرجح أن مسقط هي المدينة الأقذر في العالم». بل يذهب إلى أبعد من ذلك ليقول:
«إن العرب هم أقذر الأجناس البشرية. لذا ليس من العجب في شيء أن مشرعهم أمرهم بأن يتوضأوا غير مرة، كواجب ديني، كما أخبرهم بأن الوضوء له من الأهمية في سبيل التطهير الروحي ما للصلوات نفسها. ولكن هذه الشعيرة، شأنها شأن غيرها من الشعائر، سواء تلك التي تتعلق بدينهم أو بديانات غيرهم، لم تَعُد اليوم غير شكل خاو من أي معنى، ولا تجدي نفعا في التخلص من قذارتهم الفطرية».
قد نلتمس العذر لأوْوِن ونقول إن أي مكان في العالم في ذلك الوقت كان، على نحو من الأنحاء، وبسبب أو آخر، قذِرا. ولكن الذي لا يمكن أن نلتمس له العذر فيه هو اتهام العرب قاطبة بأنهم «أقذر الأجناس البشرية». فما هذا إلا تمييز عنصري، فالصور النمطية الشائعة في ذلك الوقت أرسخت في أذهان بعض الغربيين مثل هذا الكلام البالغ في التعميم مبلغه. ولهومي بابا قول في ذلك مؤداه: «أن الصور النمطية تعوق تبيين وإذاعة أي معنى لدال «العِرق» سوى معناه العنصري الثابت القار، فنحن نعلم علما مسبقا أن السود فجرة لا تضبطهم قيود جنسية، والآسيويين منافقون مراؤون». وما يؤكد نزوع أوْوِن العنصري في الاقتباس المذكور آنفا هو أنه يقرن، بطريقة لا تخلو من المفارقة، «قذارة» العرب «الفطرية» بشعيرة الوضوء في الإسلام، وكأنما يريد أن يقول إن العرب مُيِزوا عن بقية الشعوب لأنهم خُلِقوا قذرين. واضح غاية الوضوح أن مثل هذه الفكرة إنما تنبع من التحيز العرقي، فأوْوِن كان على علم أن الإسلام لم يكن محصورا في العرب وحدهم، وإنما دان به أناس ذوو أجناس متعددة مختلفة المشارب، فضلا عن علمه أن التعميد في المسيحية، شأنه شأن الوضوء في الإسلام، يقوم به المسيحيون، بما فيهم الأوروبيون، من أجل الطهارة.
يتجلى مما مر أن ما كتبه الرحالة البريطانيون عن عُمان يتميز، كما بَينتُ في الفصل الأول، بتعدد الأصوات وتغايرها، بل إننا نجد ذلك التعدد في عمل أدبي واحد. الكابتن أوْوِن، مثلا، يقدم رؤية أخرى حول تسامح عرب مسقط الديني، إذْ كان هناك حدثان شهدتهما مسقط أقنعاه بأن «التعصب ليس مما تعاب به مسقط». الحدث الأول كان في إهدائه النسخةَ العربيةَ من الإنجيل إلى سلطان مسقط، السيد سعيد،، فتقبلها هذا الأخير «راضيا مسرورا»، على اعتبار أن الإنجيل يقر به القرآن كتابا مقدسا. أما الحدث الآخر فكان حين قام السلطان بزيارة مفاجئة لأوْوِن وطاقم السفينة «ليفن». فكان ما أعده طاقم السفينة من تحضير لهذه الزيارة وتهيئة لها أمرا مضحكا، في رأي أوْوِن، إذ كان هناك مجموعة من الخنازير على متن السفينة قرر الطاقم وضعها في قوارب، حتى لا تسبب حرجا للسلطان بـ«مظهرها النجس»، وإذا بالخنازير تطلق صوتا أثناء النقل كان كافيا أن يُلقي في خَلَد كل مسلم في مسقط «بأن دافع ذلك كله كان رغبة خبيثة أُرِيدَ بها الإساءة بمشاعر السكان الدينية». إلا أن المشهد لم يكن له من أثر غير تسلية المسلمين والبريطانيين معا.
وفي عام 1824 زار الكابتن جورج كيبل مسقط وهو في طريقه من الهند إلى إنجلترا. وقد زار السيد سعيدا في قصره، فشده ما شد مالكوم من أبوية السلطان:
«إن البساطة الأبوية للشخصية العربية واضحة أشد الوضوح في كل شيء له شأن بهذا البلاط، ففي ديوان الإمام اليومي تجد أن أي شخص له الحق في أن يجلس أينما يريد دون تفضيل لهذا أو ذاك، بل اللافت للنظر أنه حتى الشحاذين يمكن أن يطلبوا الوقوف بين يديه، وهم على يقين بأنه سيكون آذانا مصغية لسماع تظلماتهم وشكاويهم».
إن ملحوظة كهذه يمكن أن يكون لها معنى خاص في أدبيات الرحالة الغربيين في ذلك الوقت، فوصف العلاقة بين السلطان ورعاياه في عُمان بالبسيط و«الأبوي» يكاد يبطل مفهوم «الاستبداد الشرقي»، الرائج في الكثير من الخطابات الغربية حول الشرق. ويحاول دانيل جي وتكس، في تناوله «للطابع الاستبدادي» لعطيل في مسرحية شكسبير، أن يُثبِت أن شخصية عطيل أسهمت في تنامي الصورة النمطية للأمير المسلم، الذي طالما وُصِف في النصوص المحدثة الأولية بالمستبد الذي يحكم بـناء على «نزقه، فينزو به قلبه إلى أهوج السلوك وأرعنه باسم الشرف أو الدين..». هذا النوع من «الشخصية النمطية المكررة» له من التاريخ الطويل ما يرجعه إلى شخصيات الأوغاد البربر التي ظهرت في قصص الإثارة والغرام وشخصيات الجبابرة العتاة في القرون الوسطى. 
ولنا أن نقرأ كلام كيبل من زاوية أخرى، فنقول إن فيه نقدا ثقافيا ذاتيا ينطوي على استنكار الاستبداد البريطاني. يقول هِنْرى ويسر، بعد دراسته لحركات الطبقة العاملة في بريطانيا من عام 1815 إلى عام 1848، إن النظام البريطاني، القائم على «القانون» و«الدستورية»، كان في استبداده وظلمه للفقراء وفئات المجتمع التي لم يكن لها من يمثلها أفحش من الحكام الأتراك في ظلمهم لرعاياهم وأنكر، فالذي لا خلاف عليه هو أن السلطان التركي، في رأي ويسر، لم تكن له قوة يجشم بها رعاياه أمرا كالذي «كان العبيد الإنجليز يتجشمونه».
هناك الكثير من الرحالة الذين استقطبتهم سماحة سكان مسقط، إلا أن كيبل رأى ما لم يرَه الآخرون، فهو يعزو هذه السماحة، كما فعل هِيُوْد، إلى المذهب الإباضي، إذ يؤكد، بعد حديث مقتضب عن المذاهب الإسلامية الثلاثة: السنة والشيعة والإباضية، أن المذهبين الأولين يقفان من المتحدرين من النبي محمد موقف «المبجل»، فيحصران القيادة فيهم، في حين يرى المذهب الإباضي أن جميع المسلمين لهم الحق في مواقع القيادة. وبناء على ذلك يقول كيبل عن العُمانيين إنهم: «لا يقدسون وليا، وليس لديهم دير أو رهبان أو دراويش، ويكنون عظيم الاحترام للعدالة، ويُبدون كامل التسامح للأديان الأخرى». على أن كيبل يصف مسقط وسكانها وصفا سلبيا من حيث الصحة والنظافة، فقد ذهب إلى ما ذهب إليه أوْوِن ورحالة آخرون، فوجد شوارع مسقط «شديدة القذارة» وضيقة، وسكانها «قذرين من حيث المظهر، إذ لا تكاد تجد شخصا غير مصاب بقرحة العين، وعشر السكان عُور».
وبين عامي 1820 و1829 قامت وحدة «ذي بمباي مارين» باجراء مسوحات في الخليج العربي. وكان من بين ضباط هذه الوحدة البحرية الملازم وايِتْلوك، الذي نشر فيما بعد آراءه عن عرب الساحل العُماني في الشمال الغربي من البلاد. تكمن أهمية تلك الآراء في أنها تقدم لنا رؤى رحالة بريطانيين حول جزء آخر من البلاد، إذ نجد فيها صورا مفصلة عن ملبس السكان ومسكنهم ومأكلهم وعاداتهم وتقاليدهم وتجارتهم. فنجده تارة يُبدي إعجابه بكرمهم وشجاعتهم ولطفهم، وتارة أخرى يستنكر «قرصنتهم ونهبهم». الحق أنه أتى المنطقة حاملا في ذهنه الصورة النمطية المسبقة عن سكان هذا الجزء من عُمان بأنهم «قراصنة»، وهو ما يمكن أن نتفطن له من العنوان الفرعي، الذي يزعم فيه أن المنطقة من رأس الخيمة حتى أبوظبي كان «يُسمى بشكل عام ساحل القراصنة»، بل ذهب إلى أبعد من ذلك فأجهر بأن الناس في كل بلدة من بلدات هذا الساحل كانوا «على دراية كافية بالقرصنة والسطو».
وإذا أردنا أن نستوعب اصرار الرحالة البريطانيين، من أمثال وايِتْلوك، على وسم شعوب المنطقة بـ«القرصنة» فإن بعضا من التبيان لا غنى لنا عنه، إن مسؤولي شركة الهند الشرقية وموظفيها كانوا قد تمكنوا من إذاعة فكرة أن عرب الخليج ولا سيما القواسم قاموا بأعمال قرصنة كبيرة ضد التجارة الدولية ليس في الخليج وحده فحسب، وإنما في البحر الأحمر والبحر العربي والمحيط الهندي من نهاية القرن الثامن عشر حتى العقدين الأول والثاني من القرن التاسع عشر. إلا أن حكومة شركة الهند الشرقية جوبِهَتْ، كما يقول سلطان القاسمي، بـ«معارضة حقيقية» من قِبل أبناء ساحل عُمان بسبب سياستها في الخليج. ولكبح تلك المعارضة، حشد البريطانيون كل ما أوتوا من قوة، فشنوا حملة شعواء ضد القواسم وغيرها من القبائل على الساحل التي شكلت تهديدا لنشاطات بريطانيا البحرية في المحيط الهندي وفي غيره من المعابر المائية. من ذلك أنهم صوروا المعارضين لهم بأنهم قراصنة. يقول القاسمي: «لم يكد يحدث حادث لسفينة ما في المنطقة حتى نُسِب نسبا ينم عن النزق إلى «القراصنة الجواسم».‌ بهذه الشاكلة، اختُرِعت «الكذبة العظمى»، فإذا بفترة وجيزة لا تزيد على ليلة وضحاها أضحى مصطلح «الجواسم» مرادفا «للقراصنة»، حتى إن مساكن القواسم أمست «ساحل القراصنة» . . .

 
 
 
جزء من الفصل الثاني من كتاب «عُمان في عيون الرحالة البريطانيين: قراءة جديدة للاستشراق»، الذي تبنى مشروع ترجمته مكتب مستشار جلالة السلطان للشؤون الثقافية بمسقط.
هـلال الحجـــري
 
ترجمة: خالــــد البلــــوشي
باحث وأكاديمي من عُمان
 

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …