أخبار عاجلة

الابداع الشعري وقانون الاستبدال (1-2)

ثمة في الدراسات العربية التي تناولت الكتابات الشعرية في الفترة الممتدة من نهاية الفرن الخامس عشر الى نهاية القرن الثامن عشر نوع من الشجن مرده الوعي الفاجع بان الشعر العربي قد افتتح في تلك المرحلة عهد افوله ووضع في حضرة اعتى مآزقه.

ثمة أيضا نوع من الإجماع على أن القوة الخالقة التي عليها جريان الإبداع في الثقافة العربية قد شرعت في التلاشي والزوال والاندحار، فابتدأ "الانحطاط" تاريخه.

من هنا استمد مفهوم "عصور الانحطاط" سطوته ومقدرته الفائقة على تلوين رؤية من يتداوله وتحديد تصور من يستخدمه. ومن هنا أيضا، اكتسب سلطان البداهة وشرع في العمل كمسلمة. لم يقع التفطن إلى أن للتسمية مكائدها. إنها أفطر حدث تنجزه اللغة. فهي إشارة تكشف وتؤسس. لكنها تستطيع أن تحجب وتفقر وتغيب لأنها لا تأتي اتفاقا وصدفة ولا تلزم الحياد أبدا، بل تضعنا –وهذا هو بعدها الإشاري الخطر- في حضرة ما يعتقد الدارس أنه صميم الظاهرة أو المرحلة المدروسة. لذلك يكفي أن مفرد إلى الأحكام والمقررات النظرية المتداولة في الدراسات ومنجدها ترش جميعا، سواء على نحو صريح أو وفق نسق موارب متخف، بما انبنى عليه الوعي النقدي نفسه من تبسيطية واطمئنان للبداهات والمسلمات والمطلقات.

والناظر في الدراسات التي عنيت بالمتن الشعري الذي ينتمي إلى هذه المرحلة سرعان ما يلاحظ أن مقررات الباحثين واستنتاجاتهم قد ظلت، نتيجة ما يكتنف المرحلة نفسها من غموض، أدخل في باب الأحكام التي تخص مضامين النصوص وبعدها التوثيقي. والحال أن النص إنما يستمد أدبيته ويتنزل في دائرة الإبداع من جهة كونه ليس وثيقة تاريخية وليس وثيقة اجتماعية، رغم بعده التاريخي والاجتماعي. وهو ليس خطابا دينيا أخلاقيا ينشد الموعظة والاعتبار، بل هو خطاب جمالي بالأساس. إنه يتقاطع مع بقية أنماط الخطاب لكنه لا يتماهى معها ولا يكرس قيمها، بل يبتني نظاما من القيم الإنسانية أبعد من كل ما هو ظرفي وآني وعابر. لذلك يظل الخطاب الجمالي قابلا للقراءة والتأويل وإعادة الاستكشاف.

غير أن التبسيطية لا ترجع إلى عدم الإحاطة بمدونة الشعر العربي في تلك المرحلة فحسب، وإنما مردها خاصة التعارض الخطير الذي ينشأ في لحظة القراءة بين الرغبة والتاريخ، بين ما حدث فعلا أي ما آل اليه الشعر العربي من مأزق وانكسارات، وما كان الباحث أو الدارس يتمنى حدوثه.

لذلك جاءت المواقف والرؤى في شكل ردود فعل متوترة تحكمها الأهواء وتديرها الرغبات وفق نسق، بموجبه، يقع الاحتفاء بشعر هذه المرحلة وإعلاؤه وتمجيده واعتباره حلقة نامية في مسار الإبداع الشعري العربي عبر مختلف عصوره (1) أو تتم عملية تحقيره وتنفيها والتبرؤ منه واعتباره مجرد صنعة جاءت تعصف بالمنجز الفني للشعر العربي(2).

يستند الموقف المحتفي بشعر هذه المرحلة إلى اعتبار التاريخ حركة تطورية لا تعرف التوقف. نقرأ مثلا "لا يعقل أن يكون الفكر عقيما أو غير موجود، ثم يبعث حيا في العصر الحديث، لأن ذلك يخالف الجدلية المنطقية في فبيعة الأشياء وتطورها الحتمي."(3) هكذا ينطق البحث مستندا في صياغة فرضياته إلى ما يسميه "الجدلية المنطقية" المنبثقة من "طبيعة الأشياء وتطورها الحتمي". لكن الإلحاح على هذه الجدلية التطورية المفترضة في فبيعة الأشياء يتضمن، في ما خفي منه، تعريفا محددا للتاريخ. إن التاريخ، في هذا المنظور الذي يسلم بمقولة التطور الحتمي، ليس سوى حشد من الأنات المتعاقبة على نحو خطي تطوري. وهذا يعني الإقرار بأن التقدم في سلم الزمن حركة ينتج عنها تقدم حتمي مماثل على مستوى الإبداع. هذا الفهم التطوري للتاريخ لم يأت صدفة، بل هو الطريق المؤدية إلى تحقيق رغبة الباحث في انتشال شعر هذه المرحلة التي تنعت بكونها مرحلة خالية من كل إبداع أو إضافة، من الإهمال والنسيان. وانتشالها مشروط بمدى تمكن الباحث من إبراز مميزاتها وكيفيات تطويرها للشعر العربي. إذ لا سبيل إلى سد الفجوة الهائلة التي تفصل ما بين الشعر العربي القديم والشعر المعاصر، بين الإبداع تديما والإبداع في الراهن الثقافي، الا بإلغاء هذه الفجوة التي هالت مسار الثقافة العربية ومحو الانقطاع الذي أحدثته في مسار الشعر. وهذه مهمة مشروط تحققها بمدى نجاح البحث نفسه في الكشف من إبداعية شعر ما سمي "عصر الانحطاط" والإقناع بأنه لم يكن انقطاعا ولم يكن تصدعا وانكفاء، بل هو لحظة في مسار التحولات التي مافتئت القصيدة تنجزها منذ امرئ القيس إلى اليوم.

هكذا توضع الرغبة في مواجهة التاريخ. وما بين إلحاح الرغبة وعنت التاريخ ومكره يتشكل البحث محكوما بهاجس الكشف من الإضافات المفترضة. والحال أن الإحاطة بهذه الإضافات مسألة في منتهى الدقة. فهي لا يمكن أن تتم بالنظر في النصوص التي تنتمي إلى تلك الفترة فحسب، بل بالنظر في مجمل الشعر العربي وفي النظرية المرافقة له. ذلك أن الحديث عن الإضافة أو ئ التجديد والمغايرة يتطلب، بدوره، تمثلا للقوانين التي عليها جريان النصوص الشعرية القديمة ومحاصرة للرؤية التي تصدر عنها، سواء في ما يخص علاقة الشاعر بالكلمة وبالمعنى وكيفيات إنتاجه وتصريفه، أو في ما يتعلق بمفهوم الشعر ووظيفته وطرائق إنجازه في تصور الشعراء والمنظرين القدامي. فالإضافة إنما تعني انخراط النص الجديد في سيرورة الإبداع السابق عليه، والتنامي ابتداء منه، وافتتاح آفاق جديدة لا عهد لذلك القديم بمثلها. وهذا يعني أن الإحاطة بإضافات نص ما أو إضافات مرحلة شعرية ما إنما تقطب إحاطة مماثلة بالقوانين الخفية

التي تبني مجتمعة مسار الشعر في الثقافة التي ينتمي اليها.

تبعا لذلك، يصبح الشعر القديم نفسه منطقة للاستكشاف. وتصبح نظرية العرب القداس في الشعر والشعرية، بدورها، موضوع قراءة ومساءلة. فمن المحتمل أن تكون الظواهر أو السمات التي يعتبرها الدارس إضافات جاءت ترفد الشعر العربي وتجدد ناره ليست سوى تنويعات طفيفة على أصول من ذلك القديم نفسه أو مجرد تصرف شكلي في بعض أغراضه ومواضيعه وأساليبه وفق نسق، بموجبه، تصبح الإضافة المفترضة مجرد مظهر لا يرفد سيرورة الإبداع ولا يجدد حركة تناميه بل يعطل مساره ويعمق مأزقه.

أما الموقف الذي يصر أصحابه مملى تحقير شعر هذه المرحلة فإنه يعلن عن نفسه في شكل خطابات تتشكل طافحة بالتآسي على الذات والتفجع على الشعر العربي. والتآسي كثيرا ما يبلغ ذراه ويتحول إلى نوع من الرثاء تقوم به الذات فيما هي تستعيد تاريخها. لذلك كثيرا ما يطفح البحث في تاريخ الثقافة العربية ومرحلة "انحطاطها" بنوع من النياحة تعلن عن نفسها في شكل تعداد للمآسي والويلات، وترتسم صورة it الثقافة قاتمة فاجعة واقفة على شفا الأفول. يكتب محمود سليم رزق (4) مثلا:

وكان الفتح العثماني ضربة قاسية وجهتها الأقدار إلى الحركة العلمية بالقاهرة. فبعد أن كانت القاهرة قد حلت محل بغداد على إثر احتلال التتار لها، وصارت مزهوة بعلمائها وأدبائها ومساجدها الجامعة ودور كتبها المليئة. وبعد أن كانت عاصمة الإسلام ومقر الخلافة، ومهجرا للفضلاء من علماء العرب وأدبائهم، شرقا وغربا، تغيرت صفحتها وانعكست آيتها وصارت تابعة لا متبوعة، ولم تعد مركزا للعلوم والآداب الإسلامية. وانفض عنها العلماء، وانفض عنها الطلاب، وضاقت بها حلقات الدروس، وغاض معين العلم الصحيح، وقلت الرغبة في التأليف وهزلت المؤلفات، وأصبح أكثرها شروحا لمتون أو نحوها، أو مختصرات لكتب مطولة (…) وقد رجعت البلاد القهقرى في أيام احتلالهم. وارتبكت أمورها واعتلت مواردها، وتكاثرت فيها ضروب الفساد، وسادها الجهل، وساءت الصحة العامة وأقفلت المدارس، ونهبت دور الكتب. وغاض معين

الرزق عن الطلاب والعلماء فتضاءل عددهم، ولم يبق منهم إلا بقية بين الحياة والموت، تعيش بين جدران الأزهر. واضطر كثير من الناس إلى الهجرة نحو بلاد".

غير أن العديد من الباحثين إنما يرسمون هذه المرحلة في شكل مشهد قيامي حزين كي يتبرأوا مما قد جرى. وهم ينطقون من الواقعة السياسية ليعللوا أسباب التعطيل الذي عصف بالإبداع الشعري. لذلك يقع الإلحاح على أن سياسة التتريك في العهد العثماني هي التي عصفت بالشعر وبالآداب والفنون جميعها. ولذلك أيضا، يصبح البحث مفتوحا على النعي والرثاء، نعي اللغة العربية ورثاء شعرها وآدابها. وتصبح الدراسة فعل إنقاذ للعنصر العربي وإدانة للتر كي. حتى لكان البحث، في هذه الحال، إنما يصبح نوعا من المحاكمة هدف الباحث منها انتشال بني جنسه وتبرئتهم عن طريق توريط غيرهم. هذا التبرؤ العرقي يتحول لدى بعض الباحثين في المغرب العربي إلى تبرؤ إقليمي. فيقع الإلحاح على أن المشرق العربي هو الذي عرف الانحطاط منذ أواخر عصر العباسيين أما المغرب العربي فقد كان يعيش ازدهارا سياسيا وثقافيا لم ينته إلا بمجيء الاستعمار.(5)

إن التبرؤ، سواء كان عرقيا أو إقليميا، ليس خاليا من الدلالة. وهو إنما يعبر عن نوع من الوعي المأهول بالرعب مما قد جرى، دون أن يقع التفطن إلا أن التملص من التاريخ على هذا النحو لا يمكن أن يغير مما حدث شيئا، بل يفتح البحث نفسه على ما يجعل منه نوعا من المواجهة المستحيلة، مواجهة التاريخ بالرغبات والأهواء، بالتحايل والمغالطة. لاسيما عندما لا يكلف الباحث نفسه عناء إثبات مقدماته وتجسيد أحكامه ومقرراته باستقراء شواهد محددة. فهل تراجع الشعر العربي في هذه المرحلة نتيجة استيلاء العثمانيين على السلطة أم أن طرائق العرب القداس في تصريف الكلام الشعري وإجرائه وموقفهم من اللغة ومن المعنى وكيفيات إنتاجه كانت تحمل في تلاوينها جميع الأسباب التي ستضع الشعر في حضرة مأزقه؟ وما علاقة نظرية العرب القداس في الشعر والشعرية وموقفهم من المعنى بما آل اليه أمر الشعر من تراجع ووهن وانكفاء. الا تكون النظرية قد عصفت بحرية الشاعر، فيما هي تقنن الشعر وتضبط حدوده وممكناته ووظيفته وكيفيات إنجازه؟ فأسهمت بذلك في تعميق مأزق الشعر ودفعه على درب الاتباع والتقليد والصنعة، فصار مجرد نظم يحاكي منجزات الشعراء المتقدمين.

إن الشرط الاجتماعي أو السياسي يلون الفعل الإبداعي لكنه لا يحدده. ومن سيرورته الخاصة، من تاريخه الخاص، يستمد الفعل الإبداعي أسباب انكفائه أو أسباب اندفاعه وتطوره. لذلك كثيرا ما تكون الهزات السياسية الكبرى والتحولات الاجتماعية العميقة حافزا يجدد عبقرية الثقافات والأفراد. ولذلك أيضا تكون القراءة التي تتعامل مع النصوص الإبداعية من خارجها سواء بالاستناد إلى حياة مؤلفيها أو بالنظر في الظروف الاجتماعية والسياسية، مجرد قراءة تبسيطية لأن الفعل الإبداعي نفسه لا يخضع لشروطه الخارجية بل يستمد العديد من أبعاده وأسرار قوته من تاريخ الإبداع وسيرورته في الثقافة التي ينتمي اليها.

غير أن التعجيل بإصدار الأحكام في شأن شعر هذه المرحلة، دون الإحاطة به إحاطة دقيقة ودون النظر فيه في ضوء مجمل الشعر العربي عبر مختلف عصوره، كثيرا ما أسهم في تكثيف الغموض الذي يكتنف المرحلة نفسها. وجعل أغلب محاولات الإحاطة بأسباب انكفاء الشعر وتراجعه ووهنه تصبح قائمة على نوع من التفسير القسري الذي يلحق ما هو إبداعي شعري بما هو سياسي واجتماعي. ثم يقرأ الأول في ضوء ما يعرفه ئ الثاني. دون أن يقع التفطن إلى أن هذا الإجراء التبسيطي يمكن أن يريح الباحث من عناء السؤال وعنت الحيرة لكنه يظل، مع ذلك، إجراء تبسيطيا لا يجلي الغموض الذي يكتنف الظاهرة المدروسة، بل يعمقه ويكثفه. ذلك أن تفسير ما هو إبداعي وشعري بالانطلاق من الراهن السياسي يظل يوهم بأنه يبحث في سيرورة الإبداع وتحولاته ومتغيراته، فيما هو يحجبها جميعا لأنه لا يقوم بقراءة تلك السيرورة ويكشف عن مغالقها بل يستبدل موضوعا بموضوع. فلا يقع التفطن إلا أن العلاقة بين الفعل الإبداعي ومحيطا،

سياسيا كان أو اجتماعيا، علاقة إشكالية. إنها علاقة اتصال وانفصال، تنافذ وتغاير، تقاطع وتباعد في الان نفسه. ذلك أن الفعل الإبداعي، في لحظة تشكله، لا ينفتح على راهنه ومحيطه فحسب، بل ينفتح على تاريخا الخاص، أعني ما أنجز قبله من نصوص وإبداعات هي التي تؤثث ذاكرته وماضيا. فيحاورها ويتفاعل معها ويتغذى ببعض منجزاتها. وإبداعية نص ما وإضافاته المحتملة لا يمكن أن تقرأ إلا في ضوء ما يتمكن من تحقيقه وإنجازه مقارنة مع ذلك التاريخ وتلك السيرورة أي مقارنة بما أنجز قبله من إبداعات.

في ضوء هذه المقدمات قرأت شعر المرحلة وما يثيره من إشكالات. فتبين لي أن المرحلة تتوافر على كم هائل من الدواوين والشعراء مشرقا ومغربا.

فبالإضافة إلى شعراء من أمثال ابن النحاس الحلبي (حلب، ت 1642) والأمير منجك باشا اليوسفي (دمشق، ت 1669) وعلي الغراب (تونس، ت 1811) والكيراني الدمشقي(دمشق، ت 1759) وعبد الرحمن الفاسي(المغرب، ت 1712) يذكر المحبي في نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة المئات من الشعراء إذ (يذكر من شعراء دمشق وحدها مثلا 47 شاعرا). ونعثر بالإضافة إلى ذلك على عدد أخر من الشعراء المعروفين سأورد بعضهم في هذا الجدول.(6)

الشاعر
   

البلد
   

عدد
الابيات
   

عدد
القصائد
   

تاريخ
الوفاة

ابن النقيب
   

دمشق
   

382
   

2492
   

1670

ابن زاركة
   

بلاد شنقيط
   

25
   

694
   

1731

الموسوي
   

البصرة
   

85
   

3851
   

1676

ابو المعالي الطالوي
   

دمشق
   

160
   

2908
   

1605

احمد البهلول
   

طرابلس
   

30
   

1754
   

1701

الامير الصنعاني
   

اليمن
   

527
   

8043
   

1768

الحبسي
   

عمان
   

365
   

5218
   

1737

العشاري
   

العراق
   

189
   

4856
   

1780

الكوكباني
   

اليمن
   

116
   

2667
   

1601

المطران جرمانوس
   

لبنان
   

275
   

3275
   

1732

الهبل امير شعراء اليمن
   

اليمن
   

376
   

3589
   

1668

الورغي
   

تونس
   

75
   

1701
   

1776

عبدالرحمن الموصلي
   

دمشق
   

90
   

994
   

1706

عبدالعزيز الفشالي
   

المغرب
   

69
   

1016
   

1621

عبدالغني النابلسي
   

دمشق
   

951
   

13590
   

1730

محمد رشيد باي
   

تونس
   

11
   

190
   

1759

محمد الصفاقسي
   

تونس
   

85
   

712
   

1747

 

لكن الناظر في هذه الدواوين من جهة الأغراض التي عليها جريان الشعر يلاحظ أنها قد تشكلت محكومة من الداخل بنوع من الوعي الشقي مرده الحرص على تأكيد الانتماء إلى الشعرية العربية ومواصلة المنجز الفني للشعر العربي القديم من جهة، والرغبة العاتية في افتتاح دروب وأفاق لا عهد لذلك الشعر بمثلها من جهة أخرى. وهذا ما جعل الممارسات الشعرية تفتته هجراها في منطقة الخطر. يدفع بها هاجس التأصيل إلى التردى في الاتباعية والمحافظة. وتوصلها الرغبة العاتية في التجديد إلى حد الخروج من دائرة الشعر. أعلن هاجس التأصيل عن نفسه في شكل التزام بفرضي المدح و الهجاء، وتكريمي للقيم التي مجدها الشعراء القدامي، واستلهام لطرائقهم في توليد الاستعارات والتشبيهات والمجازات. وهو أمر يسهل على القراءة مهما كانت متعجلة أن تحيط به وتتمثل حجمه. أما الرغبة العاتية في افتتاح دروب لا عهد للشعر العربي بمثلها فإنها ترد عاصفة متوترة وتخترق أغلب الدواوين. وهي تعن عن نفسها في شكل ابتداع لألوان جديدة في الكتابة منها صناعة الألغاز والأحاجي والمعميات وفن التأريخ بالشعر. ومنها أيضا المدائح العرفانية والمدائح النبوية التي أدت إلى نوع من التماهي بين الخطاب الديني والخطاب الشعري. وهي جميعا أنماط من الممارسة الشعرية لم يعرفها الشعر العربي القديم. لذلك عدها بعض الباحثين (7) أمارة على الجدة والإضافة. وثمة أيضا نوع من التبسيط هال العبارة. فصار العديد من النصوص يتخلى عن المحسنات البديهية والاستعارات القسرية التي كثيرا ما حولت الشر إلى صنعة وزخرف لفني لا طائل من ورائه. وهذا من شأنه أن يجعل القراءة المتعجلة تسلم بوجود تبدل طال مفهوم الشعر وطرائق إنجازه وهال وظيفته أيضا.

لكن الناظر في هذه الأغراض المبتدعة من جهة مدى نجاحها في افتتاح دروب جديدة تخلص الشعر العربي مما فتئ يتردى فيه من صنعة وزخرف وتكلف، سرعان ما يلاحظ أن تلك الأنماط لم تكن انتشالا للشعر العربي من الصنعة بل كانت تعميقا لمأزقه. وهي توهم، في الطاهر، بأنها أمارة على حركية داخلية تعتمل في ذات الشاعر وفي ذات الشعر، وتعلن عن نفسها في شكل بحث من مواضيع لا عهد للشعر العربي بمثلها في ما سبق من تاريخه. وحينا أخر تتجلى في شكل تجريب لطرائق في الكتابة تكشف مدى اقتدار أصحابها على التفنن في تصريف الكلام وفي إجرائه وابتداعه. لكن قراءة النصوص التي تجسد هذه الحركية سرعان ما تضعنا في حضرة نوع من الوعي المعذب المضني. وهو وعي مداره التسليم المضمر المسكوت منه بأن الشعر نفسه قد وضع في حضرة مأزق أعتى من أن تواجه. وهو مأزق ستجعل كل محاولات التجريب مجرد حركية ظاهرية لا تنجح في تعميق أسئلة الشعر وتجديد ناره ولهبا، بل تمضي به قدما إلى الوهن والانكفاء، وتضعه في حضرة انقطاعات خطيرة تعطر تناميه وتمنع تجدده.

لا تعلن هذه الانقطاعات عن نفسها بشكل صريح، بل تتبع طريقة في الحضور قائمة على التخفي والمواربة، ولا تتجلى في ما تقوله النصوص بل في ما تكتم عليه. وهي لا تطال مستوى النص الشعري وكيفيات إنتاجه فحسب، بل تشمل منزلة الشاعر ومنزلة الشعر في المجتمع وعلاقة الشاعر بنصه وكيفيات تصوره لمفهوم الشعر ومفهوم التجديد. ثم تتسع وتمتد لتطال علاقة الشعر

ببقية أنماط الخطاب الفقهي والديني، وعلاقة 0صوص بقديمها وطرائق تعاملها مع ماضيها. لذلك قمت بتصنيف أهم هذه الانقطاعات وأشدها مضاء وحصرتها في النقاط التالية:
الانقطاع الاول: هوان الشاعر وضجره من الشعر

وهو نوع من التصدع طال علاقة الشاعر بشعره. وأعلن من نفسه في شكل حال من الشك في مدى جدوى الحدث الشعري نفسه. فصار الشاعر يجاهر بضيقه من الشعر وضجره منه. وسارت النصوص تطفح بالإخبار ممن هوان الشعر وهوان منتجه. ولم يعد الشاعر يجني من شعره غير الخيبة والمرارة. نقرأ لابن النحاس الحلبي (8) مثلا قوله (9):

غرست لكم من المدح ما اخضر عوده

                                        وألقت عليه الزهر عقدا من الزهر

وصارت عيون المشفقين قلائدا

                                        عليه وعين الحقد تنظر عن شزر

وقت: ستندى بالثمار أناملي

                                        فما كان الا ان قبضت على الجمر

وعدن كما عاد المسي، مذمما أغص

                                        بسكري وهو يحسب من وزري

وما ساء حظا كالذي اجتلب الهوى

                                        واسلمه محض الوداد الى الهجر

هذا التأسي على الذات كثيرا ما يتحول إلى اشهاد على أن الشاعر صار يحيا غريبا بين ناس ليس للشعر بينهم أي حظ وليس للشاعر أي نصيب. ويتحول الإشهاد نفسه إلى نوع من التجريح الذاتي يطفح بالندب على الذات والنياحة على الشعر. نقرأ للشاعر نفسه:(10)

رب مدح يزهى به الغير كالحلـ

                                        ـي معارا يزهى به المستعير

هان من أم بالمديح أناسا

                                        يستوي الشعر عندهم والشعير

ضاع شعري بين الكبار كما ضا

                                        ع سفاها بين العراة البخور

من معيني دهري اللئيم أم الحظ

                                        المنفي أم الحبيب النفور

كيف أرجو الخلاص بين ثلاث

                                        ويد الكل في قفاي تجور

وكثيرا ما يتحول الإشهاد على هوان الشعر وهوان منتجه إلى حد اعتبار الشعر محنة ورؤية وبلاء. وترتسم صورة الشاعر على أديم نصه في منتهى القتامة والقسوة. إنه يحيا وحيدا أعزل إلا من الشعر. وهو على يقين من أن الشعر ممارسة إبداعية قد ولى زمانها. لكنه لا يستطيع أن يخرج من جلده و يغير قدره. ولا يملك إلا أن يظل شاعرا. بل إنه يعلم يقينا أن الشاعر والشعر قد صارا ملكا للماضي. نقرأ مثلا: (11)

إلهي جعلت متاعي القريضا         وقد صار عندي يعد السنينا

ولم لا؟ وقد درست سوقه   كأطلال أربابه الأقدمينا

ولا بد للشعر من رازق                 فيا ويل من يقصد الباخلينا

قطف من روض شعري لهم         وأنثر درا على نائمينا

فيا رازق العالمين أغنني بفضك أقصد العالمينا

فهأنذا شاعر واقف            ببابك يا أكرم الأكرمينا

لقد مثل هذا الوعي المأسوي بمأزق الشعر وهوان منتجه واقعا جديدا جعل أغلب شعراء المرحلة يتناولونه في نصوصهم؛ ويصدرون عن الإحساس العاتي بأن الفجوة بين الشعر ومتقبليه مافتئت تتسع وتمتد وتوقع الشاعر في حبائل عزلة لم يشهد تاريخ الشعر العربي لها مثيلا.

وهي التي حدت من فاعلية الشعر حتى كادت تلغي دوره وتعطل وظيفته. عن هذا الوعي بانغلاق الآفاق كلها وانسداد الدروب جميعها يصدر منجك باشا اليوسفي؛ فترتسم عزلته على أديم النص فاجعة صادمة ولا عزاء (12):

بلد قد خلت من الحسن حتى            لا حبيب اليه قلبي يميل

وإذا ما نظمت شعرا فقل لي         أي شخص به المدير أقول

ويعبر الكيراني الدمشقي عن المأزق ذاته قائلا(13):

مازالت الأيام تضمر كيدها

لأولي النهى كالجمع تحت رماد

ضرب الزمان علي دون مطالبي

لما أبيت الذل بالأسداد

حسبي وحسبك يا زمان ظلمتني

                                واخذتني بجرائر الاجداد

اوقدت في الاحشاء نيران الاسى

                                ورميت رند الحظ بالاصلاد

وادقتني غصص التمرد بعدما

                                افردت عن سكني وأهل ودادي

فأنا الغريب وليس لي مؤنس

                                وأنا الاسير وليس لي من فاد

هكذا تتشكل النصوص طافحة بالتأسي طي الذات وملي الشعر. والتأسي هو ما يجعل منها خطاب إدانة واشهاد. وتشكلها على هذا النحو إنما يشير، صراحة، إلى أنها طالعة من تصدع تاريخي خطير طال علاقة الشاعر بنتاجه وعلاقته بمجتمعه. غير أن هذه المأزق التي جعلت الشاعر يضيق بشعره ويقرف من نفسه لم تكن وليدة هذه اللحظة التاريخية. إنها قادمة من بعيد. والناظر في ما كتبه النقاد والمفكرون القداس يلاحظ أنهم كانوا يصدرون، سواء في مؤلفاتهم التي عنيت بنقد الشعر والتنظير للشعر أو تلك التي وضعت تأريخا للأدب عموما، عن نوع من الإحساس المضني بالفقد. لذلك كثيرا ما يقع الحديث عن الشاعر باعتباره طريد فردوس فقد في الماضي. ولا رجعة، لا أمل في استرداد المكانة التي حظي بها الشعر والشاعر في مرحلة ما قبل الإسلام. حتى كأن الماضي هو زمن الشعر فعلا. وكل ما عداه ليس سوى رحيل بطيء نحو التفسخ والتحلل والضياع. من هنا تتأتى نبرة التأسي. ومن هنا يصبح الحديث عن الشعر ومصيره طافحا بكثير من الشجن. لقد كان النقاد والمنظرون القداس على وعي تام بأن محنة الشاعر ومأزق الشعر إنما تمثل حدثا تاريخيا شرع في الاعتمال منذ اللحظة التي زحزح فيها الشعر من مكانته مع مجيء الإسلام.

ههنا يتنزل حديث ابن خلدون (القرن 15م) عن لحظة الصمت التي أعقبت مجيء النص القرآني. فبمجيء القرآن "أخرست الألسن وسكتت."(14) فكان صمت. وكان اندهاش. ولم يكن الصمت والاندهاش مجرد عدول عن قول الشعر بل كانا انكسارا طال مسار الشعر العربي. لاسيما أن لحظة الصمت قد اتسع مداها ودام منذ انتصار النبي ودخوله مكة مظفرا وانتشار القرآن حتى نبوغ عمر بن أبي ربيعة. ولم يكن الصمت اختيارا أتاه الشاعر بل كان حدثا أكره عليه إكراها

أي أنه "أخرس فسكت" كما يعبر ابن خلدون. وهذه هي المرة الأولى التي تختل فيها عملية الإبلاغ الشعري وتتصدع العلاقة بين الشعر والمتقبل في تاريخ الشعر العربي. فلقد عزف الناس عن الشعر وانشغلوا عنه. بـ"أمور الدين والنبوءة والوحي."(15)

آن للمآزق إذن، أن تبدأ تاريخها.

وآن لمحنة الشاعر والشعر أن تشرع في نسج فصولها.

لم يكن هذا التصدع الذي طال عملية الإبلاغ الشعري مجرد فجوة حصلت في مسار الشعر، بل كان انقطاعا طال سيرورته، وتبدل طرأ على مكانة الشاعر في المجتمع. فلم يكن الإسلام مجرد ديانة تعني بالأمور الروحية وتعيد النظر في علاقة بني البشر بالسماء، بل كان دينا يحمل رؤية جديدة للإنسان وطريقة مقامه تحت الشمس. ويتضمن تصورا جديدا للمجتمع ينهض أساسا على استبدال مفهوم القبيلة بمفهوم الأمة. لقد جاء يفك الرباط القديم بين الفرد والقبيلة ليتسنى له خلق رابطة جديدة بين الفرد والأمة. لذلك كان من الطبيعي أن يؤدي تمزيق النسيج الاجتماعي القديم إلى تهاوي القيم التي ينهض عيها المجتمع القبلي وتبديل الأدوار التي ينهض بها الأفراد داخل النسيج الاجتماعي وإعادة تحديد مواقعهم في السلم الاجتماعي. هذا التبدل الذي طرأ على البنية الاجتماعية والبنية الثقافية هو الذي أدى إلى نوع من الزحزحة هالت مكانة الشاعر ومنزلقه في المجتمع.

كان الشاعر يحتل، في الفطام الاجتماعي القبلي الذي حرص الإسلام على تفكيكه، مكانة لا تضاهى. فهو الذي يخلد امجاد القبيلة ومآثرها في شعره. وهو الذي يواجه، في الكلمات وبالكلمات، أعداءها. لولاه لذهب ذكرها وطواها النسيان. فإذا كان سادة القبيلة وبقية فتيانها يذودون عنها وعن حياضها لحظة منازلة الأعداء بسيوفهم وأجسادهم، فإن الشاعر يشاركهم في ذلك ويتميز عنهم جميعا من جهة كونه هو الوحيد الذي يقدر على منازلة الزمن ومقاومة النسيان. فبالكلمات، بسلطانها، بما تمتلكه الكلمات من مقدرة على انتشال أيام القبيلة ومآثرها وامجادها من السقوط في غياهب النسيان يمكن الشاعر بني قومه من عبور الهاوية الفاصلة بين سطوة النسيان وإغواء الخلود.

لم يكن الشعر في مجتمع ما قبل الإسلام مجرد وسيلة في فأمة المجموعة إذن. ولم يكن الدور الذي ينهض به الشاعر مجرد دور اجتماعي. لقد كان الشعر فعل وجود. به تفلت القبيلة من سطوة النسيان. وبه تضمن لأمجادها ومآثرها وأيامها البقاء والاستمرار على مر السنين. وكان الشاعر هو الذي ينهض بهذا الفعل العظيم: منازلة النسيان وسطوته. لذلك مجد الشاعر والشعر ونالا الحظوة والسؤدد والمكانة. فالشاعر سيد مثل عمرو بن كلثوم. وهو فارس مغوار مثل دريد بن الصمة وعبد يغوث الحارثي. وهو أمير لحالب ثأر يحاول ملكا مثل امرئ القيس. وهو عبد يرفعه الشعر إلى مرتبة السادة والفتيان مثل عنترة. ولم يكن الاعتراف بفضل الشاعر على المجموعة مقتصرا على ما حظي به من مكانة وعلو منزلة في السلم الاجتماعي فحسب، بل تعدى ذلك إلى ما هو ثقافي وعقائدي. فلقد وسعت المجموعة للشاعر مكانا في متخيلها الجماعي. فأحاطته بهالة أسطورية: "أنزلته منزلة النبي" كما يذكر ابن سينا (16)، ونسجت المخيلة الجماعية من حوله العديد من الأخبار والحكايات التي تلح عي أنه كائن خارق. إنه يقيم على الأرض مثل بقية بني البشر. لكنه يستمد رؤاه من السماء ومن الملائكة والشياطين (17) واليه نسبت النباهة والذكاء ويقظة الحواس. حتى أن كلمة الشاعر نفسها إنما وضعت للدلالة على من يفوق الناس كلهم في الفطنة. فهي إنما اشقت من فعل "شعر" الدال على الفطنة إذ "الأصل قولهم شعرت بالشيء إذا عمته وفطنت له. وليت شعري أي ليتني عمت ا…) وقالوا سمي الشاعر شاعرا لأنه يفطن لما لا يفطن اليه غيره" (18) هذا ما نقرأه في معجم مقاييس اللغة.

كان الإسلام إذن. وابتدأت التحولات تاريخها. فلم يكن الدين الجديد بالنسبة إلى الشاعر مجرد عزون عن ديانات الأجداد وقيمهم -وهذا الأمر يمثل في حد ذاته تجربة روحية ونفسية في منتهر القسوة – بل كان منازلة مصيرية في منتهى الخطورة. إن معجزة النبي هي الكلمة. والشاعر ليس سوى "أمير كلام." بالكلمات نال الرفعة والمكانة. وبمقدرته على التصرف فيها وإجرائها وفق ما يلبي حاجات المجموعة اجتماعيا وجماليا حني بالسؤدد والمجد. لذلك لم يكن الصراع بين النبي والشعراء أقل عنفا من المعارك التي خاضها ضد أعدائه، بل كان أكثر قسوة وأشد مضاء. يروى مثلا أن النبي أهدر دم العديد من الشعراء من أمثال ابن الزبعرى وابن خطل وابن حبابة وأبي عزة، وقتل كثيرين منهم. والثابت تاريخيا أن النبي قد عفا عن العديد ممن واجهوه بالمال والسلاح من أمثال أبي سفيان وهند أكلة كبد عمه حمزة. لكنه كان شديدا مع الشعراء لعلمه بما يمتلكه الشعر من سلطان، وما تمتلكه الكلمات من فاعلية في الوجدان الجماعي. وابن تتيبة يورد في الشعر والشعراء محاورة بين كعب بن زهير وأخيه بجير تكشف مدى الشدة التي واجه بها النبي من عاداه من الشعراء (19).

ولنا أن نعتبر وقفة كعب بن زهير تائبا بين يدي النبي، لحظة أنشده قصيدة "بانت سعاد"، في معناها الرمزي أيضا. فالقصيدة قد كتبت في مدح النبي. لكن الطابع الجنائزي الذي داخل المدح وعلق به إنما يشير صراحة إلى أن الشاعر كان على يقين من أنه قد فقد السلطة على الكلمات، وفقد معها المنزلة التي كانت له في ما مضى من الزمان. إن كعب بن زهير لم يختر توبته بل اكره عليها إكراها بعد أن ضاقت الأرض، على سعتها، به وانسدت دروب الخلاص كلها في وجها. لقد أيقن بالهلاك فانقاد تائبا. وهذا يعني أيضا أنه لم يكن، في وقفته تلك، يمدح النبي ويعدد خصاله فحسب، بل كان يعترف له بالسلطة المطلقة على الكلمات. لقد كف الشاعر عن كونه سيدا على الكلمات وعقد رئاستها لغيره. بل إن الدلالة العميقة لهذه اللحظة التي مثل فيها الشاعر في حضرة النبي منقادا، وجلا، ممنيا النفس بالنجاة هي البداية الفعلية للحظة الصمت التي أشار اليها ابن خلدون. وسواء اختار الشاعر الصمت طلبا للنجاة مثلما فعل كعب بن زهير، فسكت لأنه أيقن بأن الكلمات ستقوده إلى حتفه، أو سكت لأنه أيقن بأن للقرآن سلطة على وجدان الناس عصفت بسلطة الشعر وقلصتها، أو لأنه دفع إلى الصمت وشجع عليه مثل لبيد (20) فإن النتيجة تظل واحدة: لقد ألجم الشاعر وفقد سيطرته على الكلمات. رحل ذلك الزمن الذي كانت القصائد فيه تحاط بهالة من التمجيد وتعلق على جدران الكعبة. شرع النظام القبلي الذي كان الشاعر يحتل فيه مكانة لا تضاهى، في التفكك والانحلال. فابتدأ اليتم تاريخا.

ولن تكون الحقبة الممتدة من لحظة كعب بن زهير الذي شهد مجي، الإسلام حتى شعراء هذه المرحلة (نهاية القرن الـ15 إلى نهاية القرن الـ 18)، سوى رحيل بطيء على درب الهبوط والمرارات. ولن تكون محاولات شعراء الحب الذين أعلنوا شرعة الخروج على المدينة الإسلامية ومجدوا اللذات والأهواء والنزوات من أمثال عمر بن أبي ربيعة وديك الجن ووضاح اليمن، لن تكون محاولات كل من أبي نواس وبشار بن برد والمتنبي والمعري في تكريس فكرة الخروج على الممنوعات والمحرمات -لن تكون كلها- سوى محاولات للعودة بالشعر إلى ما كان عليه في فترة ما قبل الإسلام. إنها ثارات الشعر التي ما تفتا تعاود الظهور بين الفترة والفترة فيما المأزق تستكمل شروطها وتمضي بالشاعر والشعر على درب الهوان.
الانقطاع الثاني: تعطل عملية الابلاغ الشعري

يعلن هذا الانقطاع عن نفسه في شكل توتر طال العلاقة الضرورية المفترضة بين الشعر والمتلقي. وهو حدث يوهم بأنه قد شرع في التشكل في تلك المرحلة. والحال أنه ضارب بجذوره في تاريخ الشعر العربي وسيرورته. فلقد يعتمل في صميم الثقافة العربية طيلة أحقاب. وطيلة أحقاب أيضا كان يستكمل شروطه قبل أن يتجلى في شكل تصدع عصف بالعلاقة بين الشعر ومتقبله. ولما كان المتقبل طرفا في عملية الإبلاغ الشعري بدونه تنمحي فاعلية الشعر، ويلغى دوره الاجتماعي، وتعطل وظيفته الجمالية، فإنه من الطبيعي أن يقود تصدع العلاقة بين الشعر والمتقبل إلى خلل في عملية الإبلاغ الشعري نفسها. وسواء تجلى هذا الخلل في شكل عزوف للناس عن الشعر أو في شكل إقبال على النصوص التي ليس لها من الشعر والشعرية إلا الوزن و التقفية، فإنه يظل سببا من الأسباب التي أدت إلى تعميق الفجوة بين الشعر والمتقبل ووضعت الشعر في حضرة مأزق حدت من فاعليته ومضت بعزلة الشاعر إلى ذرى لم تشهد الثقافة العربية لها مثيلا. واختلال عملية الإبلاغ، جماليا كان أو فكريا، لا يكون ويشرع في العمل إلا في الثقافات التي تعيش تأزما عجزت عن تخطيا أو في الثقافات التي تمر بلحظات تصدع تاريخي خطير.

لهذا الانقطاع تاريخا إذن. وله أيضا مداه. لقد عني به المفكرون القدامى قصد الإحاطة بالشروط التي أدت إلى تطيل عملية الإبلاغ الشعري وقادت إلى انكفاء الشعر ووهنه وعزوف الناس عنه. والثابت أن هذه الأسباب المعطلة عديدة ومتنوعة. بعضها يرجع إلى الشاعر ومدى قدرته على تأصيل الشعر ومعرفة أسرار الكلام وبدائعه: وبعضها الآخر يعود إلى ما طال اللغة نفسها من ضياع وتلاش. حتى أننا إذا نظرنا في هذه الأسباب من زاوية البحث عن مسؤولية كل طرف من أطراف عملية الإبلاغ الشعري ودوره في ما آلت اليه أمور الشعر من وهن وانكفاء وانحسار يمكن أن نخلص من ذلك إلى إدانة الجميع: الشاعر والشعر والمتقبل والشرط التاريخي. إن القطيعة بين الشعر والمتقبل ليست أمرا هينا. وهي ليست حادثا يعرض ثم يزول، بل فيحدث جلل يتهدد الفعل الإبداعي نفسه. إنها ظاهرة يمكن أن تفتتح قدام الشعر تاريخ أقوله وزواله وتلاشيه. ولشاعر دوره في كل ذلك. وله أيضا مسؤوليته.

ومرد هذه القطيعة عجز الشعراء من تأصيل الشعر وذلك بإجراء الكلام وفق حاجات الشعر وشروطه التي تضمن له أن يكون مبتدعا لم يسبق اليه ويظل متنزلا في دائرة الشعر. فالتأصيل حركة مفتوحة على الآتي وعلى الممكن والمحتمل. إنه لا يعني الانشداد إلى القديم لمحاكاته أو لإعادة إنتاج منجزه الفني بل يعني التنامي ابتداء منه وذلك بفتحه على ممكناته. لا سيما أن الشعر ممارسة لها ذاكرتها. ولها تاريخها أيضا. والفعل الإبداعي نفسه إنما يستمد فاعليته من مدى انفتاحه على ذاكر ته واستلهامه لما علق بها من خبرات، كما يستمدها من مقدرته على الانخراط في تاريخ الإبداع في الثقافة التي ينتمي اليها. من هنا يعسر التأصيل والتجديد وجهين متلازمين لحركة واحدة. ويصبح تحقق أحدهما مشروطا بحصول الآخر. ومن هنا أيضا تتأتى مسربة التجديد وإكراهاته حتى أنه لا تجديد دون تأصيل. لذلك يؤدي الحرص على التجديد، دون وعي بهذا التلازم الجدلي الذي تنبني عليه هذه الحركة، إلى الخروج من رحاب الشعر وأقاليمه والتوغل في رحاب التيه. لأن التجديد، في هذه الحال، يصبح نوعا من المحو، محو الذاكرة. ويمس أيضا نوعا من الخروج من التاريخ وعليه، وإدلاجا في التيه والخلاء.

إن الشرط التاريخي قد أسهم بدوره في هوان الشعر وضياعه. لقد كانت الفتوحات وما نتج عنها من اختلاط بين الألسن والأعراق حافزا فجر العديد من طاقات الإبداع في الثقافة العربية وعاملا من أهم العوامل التي مكنت هذه الثقافة من تجديد أسئلتها وتنويع معارفها وخبراتها. لكنها شكلت، في الآن نفسه، خطرا على اللغة ومدى تمكن الناس من تملك عبقريتها والإحاطة بقوانينها. عن هذا الخطر حدثنا القرطاجني(21) (القرن 13 م)،في نبرة جازمة: "وانما هان الشعر على الناس كل هذا الهون لعجمة ألستنهم واختلال طباعهم. فغابت عنهم أسرار الكلام وبدائهه المحركة جملة فصرفوا النقص إلى الصنعة، والنقص بالحقيقة راجع اليهم وموجود فيهم.

إن عجمة اللسان هي نوع من الخروج من عالم اللغة، بموجبه، يعجز المرء عن التصرف في الكلمات وفق ما يفي بحاجاته التعبيرية والجمالية، إيصالا وتقبلا. جاء في لسان العرب (22) مادة "عجم": "الأعجم: الأخرس. والعجماء والمستعجم: كل بهيمة… سميت عجماء لأنها لا تتكلم، قال: وكل من لا يقدر على الكلام فهو أعجم ومستعجم… تقول: هذا رجل أعجمي إذا كان لا يفصح، كان من العجم أو من العرب. "يعني هذا أن عجمة اللسان حدث في منتهر الخطورة. لا سيما أنها لا تتهدد طرفا واحدا من أطراف عملية الإبلاغ الشعري بل تعصف بجميع الأطراف:

الشعر والشاعر والمتلقي. فهي إنما تقود، من جهة كونها نوعا من العجز عن الإحاطة بالقوانين التي عليها جريان الفظ م اللغوي، إلى انكفاء مقدرة الشاعر على التصرف في الكلام وإجرائه وفق ما يضمن له القراءة والابتداع. وتؤدي، في الآن نفسه، إلى وهن الشعر وضعفا واكتفائه بالمألوف والمعاد والمكرور لأن العجز عن الابتداع يوقع الشعر في مجاراة العادي من الأقاويل أو في اقتفاء أثر المشهور المتداول ومحاكاته وتقليده. ولعجمة اللسان مخاطر أخرى. فهي التي تجعل المتلقي عاجزا عن تبين أسرار الكلام، فتشتبه عليه الطرق ويضيع الفارق بين الشعر والكلام الذي صور في صورة الشعر من جهة الوزن والتسجيع والتقفية.

العجمة انحباس في اللسان. ارتباك يطال ملكة التصرف في اللغة. تجاذب لحظة إجراء الكلمات بين سلطان الكلام وسطوة الصمت. لذلك عدها القرطاجني بمثابة قوة معطلة للفعل الإبداعي، ماحية لجميع طاقاته. واليها أرجع ما آل اليه أمر الشعر من هوان. وهي ليست ظاهرة جدت في عصره بل هي حدث تاريخي له تراكماته وأطواره. فلقد بدأت قبل ذلك بكثير وتواصلت من بعده. يكفي هنا مثلا أن نعود إلى مقدمة لسان العرب ومنجد ابن منظور(القرن الـ14 م) يشهد، في

نبرة طافحة بالشجن، على يتم اللغة العربية وانحسارها بعد أن أهملها ناسها و "تفاصحوا" في غيرها من اللغات. يكتب في مقدمة كتابه (23) مبينا أسباب شروعه في تأليفه:

فإنني لم أقصد سوى حفظ أسول هذه اللغة… وذلك لما رأيته قد غلب، في هذا الأوان، من اختلاف الألسنة والألوان، حتى لقد أمس اللحن في الكلام يعد لحنا مردودا، وصار النطق بالعربية من المعايب معدودا. وتنافس الناس في تصانيف الترجمانات في اللغة الأعجمية، وتفاصحوا في غير اللغة العربية، فجمعت هذا الكتاب في زمن أهله بغير لغته يفخرون وصنعته كما منع نوح الفك وقومه منه يسخرون.

بهذا أيضا يحدثنا ابن خلدون في المقدملا24) فيذهب إلى أن "عجمة اللسان هي التي دفعت إلى التكلف والصنعة. وهي التي قادت الكتاب إلى تعسف الكلام وإكراهه على التشكل وفق طرائق تضمن لأصحابه التستر عن عجمة ألستنهم والتكتم على عجزهم عن التصرف في الكلام وفق حاجات الجنس أو الفرض الذي فيه يكتبون. وهو يرجع عجمة اللسان وما ينتج عنها من تطيل للقوة الخالقة التي عليها جريان الإبداع إلى الشروط التاريخية التي حفت بالثقافة العربية. فيذهب إلى أنها كانت نتيجة طبيعية للفتوحات واختلاط اللغات والأعراق. وهي أيضا نتيجة حتمية لخروج الحكم من أيدي العرب واستيلاء غيرهم من الأعاجم على أمور الملك والسياسة.(25) والشروط نفسها هي التي أدت إلى إيجاد متقبل غير عارف بطرق الكلام وأسراره، غير قادر على تمييز الشعر من الكلام الذي صور في صورة الشعر أو ذاك الذي استعار منه البعض من مكوناته. ولم يكن وجود هذا الصنف من المتقبلين غير العارفين ببدائع الكلام دون نتاج. فبه استكملت الأزمة شروطه. وبه تمت الدائرة.

إن انغلاق الدائرة طي الشاعر والشعر والمتقبل هو الذي مكن المأزق من توسيع دائرتها. فسرعان ما أدى التواطؤ المسكوت عنه بين الشاعر والمتقبل، على تشييء الشعر والتعامل معه من زاوية قيمته التبادلية النفعية، إلى هوان الشعر. "فصار غرض الشعر في الغالب إنما هو الكذب (…) وأنف منه لذلك أهل الهمم والمراتب من المتأخرين وتغير الحال وأصبح تعاطيه هجنة في الرئاسة ومذمة لأهل المناصب الكبيرة. والله مقلب الليل والنهار."(26)

هكذا كف الشعر عن كونه فعل وجود. وكف النص عن كونه فضاء فيه تسترد الذات حريتها وتنكشف بكل أبعادها. ولم تعد الممارسة الشعرية ضربا من الابتداع لطرائق في التعبير جديدة توسع إدراك الإنسان بالعالم. صار الشعر مجرد نظم لا غاية لواضعه منه سوى التكسب والارتزاق. كف أيضا عن كونه كتابة تكشف رؤية الشاعر للعالم وموقفه من قضايا الإنسان. وصار صنعة ذات قيمة تبادلية. ثمة تبدل طال الموقف من الشعر. ثمة تغير طرأ على موقف الشاعر والمتقبل. فابتدأ الأفول تاريخا. هذا الإحساس المضني بالأفول القادم، بالنهايات الفاجعة، هو الذي مافتئ يعاود الظهور ويلون وعي المفكرين والمنظرين العرب منذ القرن الـ10 م. عنه صدر ابن طباطبا مثلا، فتحدث عن محنة شعراء زمانه.(27) ومنه انطلق ابن منظور فأعلن أن كتابه يشبه، من جهة المهمة التي يهفو إلى تحقيقها، فلك النجاة الذي صنعه نوح قبل حصول الكارثة. وعنه صدر ابن خلدون فألف كتاب "العبر" ليمنح الأجيال اللاحقة فرصة الاعتبار مما حدث حتى لا يحدث مرة أخرى. وهو الذي جعل حازم القرطاجني يختار لكتابه عنوانا يجسد رغبته في مغالبة هذا القدر العاتي: إنه منهاج للبلغاء في زمن التباس الطرق؛ وهو سراج يمكن أن يهدي الأدباء في عتمة الليل الطويل الذي بدأ يطبق على الشعر العربي.

هذا أيضا ما تلح عليه بعض الدراسات الحديثة. من ذلك مثلا ما يشير اليه إحسان عباس (28) في ما يخص حال الشعر في القرنين الـ12 والـ 13 م، إذ يذهب إلى أن اللغة العربية قد زحزحت عن مكانتها وجاءت اللهجات العامية لتنوب عنها في الاضطلاع بدورها. وكان من نتائج عملية الانحسار تلك أن الشعر العامي شهد انتشارا واسعا إنتاجا وتقبلا. وهو أيضا ما يذهب اليه حسن حسني عبد الوهاب في كتابه مجمل تاريخ الأدب التونسي إذ يجزم بأن ضياع الشعر في تونس في المرحلة المسمدة بعصور الانحطاط لم يأت من قبيل الطفرة بل جاء نتيجة "لفساد اللغة الفصيحة بتوالي أزمنة الجهل" (29) والجهل باللغة هو الذي أدى إلى انتشار الشعر العامي ورواجه بشكل عمق مأزق الشعر المكتوب باللغة العربية وزاده يتما ووهنا.

الهوامش:

1- أدونيس، الثابت و المتحول، بيروت: دار العودة، 1974، ج، ص 53-55: وانظر أيضا عمر موسى باشا، تاريخ الأدب العربي: العصر العثماني، بيروت: دار الفكر المعاصر ودمشق: دار الفكر، 1989، ص 5 و ص 77-78.

2- انك مثلا هبا الواحد لؤلؤة، منازل القمر: دراسات نثرية، لندن: رياض الريس للكتب والنشر 1990، ص 45-46: وانظر كذلك محمود سليم رزق، تاريخ الأدب العربي: في العصر العباسي الثاني والعصر التركي، القاهرة: مطابع سجل العرب، 1968، ص 418-419: وانظر أيضا الهادي حمودة الغزي، الأدب التونسي في العهد الحسيني، تونس: الدار التونسية للنشر، 1972 ص 11-37.

3- عمر موسى باشا، ص 5.

4- محمود سليم رزق، تاريخ الأدب العربي: في العصر العباسي الثاني والعصر التركي، ص

418-419. يعبر الهادي حمودة الغزي عن الموقف ذاته، انظر الأدب التونسي في العهد الحسيني، ص 11 و ص 37 و ص 418-420.

5- اس الجراري، الادب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه، الرباط: مكتبة المعارف الجديدة، ط3، 1986، ص 174.

6- الموسوعة الشعرية، ضمن موقع المجمع الثقافي (أبوظبي)، عبر شبكة الانترنيت.

7- انظر مثلا عمر موسى باشا،ص 5و ص 77-78.

8- اسمه المنلا فتح الله بن عبد الله، عرق بابن النحاس الحلبي المدني ويعتبر من أهم شعراء المرحلة. لذلك ترجم له معظم مؤرقي الأدب. ذكره المحبي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر 3/257، و في نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة 2/507-508. والبغدادي في

إيضاح المكنون 1/300 وكحالة في معجم المؤلفين 8/520 والزركلي في الأعلام 5/333.

9- ابن النحاس، الديوان، بيروت: المطبعة الإنسية، 1313هـ، ص 70.

0ا- نفسه، ص 63.

11- نفسه، ص 64.

12- الأمير منجك باشا اليوسفي، الديوان، القاهرة: المطبعة الحنفية ,1301هـ ص 121.

12- الكيواني، الديوان، القاهرة: المطبعة الحنفية، 1301هـ، ص 61-69.

14- ابن خلدون، المقدمة، بيروت: دار الكتاب العربي (د.ت)، ص 581.

15- نفسه.

16- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء،، تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة، تونس: دار الكتب الشرقية 1966، ص 122، 124.

17- انظر بديع الزمان الهمذاني، المقامة الإبليسية، بيروت: دار الشرق المطبعة الكاثوليكية، الطبعة 6(د.ت).

18- أبو الحسين أحمد بن فارس، معجم مقاييس اللغة، تحقيق عبد السلام هارون، طبع دار إحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركاه الطبعة الأولى 1368هـ

19- ابن قتيبة، الشعر والشعراء، بيروت: دار الثقافة، 1969، ص 1/23-24.

20- فمما يروى من عمر بن الخطاب أنه قال للبيد: "أنشدني من شعرك". فقرأ سورة البقرة، وقال: "ما كنت لأقول شعرا بعد أن علمني الله سورتي البقرة وال عمران. فزاده عمر في عطائه

خمسمائة درهم وكان ألفين"، انظر ابن قتيبة، الشعر والشعراء، ص 1/196.

21- حازم القرطاجني، منهاج البلغاء وسراج الأدباء،ص 124-125.

22- ابن منظور، لسان العرب، بيروت: دار صادر (د. ت) المجلد 12.

23- لسان العرب، المجلد 1، ص 8.

24- ابن خلدون، المقدمة، ص 554-568.

25- نفسه، ص 566.

26- ابن خلدون، المقدمة، ص 581.

27- ابن طباطبا العلوي، عيار الشعر، بيروت: دار الكتب العلمية،1982، ص 15.

28- إحسان عباس، تاريخ النقد الأدبي عند العرب، بيروت: دار الأمانة و مؤسسة الرسالة، 1971، ص 496.

29- حسن حسني عبد الوهاب، مجمل تاريخ الأدب التونسي، تونس: مكتبة المنار، 1968، ص 235.
 
محمد لطفي اليوسفي (ناقد واكاديمي من تونس)

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …