أخبار عاجلة

الإرهاب فـي الإعلام الفرنسي.. من الصورة النمطية إلى الصورة الانفجارية

من أبرز الإشكاليّات الّتي قد يتعرّض لها الباحث في تحديد المفاهيم الإجرائيّة لدراسته لصورة الارهاب في الإعلام الفرنسي، هو ما توارثه المجتمع الفرنسي من أفكار ومفاهيم حول الإرهاب من ناحية، وتطور التكنولوجيا الحديثة في نظرية الاتصالات. وهذا ما يدفعنا إلى إعادة فحص ما نتج من مفاهيم ترسخت في أذهان الجمهور الفرنسي على مرّ تاريخه الحديث.أمّا المفهوم الإجرائي الّذي سنعتمد عليه،والّذي سيكون منطلقًا لتحليلنا؛ فهو “مفهوم الإرهاب” على اعتباره ظاهرة امتزجت بمفاهيم ودلالات أخرى. لا يزال الخطاب الإعلامي الفرنسي يتغذى على المناهج الاستعمارية القديمة، وقد تعزز ذلك بعد أحداث 11 سبتمبر 2011 الذي ربط بين الاسلام والغرب بصورة وثيقة. ولا يتوقف الموضوع عند استغلال الجماعات الارهابية للاعلام التقليدي: الصحافة المسموعة والمرئية والمكتوبة والالكترونية، بل تعدى ذلك إلى شبكات التواصل الاجتماعي مثل: اليوتيوب، والفيسبوك، وتويتر،  وغيرها فهي تنشر رسائلها عبر هذه الوسائل. ونعني هنا بالصورة الانفجارية هي تشظي هذه الصورة وانتشارها في كل الاتجاهات والمفاهيم، ما أعطى صورة مضبّبة وعائمة، من الصعب على المجتمع الفرنسي التخلص منها بسهولة.
يقول مارك . أ. غابرييل، مؤلف كتاب “الاسلام والإرهاب” (1): “عادة ما كتب عن الاسلام والإرهاب هم  الصحفيون الأمريكان، والسياسيون الأمريكان، وموظفو السي. أي. سي وهكذا… ولكن يقدم الدكتور غابرييل وجهة نظرة مغايرة لتلك، لأنه عاش الاسلام، ودرس الاسلام، ودرّس الاسلام، ووعظ عن الاسلام في مساجد الشرق الأوسط. وهو أستاذ نال شهادتي الماجستير والدكتوراه في دراسة الاسلام”. وهكذا يشير مؤلف هذا الكتاب إلى أن كتابه يركز على الإرهاب الديني المعروف بـ”الجهاد”، أو الحرب المقدسة في الاسلام. والسبب الذي أطلق عليه الإرهاب الديني لأنه ينطلق باسم الاسلام من أجل تأسيس أجندة دينية”. (2)
ويؤكد مؤلف هذا الكتاب أن من أهم الأسباب المباشرة لأحداث 11 سبتمبر 2011 كان موجة من الانتباه إلى وسائل الاعلام التي راحت تشرح ما هو الاسلام. وقد حاول الكثير من الخبراء الذن تمت محاورتهم أن يفصلوا بين الجانب الديني في الاسلام عن جانبه السياسي، والذي كان من الصعوبة فصله”. (3).
  دفعت أحداث 11 سبتمبر 2011 إلى السطح مشاعر الكراهية المكبوتة في اللاوعي الجمعي الغربي منذ العصر الوسيط.
يقول الكاتب جون ج. أونيل في مقالته “الاسلام والعصر البيزنطي الأسود”: “في كتابه 1936 ــ محمد وشارلمان، كان المؤرخ البلجيكي هنري بيرين Henri Pirenne  يجادل في تفاصيل كبيرة بأن العصور المظلمة في أوروبا بدأت فجأة في القرن السابع، وهذا الانحطاط المفاجئ والكارثي في الحضارة يعود إلى الاسلام لأنه أدى إلى غلق البحر الأبيض المتوسط.(4) إن المؤلف يرجع للاسلام انحطاط الحضارة الغربية، وهنا يقصد البيزنطية في عهد الرومان. ثم يضيف: “قبل الغزو الاسلامي كانت مكتبات وأكاديمات مصر وسوريا وبابليونيا مكتظة بالمؤلفين والمؤلفات. إن اختفاءهم واختفاء المعرفة التي احتوتها  كان يعني، حسب المفكرين المسيحيين الذي ناقشوا هذه المسألة لقرون عديدة، بأن المسلمين قاموا عن عمد بتحطيم كمية كبيرة من ألأدب الكلاسيكي”. (5). لذلك هيأ الاعلام الغربي الأرضية لتقبل فكرة الصراع والصدام بين الثقافتين الإسلامية والغربية.  ويرى البروفسور ألن دبليو. بالمر، أستاذ علوم الاتصال في جامعة أوهايو:”إن ميدان التناقضات بين هذه المجتمعات قد تغيّر بسرعة كبيرة، ويعود ذلك إلى التغييرات التكنولوجية في عصر الاتصالات وتصادم الثقافات. فلم تعد هناك الحدود الجغرافية التي تفصل بين الدول والثقافات. فقد بدأت القيم الغربية تنتشر من خلال برامج التلفزيون نحو المجتمعات الاسلامية في الشرق الأوسط وآسيا وشمال أفريقيا”. (6). ثم يقول: “إن علاقة الاسلام بالغرب، تعود إلى العصور القديمة، وكان محمّلة بالتحديات والمنافسات والتناقضات. من الحروب الصليبية في القرون الوسطى إلى ــ فتوى ـــ التي أطلقت ضد سلمان رشدي في الالفية الثالثة، كانت المجتمعات المسيحية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية تشكك وتخاف من المسلمين. وعلى العكس، يرى المسلمون في القيم الاجتماعية الغربية وممارساتها مناقضة لارثهم وتقاليدهم”. (7).
فيما يذهب بعض المفكريين الغربيين إلى أن الاشكالية القائمة بين الاسلام والغرب تكمن في “غموض الاسلام”     The ambiguity of the Islam
ويطرح السؤال التالي: “تبقى المسألة لماذا يرى الاسلاميون الأصوليون سببًا في الهجوم على الثقافات الأخرى هذه الطريقة العنيفة”. (8)
وينتهي إلى الاجابة قائلاً: “إن التنبؤ بالمستقبل مهمة مستحيلة. الحلول للهجمات الإرهابية لا توجد على أرض الواقع، ولا أحد يدري كم ستستغرق من الوقت لحل مشكلات اليوم. وفي الحقيقة يواجه المسلمون معضلة اخرى وهي أن تفسير القرآن في الزمن الماضي لا يتفق مع ظروف اليوم التي اختلفت جذريًا عما كانت عليه الدولة الاسلامية في بدايتها”. (9)
من الواضح أن التنظيم المتطرف لداعش يركز على الاعلام بل هو يضع الاعلام ضمن استراتيجيته الثابتة، ولكن الاعلام الغربي سقط في هذا الفخ، من خلال القيام بالتغطيات اللازمة وكذلك استخدام اللغة ذاتها. وهو ما ساعد على تشجيع الإرهابيين على الاستمرار. وهناك نخبة من الصحفيين الذين خاطروا بحياتهم من أجل هذه التغطية في أرجاء العالم. “لقي نحو 1197 صحفي حتفهم في الـ 25 عامًأ الأخيرة، مع قتل 73 صحفيا في عام 2015 فقط، دانييل بيرل، الصحفي في ــ ووول ستريت جورنال ــ وديفيد بلوم (NBC  هم أشهر الضحايا (10).
يقول آردا بيلجيم،  في دراسته “الارهاب والاعلام: التكافل الخطير” :
إن التاريخ الحديث يزودنا بأمثلة كثيرة عن الاستفادة المتبادلة بين التنظيمات الارهابية والاعلام. إن مهندسي الارهاب يستغلون وسائل الاعلام على مختلف أشكالها من أجل الافادة من عملياتهم وجمع المعلومات وتجنيد الارهابيين وجمع التمويل، وبرامج البروبوجاندا، فالهدف الاعلامي واحد وهو: جذب الانتباه، والاعتراف، والحصول على الشرعية عند الجمهور.. وكذلك الاعلام يستفيد من ذلك من خلال جذب انتباه الجمهور الذي هو حيوي لوجود هذه الوسيلة الاعلامية أو تلك من خلال تحقيق الارقام القياسية في المبيعات والحصول على جمهور كبير.
فالارهاب يجب أن يصبح في قلب الاعلام من أجل أن  يتفاعل ويؤثر.  والاعلام يغطي لأن الجمهور متحمّس للحصول على المعلومات حول هجومات الارهابيين. لذا هناك تبادل مصالح ومنافع بين طرفي المعادلة أي بين الارهاب والاعلام اليوم”.  (11).
 الخلاصة أن الارهاب بحاجة إلى الاعلام الذي يستقطب أكبر عدد من الجمهور لكي يخلق حالة الخوف والهلع، وهذا ما يوفره له  اعلام اليوم، لذا فالعلاقة التبادلية والتكافلية بين الطرفين مضمونة. إن قطع الأوكسجين عن التنظيمات الارهابية يمكن أن يعزز استراتيجية الوقوف ضد الارهاب.
يقول توماس د. ميفيلد في بحثه “استراتيجية قائدة في وسائل التواصل الاجتماعي” “إن وسائل التواصل الاجتماعي والاعلام الجديد تغيّرت كثيرًا وأثرت في طريقة  نقل المعلومات حول العالم. ومن خصائصها السرعة وشفافية المعلومات ازدادت، وأدوار الاعلام التقليدي والجديد تغيرت وشبكة النيت وورك سمحت بالتعاون بما لم يسبق له مثيل من قبل. وهذا أدى إلى تغيير طبيعة الصراع كنتيجة. وهذا ما أعطى امكانية تطوير الاستراتيجيات التي أستفادت من هذه التغييرات. على سبيل المثال، إن الجيش الأمريكي يمتلك الأدوات اللازمة لكي ينجز المهمات المتأصلة والكامنة في الاستراتيجية التي تسمح لها من الاستفادة من الاتجاهات الصاعدة في المعلوماتية. وهذا يتطلب اعادة الاستراتيجية وتجديدها من أجل تحسين قدراتها في فهم وإدرامك المحيط والبيئة، والتفاعل معها أكثر وبفاعلية،
وانتاج وحدات من العمل من خلال ساحة المعركة.”  (12)
وقد أطلق على الأعداد الغفيرة من الجماهير التي تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي بأنه ـــ المواطنون الرقميون ـــ  يضيف في هذا الصدد:”إن بعض المفاتيح تعني المواهب الفردية ومهارات الأعضاء الذين يخدمون. العاملون المهرة في المعلوماتية والمختصون في   الـ PA
وجامعي المعلومات الاستخبارية والمحللين هم  يقودون العمليات على جميع المستويات وفي جميع أقسام الخدمات. مهارات اللغة والثقافة سوف تستمر أن تكون عاملاً حرجًا في قدراتنا لقيادة العمليات حول العالم.عندما ننخرط في وسائل التواصل الاجتماعي، والعميات المتدربة من أجل توظيفها بفعالية في  الثقافة التي نعمل في داخلها  تكون الأصول الحيوية.
“المواطنون الرقميون يكونون في حالة حرجة في النجاح في  محيط  وسائل التواصل الاجتماعي أيضًا. مؤلفو التقارير من ـــ الاعلام الجديد ومقاتلي الحروب ـــ
الذين يعملون ويدربون في الجيش الأمريكي وكلية الحرب يعرفون ـــ المواطنين الرقميين ـــ على أنهم “هؤلاء الشباب الذين يخدمون كأعضاء
أذكياء في استخدام أجهزة الاعلام الجديد، ومنصاتها، وشبكاتها، وامكاناتها،  يتم استغلالهم بشكل حيوي في قيادة حرب المعلومات ضد الأعداء الجدد. (13) وذلك يعني أن أستخدام هؤلاء الشباب الذكي والماهر في هذا المجال سيكون احدى استراتيجيات التي تكون بحاجة إلى تغييرالعقلية الهرمية التقلدية. العاملون الأذكياء والموهوبين يواصلون في كونهم اسا النجاح. وربما يحتاج المواطن الرقمي، الى أستراتيجيات وفهم أكثر من المخططين الاستراتيجيين الأكبر عمرًا، الذين يزودونهم بالتوجه الواضح. من أجل تأكيد الأعمال التي يقوم بها المواطنون الرقميون على أتم وجه.
  ثقافة الانترنت أو ما يمكن أن نطلق عليه”الإمبراطورية الرقمية”، وضعت الثقافات الإنسانية، السائدة منذ آلاف السنين، في مواجهة تحديات حقيقية. يشرح هذه الفكرة. الكاتب الفرنسي، دافيد كولومبليد، دافيد لوكومبليد مديراً مفوّضاً لاستراتيجيات شركة “أورانج” للاتصالات الهاتفية. وهو مدير “مركز أفكار- علبة أفكار”، في كتابه :”المواطن الرقمي”. ويعده بمثابة “بيان من أجل المواطنة الرقمية”.
الملاحظة الأولى التي ينطلق منها المؤلف في تحليلاته، مفادها أن مختلف قطاعات النشاط الإنساني تعرّضت الى هزّة حقيقية، وأنه ينبغي على كل قطاع منها، أن “يجابه على طريقته”، ما يسميه المؤلف “الاجتياح الرقمي”. ويشير الى أن التحولات التي حدثت كبيرة و”نوعية”.
وهكذا مثلاً، كان اختراع القرص “سي- دي” قد “أحدث تبدّلاً كبيراً في الأسواق، عبر فتح إمكانات هائلة للإنتاج”، كما يكتب المؤلف. ويضيف ان ذلك “أحدث ثورة حقيقية في القطاع المعني كما يعرف الجميع”، مشيراً في هذا السياق، الى أن ذلك حدث قبل “شيوع استخدام الانترنت” من قبل الجمهور العريض. رغم تنوّع قطاعات استخدام الثورة الرقمية، فإن “ثمرات الثورة الرقمية” أثارت عملياً النقاشات والمخاوف والآمال، نفسها. ومن الأخطار الحقيقية الكبرى، التي يواجهها البشر العاديون اليوم، يحدد المؤلف القول، إن محترفي الانترنت وتطبيقاته واستخداماته يميلون، بوعي أو بدون وعي، إلى الانغلاق على أنفسهم داخل عالمهم، كي يعبّروا بذلك، حسب مفهومهم، عن تفوّقهم. ويشدد على أنه “لن نعود إلى الوراء”.
والثورة الرقمية هي “أداة اخترعها الإنسان من أجل الإنسان”. ومثل أي اختراع آخر، تحمل في طياتها “مخاطر ومخاوف”، وبالوقت ذاته، “علامات باتجاه التقدم”. ثم عندما اخترعت المطبعة كان السؤال الكبير الذي يدور في الأذهان، يتعلّق بمعرفة ما إذا كان يعني “دخول كل شيء، وكل الأفكار، إلى المنازل”؟ ويخلص المؤلف الى ان المطلوب في الصدد، ليس مقاومة الانترنت من أجل حماية النفس، فمثل هذه المقاومة تنتمي كثيراً إلى “عالم الوهم”، إذ إن الحقيقة ستحاصرنا ذات يوم.
يؤكد جيفري غنام : “إن النزوح الرقمي ما زال في سنواته الأولى في العالم العربي، وهو مأوى لجمهور كبير من الشباب  الذي  يزداد يومًا بعد آخر. ـــ الاعلام الرقمي  يزدهر في السوق العربي لأن هذا السوق كبير للغاية، وقد أكمل المستلزمات التكنولوجية التي حققتها قطاعات ديمغرافية واسعة من الشباب التي ترتاح لاستخدامه، والتي ستتأقلم مع متطلباته. فهناك أكثر من 50 بالمائة من الشباب في اليمن، وعمان، والسعودية، والأردن والمغرب ومصر يقدر بأنه أصغر من 25 عامًا، بينما في المناطق الأخرى يعتبر جيل النت بين 35 و47 عامًا من مجموع السكان”.  (15)
يقول بروس هوفمان، مدير مركز الدراسات الأمنية في جامعة جورج تاون: “ولا يمكن للإرهابيين الحصول على أقصى قدر من النفوذ المحتمل إلا بنشر الإرهاب وإثارة الغضب في نفوس أوسع قدر من الجمهور”.  (16).
لذلك أصدر لوران فابيوس، وزير الخارجية الفرنسي قرارًا بعدم تسمية التنظيم الارهابي بـ “الدولة الاسلامية” لأن ذلك  من شأنه أن يقوي من شأنهم ويصنع لهم الدعاية التي ينشدونها. وكما ذكر آنفا، فإن الإرهابيين يعرفون جيدا أن أهمية إضراباتهم تتصل مباشرة بالموقع المختار، وعدد الإصابات التي لحقت، ونوع الفعل. إن أحداث 9/11 المنسقة بلا شك هي أكثر الأمثلة توضيحا على ذلك في التاريخ الحديث. وفي عام 1996، أصدر تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن “إعلان الحرب ضد الولايات المتحدة” الذي سيتبع بعد عامين ببيان جديد بعنوان “الجبهة الإسلامية العالمية للجهاد ضد اليهود والصليبيين”. ولم يتلق كلا التصريحين أي تغطية أو رد فعل تقريبا من الغرب، مما دفع ابن لادن إلى تدبير هجمات 11 سبتمبر السيئة السمعة. (17).
لا يريد الاعلام الفرنسي أن يعطي أهمية للإرهابيين وذلك من خلال عدم نشر صورهم في الصحافة وعدم عرضها في القنوات التلفزيونية لأن ذلك من شأنه أن يمجدهم ويعلي من شأنهم.. وذلك ضمن  فلسفة “مقاومة استراتيجية الكراهية”،  وقد خطت صحيفتا لوموند ولاكروا هذا النهج.
وعملت إذاعة أوروبا 1 الفرنسية على عدم ذكر حتى أسماء الإرهابيين وأعربت قناة فرانس فان كاتر عن عزمها في عدم نشر صورهم أو إذاعة أخبارهم. وهكذا بالنسبة لصحيفة لافيغارو ومجلة نوفيل أوبسرفتير. التي تبعت لوموند في عدم نشر أسماء الإرهابيين وصورهم. (18).
 ماذا يعني ذلك بالنسبة للهوية الثقافية لفرنسا؟ هل سيكون هناك تغيير لسياسة الاندماج؟ يعتبر الإسلام دينا غريبا عن الثقافة الفرنسية. الشباب المسلم يعتبر نفسه مهمشا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، لذلك فإنهم يلجأون إلى الإسلام، لأنه يشكل حسب رأيهم هويتهم الحقيقية. يتركز هؤلاء الشباب أساسا في ضواحي باريس الكثيفة بالمهاجرين. انعزالهم عن غالبية المجتمع الفرنسي حولهم إلى إسلاميين متطرفين.
ما الذي أدى إلى هذا الانقسام؟
هناك عوامل عديدة ساهمت في هذا الانقسام، الأحزاب اليمينية مثلا دوما ما ألقت اللوم والاتهامات على المهاجرين المسلمين. تصريحات الكراهية والتعبوية لسياسيين يمينيين أدت أيضا إلى تطرف هؤلاء الشباب. بالإضافة إلى انتقادات الحكومة الفرنسية في الماضي للإسلام غذت بشكل جزئي تطرف الشباب. هذا ما أدى إلى تنامي شعور بالعزلة والاضطهاد لدى مسلمي فرنسا.
لماذا يحاول الكثير من الفرنسيين تحاشي المسلمين؟
الثقافة الفرنسية هي ثقافة مسيحية غربية، وبالتالي فإن الإسلام والمسلمين يعتبران أقلية مختلفة داخل هذا المجتمع المسيحي الغربي. وبناء عليه يرى الفرنسيون المسلمين غرباء عنهم ومختلفين عن ثقافتهم، ومن المعلوم أن الأقلية الغريبة والمختلفة دوما ما تكون ضحية سيطرة الأغلبية. (19)
يجب الاعتراف أولا أن سكان ضواحي باريس يعانون أوضاعا اجتماعية صعبة. يعيش هناك أغلبية من المسلمين والمهاجرين ولهم أحوال اقتصادية مزرية. البطالة منتشرة بكثافة والشباب ليس لهم آفاق كبيرة، وهذا هو المناخ المثالي لنمو الإرهاب وتزايد الإسلاميين.
في فرنسا، فقط في مجال اعداد العلاقات الدولية والعلوم السياسية نجد المحاضرات والدروس الجامعية حول الارهاب والصراع ضد الارهابيين. بعض الجامعات الفرنسية تمتلك دراسات استخبارية مثل جامعة بوردو أو العلوم السياسية في باريس. ومركز الفرنسي للابحاث حول المعلومات CF2R هو عبارة عن فرع من شركة استشارات وإدارة المخاطر.
وهناك جامعات أخرى تدرس ظاهرة الارهاب مثل جامعة باريس 2 ومدرسة اعداد ضباط السرطة.  (20)
وتشير الصحفية جودت شيتريت إلى أن أكاديمية الاستخبارات لم تؤسس في فرنسا إلا في عام 2010، وهي أكاديمية تعمل بسرية تامة وهي تقترح الدراسة المتواصلة، كما في معهد الوطني للدراست العليا في مجال الأمن والعدالة. وكان علينا أن ننتظر حتى عام 2014 إلى أن تقوم الأكاديمية بأول مؤتمر حول التجسس والاستخبارات في الحرب العالمية الأولى.
بينما في البلدان الأنجلوسكسونية،  تتضاعف الاعداد لمحاربة الارهاب منذ سنوات التسعينات.
ويعترف رئيس جهاز الاستخبارات الفرنسي السابق، DST
قائلا: “لا بد لي من الاعتراف، وهذا لا يفرحني لأنني أدمجت جهاز الاستخبارات من أجل أن أعمل جهاز محاربة التجسس. لم نكن نتصور أن التهديد الارهابي سوف يتطور ويأخذ هذا الحجم”.  (21)
يشدد فرانك لاريو، نائب مدير اليونسكو في مجال المعلومات والاتصالات على فكرة أن الخطر الحقيقي للإرهاب يكمن في أن الخوف  والشكوك والريبة بدأت تطلق موجة جديدة من الروح القومية والشعبوية، والحريات التي حصلنا عليها بشق الأنفس والجهود والمتاعب معرضة الآن إلى التضحية باسم الانتقام الأعمى. (22).
إن ما هو حاصل في فرنسا  أثناء الهجومات الإرهابية العنيفة أن الاعلام بكل أشكاله يتوجه في العادة إلى ما هو “مباشر”، وهو الاستجابة السريعة للأخبار، وخاصة في مجال الاعلام السمعي البصري، وقد صاحب هذه التغطية الروح الدرامية. التي تغلب على التغطيات الصحفية…اعتادت الصحافة أن تجري الحوارات مع الإرهابيين ولكن بوجوه محجوبة أو مغطاة، وذلك يمارس تأثيراته على الجمهور لكنه في الوقت نفسه له تأثيرات سلبية على الجمهور.
يؤكد الكتيب الذي أصدرته اليونسكو  عن المعطيات القانونية التالي  :”يجب على الاعلام أن يحترم عددًا من الشروط العامة، منها أن اللقاءات الصحفية مع الإرهابيين،  محفوفة بالمخاطر، خاصة إذا ما كانت هذه المقابلات تبث بطريقة مباشرة، وتتحول إلى عنصر تكتيك بالنسبة للإرهابيين  وقد يؤثرون على وضعية الرهائن  ويعرض قوى الأمن إلى المخاطر. إن جميع أخلاقيات الصحافة تمنع وسائل الاعلام من هذه العملية.
“إن الاتصال بالأشخاص الذين اقترفوا الجرائم تثير مسألة قانونية: ونطرح السؤال: هل يحق للصحفي أن  يقيم علاقة مع الارهابيين بدون اشعار قوى الأمن المسؤولة الذين تكون من مهامهم أن يلاحقوا المجرمين ويحاكمونهم. لكن البعض يرى أن الصحافة لا تكون بالضرورة دليلاً لقوى الأمن في القبض على الإرهابيين. ولكن هذه المسألة تثير القضايا الأخلاقية التي لها علاقة بالصحافة والاعلام”. (23)
تقول الباحثة أنيتا بيريسين، في كتابها الاتصال الجماهيري والارهاب المسؤولة عن الدراسات الكرواتية في جامعة زغرب ما مفاده: “إن  النموذج الجديد للارهاب هو جزء من التطورات المفاجئة التي طرأت على  تكنولوجيا وسائل الاعلام
الذي  تجسد في أن التنظيمات الارهابية أخذت تدرك أهمية الاتصال الجماهيري في اكمال مهمتهم وأهدافهم . بين الاعلام والارهاب توجد علاقة تبادلية ومنفعية متداخلة، لأن صناعة الاعلام ونماذجه تحتوي على البحث عن تفعيل الأسس والعواطف، وبإمكان التنظيمات الارهابية أن تبرر وجودها من خلال وسائل الاعلام على محتلف اشكالها.
وبذلك فإن التنظيمات الارهابية هذه تستغل وسائل الاعلام المتاحة بشكل مجاني لنشر أخبارها على نطاق واسع. بل وتؤثر على أذهان الجمهور في فهم الارهاب وادراك أبعاده أي أن وسائل الاعلام توفر منصة للإرهابيين، وهي بذلك تؤثر على القرارات السياسية التي تستجيب إلى الارهاب، وهي تشكل العلاقات من خلال السياسة المحلية والعالمية”.  (24)
المسألة بالنسبة للإرهابيين تعني (بروباجاندا الحرب). التي تعير لهذا اهتماماً كبيراً. في حربهم الارهابية. يمكن للبروباجاندا الحرب أن تكون على قدر كبير من القوة السيكولوجية. فالارهابيون يحاجون من ناحية البروباغاندا من أجل الاعلان عن أعمالها، وهم يعرفون مدى التأثير السلبي على الجمهور. من المعروف إن الاعلام له قيمة رمزية وأساسية في المجتمع الديمقراطي. ولكن  بسبب المنافسة في المجتمع المفتوح  ولأن هذه  المنافسة شديدة  فوسائل الاعلام تريد أن تنفرد بإذاعة الاخبار وتسبق الآخرين، لذلك فوسائل الاعلام. تتأثر بردود أفعال أمام بروباجاندا الارهابيين.
 ولقد ظهرت على الساحة الإعلامية شريحة من المثقفين الغربيين تدعو إلى إعادة تعريف الهوية الأوروبية – الغربية من خلال إعادة الاعتبار للعامل الثقافي الإسلامي الذي ساهم ذات يوم في بعث فكر تنويري كان المحرك الحقيقي لنهضة اليوم.
يربط الكاتب نيكولا دي لافيرجين، الأستاذ في المدرسة العليا للدراسات في العلوم الاجتماعية، بين الاسلام والمواطنة في فرنسا، ويثبت إن الاسلام ليس نقيضًا في جوهره أو في تراثه التاريخي إلى المواطنة الفرنسية، وقوانين القيم الجمهورية. ويؤكد بأن المواطنين الذين يعتنقون الاسلام  ويحترمون مبادئ الاسلام لا يعني بالضرورة التناقض مع الحياة الحديثة.
“هذا الفصل بين الاسلام والمواطنة الفرنسية، وبين الاسلام، هو عبارة عن حكم قيمي، وليس سوسيولوجي. فالهوية هي عبارة عن تكوين اجتماعي، يُنتج ويعاد انتاجه في محيط اجتماعي وسياسي، وليس معطى جامدا يقوم علماء الاجتماع أو علماء السياسة في تفسيره كمقترح مسبق لتحليلاتهم، وهذا مخالف للحقيقة”. (25)
وكل هذه التحليلات لا يتعامل معها الاعلام، فهو يأخذ السطح، لذلك هناك  تناقضات كبيرة بما تفكر به الفئة المثقفة وبين ما تفكر به فئة الصحفيين.
وهذا الشق الحاصل بين
في عام 2014 قامت مؤسسة أبسوس Ipsos
للاستطلاعات بإجراء استبيان بين الفرنسيين ، من خلال عينة تقدر بـ 100 فرد، وسألتهم عن رأيهم في الاسلام. وتبين أنه من الصعب الحديث عن الاسلام الذي يبقى مجهولاً بين أعداد غفيرة من المجتمع الفرنسي، بل وفي الحقيقة يثير كثيرًا من الآراء الفانتازية والطوباوية حول، وما جعل الشكوك تدور حول الاسلام هو ما جرى في الـ 11 من سبتمبر في الولايات المتحدة.
من المعروف أن الفرنسيين يتداولون مصطلحات عديدة للاسلام مثل: الاسلام، والاسلامي، والاسلاموية… وهذه كلمات تخلق نوعًا من الخوف والفوبيا والريبة عند الفرنسيين وتقدم تفسيرات خاطئة بصدده. يُضاف إلى ذلك إن التغطيات المباشرة لما تقوم به الجماعات المتطرفة والارهابية باسم الاسلام هو ما يؤسس قاعدة لسوء الفهم، وخاصة عندما يتم عرض هذه الأحداث بدون شروحات عميقة على شاشات التلفزيون. بينما الاسلام كما هو واضح يـأتي في الترتيب الثالث في الديانات التوحيدية بعد اليهودية والمسيحية.
إن ما يطلق عليه “مثقفو التلفزيون” أي هؤلاء الذين يتواجدون على الشاشات في وقت الأزمات يلجأون إلى الخطاب التلفزيوني السهل. يقول صاحب أطروحة “التعامل المباشر للاسلام في فرنسا” والذي درس نموذج القناة التلفزيونية الثانية الرسمية،:”
إن “ـــ  المفكرين السريعين ـــ أو ما يُطلق عليهم ـــ  مفكرو الطوارئ ـــ الذي يعتمد عملهم على الاعلام لهم وظيفة خاصة كما يرى الفيلسوف الفرنسي المعروف بيير بوردييو. هؤلاء المفكرون السريعون لديهم  ــ وجبة جاهزة من الأفكار ـــ التي تعمل ضمن القوانين التالية: إنهم يتحدثون بلغة مفهومة من قبل الجمهور، وهي أفكار مألوفة ومستهلكة، ومعروفة، ومعادة. ولدى هذا الجمهور انطباع بأنه لا يسمع أفكارًا جديدة لأنه يعرف هذه اللغة واعتناد عليها في مخيلته الجماعية ولا يحتاج إلى بذل الجهد في التفكير وتعقيداته. خطاب خاص له منطقه المعاكس لأن وظيفته هو
تخريب وتشتيت الأفكار، ولا يقدم فكرة جديدة بل يكرس الأفكار القديمة التي استلمها الجمهور عبر فترة زمية طويلة”. (26)
الإعلام والإرهاب .. استراتيجية المواجهة مدخل: لا شك أن الدور الذي يلعبه الإعلام في المجتمعات المعاصرة بات دورا متناميا وصاعدا بشكل لم تشهده البشرية عبر تاريخها، فالإعلام أصبح المصدر الرئيسي لتشكيل الوعي الجمعي لعموم المواطنين ليس في المنطقة فقط بل على مستوى العالم، وعلى سبيل المثال فإن الولايات المتحدة الأمريكية أنفقت ما يزيد على ملياري دولار للترويج الإعلامي لغزو العراق، وإقناع الأمريكين بوجود خطر يهدد البلاد حال استمرار حكم صدام حسين في العراق، كما تنفق إسرائيل سنويا مئات الملايين من الدولارات للترويج للدولة العبرية علي مستوى العالم وبث دعاية مضادة للعرب. التغطيات الإعلامية محدودة المستوى والكفاءة المهنية إلى خلق تعاطف بعض الجمهور مع الإرهابى. ومن ناحية أخرى، قد يشكل الإعلام فى بعض الأحيان دور الوسيط بين القائم بالإرهاب، والمستهدف سياسياً بالعملية الإرهابية.
إن التكنولوجيا الحديثة أثرت على عالم الاعلام بحيث جعلت كل شيء ممكنًا في الترويج للبروباجاندا التي تتولاها الجماعات الارهابية، بل هي سهلت عليهم العمل الاعلاني، وخاصة في مجال الصورة والأفلام. وضمن أفلام المنظمات الارهابية بما فيها مشاهد الاعدامات التي يقدمونها وجميع صنوف القتل والحرق والخنق وخاصة للرهائن الغربيين والعمال والصحفيين المواد التي وقعت بيد داعش والمنظمات الارهابية في السنوات الأخيرة، دفعتتها لادراك أهمية التكنولوجيا الحديثة في عملها البروباجاندي. وكان من المتوقع أن هذه التنظيمات الارهابية التي تعود إلى  ــ القرون الوسطى ــ كان المتخيل أنها ستستنسخ أدوات ــ القرون الوسطى ــ في حربها. لكنها لجأت إلى استخدام شبكات التواصل الاجتماعي كما فعلت القاعدة للمرة الأولى. وقد استعارت هذه المنظمات الارهابية أساليب  لغة الصورة والانتاج الرفيع الجودة من ألعاب الفيديو وما قدمته هوليود من تقنيات وأساليب حديثة. لذا نلاحظ أن المنظمات الارهابية  قامت باستخدام أحدث اساليب التكنولوجيا، الدينامية والاتصالات الرقمية.
الميديا المتطورة المعاصرة التي تبنتها هذه التنظيمات، وقد أثارت البروباجاندا العنيفة الكثير من الجدل حول دور أفلام وفيديوات ويوتيوبات المنظمات الارهابية في جذب المتطوعين والمتعاطفين معها، وقد أمدّت التقنيات الحديثة المنظمات الأرهابية بـ ـــ أوكسجين الداية والبروباجاندا ـــ فقد عملت هه العناصر على تشكيل الميديا نفسها والتنظيمات الارهابية في طريقة متساوية ومتشابهة. ونحن لعبنا دوراً دون علمنا به، في تطوير استراتيجيات الميديا لصالح هذه المنظمات الارهابية. (27)
في عشية هجمات الـ 11 من سبتمبر ترك اسامة بن لادن كابول وذهب الى الجنوب الشرقي منها لكي يجتاز الوادي في افغانسان الشرقية. ومن بين العربات المصاحبة لقافلته التي سافر عليها كان هناك
  العربة التي تحمل أجهزة الاعلام وتكنولوجيتها التي تم تجهيزها بناءً على أوامر قبل أشهر قليلة من ذلك. وهناك أحد
الشباب كان قد جهز ستالايت تلفزيونيا وإذاعيا مع معدات كاملة للارسال والاستلام. كان أسامة بن لادن يتابع الأحداث في الولايات المتحدة وكذلك لكي يخطط للرد الاعلامي.  (28)
بينما هجمات باريس الأخيرة لم تكن بحاجة إلى اعلام وبروباجندا لأنها كانت على علم بأن هناك من يقوم بدلاً عنها، أي لأن  وسائل الاعلام التقليدية هي التي تقوم بهذه التغطية لأن جمهورها متعطش لرؤية ما يحدث في العالم.  وهكذا صورة الاسلام في وسائل الاعلام، لأنها تلعب دوراً اساسياً في تكوين الرأي العام الفرنسي، وهي من شأنها أن تحرّض العامة على الجالية المسلمة، حتى وإن كان غالبيتها لا علاقة له بمفاهيم الإسلام السياسي. كما يؤكد الباحث سمير أمغاهار من المدرسة العليا للدراسات الاجتماعية في باريس EHESS بأنه بعد القيام بالاستطلاعات والاستبيانات اللازمة، وجد أنه لا تبلغ نسبة عدد الذين يمارسون الطقوس الدينية سواء عند المسلمين أو الكاثوليك 15 بالمائة و9 بالمائة من هذه العينة فقط يمكن اعتبارها مرتبطة بالأصولية الدينية. فعلى نسبة 5 ملايين من مسلمي فرنسا لا يوجد سوى 30 ألفا أو 40 ألفا من الذين يمارسون الطقوس الدينية بانتظام،  أي هناك فقط نحو 2 ألف منهم ممن يرتبطون بالاسلام السياسي.  (29)
ثم يؤكد الباحث لوران تيستوت طارحًا السؤال التالي: لماذا يشغل الاسلام بمختلف الصيغ المشتقة منه (الاسلام الراديكالي، الاسلام الأصولي، الاسلام العنيف وغيرها) هذا الحيز الكبير في اعلامنا؟ ويجيب بنفسه: لأننا وجدنا أقلية مسلمة ثرثارة، مثيرة اعلاميًا، وهي في الحقيقة لا تشغل أوساطًا واسعة من الناس. (30)
في اجواء مثل هذه ازدهرت تجارة معاداة الاسلام، وبتنا نقرأ عناوين تتعمد الخلط ما بين الاسلام والارهاب، فعلى مدى العقدين الاخيرين وبخاصة بعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر صدرت مئات المجلات الاسبوعية والشهرية باعداد خاصة مثل “القرآن والعنف” و”الاسلام والسيف” و”استيقظ يا محمد فقد اصبحوا مجانين” و”الارهاب الاسلامي” وتلصق أغلفة المجلات التحريضية بأحجام كبيرة “بوسترات” على الواجهات الاعلانية في كل محطات الميترو وسيارات نقل الركاب وفي الشوارع امعاناً بالتنكيل في الاسلام وصورته.
من الواضح أن 90 بالمائة من الارهابيين يمارسون نشاطاتهم الارهابية ليس في فرنسا بل في جميع بلدان الاتحاد الأوروبي من خلال استخدام الانترنيت، لأنه يزودهم بطرق سهلة لصناعة القنابل، والويب يتحول إلى طريق يسلكه  معظم الارهابيين، وخاصة المسلمين منهم.
وجميع  مراسلاتهم أو أغلبها تمر عن الرسائل النصية SMS
بدلا من اللقاءات الحقيقية أو الجسدية.
“تشير الاحصائيات بأنه منذ عام 2000، تعرضت فرنسا إلى 276 هجوما، أي هي البلد الأكثر استهدافًا من قبل الجماعات الارهابية..
ومنذ خمسة عشر عامًأ، كانت بريطانيا الأكثر تعرضًا للهجمات البريطانية 403 هجومًا، ومن ثم تأتي اليونان 369 هجومًا وأسبانيا 362 هجومًأ.
وفي كل حالة، تأتي معظم هذه الهجمات من انفصاليي ايرلندا الشمالية، واليمين المتطرف، والانفصاليين الباسك والانفصاليين الكورسيك. (31)
في المقال، يورد صاحب البحث أنه في العموم، وصل عدد الهجمات الارهابية إلى 2564 ما بين 1792 و2013 حسب احصائيات
Global Database of Terrorism
وفي أغلبها لم تقع ضحايا. وقع 241 ضحية في 174 هجومًا. والهجوم ضد صحيفة ــ شارلي هيبدو ــ هي الأكثر دموية من بينها منذ 1961، حيث قام تنظيم الجيش السري OAS  بتجريف قطار مع التفجيرات (وقع 28 ضحية).
على اية حال، الإرهابيون الاسلاميون لم يكونوا مسؤولين سوى عن 3 هجمات منها، أي بنسبة 1 بالمائة من مجموع الهجمات المذكورة. بينما وصل هجوم الانفصاليين الكورس ما مجموعه 214 هجومًا للتلك الفترة أي 13 هجومًا بنسبة 4 بالمائة
 بينما ذهب رئيس المجمع اليهودي CRIF
روجر كوكرمان، إلى أن جميع الهجمات الارهابية التي أوقعت ضحايا في هذه الفترة الحديثة جاءت من الاسلام، معتمدًأ على أقوال نائبة الجبهة القومية اليميني المتطرف ماريون مارشال لو بين. وهذا يكشف أن هناك مواقف مسبقة من الاسلام في فرنسا تمارسها جماعات معينة، تهدف إلى تشويه الاسلام ولها أغراض سياسية واضحة.
وهناك احصائية  منظمة حكومية أوروبية تؤكد على أن نسبة الهجمات من  التنظيمات الاسلامية تبلغ
0.4  بالمائة  من الهجمات الارهابية في أوروبا في عام 2009 ..
وفي عام 2006 وقع 498 هجومًأ في اوروبا لم يكن من بينها سوى هجوم واحد يُنسب إلى الارهابيين الاسلاميين. وفي عام 2009 وقع 294 هجومًأ ارهابيًا، نُسب هجوم واحد فقط للإرهابيين الاسلاميين.
ومعظم هذه الهجمات تعود للانفصاليين الباسك والكورس.  (33)
من المعروف إن الارهابيين يستخدمون أقصى امكانيات التكنولوجيا الحديثة في تنظيم شبكاتهم في عملياتهم. إنهم يتطورون على ايقاع التطور التكنولوجي العالمي. لذلك فالعمل العام يمكن أن يكون مختلفًا عن ذلك. وحتى الآن فإن سياسة الأمن الداخلي تضع في أولوياتها اقتاء الدولة وتأكيدها على الاستحواذ على التكنولوجيا الحديثة والتي تستخدم في الكشف عن الجرائم التكنولوجية. وتستبق من خلال برامجها البحثية لدرء تهديدات المستقبل. وهو  الدرس الذي يمكن أن نستفيد منه الدروس في برامج الدفاع.  (34)
أما عن تمويل بناء الجوامع في فرنسا من قبل دول اسلامية يقول انها تتدخل في شؤون المسلمين الفرنسيين، وهو ما تعترض عليه الدولة لأنها تريد اسلاماً فرنسياً وليس اسلاما في فرنسا إذ لا بد من العمل على علمنة الاسلام الفرنسي. تشير الاحصائيات أن بناء المساجد الاسلامية في فرنسا يزداد سنة بعد أخرى مما يبعث على قلق الفرنسيين: تقول الاحصاءات: “تم تشييد 5 مساجد في عام 1965، و913 مسجدًا في عام 1985، و1536 مسجدًا في عام 1999، و2359 مسجدًا في عام 2010. (35)
وهنا مقارنة بين عدد الكنائس والمساجد في فرنسا:
لو قارنا الاسلام مع الكاثوليكية، يوجد في فرنسا 40 ألف كنيسة لـ 11 مليون كاثوليكي، أي كنيسة واحدة لكل 275 كاثوليكي. ويمكن تعداد 4 ملايين كاثوليكي يمارسون العبادة ( قداس واحد في الشهر) حسب دراسة قام بها CSA
وكل الكنائيس لا يرتادها المصلون في العادة.
في عام 2012 أحصى وزير الداخلية الفرنسي  بوجود  2449 مسجدا في فرنسا، و318 في مستعمرات ما وراء البحار التابعة لفرنسا. لكن هذا العدد ارتفع كثيرًا في العقود الأخيرة. ،
يوجد في فرنسا 3 ملايين مسلم أي يمكن القول مسجد واحد لكل 1200 مسلم يمارس طقوس الصلاة. (36)
 هناك مستويات متعددة من الكتابة الصحفية حول علاقة الاسلام بالإرهاب: فهناك من يجد أن الاحداث فرصة لربط الارهاب بالاسلام، وربطها بالنصوص القرآنية كما يفعل بعض الباحثين الفرنسيين المتطرفين، وبعضهم الآخر يربط الارهاب بالفلسطينيين، أما البعض الآخر، يعتبر الإرهاب قضية سياسية ولا يمكن حلها إلا من خلال حل مشكلات الشرق الأوسط.
عادة ما يعاني الاسلام من مشكلة صورته في الغرب.  إن تطور المجال الصحفي منذ الثلاثين عامًا التي خلت تقدم عددًا من الطفرات الاقتصادية والسياسية والسوسيولوجية، التي رسمت بالتدريج القيود التي أثقلت تعريف محتوى جدول أعمال الاعلام. ولكي نفهم في أي محتوى يُسجل الخطاب الدراماتيكي حول الاسلام الذي رُسم في السابق. نحن
نجري في المكان الأول التطور السيوسيو ــ تاريخي والاقتصادي الحديث  للاتصال الجماهيري التي خضع لمعايير الجمهور. وهذه الآلية لها تأثير مباشر على المحتوى المقدم، لأن الجمهور عادة ما يفضل البرامج الجماهيرية،
واعلام الاتصال الجماهيري تفضل منطق الخطاب العاطفي المثير للأحاسيس، من خلال التعامل مع عدد من الموضوعات اليومية المتعددة، ومنها الاسلام. (37)
تلعب بعض وسائل الإعلام، عبر بعض أساليب تغطية الحوادث الإرهابية المتعاطفة، إلى دور إيحائى وتخييلى وتحفيزى لعناصر تنتمى إلى أجيال جديدة ودفعها إلى الانخراط فى مجموعات عنف وإرهاب قائمة، أو تشكيل أخرى. في تقرير الجمعية الوطنية التي أصدرت تقريرًا يتحدث فيه  في فصل “دينامية الإرهاب الحديث”  وفي الفقرة الـ 6 عن ارتباط الاعلام بالإرهاب: “الإرهاب الحديث له علاقة وثيقة بالاعلام. لأن وسائل الاعلام المختلفة تجذبها الاعتداءات الارهابية العنيفة، ليس لأنه يقع على عاتقها مهمة الاخبار حول  جميع ما يقع من أحداث كبيرة، ولكن أيضًا لأن الجانب الدرامي والعريض للإرهاب يسحر الجمهور العريض. وإرهابيي اليوم يستغلون هذه الدينامية  والتفاعل ولا تستجيب هذه الوسائل الاعلامية فقط بل انها تجعل ضحاياها يعانون، ولكي يجذبوا اهتمام العالم إليهم. فقد أصبحوا  ــ خبراء في الاعلام ــ يعرفون ويطبقون القواعد التي تسمح لهم بجذب اهتمام وسائل الاعلام في نشاطاتهم. وهم يمتلكون المعدات التكنولوجية والآن التقنية لذلك، منها كاميرات الفيديو، والاتصال بشبكات الانترنيت، وبصورة عامة، يعرفون متى وكيف يصنعون الصور ويمارسون بذلك تأثيرًا اعلاميًا إلى أقصى الحدود. مما لا شك فيه أن الجماعات الارهابية المتطرفة استخدمت الويب الاجتماعي والشبكات الأخرى منذ عام 1990. كان حضورهم على الانترنيت قد تطور على ايقاع التطور التكنولوجي. قبل ولادة الانترنيت كان الأرهابيون ينشرون اعلاناتهم ودعاياتهم على كاسيتات الفيديو “في. أش. أس. لكنهم وهذه الدينامية قادرة أن تعطي الفكرة بأن الطريق المثلى لمحاربة الإرهاب يكمن في عدم السماح للصحفيين ووسائل الاعلام التي تتحدث عن نشاطاتهم أو الضربات الاعلامية، وذلك من خلال تقليص تغطية نشاطاتهم الارهابية. واختارت عدد من البلدان هذا الطريق، وذلك من خلال اعاقة الصحافة من الاطلاع على النشاطات الارهابية، والنشاطات الارهابية لا تستخدم فقط الاعلام باعتبار أداة للنشر والترويج، بل عادة ما يصبح الصحفيين ضحايا مباشرين لهم، وعادة ما يأخذون على شكل مختطفين أو رهائن، أو يقتلون، ويستخدمونهم  للتبادل”. (38)
 لقد فشل الخطاب الفرنسي الذي يتبناه بعض المتطرفين بأن الأطروحة السائدة في الاعلام الفرنسي هو أن الاسلام ينتج الارهاب، وهذا ما لم يتحقق في الواقع العملي، فالارهاب يوجد في جميع الديانات، ووراءه عوامل أخرى، ليست غيبية، بل واقعية وملموسة. ويأتي ذلك من القصور في فهم الإسلام الحقيقي، واللجوء إلى نظرية التعميم. وفي الواقع، إن وسائل الاعلامية الفرنسية وقعت ضحية للأفكار والتحليلات ذات القوالب الجامدة والنمطية، التي تراكمت منذ حرب الجزائر حتى الوقت الحاضر.
  مصادر البحث:
1. Islam and Terrorism. by Mark A. Gabriel, Ph.D. published by Frontline, 2002 USA.
2- نفس المصدر
3- نفس المصدر
4. Islam and the Dark Age of Byzantium
by John J. O’Neill
5- نفس المصدر
6 – by Allen W. Palmer, PhD, professor of communications, BYU, and Abdullahi A. Gallab, PhD,
professor of international communication, Hiram College in Ohio.
نفس المصدر  – 7
8 – The conflict between Westren World and Islam, ICM 2004, Dennis Landscheidt, Tutor: E. Machado.
نفس المصدر 9-
10 – The Media must stop encouraging terrorists. Marty Rudoy. The blog 07/ 17/ 2016.
11 – Arda Bilgen, Terrorism and the Media; A dangerious Symbiosis. E- International erlations students The George Washington University April. 2011.
12 Thomas D. Mayfield. A commander ‘s Strategy for Social Media, Issue 60, er quqrter 2011/ JFQ
13 – Bullets and Blogs: New Media and the Warfighter (Inglese) Copertina flessibile  – 27 ott 2012
di Deirdre Collings (Autore), Rafal Rohozinski   (Autore),    U.s. Army War College (Autore).
14 – David Locombled. Digital citizen. Paris. Plon Editions. Paris. France.
    – Jeffrey Ghannam15
Social Media in the Arab World, A Report to the Center for International Media Assistance, February 3, 2011.
   16 – Bruce Hoffman, director of the Center for Security Studies at Georgetown University
  Quoted in “The Aftermath of the Paris Attacks Is a Time to Grieve, Not Fear Monger.” Sam Corey, Huffington Post, 11/14/2015
  “17 – How the changing media is changing terrorism.” Jason Burke, The Guardian, 02/24/2016
  18 – French media to stop publishing photos and names of terrorists 18 – Julian Borger World affairs editor, The guardian, 27 July 2016.
19
   غونتر ماير هو مدير مركز بحوث العالم العربي في جامعة ماينز.
دويتشه فيله، موقع دويتشه فيله على شبكة الإنترنت: أخبار وتحليلات وخدمات من ألمانيا وأوروبا بثلاثين لغة.
14/11/2016
20 Le renseignement et l’antiterrorisme, les inconnues de l’enseignement supérieur
Judith Chetrit — 02.04.2015
slate.fr
  نفس المصدر21
22 Les médias face au terrorisme
Les médias face au terrorisme Jean-Paul Marthoz
Manuel pour les journalistes, par l’Organisation des Nations Unies pour l’éducation, la science et la culture. 2017.
  نفس المصدر ص. 91 -23
24 – Mass Media and Terrorism, Anita Pereši,assistant on Croatian studies University of Zagreb, 2007.
25 – L’Islam, moteur de la citoyenneté
Le cas de « jeunes musulmans de France »
par Nicolas De lavergne  [Sociétés
2003/4 (no 82)
26 -Le traitement médiatique par Laura Gicquel.
autour de l’islam en France. L’exemple de la chaîne de télévision publique France  2 INSTITUT D’ÉTUDES POLITIQUES DE TOULOUSE Memoire 2014 – 2015. ص 57
  27 How the changing media is changing terrorism
Just like news organisations, terrorists need an audience – and both have adapted their tactics to keep your attention
by Jason Burke.
  نفس المصدرــ 28
  29-  « Islam de France », colloque organisé par le CFJ, à Paris, le 3 février 2005.
نفس المصدر ـــ 30
31 – Boris Manenti Les terroristes sont tous islamistes ? Des chiffres pour relativiser observator Publié le 24 février  2015.
  نفس المصدر-  32
33 – Tous les terroristes sont musulmans excepté 99,6
 % d’entre eux qui ne le sont pas www.Ajib.fr  25 May 2017
34 – la France face au terrorism la documantation Francaise p. 109
35 – Les mosquées envahissent la France ! Les images qu’on vous cache, 15 décembre 2010 – par Maxime Lépante Reposte Laique.
  36 – Combien la France compte-t-elle de mosques
 Le Monde.fr  08.04.2015., Par Samuel Laurent
37 – INSTITUT D’ÉTUDES POLITIQUES DE TOULOUSE
Le traitement médiatiqu  autour de l’islam en France  par Laura Gicquel. 2014 – 2015 P.21
38 – Doc. 10557 Médias et terrorism,  Rapport, 20  mai 2005, Commission de la culture, de la science et de l’éducation. Assemble national. France.

شاكر نوري

شاهد أيضاً

عن الحضارة العربية مرايانا المتداخلة.. خيانة الحاضر للماضي

الحاضر، الزمن الحاضر الذي نعيشه وينساب باستمرار أمام أعيننا وينسل بين أيدينا ، غالبا ما …