أخبار عاجلة

الإرهـــــــــــــــاب يابانيّاً

قيل عن الحركة الفوضوية التي ظهرت إبّان الثورة الفرنسيّة إنّها كانت «محرّكاً للأفكار حول العالم»، من هنا يقول عالم الاجتماع بنديكت أندرسون إنها كانت «أوّل حركة عولمة للأفكار». الإرهاب بات اليوم معولماً أيضاً، ولكن «تلقّي» فكرة الإرهاب والإشارة إليه والتعامل مع نتائجه ومحاربته هي أمور تختلف من بقعة إلى أخرى. فكيف ترى اليابان، بلاد الساموراي والغيشا سابقاً، والثورة الرقمية ومجتمع ما بعد الحداثة اليوم، مسألة الإرهاب؟

يستعمل اليابانيون للإشارة إلى الإرهاب مفردة غربية الأصل: «تِرّو» المشتقة من اللاتينية «تِرّوريزم» Terrorisme. والقواميس اليابانية تعرّف الإرهاب بأنّه «وسيلة تستعمل العنف والتهديد من أجل تحقيق بعض الأغراض السياسية وإعلاء بعض المبادئ ونشر أفكار منفذّي العنف». يحمل هذا التعريف الكثير من التناقضات التي تعكس «النفسية اليابانية» التي تأبى الجزم والحسم في الإجابات وتعريف الأمور حتى في أدنى الشؤون اليومية. إلا أن الإعلام اليومي في الصحف والوسائل الإعلامية يتجاوز هذا التعريف الأكاديمي ويستعمل كلمة «تِرّو» على نسق ورود البرقيات في وكالات الأنباء العالمية وترجمتها.
وفي حال أردنا البحث في التعريفات التاريخية للإرهاب في الموسوعات اليابانية نجد أنها تتجاوز تماماً «الحالة اليابانية». فالتعريف بالمصدر الأول لكلمة «إرهاب» جاء مرتبطاً بحقبة «ديكتاتورية الإرهاب» إبان الثورة الفرنسية (١٧٩٤-١٧٩٣)، وتنطلق عملية التعريف بعد تثبيت مصدر التعبير للغوص في التاريخ القديم فتصف إرهاب اسبرطة في اليونان وكذلك ثورة «الغيورون» (الزيلوت) على الامبرطورية الرومانية، وتطال التفسيرات أفعال لينين وستالين على سبيل المثال في الماضي القريب. الفكرة العامة القائمة في الأرخبيل الياباني هي أن الأسباب التي تقف وراء الإرهاب هي إما دينية أو سياسية، وتشبّه الإرهابيين بأعضاء طائفة متماسكة – بشكل ملّة محصورة أو بدعة. أما الإرهاب «المعاصر» فيربطه اللاوعي الياباني بالتعريف القانوني له وفي كافة الكتابات التي تحاول تفسير ظاهرة الإرهاب يعود أمام القارئ «الفصل ٨١ المادة ٢ الفصل ١ من قانون الدفاع الذاتي» الموضوع في ثمانينيّات القرن العشرين، والذي يجعل من الإرهاب جريمة. كما يتمّ التشديد على أن الحكومة اليابانية اعترفت بـ «لوائح الإرهاب ذات الصلة» وربطتها بقوانينها وأنظمتها. وتلوح دائماً في أفق الحديث عن الإرهاب وجهة نظر لا نجدها في الغرب: ففي عدد من الطروحات يقارب اليابانيون مسألة «المقاومة والتحرّر» ويعطون أمثلة في أن «عمليّة للسعي للإفراج عن محاربين يخوضون حرب استقلال» يمكن أن تصنّف «من وجه نظر الحكومة المركزية باعتبارها قوة انفصالية إرهابية». نلاحظ هنا التأنّي والنأي بالنفس عن اتخاذ موقف فيما يتعلق بحركات التحرّر المتنوّعة والتي تلجأ في نضالها للسلاح.
ولكن تغيب كلمة «تِرّو» من كلّ «الأحداث الإرهابية» التي شهدتها اليابان على مرّ تاريخها وهي ليست بقليلة، منها الشهير إعلامياً ومنها ما يختبئ في طيّات كتب التاريخ.
أشهرها يابانياً هجوم جماعة «أوم» ‫في ٢٠ من مارس عام ١٩٩٥ على شبكة قطارات الأنفاق في العاصمة طوكيو بواسطة غاز «السارين»، ما تسبب بمقتل ١٢ شخصاً وإصابة حوالي الألف شخص بينهم ٥٤ بإصابات خطيرة.‬
أما أشهرها عربياً ‬فهو الهجوم الذي نفّذه ثلاثة عناصر من ‫الجيش الأحمر الياباني‬ «نيهون سِكي غُون» في مطار «اللد» بن غوريون في تل أبيب في مايو ١٩٧٢، والذي تسببت بمقتل ٢٦ شخصاً وإصابة ٨٠ شخصاً بجروح.
تأسّس ‫الجيش الأحمر الياباني‬ عام ١٩٧١ بعدما انشقّت مجموعة من أربعين فرداً عن الحزب الشيوعي الياباني وكان من أهدافه الإطاحة بالحكم الامبرطوري والبدء بثورة عالمية. وقد حفل سجلّ هذا التنظيم بعدد من العمليات المدوّية إعلامياً في داخل اليابان (١٩٧١: خطف طائرة ونقلها إلى كوريا الشمالية)، وفي أوروبا (١٩٧٣: خطف طائرة من هولندا والتوجّه إلى ليبيا، ثم اقتحام سفارة فرنسية في امستردام في ١٩٧٤ والتوجّه بطائرة مع رهائن وفدية إلى عدن).
وبخلاف أعمال طائفة «أوم شين ريكيوو» التي لجأت للإرهاب لأسباب دينية استعارية مبهمة، حيث يمارس أعضاؤها (بلغت أعدادهم ٩ آلاف) تصوّفاً مبدؤه العنف، فإن الجيش الأحمر الياباني كانت له أهداف سياسية معولمة مثل حركة الفوضويين، وإن هو انغمس في نهاية مساره في مسار أقرب للإجرام والسعي وراء الفديات منه للنضال السياسي.
تغيب عن الإعلام، وتشغل مكاناً في طيات كتب التاريخ، بعض الأعمال الإرهابية التي أثرت كثيراً في المسار الفكري والسياسي الياباني، لعل أشهرها «محاولة الانقلاب» التي قام بها أحد كبار الكتاب اليابانيين، عنيت «يوُكيو ميشيما» ‫الذي اشتهر روائياً وشاعراً وكاتباً مسرحياً، كما عمل في السينما ممثلاً ومخرج أفلام‬.
كان ميشيما من أشهر كتّاب عصره وهو لم يخفِ البتة شوفينيّته وحدّة شعوره القومي ودعوته للعودة إلى «الجذور اليابانية»، محذّراً من «تآكل الحضارة اليابانية بسبب الانصهار في حضارة الغرب». وفي عام ١٩٧٠ احتلّ ميشيما بمساعدة ميلشيا تعمل بإمرته مقرّ قوات الدفاع اليابانية (وزارة الدفاع) وبدأ بتحريض الجنود على الثورة بعد ان اختطف جنرال قائد المقرّ. وعندما أدرك ميشيما عبثية حركته عمدَ إلى تقيلد فرسان الساموراي فانتحر بطريقة الـ «هاراكيري».
لا تُدرج الذاكرة الجماعية لليابانيين انقلاب ميشيما في خانة العمل الإرهابي. لماذا؟
هل لأنّ ميشيما كتب حوالي مائة رواية ومسرحية ومجموعة قصصية وكتب بحثية ودراسية، ورُشِّحَ ثلاث مرات لجائزة نوبل للآداب؟ أم لأنه يعبّر عن مكنونات مخبّأة بعمقٍ داخل النفسية اليابانية تمثّل التفاني من أجل التألّق؟ كان ميشيما المولع بالكتابات اليابانية القديمة مؤسّساً لحركة رومانطقيّة تؤمن بالتضحية كهدف وقيمة بحدّ ذاتها، وهو مسار اتبعه فرسان «الساموراي» سابقاً وطيّارو «الكاميكازِ» إبّان الحرب العالمية الثانية.
اعتبر الأميركيّون الكاميكازِ «إرهابيّين» لأنّ الطيّار كان يقلع بطائرة «غير مجهّزة للعودة أو حتى للهبوط». الطائرة كانت عبارة عن «قنبلة طائرة» يقودها كاميكاز ليصطدم بالسفن الحربية الأميركية المتوجّهة نحو الأرخبيل الياباني، دفاعاً عن أرضه. إذاً هو استشهاديّ حسب تعبيرات سائدة اليوم. إسم الكاميكازِ يعود إلى القرن الرابع عشر عندما قرّر جنكيز خان غزو اليابان فجهّز أسطولاً كبيراً وعندما وصل إلى شواطئ هبَّت عاصفةٌ هوجاء أطاحت بالسفن وفرّقتها، وأنقذت اليابان التي لم تكن قادرة على مقاومة جحافل المغول. وقد أطلق القدماء على هذه العاصفة تسمية «رياح الآلهة» («كامي» تعني آلهة، و«كازِ» تدلّ على رياح).
هل هذا الشعور الوطني هو الذي يقف وراء عدم اعتبار كاميكاز الحرب العالمية الثانية إرهابيّاً؟ لا يتحدث اليابانيون عن أبطالهم هؤلاء بصفتهم إرهابيين، ولا حتى بصفتهم… مقاومين. ويعود ذلك إلى أن «الموت» لدى اليابانيين لا يحمل المعاني ذاتها السائدة لدى الشعوب الأخرى. وهذه ليست صفات بطولة بل هي مرتبطة بظروف نشأة البلاد‫ فهي غالبًا ما تعاني من الكوارث الطبيعية الخطيرة مثل الأعاصير والانفجارات البركانية والزلازل (ما زالت آثار تسونامي فوكوشيما حاضرة في الأذهان، وقبله زلزال طوكيو عام ١٩٢٣ الذي أودى بحياة ١٤٠ ألف ياباني). فحياة الفرد الياباني كانت دائماً على كفّ أهواء الطبيعة وتقلّباتها. وقد انعكست هذه الظروف على نمط حياة وتفكير الفرد الياباني. معروفٌ أن اليابانيين يحبّون «مشاهدة الزهور» (هَنَمي) وهي عادة تأمّل زهور شجر الكرز (سَكُورا) عندما تتفتّح في مطلع الربيع. وتفسير ذلك أن هذه الزهور لا تدوم على الشجرة أكثر من أيام قليلة فيرى في ذلك اليابانيون «محاكاة لحياة الإنسان»: لا ثبات ولا ديمومة. فحقيقة كون الموت محصلة كلّ شيء في أيّ زمان هي حقيقة ثابتة لدى الياباني، وهو موت يمكن أن يأتي في أي لحظة. الإرهابيّ انتحاريّ. إلا أن الانتحار لا يعتبر جريمة بحقّ الذات في اليابان. كما أنه ليس نتيجة يأس أو إحباط أو هروب من واقع مرّ أو أليم. ألم ينتحر كبار الكتاب اليابانيّين؟ ميشيما ولكن أيضاً كاواباتا وغيره. ‬
وعليه، فأن يموت «الإرهابي الياباني» في الحرب، كاميكازَ كان أو محارباً شرساً، أو ينتحر بغرس نصل السيف في جسمه على طريقة السيبوكو أو هاراكيري، فهذا بالنسبة للإنسان الياباني هو جوهر الحياة. ‬
ولكن اليوم في عصر العولمة، خصوصاً عولمة الإعلام وشموليته، يبرز انفصام جليّ لدى الإنسان الياباني تجاه مسألة الإرهاب. فهو تجاهل أو تناسى بسرعة مئات «الكاميكازِ اليابانيّين» الذين طاروا وهم يحملون المتفجرات ليموتوا فوق البواخر الأميركية، ولكنه يتابع ما تكتبه الصحف اليابانية عن «الكاميكازِ الاستشهاديّ» الذي يزنّر نفسه بالمتفجّرات ويذهب للموت المحتّم ولا يتردّد بالإشارة له بأنه «تِرّو» (إرهابي). وحتى الذاكرة التاريخية تتآكل بفعل العولمة. مع مطلع ثلاثينيات القرن الماضي، احتلّت اليابان دولاً عديدة في آسيا، وجوبهت بمقاومة مثلها مثل كلّ قوّة احتلال. في صحافة الحرب اليابانية كان يشار إلى هؤلاء المقاومين بصفة «مجرمين»، وذلك قبل عام ١٩٤٠، أي قبل دخول ألمانيا النازية إلى غرب أوروبا ومواجهة مقاومة كانت تصف رجالها ونساءها بـ «تِروريستن» (إرهابي في اللغة الألمانية). وعندما تحالفت اليابان مع ألمانيا الهتلرية تحوّل مقاومو الاحتلال الياباني في آسيا إلى «تِرّو» (وهو اختصار للكلمة الألمانية). وبعد انتهاء الحرب بهزيمة اليابان تحولت كلمة «تِرّو» في القواميس إلى وصفٍ لفترة في الثورة الفرنسية كما ذكرنا أعلاه، في تجاهل تامّ لفترة الحرب العالمية الثانية. ومع بداية الإرهاب «المعولَم» في الثمانينات عادت لفظة «تِرّو» في الصحافة والمنشورات الحديثة لتلتصق بالإرهابي حسب التعريف المتداول حالياً، ولكنها تظل بعيدة عن وصف أيّ «حدث إرهابي ياباني».‬

 

بسّام طيّارة\
مدرّس في المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس – قسم اليابان

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …