أخبار عاجلة

الإبحار مع أبناء السندباد : ألن فيلييرز بين الرومانسية والتوثيق

في مطلع القرن العشرين برزت شخصيات بريطانية عدة وثقت الجزيرة العربية والخليج لكن كان الأكثر تميزا وإبداعا ولا يزال ج. لورنس العرب عن الحجاز “أعمدة الحكمة السبعة “وويلفرد ثيسجر في كشفه عن معالم الربع الخالي في “ الصحراء العربية”, وأخيرا الأسترالي الن فيلييرز الذي وثق فكرة الإبحار عند العرب في المحيط الهندي فقام بأربع رحلات: الأولى جنوب البحر الأحمر و الثانية من عدن وحتى شرق افريقية حتى مصب نهر رفيجي والثالثة الرجوع حتى مصب شط العرب بالمرور على مسقط ومن ثم إلى الكويت والرابعة مصاحبة ربابنة الغوص في البحث عن اللؤلؤ في الخليج.
لقد تميزت كتابات هؤلاء الثلاثة مزجاً بين الرومانسية الحالمة واللغة الشاعرية والتعليقات اللامألوفة خارج السياقات المنتظمة أشبه بشطحات المتصوفة تنطبع مباشرة على القارئ وصعب أن تنسى. فكما ولع ثيسجر بالصحراء كذلك ولع فيلييرز بالبحر وأدرك بريبة وخوف من السفن العملاقة ذات المحركات الرهيبة حينها مع بداية القرن العشرين بشيء من التوجس أن تقضي على فكرة الملاحة التقليدية وارتباطها الكوني بين السماء والأرض وحركة النجوم والرياح.
كان ألن فيلييرز، أو “الشيخ ماجد” كما كان يحب البحارة العرب أن يدعونه، آخر الربابنة العظام للمراكب الشراعية الكبيرة التي تجوب المحيطات. فقد بدأ أولى رحلاته من وطنه أستراليا ولما يبلغ الخامسة عشر من عمره. وفي عام 1935 قاد المركب الشراعي “جوزيف كونراد” ـ وقد سماه بهذا الاسم تيمنا بجوزيف كونراد “عبقري البحر هذا الذي كتب روايات عن البحر بصفاء ذهن نادر” ـ في رحلته الشهيرة حول “رأس هورن”. كما قام في عام 1957 بقيادة المركب “ماي فلاور” الذي صنع كنسخة مماثلة للمركب الآخر الذي يحمل هذا الاسم والذي استخدمه كولمبوس لاكتشاف العالم الجديد. وقد قام بتأليف عشرات الكتب، كان آخرها كتابه المسمى: “القبطان جوزيف كونراد”.
ولد “ألن فيلييرز” (1903-1982) بملبورن (أستراليا)، وكان ثاني ابن للشاعر الأسترالي والزعيم النقابي “ليون جوزيف فيلييرز” وزوجته الإسكتلندية “آني”. كان “ألن” شابا رومانسيا شديد التأثر والانطباع، سقط، شأنه في ذلك شأن الكاتب الروائي عاشق البحر جوزيف كونراد، في هوى البحر. وبالنسبة إلى “ألن”، فإن ما جذبه إلى البحر منذ فتوته إنما هي السفن التي كانت مركونة في آخر الدرب الذي كان يسكن فيه، ورصيف الميناء الذي كان يتجول عليه هو ووالده أو عمه الودود أيام الآحاد، وصداقته أيضا مع الملاحين.
كان أول إقدامه على ركوب البحر عام 1919 في إطار مران لأداء مهمة تجارية دولية. وكانت تجربة تعلم قاسية إذ بدا له واقع العيش في البحر أشد قسوة من الخيال الرومانسي الذي أوحت إليه به طفولته. غير أن الفتى كان سهل الاندماج، فانطلق في مغامرة لإتقان أصول حرفته البحرية في مجال التجارة الدولية. على أن التجارة الدولية كانت آنذاك تشهد على أزمة، مما أنهى مهمة إبحاره عبر السفن الشراعية. وقد أمسى الشاب صحفيا في تاسمانيا، ثم سرعان ما عاد إلى البحر من جديد، لكن هذه المرة بوصفه عضوا في أول لجنة لصيد الحوت بالقطب الجنوبي. ولما عاد إلى موطنه، وجد نفسه ـ ويا للمفاجأة ! ـ قد أمسى كاتبا، وذلك بفعل الأثر الإيجابي الذي تركته مقالاته التي كان يبعث بها، وذلك إلى حد أنه طُلب منه توسيعها ونشرها في كتاب. وكانت النتيجة كتاب: Whaling in the Frozen South ، وهو كتاب مرفوق بصور خاصة للمؤلف. وقد عاد “ألن” إلى مقر الجريدة، إلى أن لبى نداء الشغف بتدوين أوصاف السفن الشراعية الكبرى الذي ملك عليه تفكيره. ورفقة صديقه رونالد وولكر وقع مع سفينة فيلندية Grace Harwar عقد عمل كطاقم في السفينة، وراح معها إلى انجلترا. وكانت الرحلة مروعة، حيث عانى طاقم السفينة من نقص في التمويل وفي التموين، وذلك لحد أنه اضطر إلى تسول السفن العابرة. وقد قتل صديقه في حادثة على ظهر السفينة. وحوصر رفيقه الثاني في قمرة قيادته إثر حادث آخر. ولم تصل السفينة إلا بعد إبحار 138 يوما في البحر عبورا بين المحيطين الهادي والأطلسي مرورا في الجنوب عبر مضيق ماجلان، وقد روى “ألن” عن هذه الأحداث في كتابه: By Way of Cape Horn الذي أمسى من أكثر الكتب مبيعا، كما أنتج فيلما عن هذه الرحلة المرعبة.
ولا زالت هذه الذكريات ماثلة في ذهنه حيث أشار إليها في العديد من المناسبات. أنظره مثلا يقول:
“(…) بقيت على الحياة بعد تجارب عديدة شملت الالتفاف عدة مرات على رأس هورن في فصل الشتاء، كما شملت رحلة رائدة لصيد الحيتان في بحر روح في المنطقة القطبية”.
وبعد مضي سنين أمسى “ألن” مالكا لجزء من سفينة بارما الفنلندية تحت رئاسة الرئيس الشهير Ruben de Cloux ـ الذي قيل عنه إنه كان قادرا على أن “يلاعب” الرياح. ولم يمد الرجل يده لطلب مساعدة من الدولة، وإنما أعاد استثمار ما حصل عليه من بيع سفينة بارما لشراء سفينة خاصة به هي Georg Stage والتي كانت تملكها من قبل البحرية الهولندية. وقد أعاد تسميتها “جوزيف كونراد” تيمنا باسم الكاتب جوزيف كونراد الذي كان “ألن” شديد الإعجاب به، وكانت هذه السفينة هي مدرسته التي تعلم فيها فن الملاحة، كما أنشأ على متنها مدرسة لتعلم فن الملاحة الشراعية. وقد عثر على فريق من المتعلمين المساعدين، وسرعان ما أبحر عام 1934 يجول العالم برمته. ومن أين له المال؟ الأمر كان يسيرا عنده سهل التدبير: عليه أن يكتب مقالات في خلال رحلته، وأن يتولى بعض المسافرين أداء واجب السفر معه. وقد دامت هذه المغامرة إلى عام 1936، لما باع الرجل سفينة جوزيف كونراد إلى مليونير عندما عبر مرفأ نيويورك (وهي سفينة تم الاحتفاظ بها اليوم في متحف ميستيك بكونكتيكيت). وقد استرجع ذكرى بيعه هذه السفينة بعد انقضاء أمد وهو في خلوته بأكسفورد عام 1968، فقال: “لقد أزعجني التخلي عن سفينتي، لأنه كان من الواضح أن الحاجة لمثل تلك المراكب لا بد أن تشتد فيما بعد. ولقد اشتدت الحاجة لأمثالها بالفعل، ولكني على ما يبدو كنت سابقا لزماني. وقد احتفظت بالسفينة أطول مدة ممكنة، وأبرحت برحلة حول العالم”.
ويصف ابنه شعوره في هذه الفترة، فيقول:
“لما باع ألن فيلييرز [سفينة] جوزيف كونراد عام 1936، اعتقد أن التدرب على الإبحار في المياه العميقة قد انتهى وأفل عهده. لكن التاريخ أثبت أنه كان مخطئا في تقديره. وهذا يعود في جزء منه على الأقل إلى كتابات والدي التي حمست أكثر من جيل إلى خوض مغامرة ركوب البحر”.
بعد مغامراته هذه على ظهر السفن، وضع “ألن” برنامجا لخمس سنوات حافلا بالأنشطة البحرية : الإبحار في المياه الشرقية، أولا مع العرب، ثم مع الهنود، ثم مع الباكستانيين، وبعد ذلك الانتقال إلى جزيرة سيلابس، فسنغافورة، فمياه أندونيسيا، وبلوغ مياه الصين واليابان.
وهو يتحدث عن أساس هذه الخطة، فيقول:
“لقد كانت خطتي أن أبحر فعلا في جميع أنواع السفن الآسيوية التي يمكن أن أعثر عليها، وألا أكتفي بمشاهدتها عن بعد. فقد أردت أن أرى كيف تجّهز بالرجال والقادة، وكيف يقوم هؤلاء الملاحة عليها، وإدارة دفتها، وكيف كانوا يقومون بتسيير أمور رحلاتهم وتجارتهم، وكيف كانوا يصونون تلك السفن ويمولونها، وكيف كانوا يستطيعون أن يحافظوا فيها على مجموعة من الخدمات الضرورية اللازمة لملاحتهم كما يحتفظون باحتياطي من الضباط والبحارة الأكفاء لخدمتها. أما الأسئلة الأكاديمية عن تطور أنواع السفن المختلفة وسلالاتها وما إلى ذلك، فلم تكن تهمني، كما أنها ليست من اختصاصي. فإنه بإلامكان دراسة سلالات المراكب وهي عاطلة عن العمل ملقاة على رمال الشواطئ”.
كان الرجل يريد التجربة الحية، والمغامرة المعيشة، وأن يتوارث مهمة الإبحار في السفن الشراعية حيا عن حي، وليس ميتا عن ميت؛ أي متخصصا أكاديميا ومتحفيا في بقايا سفن لم تعد تشتغل. كان يريد السفينة الحية، لا البقايا المتحفية أو المحنطة.
لكن تبين له فيما بعد أنه لم يحقق من هذا البرنامج الطموح سوى مرحلة الإبحار مع العرب والإبحار في جزر مالديف.
وهكذا، قضى “ألن” عاما ونصف العام مع عرب من الكويت مسافرا في أعماق البحار عبر سفينة The Triumph of Righteousness الشراعية والمسماة أيضا “فتح الخير” و”بيان” إلى زنجبار، فالعودة إلى الكويت، وفق أسلوب عيش لم يتغير على مدى قرون، لكنه الآن انقرض. وقد تم تدوين هذه التجارب مع صور مرفقة بها في كتابه “أبناء سندباد” ـ وهو كتاب آخر من كلاسيكيات أدب البحر الشهيرة. وبعد خوضه الحرب بوسمه قائد إنزال السفن في يوم إنزال شهير D-Day ـ وهو أكبر إنزال في تاريخ الحرب ـ استقر “ألن” في النهاية بمدينة أوكسفورد حيث استمر في السفر والكتابة والتواصل والتحمس إلى ملاحة السفن وإلى حياة البحر إلى حين وافته المنية عام 1982. والحال أن سيرته الذاتية The Set of the Sails التي نشرت، بداية عام 1949 تقدم لنا لمحة ضافية على مغامراته قبل الحرب، كما أن حياة ومساهمات الرجل قد عرضت في سيرة خصها بها المتحف الوطني البحري.
لقد كان الرجل مثابرا وعنيدا ومتعدد المواهب وكاتبا مرموقا، ومؤرخا استطاع بذهنية مبدعة أن يوثق تأريخ الإبحار لدى كثير من الشعوب ومؤلفاته زادت على أربعين مصنفا وتعد جلها مراجع في تاريخ علوم البحر وهو بذلك يعد رائدا إضافة الى ولعه بالتصوير الفوتوغرافي والسينمائي ولذا اختار أن يمضي حياته على ظهر السفن مبحرا يصور ويسجل ويدون عبورها بأحلامه ولغته الشاعرية الفريدة فقد حمل إلى ملايين القراء الذين لم يكونوا ليقدروا على الإبحار بأنفسهم ولكنهم بكل تأكيد كانوا يقدرون على مقاسمته مغامراته الشيقة وحماسته إلى البحر وإلى زيارة أقصى المناطق، حمل إليهم متعة لا تضاهى. وقد ألهم الرجل جيلا من الملاحين ودعاة حماية البيئة قبل أن تصير المسائل البيئية على رأس اهتمام رجال السياسة. وبعد، من قال بأن الرياح لا توحي بالحرية؟ تماما شأن أبيه، كان ألن فيلييرز شاعر، اختار الذهاب إلى البحر عبر السفن. كما كان شاعرا أحب الحياة البسيطة على ظهر السفن العربية. وهي بساطة إرادية طوعية، أرادها بكل حرية، وعبر عنها الكاتب البيئي النمساوي إيفان إليش Ivan Illich باسم “البساطة المفرحة” joyful austerity.
يستحضر ألن تلك أيام “البساطة المفرحة” ـ التي عاشها على ظهر “أبأس” مركب ركبه [مركب “الشيخ منصور”] ـ تلك التي أرادها بملء إرادته في كتابه ـ أبناء السندباد ـ ومن روائع وصفه يحكي:
“لم يكن هذا المركب يعرف الروتين، كما لم يكن له جدول محدد، فلم يكن أحد يهتم باليوم أو التاريخ، لأن الأيام لم تكن بالنسبة لهم [= يقصد الملاحين] فترات محددة، مميزة، لكي يقوموا بتسميتها وعدها والتحسر عليها عندما تنقضي… وقد عجبت للسهولة الكبيرة التي تكيفت بها مع البحارة، وأصبحت مثلهم لا أهتم بالزمن. وقد شعرت بالسعادة فعلا عندما انتابني ذلك الشعور. فلماذا يهتم الناس بتحديد الأيام؟ فقد كانت الشمس تشرق وتغيب بإرادة الله، وكانت كل الأيام خيرا وبركة. لقد كانت حياة أولئك البحارة بدائية، ولكنها كانت تبعث في النفس شعورا غريبا بالراحة والقناعة والاطمئنان”.
قال عنه ابنه بيتر فيلييرز:
“لم يكن أبي يؤمن بنمط حياة لا يمكنه أن يأمل في أن يعاد إحياؤه أو أنه، على كل حال، لم يوجد أبدا. كان أبي مثاليا عمليا. كان يؤمن بالشراع، لأنه كان له معنى … وكانت السفينة العربية متلائمة جدا مع محيطه، وهي سفينة شراعية تطورت عبر الزمان وفي انسجام مع محيطها”.
وكيف لا يكون وصف الإبن صادقا، وقد ختم الأب المقدمة التي كتبها لكتابه من أكسفورد عام 1968:
“إني سعيد بمعرفة هذه المراكب، وبمعرفة العالم الذي خدمته والذي كانت مناسبة له حينه، وإني أعتقد أن العالم لم يصبح أكثر فقرا فحسب، باختفاء هذه المراكب، بل لقد فقد شيئا أكبر بكثير من هذه المراكب الجميلة عندما استغنى عنها وطرحها جانبا”؟
كتب ألن في كتاب أبناء سندباد بقوله : “لقد سرني أني استطعت أن أذهب في الوقت المناسب إلى تلك المنطقة [ = المنطقة العربية] لأعرف بطريقة مباشرة شيئا عن تلك الأيام العظيمة [= أيام الملاحة العربية بالسفن الشراعية الكبيرة]، كما سرني أني بذلت جهدي لتسجيلها”.
بهذه الكلمات ختم ألن فيلييرز المقدمة التي كان أعاد كتابتها وهو في مقامه النهائي بأكسفورد، بعد حياة مليئة بالمغامرات البحرية وبالكتابة عنها، عام 1968. وهي كلمات تلخص مضمون كتابه على نحو جيد: كتاب احتفاء بأمجاد الملاحة العربية التي كانت تتحول شيئا فشيئا إلى محض ذكرى ولت أمام اختفاء السفن الشراعية الكبرى التي كانت قد صنعت مجد هذه الملاحة. لقد أدى الرجل بتلك المغامرة وبالكتاب الذي تمخض عنها واجبه باعتباره “شاهدا” على مرحلة. وأي شيء هو الإنسان من غير أن يكون شاهدا على حياة عصره.
كان أول صدور لكتاب “أبناء سندباد” عام 1940. هو ذا عنوانه الأصلي. وكان مرفوقا بعنوان فرعي: “قصة الإبحار مع العرب في مراكبهم الشراعية في البحر الأحمر، وحول ساحل الجزيرة العربية، إلى زنجبار وتنجانيقا، وقصة الغوص على اللؤلؤ في الخليج العربي، مع وصف لحياة النواخذة ربابنة السفن”. وهو كتاب مفعم بالمرويات اللطيفة، يحكي عن الإبحار في المحيط الهندي الغربي على الطريق التجاري الموافق للرياح الموسمية بين شبه الجزيرة العربية وأفريقيا الشرقية”.
في البدء كان حب المعرفة. والذي عند ألن أن الإنسان إما يعرف الأشياء وإما لا يعرفها، ولا واسطة بين الاثنين، لا مكان لمعرفة شبيهة بين المعرفة الحقيقية وعدم المعرفة. وما كان يعرفه هو عن السفن العربية ـ أمام ندرة المصادر التاريخية التي لطالما اشتكى منها، وضحالة وضآلة ما كتبه الغربيون عن السفن العربية، وبطلان ما روي عنها وما سمعه بأذنه ـ إنما هو ضرب من الجهالة لا من المعرفة. ولذلك فإن إرادة المعرفة هي التي حركته إلى طلب عشرات الملاحين العرب على ظهر سفنهم. وما كانت هي مجرد إرادة معرفة، أو مجرد فضول معرفي، وإنما كانت شيئا أشبه ما يكون بالهوى، بل الشغف، بل الجنون. يقول مجنون المراكب العربية هذا في أول فصل من الكتاب، وهو في بداية رحلته من مرفأ عدن:
“(…) وقد علمت أن المراكب العربية التي يستخدمونها اليوم تنحدر مباشرة من تلك المراكب القديمة التي كانت تجوب البحار الشرقية، والتي لربما كانت أقدم مراكب أبحر فيها الإنسان. وقد كنت مستعدا للذهاب إلى الجحيم إذا كان ذلك سيمكنني من رؤيتها”.
والسبب في هذا الشغف، وهذا الجنون:
“كانت هذه المراكب آخر أسطول في العالم بأسره تقريبا يستعمل الشراع فقط دون أن تفسده المدنية الحديثة (…)
ولقد بدا لي، وأنا أعود بذاكرتي إلى السنوات العشرين الماضية من خبرتي في الملاحة، أنه لم يبق سوى العرب يستعملون المراكب الشراعية القديمة وهي على حالتها الأصلية، كما لم يبق غير العرب يقومون برحلاتهم البحرية كما كانوا يفعلون دائما في مراكب شراعية تسير بقوة الريح دون أن يستفيدوا من الآلة، ولم يبق غير العرب متمسكين بمراكبهم الشراعية يبحرون بها عباب ذلك البحر الواسع بنفس الطرق والأساليب”.
وما كان طلب عشر هذه السفن ورجالاتها أمرا يتم بالنظر، وإنما بالعمل والمشاطرة والمشاركة:
“(…) ولكن مجرد ذهاب الإنسان إلى الجزيرة العربية لا يعني أنه يستطيع أن يكتشف الكثير عن تجارة العرب البحرية أو عن أي شيء آخر. ولم يكن من المفيد بأي شكل من الأشكال أن أسافر على ظهر سفن بخارية، وأن أجلس في الموانئ وأتحدث مع الأوروبيين أو مع عدد قليل من الآسيويين، الذين ربما تكون لغتهم الإنجليزية أفضل من معرفتهم بالملاحة البحرية، بل كان عليَّ أن أبحر في مراكب عربية، وأن أبقى على متنها عدة سنوات إذا اقتضى الأمر، وأن أتعلم لغة البحارة وأن أكسب ثقتهم”. هي ذي أخلاقيات المعرفة بالبحر وبأناسه كما يتصورها ألن.
وجانب ثان من هذه الأخلاقية التوقف عن الحكم المسبق عن حضارة وعن أناس لم يخبرهم المرء عن كثب: “لقد كان هناك عدد من المتشائمين الذين قالوا إن الجزيرة العربية بلاد خطرة، وأن حياة الإنسان رخيصة في كثير من أجزائها، ونصحوني بأن أبدأ رحلتي بالاستعداد لذلك”. إذ رغم بعض الأهوال الذي عاشها، بقي الرجل دوما متفائلا واثقا. ومن هذه الأهوال الاحتفاظ به مؤقتا في رحلته في البحر الأحمر حيث سجن في جيزان لسبب تافه: كان الأمير نائما ولم يجرؤ أحد على إيقاظه. وهو يذكر هذه الذكرى الممضة: “وفي سجن جيزان كان الحاكم يؤنسني بإرسال الشاي والحلوى، ولكن كان عليَّ أن أنتظر طويلا، وشاركني في السجن عدد من المجرمين، الذين كان بعضهم مقيدا بالأصفاد، وكان منهم من قطعت يده، وكان هؤلاء من اللصوص الخطرين حسب قول الحاكم، وكانوا جميعا يعتمدون على كرم أقاربهم أو على المارة لعلهم يناولونهم بعض الطعام من خلال القضبان الحديدية”.
والحقيقة أن الكتاب لا يحكي فقط عن علاقة المؤلف ببني البشر، من شتى الصنوف، وإنما أيضا بعلاقته بالمراكب، ومن شتى الأنواع، حتى أبأس مركب يكون ـ المركب المدعو “الشيخ منصور” الذي أقله من عدن إلى جيزان ـ :
“كان أسوأ مركب رأيته في حياتي من حيث التجهيزات. وكان بحارته أربعة أو خمسة شيوخ عجوزين وتركيا اشيَب من بقايا الحرب العالمية الأولى، ومساعدا وحشي المنظر، علاوة على النوخذة [الملاح]. وكان النوخذة يمنيا من “اللحية” يبلغ من العمر الخامسة والثلاثين، نحيف لكنه قوي البنية ذو وجه لطيف ويدين كأيدي الموسيقيين. وقد رحب بي على ظهر المركب بأدب جم، ولكن باستغراب واضح، وكان يبدو أنه قانع بمركبه المثقل بالحمل، الذي كان في نظري مركبا صغيرا سيئا للغاية”.
لكن، ما أن أبحر على المركب حتى غير رأيه فيه، وتبين له أنه لم يكن سيئا على النحو الذي تصوره، وصار ينظر بإعجاب إلى الشيخ منصور “ذاك المركب الجميل”: “لقد أبحرت في ذلك المركب الصغير مسافة ستمائة ميل واستمتعت بكل لحظة قضيتها على ظهره، وشعرت بالأسف عندما أزف موعد فراقه. فعلى الرغم من أنه كان صغير وفقيرا، كما وصفته، إلا أنه كان مركبا بالمعنى الصحيح، وكانت الروح المعنوية السائدة على ظهره نادرة في أيامنا هذه، ولا مثيل لها في السفن التجارية الحديثة”.
هو ذا الرجل، وهذه أحكامه ومستعد لكي يغيرها إذا ما ثبت له خطؤها. فتكمن أهمية الكتاب إذن في أن صاحبه لم يكتف بالبحث والتقصي عن بعد، وإنما خاض المغامرة مِلْأَها أقسى مغامرة تكون. فقد أبى إلا أن يرى ويراقب ويرافق بنفسه كل جانب من جوانب تلك الرحلات البحرية التي كان يقوم بها العرب ـ في أواخر الثلاثينات من القرن الماضي والتي صارت إلى انقراض اليوم. فهو يمتطي ظهر أحد المراكب الكبيرة، ويعايش الرحلة والقائمين بها عن كثب، منذ اللحظة التي يبحر فيها المركب من ميناء عدن ليطوف سواحل الجزيرة العربية الجنوبية، ثم يقفل عائدا إلى ساحل إفريقيا الشرقي، فيجوبه كله، مرفأ مرفأ إلى أن يصل إلى زنجبار جنوبا، بل ويأبى إلا أن يرافق المركب في رحلته الشاقة إلى المخيفة إلى دلتا نهر الروفيجي، حيث البعوض والملاريا والمخاطر الأخرى … ثم يعود مع المركب في رحلة العودة إلى أن يدخل الخليج العربي ويصعد فيه إلى مسقط والبحرين، وحتى يلقي مراسيه في الكويت.
والرجل بحسه الشعري يسجل كل فازة وشاذة، وكل صغيرة وكبيرة، يوفيها حقها من الوصف بعين العالم الأنتربولوجي. فقد حرص أسمى الحرص على تدوين الأحداث، وعلى بث انطباعاته الخاصة عن الأشخاص، وعلى وصف المراكب وأجزائها، وصف الفنان الخبير، بل وصف العاشق الهائم بالسفن الشراعية، مع الاعتراف للعرب بحسن تدبيرهم الملاحي ـ اللهم إلا في ما ندر على نحو ما سنرى فيما بعد.
يبدأ الكتاب بنبرة حزينة:
“في أواخر عام 1930 اضطررت لبيع السفينة “جوزيف كونراد” التي كانت بحالة جيدة والتي كانت تستخدم كمعهد تعليمي. بعتها لقلة الاهتمام القومي بها أو بأية سفينة في بريطانيا، أو الولايات المتحدة، أو في وطني أستراليا. فعقدت العزم على التوجه إلى المحيط الهندي، والإبحار مع العرب في مراكبهم”.
ثم سرعان ما يدفن حزنه وتعود حماسته إليه من جديد:
“(…) ثم علمت أن العرب وبعض الهنود والصينيين وأهل الملايو ما زالوا يبحرون في مراكب شراعية. وكنت أعرف أن العرب ما زالوا يحتفظون ببعض تفوقهم السابق في الملاحة في المناطق الاستوائية من المحيط الهندي، ذلك التفوق الذي لم يتغير نسبيا، ربما لمدة ألفي سنة، والذي ورثوه مباشرة عن الفنيقيين واستمروا فيه بالرغم من اكتشافات فاسكو دي جاما، وشق قناة السويس، واستخراج النفط العراقي والإيراني وما إلى ذلك. يا لسحر العودة إلى ذلك العالم ! فأنا أعرف أن مغامرات العرب البحرية المشهورة تعود إلى فجر التاريخ المعروف. ولقد عرف هؤلاء البحارة الأكفاء فترتين عظيمتين على الأقل: أولاهما تلك الفتترة التي ازدهر فيها علم الفلك وعلم الرياضيات اللذان نبعت منهما فكرة الملاحة الفلكية، وثانيتهما تلك الفترة التي شهدت السيطرة العربية قبل أن يشق البرتغاليون، في وقت ليس بالبعيد، الطريق الأوروبي إلى مياه آسيا، حول الرأس الذي سموه: “رأس الرجاء الصالح”.”
ولا يخفي الرجل حماسه وإعجابه بالتراث البحري العربي وقد لمحه أمامه مجسدا، أو على الأقل بعضا من بقاياه. فقد كان السائد عند البحارة الأوروبيين والأمريكيين ومعظم الدارسين للعوالم البحرية، كما يشهد على ذلك بنفسه، أن يهملوا إنجازات الآخرين ومعلوماتهم إهمالا شديدا. لكنه كان بدعا من هذا: “(…) ولأن هؤلاء البحارة العظام الساميو الأصل ما زالوا معنا، فإن أحدا لم يعد يهتم بهم كما ينبغي. ولكن الأمر كان يختلف بالنسبة لي. فقد كنت أعرف الخلفية اللازمة في هذه الحالة، وكان لدي الوقت والميل وكل الخبرة التي يمكن اكتسابها من ركوب السفن الشراعية الأوروبية. كما كنت آمل أن تكون قدرتي على تحمل المشاق لا زالت بخير”.
كان الرجل شديد الحماسة إذن، لكنه كان المثالي العملي، كما حكى عنه ابنه، إذ تبين له في ما بعد أنه كان متفائلا جدا، لأنه عندما أبحر مع العرب أصيب مرة بالعرج لمدة ثلاثة أشهر تقريبا، كما أصيب مرة أخرى بالعمى المؤقت لمدة شهر من تلك الأشهر الثلاثة. فأي بأس في مسلاخ شاعر كانه هذا الرجل!
وها قد تحقق الحلم: حلم عودة القهقرى إلى أيام الملاحة العربية القديمة، حلم الإبحار في مركب ذي قيمة من مراكب الأسطول العربي التي تبحر في المياه العميقة، والتي تنحدر من تلك المراكب التجارية التي كانت تتاجر بالبخور في الأيام الغابرة، كما يقول المؤلف. استقل “بوم” كويتي للنوخذة ناصر النجدي ـ وهو مركب جيد ـ لكي يبحر إلى ما كان يود الإبحار إليه: “لقد قال النجدي إن الله العظيم رحيم، ورياحه لا تكلف شيئا، ولذلك فإن على المؤمنين أن يفيدوا منها. وكان النجدي بحارا قانعا بمهنته التي نشأ عليها”.
يتكون الكتاب من مقدمة وخاتمة وملحقات ـ عبارة عن صور وخرائط ـ وعشرين فصلا. يفتتح بالفصل الخاص بشاطئ المعلا، ويختتم بالفصل الخاص بالزوجة الجديدة. وبينهما فصول: على ظهر المركب “فتح الخير”، على ساحل حضرموت، حمولة من البدو، إسماعيل ينقذ طفلا، أبناء السندباد ـ وهو الفصل الذي يستمد منه الكتاب عنوانه ـ مشاكل في مقديشيو، زيارة ميناء لامو، قصة مومباسا، السفر إلى زنجبار، في جزيرة كوالي، دلتا التعاسة، في طريق العودة إلى الوطن، مصباح النبي، في ميناء مطرح، ابن سعود يشتري الشحنة، النجدي يغذ السير إلى الوطن، الكويت ـ ميناء المراكب الكبرى.
وفي وصفه لميناء مطرح ـ في الفصل الخامس عشر ـ يجمع بين كل المتناقضات ويقدم صورة غريبة الأطوار عن مسقط:
“(…) الأمور لم تكن حسنة في مسقط أو في خليج مطرح، والتجار رغم حاجتهم للأخشاب التي كنا نحملها لم تكن لديهم الروبيات اللازمة لتسديد ثمنها. وتحت هذه الظروف لم يكن هناك داع لإطالة بقائنا في هذا المكان. ولذلك فقد أنزلنا المدرسين السواحليين الثلاثة، وبعنا شيئا من جوز الهند الذي كنا نحمله، وتزودنا بالماء العذب من بئر المسجد … واشترينا كمية من حلويات مسقط الذائعة الصيت، ثم غادرنا المكان”.
وقد صدر الكتاب في طبعة ثانية عام 2006 عن المتحف البحري الوطني (جرينتش، لندن). وتضاعف عدد صفحاته بفضل الصور الكبيرة الجيدة التي انتقيت وأدخلت من لدن وليام فيسي ويعقوب الحاجي وغريس بونديك … وفي المقدمة نجد وصفا لسياق مساهمة فيلييرز في هذه الرحلة وتفاصيل جديدة ومثيرة عنها. وقد كشف الناشرون عن كيف غير الكاتب اسم السفينة من “بيان” إلى “انتصار الاستقامة”. وقد أشاروا إلى أنه في العربية “بيان” تعني “سفينة ضخمة ترى في الأفق من بعيد”. على أنهم لا يشيرون إلى لماذا اختار فيلييرز هذه التسمية الجديدة. لربما كانت هوى من شاعر وغواية.
ومن أقوى لحظات الرحلة التي خلدها الكتاب لحظة وصول “فتح الخير” إلى زنجبار حيث غطى نشيد وغناء الطاقم وصوت الطنابير على تعليمات الريس بخصوص إنزال الأشرعة. وإذ تنبه البعض مؤخرا إلى التعاليم، بقي نصف الطاقم في لعبهم يهمعون. هذا بينما السفينة آيلة إلى الاصطدام بثلاث سفن أخرى راسية … حتى أن أغلب الملاحين سقطوا في الماء … وقد تطلب تصحيح الوضع من الملاحين جهيدا لا يتصور.
وثمة توضيحات وصور طريفة في الكتاب لاسيما في طبعته الجديدة: ثمة صورة للحضرميين، وهم بدو، يمشون على رصيف سواحل إفريقيا الشرقية باحثين عن شغل. وثمة صور للأشرعة وأنواعها وغرائبها وعجائبها. وثمة صور للتجار وأنماط التجارة. وثمة صور للسفن لاسيما السفن العمانية الكبرى العمانية البدن و البغلة). وثمة تحقيق في شكوى المؤلف الدائبة وتشكيكه الذي تخلل الكتاب برمته من أن النوخذة علي بن ناصر النجدي وحامد الصرنج لا يفقهان معنى الملاحة في أعالي البحار، ولا يفهمان كلام المؤلف، كما أن الملاحين العرب فقدوا فن الملاحة في أعالي البحار أو نسوه …
وهو لا يذكر هذه الأشياء نكاية في ملاحي العرب، وإنما بالضد من ذلك أسفا عن بداية نهاية عهد بحري مجيد. فأنت تراه يسأل الريس “نجدي” عن عدد السفن الشراعية الكبيرة التي بقيت موجودة عام 1939-1940 فيجيبه بأنها تقدر بين ألفين وألفي وخمسمائة، تستخدم على الأقل ثلاثين ألف رجل، ولم يكن في أي منها محرك ميكانيكي إذ أنه لم تكن هناك حاجة لمثل تلك المحركات:
“لقد قال النجدي إن الله عظيم رحيم، ورياحه لا تكلف شيئا، ولذلك فإن على المؤمنين أن يفيدوا منها. وكان النجدي بحارا قانعا بمهنته التي نشأ عليها”.
لكن النعمة البترولية سرعان ما تحولت ـ حضاريا ـ إلى ما يشبه النقمة في أمد وجيز ـ عشر سنوات ـ وها هو النجدي يتحول من “ريس” إلى “رجل أعمال”:
“(…) وقد علمت أن النوخذة “ناصر النجدي” أصبح الآن رجلا غنيا من كبار رجال الأعمال، وله بيت كبير يقع على شارع رئيسي واسع، وعنده كل ما يتمنى. ولقد حرك ريح الليل كوفيته، فقلت له: “الله كريم، فإن رياحه لا تكلف شيئا”. فأجاب: “الله كريم !” وبعد لحظات أضاف كأنما يحدث نفسه: “ولكم أتمنى أحيانا لو أستعمل رياحه كرة أخرى، فقد كانت رياحا طيبة، لن يعرفها أبنائي ولن يعرفها أبناء الكويت، فنحن لا نستطيع أن نعيدها ثانية”.
هو إذن كتاب في مديح العرب، يختلط فيه إطراء الحضارة العربية مع الرثاء لحالها اليوم:
“(…) لم أكن قد حظيت بركوب أي مركب شراعي عربي. ولما كانت جميع المراكب الأخرى قد انقرضت تقريبا، فقد كنت سعيدا بأن أتوجه إلى المراكب العربية، وأن أعلم أنها لا زالت باقية. ذلك أنني كنت دائما مهتما بالمراكب العربية، كما كنت معجبا بالإنسان العربي لاستقلاله واعتماده على نفسه، ولأخلاقه الهادئة الرقيقة التي تميزت بها حياته المتكيفة مع بيئته تكيفا تاما. فلقد جاب العرب البحار والمحيطات، وأتقنوا فن الملاحة قرونا طويلة حتى قبل أن نسمع نحن بوجود المحيطات”.


عبدالرحمن السالمي*