أخبار عاجلة

اغنية الدم: الرواية الفائزة بجائزة نجيب محفوظ (المجلس الاعلى للثقافة)

الرواية الريفية بلا رومانسية
تأليف: جمال زكي مقار

هي رواية صادمة لأنها لا تسير على الطريق المعتاد وهي تصور عالما ريفيا، فبدلا من الجماعة المتآلفة والجذور والظلال الهانئة والنهر الذي ينساب في عذوبة سنجد مجتمعا مقفرا شديد القسوة، شديد الغلظة والخشونة، لا في العلاقة مع الطبيعة فحسب ولكن في العلاقة بين البشر، فالثأر يأخذ بتلابيب هؤلاء الناس، وهم ينقسمون الى عشائر متنابذة،: ويظل الدم يطلب الدم. طوال الرواية هناك ذلك الموت الذي يحلق فوق الرؤوس كنهاية، ويهدد حياتهم دا:ما. ولكن هذا الموت يتخلل حياة حافلة بالميلاد والخصب والزرع، بمحاولة اقامة علاقات القربى والمودة والحب. فالرواية تدور بين صراع الحياة والموت، وبين طقوس ولوحات جميلة للناس وهم يعيشون ويزرعون وينمون كل طاقاتهم ومواردهم وبين تلك العزلة القائمة المسيطرة التي تتمثل في تحجر الطقوس

والعلاقات، وتحجر القيم، واختناق الفردية اختناقا شديدا داخل هذه الجماعة التي لم تعد جماعيتها ذات وظيفة لتأكيد الحياة وتمجيدها، بل لخنق الأفراد ولفرض واجبات قاسية عليهم ؟ فلابد من أخذ الثأر ولابد من اتباع كل ما فرضه الأجداد والأسلاف. لقد ألقى المؤلف بنا في تلك القرية البعيدة جدا عن الحياة الجديدة، عن المؤسسات، عن العلم والمدرسة، عن التطلع، عن سلم الصعود والحراك الاجتماعي، ل قرية تعيد انتاج نفسها الى الأبد كأنها قد حلت عليها اللعنة. فأين السلطة المركزية في هذه القرية ؟ نجدها مختفية كالأفعى ~ بالطبع القصة لا تدور بالفعل في هذه الأيام، وان كانت تصلح أن تدور فيها، لكنها تشير الى ماض قريب ايثارا للسلامة – فالبوليس في تلك الفترة باطش شديد البطش، لا يهتم بأي شيء إلا بالاعتداء على الناس، بنهبهم وسلبهم، يمثل سلطة مركزية لا تقيم عدلا، ولا تربه أوامر مودة، أو تدعو الى تقدم ما، بل هي قوة أصبحت غريبة عن الجماعة كأنها الشيطان الرجيم، هذا عالم ملعون ملعون، نستطيع أن نتبين فيه بذورا لما نسميه الآن الارهاب والتطرف، وكل هذه الأشياء الدموية، أغنية الدم اذن تتبع منابع هذا الدم المسفوك هدرا.

ان الفرد القروي في الرواية ليس حرا في تكوين وتشكيل الرؤية العامة، بل هو يرث هذه الرؤية كما يرث القيد والأغلال، فهو لا يسهم في خلقها، بل هي تلتف حول عنقه وتقيده بكل أنواع القيود. كيف يفكر في العالم ؟ انه لا يفكر، بل يمتص المسلمات الأولية التقليدية يخضع خضوعا شديدا لها، وتتشرب مسام جسمه كل ما يحيط به في الهواء الاجتماعي الراكد، انه يعيد انتاج نفسه الى الأبد، هنا لن نجد فكرا بل ابتلاعا في قوالب جاهزة، لن نجد علاقة بين البشر والطبيعة، فهم يعيشون بها ومعها وفيها، ولكنهم لا يتعالون عليها ولا يتجاوزونها. ولن نجد علاقة بين البشر وابتداع أشواقهم؛ بل سنجد قماطا وكفنا يلتف به البشر منذ الميلاد ولا يستطيعون مفارقته رغم محاولتهم المتكررة الدؤوب للخروج منه وعليه في لحظات انتصار الحياة حين تغمر حياتهم البهجة والفرحة بالمولود أو الحب والعناق، وتختنق كل هذه الأشياء، كل رغبات البشر في تعميق الحياة أو في أن تكون العلاقة بينهم حافلة بالثراء تحت السيف والنطع، والماضي الذي يطالب دائما بالرقاب، ويظل يشرب الدم دون أن يرتوي أبدا. ولكن هناك أغنيات للعرس وللحب وللعريس والزفاف، كلها من أجل أن تستطيع "أغنية الدم" أن تواصل مسارها وايقاعاتها، فلابد لها أن تتغذى بالحياة، حيث يمتص الدم رحيقه من الحياة، من أغاني الحصاد والختان،من كل ما يتعلق بفرحة الميلاد، لأن التضاد أو التقابل الدرامي بين الخصب، الحياة، الميلاد، الحب، وبين منجل الدم الذي يحصد كل هذه الأشياء، هذا الصراع الدرامي الدامي هو الذي يتحدد فيه التوزيع الأوركسترالي لهذه الأغاني الحية المتواصلة وهناك فوقها جميعا "أغنية الدم" المشؤومة، تنتظر في البدء والختام تلك الرؤوس اليانعة التي لم يحن بعد قطافها لكنها تتساقط قبل الأوان.

وتكاد هذا الأغنيات أن تقدم لوحة تسجيلية للوجدان الجمعي لهذه القرية، تسجيلات دقيقة جدا للأغاني لا في تنوعها وغناها فحسب، بل وف خلفية المسرح الذي تؤدي عليه هذه الأغاني، هنا تتبع دقيق تسجيلي للطقوس، ستجد السبوع بكل تفصيلاته ومراحله الطقسية المتتابعة التي لا يعاد تشكيلها،بل تورث خلفا عن سلف. كل هذا «الريبرتوار» أو الرصيد الفني من تسجيلات هذه القرية يجعل المؤلف يبدو كأنه باحث انثروبولوجي يقدم المراتب المختلفة لوجدان هذه القرية في كل نواحي الحياة، وف كل جانب من الجواب فلكل أغنية،لكل أنشودة هناك خطوات وحركات جسمانية، أشياء وهبات وعطا يا تصاحب هذه الأغنية أو تلك.

ومن الناحية الفنية سنجد رصدا تسجيليا يكاد يعنى بالوقائع في حد ذاتها، بكل كلمة وحركة واشارة يقوم بها هؤلاء الذين يزاولون حياتهم كأنها طقس تاريخي أو طقس مفروض عليهم. والمؤلف غائص حتى ذقنه في طقوس هذا الواقع ومياهه الراكدة وفي شمسه الحارة، وفي سخونة دمه الفائر. انه جزء منه لكن هناك أيضا مسافة نقدية بين الرصد التسجيلي وبين تلك الجوانب التي يقبلها وتلك التي يرفضها (في هذا الواقع من الصعيد)، انه جزء من هذا الواقع بمعنى أنه ينتسب اليه، يحب هؤلاء الناس وكدحهم وصلا بتهم في مواجهة قسوة الحياة، لكنه لا يحب الجمود والتحجر ولا يحب هذه القسوة التي فرضت عليهم، (لا التي اختاروها أين التعليم ؟ أين المدارس؟ أين مؤسسات الدولة.. أين العدالة ؟.. مؤسسات "العدالة " غائبة هنا، كأن عليهم أن يأخذوا ثأرهم بأيديهم، أن يطبقوا قانونهم العرفي قبل أي شيء. انهم لم يسمعوا عن قانون أو دولة تأخذ لهم حقوقهم أو تزعم ذلك، ولا يعرفون حقوق الفرد، فلم نسمع عن أي مؤسسة من مؤسسات الحياة السياسية، بل سنجد في هذا الركن المنزوي واقعا أهمل اهمالا شديدا حتى نما فيه الشوك والأفاعي السامة وهاجمته العقارب. ويشير المؤلف دون خطابة أو برنامج في الاصلاح الى كل هذه السنوات من العزلة أو الانعزال المفروض، من الاهمال والقسوة في التعامل والامبالاة مع هذه الأجزاء الهامة من الوطن.

والمؤلف على الرغم من كل تقليدية الواقع الذي يصوره لا يتبع الوسائل التقليدية، هو لا يقدم حدوتة ولا حبكة أو خيطا قصصيا متصلا، ثم يقدم حلا للصراع في النهاية، هو لا يقدم هذه الطريقة التقليدية على الاطلاق، بل يقطع السرد دائما بلوحات، بأغنيات، بمسالك جانبية يبدو وكأنها تقطع سياق الحدث، لكنها في نفس الوقت تؤكده وتبرزه ولو بالمفارقة والاختلاف، ويقدم جوانب شعرية كثيرة جدا، والشعرية هنا ليست شعرية ظاهرية تقف عند حدود الصور التي يأخذها من المواويل أو من الأغاني أو من طرق حياة الناس ؟ بل تأتي من تحويل المكان الى ساحة للمطامح والمطامع، ساحة للأهداف والمسؤوليات، الى محاولات للهرب بالحب. فالنماذج التي اختارها نماذج متنوعة وفي نفسر الوقت متقابلة متصارعة واللفة التي يكتب بها لفة مفرقة في الواقع وفي وممد الأشياء وطرق الكلام التي توجد على الألسنة والعادات العقلية والسلوكية، لكن هذا الاغراق في الوصف لا يفصلنا عن السرد، عن القص، عن المشاركة في أن هناك فعلا يتعلق بقضية الحياة والموت، يتعلق بوجود هذا العالم نفسا واستمراره وقيما اللازمة لبقائه.

واذا كان لنا أن نقدم تقييما مجملا لـ "أغنية الدم" فهي عمل جديد يواصل تقاليد القص في مصر ويتبع مدرسة خاصة هي مدرسة الرواية القصيرة، بدأها يحيى الطاهر عبدالله عن تراث الصعيد وعن عالمه السحري المنعزل نسبيا، ولكنه عالم يقدم نموذجا لمشاكل هذا العصر، مشاكل العنف واحتدام الصراع واختناق الحب، وهو يواصل أيضا ما يكتبا محمد مستجاب عن مصر الوسطى بالتحديد، وهذا التيار في الرواية تيار غني لا لأنه يعرفنا بواقعنا فحسب، ولكن لأنه يعرفنا بوجداننا، بجذورنا حتى وان تحجرت هذه الجذور. إن هذا النوع من القص يزيد هز قدرتنا على الحياة ومن قدرتنا على ممارسة الأدب في نفس الوقت.

وقد يؤخذ على الرواية كذلك طابعها التبسيطي في تصوير النماذج الشخصية وسلم القيم. فالشخصيات تحكمها سمة واحدة مسيطرة، والقيم موزعة بين الأبيض الناصع والأسود الحالك. ولن نجد صراعا نفسيا داخل الشخصيات يعلي من فرديتها، فالفردية مطموسة وراء النمط والقالب على الرغم من أن براعمها هي التي تبشر بتخطي كل عقبات الجمود. ولكن عذر المؤلف أن الواقع الذي يصوره لا تزدهر فيه الفردية. هو يوهمنا أحيانا أنه يتبنى وجهة نظر هذا العالم وان يكن اتجاه القص لا يتعاطف مع مسلمات الجماعة القروية بل يرفضها ويدينها.
 
 
ابراهيم فتحي ( كاتب مصر)

شاهد أيضاً

برج مرزوق

في عالم الأبراج يدور الفلك وتبقى النجوم المزدانة بلمعانها معلقة في عتمة السماء لتتعلق معها …