أخبار عاجلة

الاقتباس انتقال عبر ثقافي

في معجم المصطلحات العربية، ترتبط كلمة (الاقتباس) في جذرها اللفظي (قبس) بالنور والنار وبانتقالهما المادي تارة والمعنوي تارة من مكان لآخر مثلما تؤخذ النار من وعاء لوعاء أو تنتقل الصورة عبر ميكنة الضوء من واقع مادي لواقع مادي آخر. تتضمن الكلمة أيضا معنى النقل والاستيحاء والاستعادة والاستشهاد وإعادة الصياغة والتحوير، وأصبحت ترتبط في الأذهان بنقل النص من حال لحال، مثل اقتباس نص مسرحي عن نص مسرحي آخر، أو اقتباس رواية للسينما، إلخ. وعلى الرغم من تعدد معاني الاقتباس إلا أن الكلمة في مجال النقد السينمائي العربي تشير بشكل لا يخلو من الاختزال لتحويل النص الأدبي لعمل سينمائي باعتباره اقتباسا لفكرة أو قصة سردية ومحاكاتها باستخدام الصورة، والواقع أن الاقتباس هو شبكة معقدة من العمليات الإبداعية والتقنية التي تتجاوز مستوى الحكاية وتتصل في جوهرها بعمليات أخرى لا تقل تعقيدا عن عملية الحكي باستخدام وسائط مختلفة. من بين تلك العمليات الابداعية والتقنية التي أود تفصيلها هنا عمليات الترجمة والتعريب والتمصير (فيما يخص السينما المصرية) والتي أشير إليها بوصفها عمليات «انتقال عبر ثقافي». على صعيد آخر، يبتعد لفظ الاقتباس بالعربية عن فكرة التأقلم والتكيف والتعود التي تتضمنها المفردة الأجنبية (adaptation بالإنجليزية أو بالفرنسية) وهو المعنى الذي أرغب في التذكير به هنا ضمن الحديث عن الاقتباس باعتباره انتقالا عبر ثقافي وذلك بهدف تفصيل وتحليل مستويات انتاج المعنى التي تتضمنها عمليات الاقتباس سواء من وسيط لوسيط آخر أومن لغة وثقافة بعينها للغة وثقافة أخرى. بعبارة أخرى، أرى أن هناك عددا من المصطلحات المجاورة باتت ضرورية لفهم أبعاد عملية الاقتباس السينمائي، وهي مصطلحات تتضمن في مجملها فكرة العبور أو الانتقال بين الوسائط والأنواع والثقافات واللغات، فيما يمكن أن نسميه اختصارا «الاقتباس عبر الثقافي» transcultural adaptation.
هذا الانتقال العابر للحدود والأنواع، للثقافات واللغات، يراه بعض المتخصصين في مجالات أخرى مغايرة لمجال الدراسات السينمائية بمثابة «ترجمة» translation وفقا لنظرية الأنساق المتعددة Polysystem Theory. يتبنى هؤلاء ومن بينهم كاتريس وبراسيل (Cattrysse and Brussel) فكرة ترجمة العمل الأدبي لعمل سينمائي باعتبارها عملية إعادة كتابة (مثلها مثل الترجمة) يتحول من خلالها نص ما إلى نص آخر باستخدام لغة مغايرة وسياق ثقافي مغايرi. في مجال الدراسات السينمائية، يرى برايان ماكفرلين (Brian McFarlane) في كتابه المرجعي «من الرواية للفيلم. مقدمة في نظرية الاقتباس» الصادر بالإنجليزية عام 1996، أن الاقتباس هو عملية تخييل تتقاطع مع خيال القارئ ولا تتماهى معه، فالاقتباس قراءة ضمن قراءات أخرى للنص الأدبي ليس بوسعها أن تشفي غليل القارئ النهم الذي عادة ما يعتبر أن الاقتباس السينمائي خيانة للعمل الأدبي. ويذهب ماكفرلين إلى دراسة الفروق بين التحويل والاقتباس، مشيرا إلى أن تحويل القصة transfer narrative من الوسيط الأدبي للوسيط السينمائي ممكنة، على حين يتعذر تحويل فعل القول ذاته enunciation من الأدب للسينما، والمقصود استحالة إلغاء أو تجاوز الفروق الجوهرية بين وظائف الكلمة ووظائف الصورة، أو بين الحكي والفرجة. والخلاصة أن التفكير في الاقتباس العابر للثقافة هو بمثابة تأكيد على خصائص وآليات العبور والتحول والانتقال في عملية الاقتباس، واستدعاء فكرة العبور والتحول والانتقال جنبا إلى جنب مع فكرة الاستيحاء والاستعادة والتحوير كلما جرى الحديث عن الاقتباس السينمائي.
يتأسس الاقتباس بداهة على حركة تأويلية في صلبها، محورها هو ترجمة وتفسير وتحويل وتبديل نص لنص آخر. نتفق أولا أن النص الأول هو في ذاته نص متعدي transtextual، بمعنى التعدد والتجاوز، تجتازه نصوص أخرى سابقة، وينفتح على نصوص لاحقة بلا شك. كذلك النص الثاني، السينمائي في حال الاقتباس للسينما، هو أيضا نص متعد لا ينقل فقط عن النص الأول بعض أحداثه وبعض أبطاله وبعض وظائف الحكي فيه، بل ينقل أيضا عن تقاليد السينما المستقرة ويحيل إليها كما ينفتح على تقاليد التجريب فيها ويسعى إليها قدر الإمكان. أما كاتب السيناريو المقتبس عن نص أدبي فليس بوسعه أن ينكر تشابك تلك المستويات جميعها في عملية النقل والترجمة والتأويل أثناء كتابة الفيلم المأخوذ عن نص أدبي. تلك النظرة للاقتباس ليست بالضرورة هي الأعم والأكثر انتشارا بين الباحثين في هذا المجال. يشير كرانتز وميليرسكي (Kranz and Mellerski) في مقدمة كتاب In/Fedelity إلى تحرر الدراسات السينمائية من فكرة الأمانة في اقتباس العمل الأدبي للسينما في مقابل خضوع تلك الدراسات لقوانين الحوارية والتناص إلى حد يجعلها أسيرة للنقد ما بعد البنيوي كما هو الحال في دراسات روبرت ستام (Robert Stam) على سبيل المثال.ii ليس ثمة نسق واحد عام وشامل في دراسة الاقتباس، إنما هي اتجاهات متجاورة في النقد تستحق أن نتوقف عندها بشكل مقارن، وفي حال تلك الدراسة، بشكل عابر للثقافات.
سأكتفي هنا بالتذكير بثلاثة مستويات لعمليات الانتقال من نص لنص، أراها تتقاطع في بعض الأعمال السينمائية مع بعضها البعض بحيث يصعب فهم ونقد العمل السينمائي دون الالتفات لشبكة العلاقات التي تنبني عليها تلك العمليات.
1. هناك أولا عملية الانتقال من نص روائي لنص سينمائي، وهو المفهوم الأكثر شيوعا لما يسمى بالاقتباس، مثل اقتباس هاملت للسينما العالمية أو ثلاثية نجيب محفوظ للسينما المصرية.
2. وهناك ثانيا الانتقال من نص سينمائي أصلي لنص سينمائي يحاكيه، وهو الشكل الذي يطلق عليه لفظ ريميك remake، مثل استعادة فيلم سايكو (1960) لألفريد هيتشكوك في فيلم بنفس العنوان عام 1998 من اخراج جص فان سنت أو استعادة «المخدوع» (1971) لجص فان سنت في فيلم بنفس العنوان من إخراج صوفيا كوبولا (2017).
3. وهناك كما أشرنا الاقتباس عبر الثقافي transcultural adaptation والريميك عبر الثقافي remake transcultural والمقصود بهما انتقال النص ليس فقط من وسيط أدبي لوسيط سينمائي بل ومن لغة وثقافة بعينها للغة وثقافة أخرى. يتم ذلك عبر الترجمة الأدبية وعبر عمليات مركبة من النقل والتأويل الثقافي أقترح أن نأخذها في الحسبان. الانتقال عبر الثقافي هو ما درجنا على تسميته في سياق الترجمة المسرحية مثلا بعملية «التعريب» أو في سياق السينما المصرية بعملية «التمصير» إشارة إلى نقل نص أجنبي إلى السينما المصرية سواء كان النص الأول أدبيا (في حال اقتباس عبر ثقافي) أو سينمائيا (ريميك عبر ثقافي). أحد أمثلة التقاطع بين الاقتباس والريميك ما نجده في فيلمي لك يوم يا ظالم (1951) والمجرم (1978) وكلاهما لكاتب السيناريو نجيب محفوظ والمخرج صلاح أبو سيف عن رواية تريز راكان للكاتب الفرنسي إميل زولا. الدارس للفيلم الأخير (المجرم) عليه إذن أن يأخذ بعين الاعتبار كون الفيلم ريميك مصري لفيلم مصري مقتبس عن أصل أجنبي.
لا شك أن التقاطعات المحتملة بين تلك المفاهيم عديدة، وإن كنت أزعم أن كل اقتباس هو عملية ترجمة ثقافية حتى وإن جاءت في إطار لغة واحدة. يحيلنا ذلك لإشكالية أخرى هي إشكالية الثقافة بمعناها الإنساني والطبقي والتاريخي الواسع باعتبارها ممارسة عابرة للحدود التي تفرضها التصورات والممارسات القومية أو الإقليمية الضيقة، تتنوع وتتعدد أصولها وروافدها داخل اللغة الواحدة وفي قلب الثقافة الواحدة. الثقافة السينمائية المصرية على سبيل المثال هي خليط من ثقافات غربية وعربية، شرقية وأوروبية، لا سبيل لفصلها عن تاريخ السينما العالمية وتاريخ الأدب العالمي حتى وإن طبعت بطابع المحلية المصرية والإقليمية العربية. على صعيد آخر، ثمة خصائص عابرة للثقافة من داخل الوسيط الفني ذاته تتعلق بإنتاجه وتوزيعه وتلقيه وخصوصية الفكر القائم على انتاجه. فعلى سبيل المثال، تخضع السينما كما يخضع الأدب في مصر لشروط انتاجية وسياقات تلقي تختلف أحيانا بشكل جذري عنها في دول عربية أو أوروبية أخرى، خاصة وأن الأدب مازال ينظر إليه باعتباره فنا نخبويا في مقابل انتشار وشعبية الفن السينمائي، كما أن مساحة التجريب في الأدب تتسع في بعض الأحيان لتفوق المساحة المتاحة للتجريب في السينما وذلك لأسباب إنتاجية ورقابية بالأساس.
التمصير: اقتباس عبر ثقافي
يندرج كل من الاقتباس والريميك في سياق الانتقال العابر للثقافات كما أسلفنا، ويتطلب تناولهما من هذا المنظور تنوع أدوات التحليل ومناهجه باستخدام الأدب المقارن ونظرية الفيلم ومناهج الدراسات الثقافية فضلا عن أدوات النظرية الأدبية والترجمة وتحليل النص مما لا يتسع المجال لتفصيله في البحث الراهن حيث يختص كل مجال بمناهجه وأدواته البحثية، لذا أكتفي هنا بالتنويه بأهمية أن نأخذ هذه السياقات والمناهج في الحسبان عند تحليل العلاقة بين النص الأدبي والنص السينمائي. لكني سأغامر هنا بوضع ثلاثة مصطلحات في سياقها النقدي الذي أراه ملائما لشبكة العمليات والتراكيب التي أشير إليها باعتبارها اقتباسا عبر ثقافي، حيث يرتبط سياق البحث في جانب من جوانبه بقضايا الاقتباس والريميك وفي جانب آخر بقضايا التعريب والتمصير.
أما الاقتباس فعلينا أولا تخليصه من سياق المقارنة الحرفية (الحكائية) بين أصل روائي وفرع سينمائي وما استتبعها من تسطيح وتبسيط لمفردات الانتقال والتحوير الثقافي التي تميزه كعملية إبداعية. فقد تم التركيز على مدى عقود طويلة على قضية الأمانة أو انعدامها في نقل العمل الأدبي للسينماiii، وتجاهلت الدراسات السينمائية إلا فيما ندرiv اشكالية الاختلاف الجوهري بين الوسيطين الأدبي والسينمائي. اليوم أصبح من المستحيل تطبيق مبدأ أمانة النقل على عمليات مثل الترجمة الأدبية والاقتباس السينمائي دون الاخلال بطبيعة العمل الابداعي التي تتسم بتعددية الوسائط والوسطاء وبالتالي باتساع رقعة التأويل والتحوير وإعادة الصياغة. إن المبدأ القائل بضرورة تحرى الأمانة في النقل والذي عفا عليه زمن الدراسات البينية والمقارنة يحيل لمعيار حصري للقيمة الفنية لا محل له من عملية الإبداع حيث أصبح هذا المعيار مثل ظل باهت يخفت كلما توغل النص في علائق عابرة للنوع عابرة للثقافات. ولكن على الرغم من انحسار ثنائية التناول الأخلاقي (أمانة النقل في مقابل خيانة النص) تظل الدراسات المعنية بنقل عمل أدبي أجنبي للسينما القومية نادرة أو قيد التطوير والاحتمال وهو ما أحاول هنا التطرق إليه نظريا باستخدام تعبير الاقتباس عبر الثقافي من خلال نماذج التمصير السينمائي.
الريميك كما نعلم هو إعادة انتاج لحبكة فيلم سبق انتاجه باستعادة بنية الفيلم والشخصيات والخطوط الأساسية للقصة السينمائية كما جاءت في النص السينمائي الأول، بما يسمح بإعادة تأويل الفيلم أو الأفلام السابقة وأيضا بتحديث السياق الزمني للفيلم، وفي أحيان نادرة بنقل الفيلم السابق شوت-باي-شوت، أي لقطة بلقطة كما هو الحال في ريميك فيلم سايكو (1998). تجدر الإشارة هنا إلى تقاطع الريميك مع الاقتباس في حال إعادة إنتاج فيلم مبني على نص أدبي ولكن باستلهام الفيلم (أو الأفلام السابقة) المأخوذة عن نفس النص الأدبي. على سبيل المثال روميو وجولييت له العشرات من الريميك، بعضها يستلهم الأفلام السابقة ويعتبر في الوقت نفسه اقتباسا للنص الأدبي، وبعضها لا يصح بحال اعتباره ريميك نظرا لابتعاده عن الجماليات المستقرة في تحويل مسرحية شيكسبير لفيلم سينمائي (مثال ذلك فيلم باز ليرمان المقتبس عن روميو وجولييت عام 1996).
أما التمصير السينمائي فهو عملية اقتباس عبر ثقافي مركب تشمل اقتباس وتمصير نص أدبي عالمي للسينما المصرية مع استلهام نصوص سينمائية سابقة أثناء عملية الاقتباس. في مجال التمصير السينمائي، ثمة نماذج شهيرة تستلهم نصوصا ذائعة الصيت من الأدب الفرنسي مثال غادة الكاميليا والبؤساء والكونت دي مونت كريستو وتنحو لإعادة انتاجها وفقا لجماليات الأفلام الأوروبية والأمريكية المأخوذة عن تلك الروايات. تلك الأفلام المصرية هي مثال لما يمكن اعتباره تمصيرا مركبا يخضع لمستويات متعددة من النقل والتحوير: في المقام الأول هناك مستوى التواسط intermedialityv الخاص بتحول الوسيط الأدبي لوسيط سينمائي، وهو ما اصطلح على تبسيطه باستخدام تعبير الاقتباس من الأدب للسينما. وثانيا هناك مستوى الانتقال عبر الثقافي vitransculturality والذي ينبغي تفصيله إلى عمليات ومستويات متراكبة: أولها عملية الترجمة الأدبية من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، والتي اصطلح على اعتبارها ترجمة لغوية تنخرط بالضرورة في حوار ثقافي لا فكاك منه بين الثقافتين العربية والفرنسية. وثانيا عملية ترجمة الثقافة الفرنسية الأوروبية في القرن التاسع عشر للثقافة المصرية العربية في منتصف القرن العشرين من خلال الاقتباس للسينما. وثالثا، عملية الريميك عبر الثقافي في حال اعتماد الفيلم المصري ليس فقط على الأصل الأدبي المترجم وإنما على فيلم أمريكي أو أوروبي مقتبس عن تلك الروايات. مثال ذلك أفلام «الغندورة» (1935) لماريو فولبي، و«ليلي» (1942) لتوجو مزراحي و«عهد الهوى» لأحمد بدرخان (1955) و«رجال بلا ملامح» (1972) لمحمود ذو الفقار وغيرها من أفلام مصرية أخذت عن رواية غادة الكاميليا (1848) لالكسندر دوماس الابن وتقاطعت مع أفلام أوروبية وأمريكية عن نفس الأصل الأدبي من بينها «غادة الكاميليا» اخراج أبيل جانس (1934) و«كاميل» إخراج جورج كيوكر (1936). وفي اعتقادي أن التمصير السينمائي لتلك الأفلام مر بمراحل متشابكة من الاقتباس عن النص الأدبي بلغته الأصلية (قبل ترجمته إلى العربية) والاقتباس عن النصوص السينمائية السابقة (أو الريميك) مع تكييف النص ثقافيا لملاءمة ذائقة المتفرج المصري والعربي (المتحركة والمتبدلة في ذاتها) عبر تلك العقود.
جريمة في جزيرة الماعز والمخدوع
أما النموذج الذي أريد تناوله هنا باختصار فيعد أقل شهرة من غيره من عيون الأدب العالمي وهو اقتباس وتمصير مسرحية «جريمة في جزيرة الماعز» (1946) للكاتب المسرحي الإيطالي اوجو بيتي (Ugo Betti) ، من ترجمة سعد أردش (نشرت الترجمة في ثمانينيات القرن العشرين) والتي تم تحويلها للسينما المصرية في فيلمين عرضا عام 1991، الأول من حيث تاريخ العرض هو «رغبة متوحشة» سيناريو وحيد حامد وإخراج خيري بشارة وتمثيل نادية الجندي وسهير المرشدي ومحمود حميدة، والثاني هو «الراعي والنساء» إخراج على بدرخان الذي شارك في كتابة السيناريو مع عصام شرشر وعصام علي وشارك بالتمثيل فيه سعاد حسني ويسرا وأحمد زكي. أما المسرحية الإيطالية فتحكي عن ثلاث نساء، أم وابنتها وأخت الزوج، يعشن في سلام على جزيرة يربين فيها الماعز حتى يصل الجزيرة رجل غريب تقع النساء الثلاث في حبه وينتقمن منه بقتله حين يتضح أنه غرر بهن جميعا. الفيلمان المصريان يتجنبان الخوض في العلاقة الشائكة بين الأم والابنة والغريب حيث يصور الفيلمان علاقات حب حسية بين زوجة مات زوجها وشقيقة الزوج المطلقة فيما يتوارى حب الابنة التي تحاول لفت انتباه الغريب في خلفية المشهد.
خرج الفيلمان المصريان «رغبة متوحشة» و«الراعي والنساء» بعد نحو عشرين عاما على عرض فيلم أمريكي مأخوذ عن قصة شبيهة بعنوان «المخدوع» (1971 The Beguiled) إخراج دون سيجل وتمثيل كلينت ايستوود وجيرالدين تشابلن عن رواية الكاتب الأمريكي توماس كولينان (1966) وسيناريو ألبرت مالتز. يحكي فيلم «المخدوع» عن فترة الحرب الأهلية الأمريكية، حيث تعثر مجموعة من السيدات والفتيات في الجنوب الأمريكي على جندي مصاب تابع للجيش الاتحادي الأمريكي، ويقمن بإسعافه، ثم تتطور العلاقات العاطفية بينه وبين ثلاث من النساء من أعمار مختلفة، حتى يكتشفن تحايله عليهن ويبدأن التآمر ضده لقتله. نشرت رواية توماس كولينان عام 1966 ، أي عشرين عاما بعد صدور مسرحية اوجو بيتي «جريمة في جزيرة الماعز». والجدير بالذكر أن مسرحية أوجو بتي كانت قد عرضت على مسارح برودواي عام 1955 كما نشرت ترجمتها إلى الإنجليزية عام 1961، وفيما يبدو أن الروائي الأمريكي توماس كولينان قام باقتباس وأمركة المسرحية لتلائم سياق الحرب الأهلية الأمريكية ولتلائم أيضا أخلاقيات المجتمع المحافظ الأمريكي، فبدلا من انشاء علاقات حب بين الغريب والأم وابنتها كما هو الحال في المسرحية، تحدث العلاقة بين الغريب وثلاث شخصيات نسائية لا تربطهن علاقة دم، هن مديرة المدرسة والمعلمة والطالبة الشابة.
هذا النموذج الفريد من الاقتباس والريميك جدير بأن نتوقف عنده قليلا لتحليل العلاقة بين الفيلمين المصريين وبين النصوص الأدبية والسينمائية الأخرى التي تتقاطع معهما. أولا هناك علاقة الفيلمين المباشرة بالمسرحية الإيطالية والتي تؤشر لمستويات الاقتباس والترجمة الأدبية والتمصير. ثانيا هناك علاقة مباشرة أو غير مباشرة تنشأ بين الفيلمين المصريين والفيلم الأمريكي (1971) وتحيل إلى مستوى من التقاطع بين النصوص يمكننا أن نسميه ريميك عبر ثقافي. ثالثا، ثمة علاقة انتحال وأمركة تنشأ بين الرواية الأمريكية والفيلم الأمريكي من ناحية والمسرحية الإيطالية من ناحية أخرى، تتقاطع مع الجهد المصري في تعريب المسرحية على يد سعد أردش وتمصيرها سينمائيا على يد على بدرخان وخيري بشارة. يزداد الأمر تعقيدا كلما تقدم الزمن وظهرت أفلام وروايات أخرى من شأنها أن تقارب تلك الشبكة الأولى، فقد أعيد إنتاج فيلم «المخدوع» (2017) مؤخرا في أمريكا من إخراج صوفيا كوبولا وتمثيل كولن فاريل ونيكول كيدمان وكريستين دانست. يضيف الريميك الأخير طبقة أخرى من طبقات التعقيد لا ترتبط فقط بنقل نص أدبي للسينما بل بتكوين شبكة من العلاقات الفنية والجمالية تفتح مجالا لتأويل وتداول الأعمال الفنية سواء الروائية أو السينمائية عبر ثقافات وأزمنة متنوعة وتحقق نوعا من الاستمرارية والتواشج العابر للحدود الذي من شأنه أن يؤلف إنسانيا بين الأضداد وفنيا بين الأنواع والوسائط.

يحيل ملخص الحكايات في تشابهها واختلافها إلى نوع من الاقتباس قد يرضي بشكل كبير المهتم بتأسيس المقارنة على عناصر التشابه والاختلاف في بناء الحكاية والشخصيات بين العمل الأدبي والعمل السينمائي، لكني لن أتوقف طويلا أمام تلك العناصر خاصة وأن بعض النصوص النقدية والصحفية اهتمت بهذا المنحى بشكل مباشر. فعلى سبيل المثال ذهب البعض مثل الناقد أحمد عبد المنعم رمضان للتأكيد بأن فيلم «رغبة متوحشة» هو ابن السينما الهوليودية، أما «الراعي والنساء» فهو أوروبي الطباعvii. ينطلق هذا الرأي من موقع الرصد والتحليل لمدى قوة التأثيرات السينمائية الأجنبية على الفيلمين إلا أن تسطيح القيمة الفنية باستدعاء التضاد السهل بين السينما الأوروبية وبين السينما في هوليوود إشكاليا. فالتعميم فيما يخص السينما الأوروبية مخل خاصة وأنه يحصر ملامح هذه السينما في كونها تعنى بالبحث في النفوس والدوافع وبعيدة عن التشويق. في حين نجد ان الناقد ينكر على السينما في هوليوود ثراءها وتعددها ويحصرها في ملمح واحد من ملامحها الأكثر شعبية وهو التشويق والإثارة. هو رأي تشوبه بعض الصحة ولكن يجانبه الصواب والتدقيق العلمي. وفي رأيي أن التأمل في عمليات الاقتباس والريميك والتمصير على تعقيدها من شأنه أن يلقي الضوء على الفروق الجوهرية بين الفيلمين وأن يربطهما بسياقات أعم وأشمل، هي سياقات عابرة للثقافات وعابرة للقوميات، بل ومتعدية للأنواع والوسائط الأدبية والسينمائية.
ما أسعى إليه هنا هو تتبع رحلة الفيلمين في تقاطعهما مع نصوص أخرى وترديدهما لأصداء من تلك النصوص عبر وسائط مختلفة (من المسرح للسينما مرورا بالرواية) وعبر ثقافات مختلفة (من الإيطالية للمصرية-العربية مرورا بالأمريكية) بل وانفتاح تاريخ كل الفيلم بعد صناعته وعرضه على أفلام أخرى تالية له تؤسس لسياق عابر للثقافات بعيدا عن مبدأ التأثير والتأثر يسمح بتأويل العمل السينمائي باعتباره سطحا ضمن ألف سطح (لو شئنا استخدام التعبير الدولوزي الشهير) تبني علائق ديناميكية متعدية للثقافات القومية بين النصوص وتبتعد جزئيا أو كليا عن مركزية الذات الأوروبية الغربية باعتبارها الفاعل التاريخي الوحيد والمؤثر في انتاج الفن وتداوله.
ترتبط ملامح التمصير في فيلمي «الراعي والنساء» و»رغبة متوحشة» بعدد من محاور الانتقال عبر الثقافي نجملها فيما يلي:
أنساق التعبير ومنها الحوار واداء الشخصيات الجسدي والإيمائي: فمن خلال الحوار وشريط الصوت (على خلاف الحوار المسرحي المعرب باللغة الفصحى)، ينقلنا الفيلمان لمستوى اللغة العامية المصرية، باستخدام تعبيرات مصرية صميمة لا تسمح لجماليات الترجمة الأدبية بأن يكون لها النصيب الأكبر من الاهتمام. هذا الشكل هو انتقال عابر للثقافة من داخلها وذلك من خلال عملية تمصير عامية للنص المعرب بالفصحى الأمر الذي يتيح للفيلم فرصة التواصل مع جمهور أوسع ومتوقع، هو جمهور السينما. فضلا عن تمصير أسماء الشخصيات الأجنبية في المسرحية المعربة (الأرملة أجاتا تصبح ناهد وبيا الإبنة تصبح وفاء وأنجيلو الغريب يصبح سيد النصاب في فيلم «رغبة متوحشة»)، يأتي أداء الشخصيات الجسدي والإيمائي مطبوعا بالطابع المحلي أيضا. في «الراعي والنساء»، تحب الابنة سلمى عمر الشريف وعبد الحليم حافظ فيقلد حسن عمر الشريف لإضحاكها، ثم حين يستقر به الحال في البيت الجديد، يؤدي مشهدا غنائيا يقلد فيه اسكتشات غنائية من فيلم «عنبر» (1948) اخراج أنور وجدي باستخدام طاقات عرفت فيما سبق عن الممثل أحمد زكي في مجال تقليد النجوم والمحاكاة الضاحكة. وتتسم العلاقة بين عزة الأخت وحسن بالحسية منذ البداية حيث يجمعهما القارب في رحلات صيد متكررة، تكون فيه عزة هي المسؤولة عن رمي الشباك وجمعها (في استعارة بصرية واضحة لدور المرأة في لعبة الغواية) فيما يقوم حسن بدور الرجل التاريخي في قيادة القارب (وفي الانسياق للغواية).
يأتي رسم الشخصيات السينمائية في فيلم «رغبة متوحشة» موسوما بقدر من الافتعال لا يخلو من الاستشراق كما نرى في تقديم شخصية ناهد الزوجة الأرملة (نادية الجندي) حيث يتم التمهيد لظهورها على الشاشة بموسيقى «شهرزاد» لريمسكي كورساكوف وتظهر في أول لقطة لها وهي تقرأ كتابا بالفرنسية عن عصر السلاطين فتبدو مثل أميرة حداثية خارجة لتوها من خيال عابر للثقافات يستدعي ألف ليلة وليلة من منظور هوليوودي تدعمه الموسيقى وملابس الشخصية ويذكر بسياق «جريمة في جزيرة الماعز» كأصل أجنبي للفيلم المصري. أجاتا في «جزيرة الماعز» امرأة من طبقة متوسطة جافة المشاعر تفتح قلبها للغريب حتى تكتشف خيانته لها، أما ناهد في «رغبة متوحشة» فهي زوجة باشا فاسد، تقطن في فيلا نائية في الصحراء، ترتدي ملابس فروسية تستوحي ملابس علماء التنقيب عن الآثار في الخيال الأمريكي، وتقدم بذلك للمتفرج المصري خليطا فريدا من ملامح مركبة تمثلها بشكل مكرر بطلة الشباك نادية الجندي التي تظل وفية لصورتها النمطية في أفلام سابقة (مثل «شهد الملكة»). ما يراه المتفرج فعليا هو نادية الجندي متنكرة في شخصية ناهد المرأة الفولاذية التي لا يقهرها الحب وإن استسلمت له، على حين يسمح الاقتباس عن نص أجنبي بتخيل وتمثل شخصية هي مزيج من الأفكار المسبقة والمتداولة عن المرأة في الثقافة الغربية (القارئة، الفارسة، سيدة الأعمال، إلخ). ناهد فضلا عن ذلك تحتقر المال ولا تسعى إليه، بل تشكك في حب سيد لها ولا تتورع عن صده مذكرة إيانا بشخصية مارتا مديرة بيت الطالبات في فيلم «المخدوع». يفرد المخرج لناهد مونولوجا نمطيا عن الحب قرب نهاية الفيلم مصحوبا بموسيقى متوترة تارة وحانية تارة أخرى تعليقا على شعور ناهد بالخيانة وقرارها الانتقام بضرب سيد على رأسه واسقاطه في البئر مع شقيقة الزوج، تماما كما تقرر مارتا قتل ماكبري في «المخدوع» في غيبة إدوينا.
عملية التمصير تمر إذن بشكل مادي عبر جسد وتاريخ الممثل على الشاشة وليس فقط عبر النص المكتوب والمترجم أو عبر نص الحوار المعرب والممصر. هي عملية انتقال مادي عابرة للثقافات تعيد للأذهان فكرة التكيف والتلاؤم التي تتضمنها مفردة adaptation بالإنجليزية والفرنسية وتتجلى عبر عناصر الواقع المادي وتأويلاته المختلفة، سواء من خلال مادية جسد الممثل، مادية المكان أو مادية اللفظ المنطوق والموسيقى. في «الراعي والنساء»، تقدم شخصية وفاء (سعاد حسني) نمطا غريبا عن نمط الفتاة الشقية الذي دأبت على تقديمه البطلة الأشهر في تاريخ السينما المصرية في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وفاء امرأة منهكة، عملية، وهي ربة منزل عاملة ومدبرة، بينها وبين أخت زوجها صراع مضمر وعتاب مستمر يجعلها تبدو في الموقف الأضعف، الأقرب للدخيل على البيت مثلها مثل حسن الغريب القادم من السجن. يجمعها بحسن رغبة في الخروج من الأسر والتحرر من شظف الحياة ومراراتها المتكررة، لكنها تظل أقرب لنمط المرأة الحنون في السينما المصرية، فهي أم رؤوم وزوجة تواقة للاستقرار وامرأة طيبة القلب مؤهلة للانسياق وراء عاطفة الحب الوليد بلا تحفظ على العكس من ناهد-نادية الجندي في «رغبة متوحشة». تقابل وفاء في «الراعي والنساء» شخصية عزة أخت الزوج القاسية، المطلقة، القادرة على الغواية وعلى القتل، المتمسكة بالأرض وبالميراث وبالرجل الذي تعتقد أنه بات ملكها وهي الأقرب أيضا بملامحها النفسية لإدوينا في فيلم «المخدوع» التي تعد والحال هذه وسيطا بين شخصيات «جزيرة الماعز» وشخصيات «الراعي والنساء».
واقع المكان والزمان: كما هو معروف تدور أحداث مسرحية أوجو بتي في إيطاليا عقب الحرب العالمية الثانية في مزرعة منعزلة تقطن فيها أرملة سجين حرب وأخته وابنته. النساء يقمن على رعاية الماعز وهي حيوانات أليفة وكاسحة في الوقت ذاته تأتي على الأخضر واليابس وتكاد تشبه في وحشتها النساء الثلاث بعد سقوطهن في هوى الغريب (أنجلو) الذي يغويهن عن عمد ويسعى لتدمير العلاقة بينهن. في الاقتباس المصري اختار المخرج خيري بشارة البيئة الصحراوية خلفية لتصوير عزلة الشخصيات على حين اختار المخرج على بدرخان مكانا نائيا على بحيرة، تحيل لعزلة الجزيرة في المسرحية، ويسمح بحصر العلاقات في الثالوث المؤنث والرجل الدخيل.
شخصية سيد في «رغبة متوحشة» تصل لهذا المكان الموحش في الصحراء سعيا وراء كنز مدفون يعرض على النساء الثلاث اقتسامه معهن. ملامح شخصية سيد هي ملامح «الرجل السيد» ذي الأصول الشعبية الذي لا يتورع عن الإيقاع بالنساء وصولا لأغراضه في الثراء السريع والاستقرار بعد الخروج من السجن في قضية نصب. تمصير الشخصية والمكان ونقل زمن الأحداث للحظة راهنة بعيدة عن زمن المسرحية يحقق للفيلم قدرا من النجاح الجماهيري وينقله نوعيا من حديقة الدراما النفسية إلى ساحة أفلام المغامرات الاستشراقية التي تحتلها بجدارة شخصية الرجل الماكر المغامر الدنيء. سيد هنا هو الأقرب لشخصية ماكبرني المخدوع في الفيلم الأمريكي (1971 و2017) والذي لا يتورع عن عمد عن اغواء ثلاثة أجيال من النساء على خلفية الصراع السياسي بين الشمال الأمريكي (موطن الجندي الغريب) والجنوب الأمريكي (موطن الأحداث والنساء في الفيلم). بل ويلقى سيد حتفه بنفس الشراسة التي يلقى بها ماكبرني عقابا جسديا مبرحا على يد أكثر الشخصيات النسائية شبقا وتمردا وغيرة، ادوينا، التي تتسبب في كسر ساقه وبترها ومن ثم تتلاحق الأحداث حتى تقرر النساء قتله viii.
أما حسن في «الراعي والنساء» فيعود بنا إلى ملمح أكثر رومانسية وأقرب لأنجلو زميله الإيطالي في مسرحية أوجو بتي. حسن أيضا «حسن النية» في سياق لعبة الغواية، حين يعرض جسده وقوته على الأرملة وأخت الزوج فهو يفعل ذلك في مقايضة سريعة تساعده طبيعة المكان النائي ووحشته على تحقيق هامش الربح فيها. يؤثر حضور حسن على المكان تأثيرا كبيرا ويحقق لذاته مكانة بسبب قدرته على إنقاذ قارب جرفته الريح لعمق البحيرة أو تبديد العزلة ومقاومة الطبيعة القحط بسواعده الفتية واصراره على الاستقرار بل وحل محل صديقه المتوفى في حلم زراعة الأرض. تتسع رقعة المكان أيضا لتشمل المحيط الخارجي فهناك من ناحية البحيرة التي تضفي مسحة بهجة على صورة المكان المنعزل، ومن ناحية أخرى القرية التي يذهب إليها الأبطال بواسطة سيارة جيب لقضاء حوائج البيت. يتسع المكان إذن وتتسع شبكة الشخصيات الثانوية فنرى مثلا صاحب محل البقالة وعددا من أهالي القرية الذين يستنكرون خروج الزوجة الأرملة بصحبة رجل غريب مما يسمح بتوسيع رقعة العالم الواقعي وتمصير العلاقات الاجتماعية بما يتلاءم مع توقعات المتفرج المحلي. بل ولكي يوغل على بدرخان في تمصير العمل السينمائي، نراه يستعين بصوت الكروان على مشاهد خارجية للبيت في الليل في استدعاء مباشر لأحد كلاسيكيات السينما المصرية (فيلم «دعاء الكروان» إخراج بركات) كمعادل صوتي يتنبأ بمأساة موت حسن واشتراك النساء الثلاث في الجريمة بدرجات متفاوتة.
أما الزمان فمطبوع في الفيلمين بطابع الآنية السينمائية التي تخضع لطبيعة الألوان ونمط الملابس والماكياج والديكور ومراحل الممثلين العمرية وتاريخهم الفني على الشاشة، غير أنه زمن لا يربط الحكاية قسرا بالتسعينيات كما أن مسرحية أوجو بتي تحاول الفكاك من أسر الأربعينيات بنقل المشاعر لمنطقة الصراع النفسي بين الغواية والامتلاك. يظل الزمن قابلا للتحرك عبر أزمنة متنوعة، ليس فقط على مستوى زمن الحكاية كما حدث في إطار أمركة مسرحية أوجو بتي في فيلم «المخدوع»، ولكن عبر فعل الفرجة الذي يجدد فرصة تأويل زمن الحكاية بوصلها بزمن الفرجة.
إن الهموم التي تشغل الشخصيات في فيلم «الراعي والنساء»، مهما بدت كونية تظل ذات صبغة محلية، مصرية. في مشهد هام من الفيلم تعبر الابنة من خلال لعبة الكلمات المتقاطعة عن أفكار كونية مثل الشر، الغريزة، والامتلاك، التي يضفي عليها الفيلم صبغة محلية تحيل لمواقف مستقرة في ذاكرة السينما المصرية: فالشر نراه في قصة الزوج الذي يلفق له أهله تهمة اختلاس لأنه تجرأ على الزواج ممن يحب ضد رغبة الأهل. والغريزة والامتلاك نراهما في علاقة عزة شقيقة الزوج بالمكان العائلي وبحسن كامتداد ومعادل لشقيقها الغائب. كما أن قصة حسن نفسه الذي يعمل بالتهريب لكنه يقع فعليا في حب الأرملة وفاء هي بمثابة تمهيد ميلودرامي لحتمية موت الغريب لا نجده في المسرحية الأصلية. هكذا يقع حسن في نهاية الأمر ضحية لغريزة التملك التي تحرك النساء الثلاث بدرجات متباينة ويأتي موته كحادث عرضي وغير مقصود على يد الابنة سلمى ليتيح لعزة شقيقة الزوج البقاء على الأرض وامتلاك البيت على أنقاض موت مأساوي ويتيح في الوقت ذاته لوفاء الهروب من جحيم السجن العائلي مع ابنتها. الشر يعاقب إذن (شر الغواية بمقياس السينما السائدة في مصر) والوفاء سواء للزوج الميت أو للحبيب الغريب ينجو من العقاب أما الندم فيكون من نصيب من تحركه الغريزة وحب الامتلاك.

خاتمة
إن إخضاع الفيلمين المصريين «رغبة متوحشة» و»الراعي والنساء» لأسئلة الاقتباس النظرية من منظور مقارن هو محاولة لتوسيع قاعدة المقارنة وفهم عملية تداول المعنى وتبديل وتوفيق القصة ووظائف الشخصيات عبر ثلاث ثقافات مختلفة، الإيطالية والأمريكية والمصرية، فضلا عن دراسة العلائق عبر النوعية transgeneric بين المسرحية الإيطالية والرواية الأمريكية والسينما المصرية مرورا بالسينما الأمريكية، مع تقييم عملية تداول المعنى هذه باعتبارها ترجمة عابرة للثقافات. من هذا المنظور المتحرك يبدو لي الاقتباس بوصفه حالة من حالات الانتقال والترحل، رحلة وسفر ووصول، مثله مثل الخروج من متاهة في أرض مطروقة، معروفة مسبقا، من باب لم يسبق الدخول أو الخروج منه من قبل. هو اكتشاف ومد للجذور في أرض بكر تتجدد بتجدد حركة العابرين بها، بل هو شبكة من الجذور تتجاوز ما قيل في هذه الدراسة لتشمل فنونا أخرى تتقاطع مع فنون وثقافات مغايرة للفنون والثقافة القومية. في مجال الدراسات السينمائية، لا ينبغي أن تنحصر مهمة الباحث في الإشارة لوجود تلك الشبكة المعقدة من العلائق الفنية والجمالية والثقافية، بل عليه تفكيك تلك الشبكة وإعادة تركيبها بما يسمح بفهم ونقد قوانين وشفرات العمل السينمائي من منظور الحركة والاحتمال، التعدد والتركيب، الترجمة والتأويل، الإنتاج وإعادة الإنتاج. وبما يسمح أيضا، بشكل عملي، وبعيدا عن نظريات النقد السينمائي، بالتفكير في تقنيات ومهارات تحويل العمل الأدبي لعمل سينمائي من منظور كاتب السيناريو والمخرج العليم، الذي لا تحده بالضرورة حدود ثقافته القومية، والذي يستطيع عبرها التعرف على كل ما هو مألوف وغريب (وما يعادلهما في شخصيات مثل أنجلو، حسن، سيد، ماكبري) باعتبارهما عناصر في شبكة علاقات مركبة بلا مركز وبلا جذور تحد من تفريعات الشبكة وروافدها.

i Patrick Cattrysse and K.U. Brussel, “Film Adaptation as Translation: Some Methodological Proposals” in Target. International Journal for Translation Studies, 4:1, pp. 53-70 (1992); Carlos Augusto Viana da Silva, “Modern Narratives and Film Adaptation as Translation” in Acta Scientiaruim: Language and Culture vol. 35 no 3, July-September 2013, pp. 269-274.
ii David L. Kranz and Nancy C. Mellerski (eds), In/Fidelity: Essays on Film Adaptation. Cambridge Scholars Publishing, 2008, p. 4-5.
iii Philip Lopate, “Adapt this: Fiction into Film” June/JulyAugust, 2007. Bookforum.com. Http://bookforum.com/inprint/200703/255
iv أنظر كتابات كريستيان متز وجان ميتري عن العلاقة بين الكلمة والصورة ضمن مقال مي التلمساني «مناهج البحث في الدراسات السينمائية» مجلة فصول، القاهرة، مجلد 25 (1) العدد 97، ص. 346-357
vيشير هذا المصطلح للعلاقة بين نوعين من الميديا، مثل الصوت والصورة، وتجاوز الحدود بينهما، وهو قريب الشبة من مصطلح التناص من حيث علاقة التواسط. أنظر المقال التالي:
Eric Mechoulan and Angela Carr, “Intermediality: An Introduction to the Arts of Transmission” in Substance vol 44 no 3, pp. 3-18, 2015.
vi يشير المصطلح لضرورة التفكير في الثقافات باعتبارها متعددة ومتلاقحة ومتصلة ببعضها البعض. انظر مقال ولفجانج ولش المؤسس لهذه الفكرة:
Welsch, Wolfgang. “Transculturality – the Puzzling Form of Cultures Today.” Spaces of Culture: City, Nation, World. Ed. Mike Featherstone and Scott Lash. London: Sage. 1999. 194-213.
vii انظر على سبيل المثال مقال أحمد عبد المنعم رمضان المنشور في منصة https://almanassa.com/ar/story/6725
viii أنظر مقال ابراهيم نصر الله المنشور في «ثقافات»، أكتوبر 2017 http://thaqafat.com/2017/10/85009 حيث يشير إلى التعميم المخل بصورة المرأة في فيلم «المخدوع» والذي «يجعل الرغبة المتوحشة عقلا للمرأة وسيفا أعمى في يدها».


مي التلمساني

شاهد أيضاً

قريب من الروح

منى المعولي* نساجون أنتم وغرباء يا من لا تفارق ألسنتكم كلمة «جميل». راؤون أنتم يا …