أخبار عاجلة

الانفجار المجتمعـي «وجهة نظر فـي التحرر»

*  هل, التفكير فـي الحرية بمثابة طرح  ميتافيزيقي؟!
*  الدولة الأمنية تكون مهددة باستمرار من قبل الشعب الذي تعتقله..
ـ أنا أتمرد، إذن نحن موجودون……..     آلبير كامو
ـ لو حصل أن تهدم نظامنا الاجتماعي، فإننا سنحتاج إلى قرون لإنشاء نظام آخر……..     دوركهايم

نقض بداهة الموت

يحتاج إدراكنا لنقطة إسنادية تعينه على تنمية وعيه بما يجهله. يحتاج أن يعرف نواة الحدث ليرتب بناء عليها، ترابط المعنى في الحدث والخبرات المشتقة منه. لذلك يفتـرض على نحـو اشتراطي ما لديه من مقدمات نمطية، لعلها تمسك الحدث عبر مضمون الخبرات السابقة، وبالتالي تقترح باطمئنان الجهل إلى نظامه، ما يجعل من الحدث الغريب على الخبرة السلالية، معرفا بأسماء لا تزيده سوى غموض والتباس وتجعله عصيا على التحليل، فيتم إدراج الممارسة داخل السياق الاسقاطي لخبرة نمطية مترنحة تحت ضغط الحدث الخلاق جذريا. لتصادر عبر صدمة الحدث والممارسة الخلاقة المؤسسة له، تاريخانية هكذا حدث، وتختزله إلى مجرد تطور سببي لعقلية لا تفكر في التاريخ إلا على نحو سببي مغلق. غير أن النقطة ـ النواة قد تشظت، وأعادت تركيب المسلمات الراكدة لفكرة التحول الاجتماعي.كيف إذاً تحولت اللحظة البوعزيزية إلى انفجار شعبي عارم، ومَغّنطَ حوله كل فئات الشعب ذي السياق القسري لتفككه الهوياتي.؟ كيف التحمَ عبر هذا الانفجار، ما كان مذرورا تحت هراوات النظم الدكتاتورية.؟. من أين خرج هذا الجنون التحرري داخل النظم الترويضية لنزعة الحياة.؟. من هذا الذي يريد أن يُسقطَ بموته عاريا وأعزل، نظاما قمعيا، تربى على القتل وتجرد من البنى الأخلاقية لفكرة الآدمي.؟. أية معقولية ممكنة لهكذا تفتق غير مسبوق، لظهور أقصى النقيض من تحت جلد أقصى نقيضه…؟. لم ينفجر المجمتمع بناء على مقدمات منطقية، ترتب ترابط الحدث في سلسلة سببية، فتسهل مهمة الذين كتبوا عن ضرورة الممارسة الثورية لحدوث كل ثورة. فخاب أملهم في تعليل الحدث الخلاق بأدوات الفكر النمطي. لذلك، لا بدَّ من التعمق في البحث، لكشف التدرج الذي تنامى من خلاله اللامرئي، وبات على حين غرة، مرئيا في المجال العلائقي لتفاعل القهر والكبت التاريخيين، دون اختزال الممارسة الاجتماعية إلى تعينات فردية معزولة، أو إلى طفرة نفسية في بنية تشكل الفرد، فالمجتمع تحت نير الدكتاتورية يتوقف عن تصعيده النفسي، ليكرر سلوكيا وعلى نحو سلالي ما تلقفه من جمودية سلفه. يثبت على ما هو عليه موفرا البنية الذهنية المساعدة لتمفصل الاستبداد في النظام، دون الحاجة لإعادة ترويض الأجيال الجديدة على الانضباط بالتراتيل القديمة. لذلك لا يطور المجتمع أشكال ممارسته اليومية، بحيث تكون على غير ما يُنتظر منها ضمن عمليات التنكيل التربوية للنظام القمعي. فالضرورة التي قدسها ستالين وجعلته عالما بيولوجيا في عملية تحويل البشر، التي عمم على إثرها نظرية «لامارك» الوراثية المعللة لحتمية إنجاب الأب الشيوعي لأطفال شيوعيا، هي الضرورة ذاتها المتحكمة في عقيدة كل مستبد، يرى في نفسه معيارا عاليا للتماهي الشعبي، بحيث يتصرف المجتمع ليعيد إنتاج الجنرال في ذاته، فينجبوا أطفالا ينتمون بالضرورة لعقيدة الأب الخالد. وما استخدام المتحدثين الفضائيين أو الكتاب الصحفيين للجمل القالبية النمطية في توصيف الأشياء بمسميات لا تعكسها مفهوميا ودون ترابطات معرفية، إلا تنصل من التحليل على حساب التصاريح الطنانة. فالقول بأن ما يحدث هو ثورة أم لاثورة، لا يؤدي إلى تمحيص حقيقي لحقيقة الجريان في ذاته. خصوصا أن الاعلام أوجد فضاءات خاصة للعبارات جعلتها غير متفقة مع العقل. والطابع الهلعي لأداء الاعلاميين، جعلهم لا يطيقون ما لا يشكل بالنسبة لهم تصريحا قابلا للتوظيف الاخباري. لذلك سيشكل الكلام عن الثورة مصادرة لمفهومها إذ لم ترتبط بتحول حقيقي في العقل المؤسساتي لإدارة العلاقات واستخلاص القوانين من ترابطات المجتمع. وهذه نتائج مؤجلة بالضرورة إلى ما بعد لحظة إسقاط الصنم الدكتاتوري. وكشف المصالح العقائدية للقوى المعارضة للنظام والمتعارضة فيما بينها، والتي قد تعيد إنتاج ذات السستام بمانشيتات جديدة مخاتلة.من هنا ضرورة التحليل التشابكي للحدث. فكل ظاهرة هي تركيب أو تقاطع ظواهر متباينة متعددة، وتحليلها يتفرع بالضرورة لتناول النشاط العلائقي للقوى الغائبة الفاعلة في تحضير الحدث الشامل. لقد ساهم استمرار القمع على مدار عقود بطيئة وخشنة، في تجذر الكراهية الاستراتيجية للنظام القمعي، داخل العلاقات المجتمعية، وتمفصلت في الترابطات الاجتماعية، بحيث حول كل شيء إلى حامل بالضرورة لبنية النظام الهمجي، فأصبح القمع مناخا لاستخلاص القوانين ـ على طريقة مونتسكيو في تناول القانون ـ، مما جعل هذا النظام كامل الفساد، وصار النظام حقلا لفساد النفس التي أصبحت محملة بعدوانية خبيثة، موظفة لتجعل الفعل في المستوى الانفعالي، مرتبطا بسياسات النظام وفي خدمته. وبحكم التماهي التام فيما بين المؤسسات المختلفة، والمعبرة عن الأوالية القمعية ذاتها، تجانست المجالات المتباينة، وانفتحت فيما بينها على الهيكل الاعتقالي المحفوف بالموت، فازدهرت الوشاية، وتعقدت الحماقة في الترابط السادي لأجهزة الأمن البهائمية، وتمختر عنصر الأمن على نحو إفتراسي في شوارع المجتمع الخائف، مع تنامي الرعب الممأسس لأجهزة المخابرات الارهابية. وهكذا، بدأت ميثولوجيا الخوف، في ترسيخ النظام الرمزي لحضور الأب الأعلى ـ الزعيم الخرافي، المشرف على عمليات القتل المباغتة، المحتكر بطريقة ضد قانونية للعنف داخل المجتمع حيث شُرِعَ الاجرام كحق من حقوق العصبة الحاكمة. فأصبحت عملية إنتاج المواطن، من أكثر المشاريع السيادية والسادية المرتبطة بأمن الدولة الأمنية. وصار التفكير بما هو غير مباح ـ بعد تحديد الأفكار المتعلقة بحدود الدولة، انتهاكا لمقدسها السيادي وتهديدا لأمنها. لقد اتخذت النظم القمعية من الموت مشروعا، ووجدت في القتل عبر أجهزة المخابرات البهائمية استراتيجية مصيرية، فاستثمرت في هذا المجال كل مصادر الدولة، وجعلته حاضرا في مخيلة المواطن المجبول يأسا، فأنتجت عبر عملية تنهيج الطعن، وتوزيعه على مؤسسات الدول الخادمة لفكرة الأمن ـ بحكم أن الدولة الأمنية تكون مهددة باستمرار من قبل الشعب الذي تعتقله ـ، ما يصطلح عليه «فوكو» بـ: الموت التعذيبي، الذي هو فن إمساك الحياة في الوجع، وذلك بتقسيمه إلى « ألف موتة»، مع الحصول قبل أن تتوقف الحياة، على أشد حالات النزوع (1). فالذل والمهانة التراكمية وعنف الروتين الاداري التعذيبي وكل ما تمهر بها المؤسسات جسد المواطن، من تعليم/ ما نقرأه، والمحاكم/ قوانين فارغة ، وكفاءات لا تثمر شيئا في غياب البركة الحزبية…إلخ، كلها تتراكم وتتوزع في مساره الحياتي كإمضاءات مميتة في سياق الدولة الاعتقالية. ههنا، يغدو الموت ركنا في هيكلية الدولة، فلا تضع المواطن في اعتبارها إلا على نحو استعبادي، لذلك تتداعي المسافة الفاصلة ما بين المجال العام والمجال الخاص، وتصبح حياة الناس مستباحة لنزوات عناصر المخابرات، الذين يشكلون وصمة عار في تاريخ أي مجتمع محكوم بهكذا نظام. وكونهم يدركون الدلالة المجتمعية لوضعيتهم الأخلاقية، فإنهم يزدادون سادية تجاه الناس، ويصبح المجتمع عدوهم الأوحد، وتصبح حياة الناس مجال متعتهم واستثمارهم المتمحور حول العنف. وبحكم أن الدولة الاعتقالية تسيطر وتتنفس عبر النسيج المخابراتي، فإنها تشرع عدوانيتها ضد المجتمع، عبر دستور لا دستوري، وقوانين مضادة للحقوق، ومحاكم لا تحكم إلا ظلما، وتبيح صفع الناس في عبور موكب المخابرات. هكذا يتوزع القتل عبر المؤسسات التي يمر بها المواطن، من المدرسة التي تلقنه ما يكرهه وما يجب أن يكرهه ـ كالتعليم البعثي ـ، إلى المشافي التي تمهر اليد اليسرى للمواطن بختم الحكومة للحصول على هبة الصورة الاشعاعية الحكومية ـ فالدولة بإمكانها أن تكشفنا من الداخل أيضا ـ ؛ ختم حيوانية المواطن مقابل مجانية صورة الأشعة السينية. ووصولا إلى التشريد الالزامي الذي يعقب المرحلة الجامعية، لشباب يتقرفس على مفترق الطرقات مراقبا خواء مستقبله ضمن دولة تحاصر مدينته بتحريم العمل في أي مجال، لكونه ينتمي لعرق آخر ـ كالكردي في سوريا مع المرسوم 49 ـ، أو يرفض أن يخضع لعملية تحويله من آدمي إلى بعثي، فيرمى به مع شهادته العليا إلى أسفل مراتب المؤسسة، مما يجعل الرصيف أمام السفارات الأجنبية، مكتظا بالحالمين الذين لا يبقى أمامهم سوى الحلم بالنجاة عبر تأشيرة خروج. ضمن وضع كهذا يغدو التفكير في الحرية بمثابة طرح  ميتافيزيقي، فالجسد مكبل كليا ومحكوم بالتنكليل العرفي الذي يجرد العقاب من الجريمة ويجعله على نحو شخصية جوزيف في «المحاكمة» لكافكا، مدانا سلفا يبحث عن جرم إدانته. مع هذه الأجساد المترنحة تحت ضغط ضربات العجز والخوف من التعبير عن رفضهم للقمع الذي يمدد لحظات موتهم ليعمق نزوعهم، تتوسع الهوة الفاصلة بين الأرقام الاحصائية التي توزع ليس العمل أو وسائل الانتاج، بل وإنما، ما يمكن تسميته بالحظوة الاجرامية. أي الانتماء عضويا وأخلاقيا لأجهزة المراقبة والمداهمة لكرامة الآخرين من الشعب؛ أجهزة تفعل مفعول القوى الطاردة لآدمية المجتمع، والتي تضع خريطة رقمية للتهجير القسري، الذي يؤدي إلى تفكك العائلات اقتصاديا فتزداد ألما. خصوصا لدى الآباء فاقدي الحيلة، الذين يعجزون عن تخليص أولادهم من براثن الحاجة الاصطناعية، فالتفكك العائلي ذو السبب الاقتصادي جرح لا يندمل في كرامة رب العائلة، جرح مقترن بحرمان قسري وغياب مطلق للعدالة وللمعقولية الاجتماعية . حيث تتمتع فئات ضئيلة همجية بكل ما يشكل عالم الحرمان بالنسبة إلى بقية الشعب المستعبد من قبل أمراء القتل وعصابات المخابرات المتحكمة بأجهزة الدولة المنهوبة سياسيا واقتصاديا. إن الدولة الاعتقالية هي دولة منهوبة، فالطالب البعثي في سوريا، يحصل على ما مقداره / 25 / علامة  إضافية في شهادة الثانوية العامة، إكراما لبعثيته. إكرامية علمية للبلاهة التي تدفع بالعنصر البعثي إلى أن يكون عنصرا أمنيا في حرم الجامعة وليس طالب علم، لذلك يتخرج منها مسحولا ـ هذا إن تخرج حقيقة ـ بدرجات الغباء، فيحصل بعدها على بعثة علمية إقصائية لغيره من الطلبة الذين يُتركون للضياع الذي يوضح المجال الرمزي لتحلل كل شيء إلى دلالته القمعية. فلكي تكون شيئا اجتماعيا، عليك أن تكون شيئا عقائديا، ولكي تكون مديرا لمؤسسة يمتلكها البعث، عليك أن تكون بعثيا، وهكذا دواليك، يتخرج البعثي فيترأس مؤسسة منتجة بالضرورة للقمع، لتتأسس الهرمية الخبيثة داخل المجتمع، على نحو الطريقة التي عالجها «جورج أورويل» في روايته «مزرعة الحيوان»، حيث يغدو القمع ضرورة لقوام المزرعة التي يتهددها الخطر الخارجي، ولا توجد فئة أكثر قدرة على درء الخطر، من الفئة المصطفاة التي نصبت نفسها قائدة ضرورية لضمان أمن المجتمع والمنطقة التي تحيطه. لذلك تكون كلمة الأمن العاطفية، من أكثر الحماقات التي يتمسك بها هكذا نظام لتبرير انتهاكه لحياة الناس.
تضع هذه المنظومة الاجرامية القتل في سياق قدري، لتجعل من الضحايا، موتى عاديين ضمن عملية القتل التتابعي، حيث يتم تجزئة الموت إلى لحظات وتخصصات موزعة على خط إنتاج الموت دستوريا، تبدأ بالتمييز الحزبي المستلهم من التمييز العرقي، وتتشعب عبر الاعتقال العرفي للأفراد على أسس عرقية أو أيديولوجية، وتتفرع لتشمل عمليات الاختطاف واستباحة الأعراق ومقايضة الفارين بذويّهم…إلخ وغيرها من التقنيات والخبرات التي تستوردها هذه النظم من دول مصنعة للتعذيب كروسيا وايران. ويتم تنفيذ كل ذلك وفقا للأدوار التمثيلية التي فُوِّضَ بها كل مجرم في موقعه السلطوي، فتتمنهج عدوانية السلطة ضد المجتمع، بتبطينها للإجرام داخل دورات سير النظام، مقننة بذلك عملية الترييض الاجتماعي، ليغدو تقويم الجسد الاجتماعي عفويا وضروريا ـ كونه من طبيعة النظام ـ وكأن المجتمع قد وجِدَ ليتلقى على نحو طفولي، ما أُعِدَّ له من بيلجة سياسية ضد آدمية أفراده، بالرضوخ لعملية تحويلهم من مجرد أفراد خاضعين إلى أشياء خاضعة. مقصية بذلك الفردانية إلى أقاصي التهميش الاجتماعي، وتصوير فردانية الفرد على أنها خيانة للأعراف السلالية المنضوية تحت راية الفكر الأوحد للقائد الخالد، وذلك عبر فرض وتعميم اشكال من التوحد المرضي على الجماعات المتباينة، في هيئات عصابية عمياء، يظهر الفرد خارجها، أعزل، ومهددا، ومريبا، فيرتمي في الحاضنة الرهطية. وقد أدى إقصاء الفردانية من التركيبة الاجتماعية، إلى تمييع البنى المجتمعية وسقوط المحرم عن حدود الهويات المؤسسة والمتفاعلة ضمن المجال الاجتماعي، فتغير بذلك النظام الرمزي المحدد لتجربة كل مكون اجتماعي، في إنتاج ذاته كتعيين قيمي تاريخي. بعد إكراه الجميع على التخندق في المسيرة العقائدية للحزب البهائمي، فترسخ لدى هذه الدكتاتوريات، اعتقاد خرافي بإمكانية مسخ الطبيعة البشرية وامتلاك فاعليتها الكلية، لذلك مارست نوعا من العدوانية الخبيثة الممنهجة ضد الاستقلالية الفردية والخصوصيات الأثنية والتنوع الثقافي، بجعل كل شيء متماثلا مع المرجعية السلطوية المطلقة، ورهينة لهراواتها التي ما فتئت تدمي الشعب لعقود معقدة التعذيب، حيث سخرت السطلة الهمجية كل مواردها لإفقار البشر وجوديا، وربط عملية إشباعهم لحاجاتهم بالطريقة التي تدار بها العملية التسلطية، فدخلت السلطة المجال النفسي لتكوّن الفرد. لقد قام البعث مثلا، بترتيب عمل المؤسسات السورية، لتتكامل في تنظيمها للنسق القمعي، عبر تكييف المجال العام وتوجيه الاستعدادات الاجتماعية كي تتفق مع الخطط الخمسية والسياسات التعليمية المرسخة لصنمية النظام. هكذا ازدهر الهتاف القسري للجماهير المستلبة، فأصبحت الديمقراطية مؤامرة خارجية، وباتت الطواعية جوهرا للحرية، فاطمأن النظام إلى قاعدته الشعبية التي بايعته بنسبة تهريجية، سرعان ما تحولت مرتكزا فكاهيا للتنكيت، وتحول البعث، من نظام قمعي، إلى كيميائي قمعي بعد أن توفرت لديه المختبرات الشعبية، لتجريب أدوات القمع المبتكرة ـ كانت محرقة أوشفيتز ابتكارا تاريخيا وفقا لكاستوريادس، فتتالت المراسيم الجمهورية على الشعب محل التجريب، لمعرفة الدرجة الوحشية التي بإمكان القمع أن يحققها في البنى الجماهيرية. وهكذا، تمَّ تنهيج العبث ضمن هيكلية الدولة البعثية، التي صارت تحدد للجماهير طريقته في التحلل الاجتماعي؛ إذ أن الوهم المتضخم لدى الدكتاتور المصاب بنرجسية مرضية، جعله يعتقد بأن سياسات الاخضاع ستؤدي بالضرورة إلى الخنوع الكلي، وبالتالي، إلى السيطرة المطلقة على الفرد المتشيء، فواظب عبر أجهزة الأمن السادية، على ممارسة مشاريعه الاخضاعية، غافلا كليا عن التراكمية البطيئة للخضوع ـ رأس مال الاستعباد ـ التي تتطور إلى تمرد راديكالي، لا يقبل بالمساومات أو بوجود تدرج في التحول الثوري، فالمتمرد الذي ينقشع من عمق المشهد التخديري، يكون قد ساوم كثيرا وحصل على نتائجه بتدرج لا يطاق، فتكون الخيارات المطروحة أمامه، متجاوزة مسبقا، كونه ينسلخ عمَّا كانه وعمَّا جعله مستعبدا. لذلك يجد نفسه أمام خيار وجودي جذل،، بأن يقلب مهانة الحياة بكرامة الموت حرا، وأن يمسك زمام حياته ليعيد بذلك إلى الموت طبيعته. هذا التجديد الخلاق لماهية الذات المتمردة، تخلط لديها عدوانية مكتسبة ببطء شديد، مع مصلحته البيولوجية في الدفاع عن ذاته النوعية، مما يجعل من حركته الثورية، سلوكا حازما ومعقولا، دون الارتباط بأيديولوجيا ما، فحريته التي يجدها متحققة في الحرية العامة، هي مرجعيته، وقوته تكمن في ذلك التراكم الهائل للسياسات الاستعبادية التي جعلته خاضعا وأرادته خانعا؛ إذ تتحول كل تلك الاكراهات التاريخية، إلى اندفاع تحرري لامتلاك الذات، وتحرير ممكناتها الانسانية. غير أن السلطة القمعية، لا تدرك ما لا تراه، ولا تفهم نموَّ الأشياء إلا إن كانت فجة، ولا تفهم الفجاجة كمواربة من قبل الكائن الخاضع، فتستمر فيما هي عليه، من جرمية منهجية ضد النظام المجتمعي، لأن المجتمع بالنسبة لها، ليس محل شرعية تطمئن إليه، بل محل ريبة دائمة، مما يجعله يراقب الحراك المجتمعي ويرهق كاهل الناس بجريمة المؤامرة المتغلغلة في اجتماع أكثر من ثلاثة أشخاص، الأمر الذي يبرر تحول الشبكة المخابراتية إلى مرجعية مطلقة لقراراتها. لذلك تزرع في جسد كل مؤسسة غرفة أمنية، تحدد مجال المقدس والمدنس لحركة الأفراد، وهكذا يتم تدمير دور القانون في إدارة العلاقات، لتتحول العدالة إلى أكثر الكوابيس رعبا بالنسبة إلى السلطة القمعية. فهكذا سلط، تكره العدالة، وتجد فيها تهديدا كبيرا لقوامها غير الشرعي، لذلك تعيقها بما يضمن انحرافها عن سياقها القانوني، بجعل الجهاز القضائي والفكرة الشعبية عن القانون عبثا إن لم تكن مقترنة بالفروع الأمنية، التي لا يحكمها أي قانون، ولا تعترف بأية عدالة لا تتفق ومزاج القادة الأمنيين. وذلك لئلا تتسرب العدالة إلى الوعي السياسي والاقتصادي، فيستشعر المواطن المستلب، جزءا من حقوقه. هذا العداء للعدالة، مرتبط جوهريا بريبة النظام من المجتمع، لذلك يشحذ نزعته الوحشية لامتلاك السر داخل المجتمع، فيراقب التدفق المعلوماتي، ويحتكر شبكة الاتصالات الحديثة، لتمر الأصوات من خلاله. والأنكى من ذلك، أن السلطة تمس الجسد الأخلاقي للمعلومات، بمنح الوشاية وساما وطنيا، وجعلها قيمة في سياق الطواعية، لتزدهر بذلك شخصية الواشي داخل المجتمع. غير أنها في الوقت ذاته، تجعل من الحياة الداخلية للمجتمع سرا سياديا، فتواري الواقع قدر ما تستطيع عن أنظار العالم الخارجي، كأنه واقع غير موجود أساسا، وتقايضه بواقع افتراضي تبثه عبر وسائل الاعلام التخديرية، فتظهر صورة الانسان اليائس، سعيدا بابتسامة رمزية تهتك كل الأجهزة التي وظفت لإخفائه. إن كشف وامتلاك السر داخليا، وحجبه خارجيا، لهو إنكارٌ مطلق للواقع، وهي كاستراتيجية قمعية، قرينة عينية على القمع، لا يفوقها أي برهان لإثبات نقيضه. وبحكم الحماقة فقط، وليس لأي سبب آخر ـ الحماقة كنسيج متشابك ـ تفضح النظم الاجرامية نفسها بنفسها، عبر وزارة إعلامها التي تنكر دائما وجود واقع مختلف عن الأخبار والمعلومات التي تنسجها عن عالمها المستغلق، دون إدراك، أن الانكار هو من أكثر الأدوات الدفاعية بدائية وكشفا لنقائضها، فالتعمية التي تنتهجها هذه النظم، تعميها تماما عن رؤية إرادة التمرد وهي تتأجج من عمق الخضوع ذاته، لذلك تنهمك بقمع الأجساد، لإخضاعها وجعلها ملبية لرمزيتها القمعية، بحيث تتوقف حياة الأفراد على مداه الخضوعي، وهذا ما يدركه الفرد في مستوى الأنوية، التي تجد في قبول الخضوع مواربة عقلية لحفظ الذات، ولجعل الأمر هينا على تغذية التمرد وتنميته في مستوى الشعور والوعي الباطني، فالتركيبة الثلاثية للذات، لا تنفصم عراها بالضرورة تحت الاكراهات القسرية للبيلجة السياسية، بل وإنما، قد تزداد تنسيقا وصلابة في العمق، لإحداث التحول  في كينونتها المنتهكة، وتغييرها من ذات خاضعة إلى ذات متمردة ومتحررة وفي الخلاصة، متأنسنة. فالخنوع الشعبي وهم تسلطي، وإرجاء الانفجار الثوري، لا يقلل من حتمية حدوثه، كون النهوض الطبيعي لنزعة الحياة في مواجهة نزعة الموت المتمثلة في النظام الاعتقالي، ليس مجرد إمكانية سلوكية في تركيب الفعل، بل هو ضرورة وجودية لحفظ الذات من الفناء. لذلك تكون حتمية الثورة قيمة ضمنية في تحققها. ولا يشكل إخمادها القسري شرطا لغيابها المطلق، بل إن غيابها الطويل وانفجارها المباغت المتشعب متلازمان؛ إذ أنها تراخت لأجل اكتمال تركيب بنية الفرد وبنية الواقع بعد تعديله بالبعد الافتراضي، لتشييد قوام نفسي جديد وأدوات نضالية خلاقة ـ الثائر المدني، وعلانية الرفض وحزمه، والطاقة البصرية المحايثة للتمرد…إلخ ـ، ظهرت أمامها الترسانة الاجرامية التقليدية للنظم القمعية، مرتبكة، حائرة وشرسة، وفي الوقت ذاته، ضعيفة ومرتعبة ومتداعية كليا. فالفاعلية التحريرية المترتبة على النضال المدني الأعزل ـ ضمن حدود المعقولية ـ تكمن في كونها تجرد سلاح السلطة من شرعيتها وتحولها من مجرد أدوات لقتل الناس العزل، وبالتالي تكون إجراما خالصا.
أحدثت اللحظة البوعزيزية تذريرها الأقصى في البداهة المجتمعية للركود المميت، المحدد لعقم الفاعلية التاريخية، فتداعت معه، النظرة الاختزالية لماهية هكذا مجتمع، وتضخم معه الاستفهام حول الظهور السحري لهؤلاء الشباب المتحررين من الاستلابين السياسي والديني، الذين نزعوا عن هيئتهم التاريخية، تلك الطبقة السميكة من القهر الاستعبادي، مظهرين ما لم يكن في حسبان المنطق التاريخي لتطور السلالة المجتمعية، لذلك خيمت الدهشة على الفكر، وانضوى تحت اشتراطات هذه الثورات، التي طالبت بقلب الواقع المصطنع، الذي اختزل المجتمع إلى أفراد مرتبطين عضويا بحاجاتهم الحيوانية، والانطلاق نحو الحاجة الأكثر ارتباطا بمصلحتهم البيولوجية ككائنات آدمية؛ المطابلة بحاجة الانسان إلى كرامته. غير أن وجهات النظر المتعددة التي تمحورت حول هذا الظهور اللاسببي، وغير المنطقي ـ ضمن قياسات المنطق المدرسي ـ، جاءت بعجالة الصحفي المتحمس، لتفرض على الحدث ما تزيده التباسا وغموضا، فافترضت له نقاطا اسنادية تعيد وتكيف الحدث مع منظومة سببية، وتطور تاريخي محكم التدرج، باتجاه حدث استثنائي تمنع طبيعته الاستثنائية،من اختزاله إلى تطور سببي، كونه ظهر مقذوفا به من العدم المشحون بكثافة المكبوت التاريخي، المتمثل في الذخيرة اللامرئية لانعكاسات المجال القمعي في الروح الانسانية ـ استخدم عبارة الروح هنا بذات الدلالة المستخدمة لدى كل من مونتسكيو وماكس فيبر ـ. وتوارت ماهية الحدث خلف وتيرته المتسارعة التي دفعت بالكتابة المتعلقة به، إلى مجاراة هذه الوتيرة، فلم تتريث الأقلام لتتعمق في الحدث، واكتفت في معظمها ـ باستثناء الكتابات المكثفة لحازم صاغية ـ بتجميد الممارسة في القول النكوصي. فالرسالة التي توجه بها أدونيس على سبيل المثال لا الحصر، إلى بشار الأسد، قد تصلح ـ الصلاحية هنا مفترضة للمجادلة وحسب ـ لو أنها ظهرت قبل انطلاق الشرارة البوعزيزية، ومقاله الذي ابتعد فيه عن السياسة واقترب فيها من مناقشات الحق الطبيعي، التي تعيدنا للمطارحات المتعلقة بفلسفة الحق المتعلقة بالثورة الفرنسية التي جمعها «برنار غروتويزن» في كتابه «فلسفة الثورة الفرنسية» الذي أظهر المناخ الفكري للفلاسفة الذين تجادلوا حول مفهوم الحق الطبيعي والحق الوضعي، وضرورة تجريد الحق من التصور الفردي وغيرها من الأفكار التي مهدت نظريا لظهور الثورة الفرنسية. هذه الثورة التي صارت فيما بعد محل خيبة أهم مؤيديها من الفلاسفة، وفي مقدمتهم «كانط». وانتهاج تلك الطريقة في تناول قضية الحق، يظهر الارتباك النظري في استخدام الأدوات التحليلية لتنظير هذه الممارسة الغريبة المتعلقة بحدث خلاق جذريا. فبالرغم من أن فلسفة الحق تشكل جوهر كل تصور أو معتقد ثوري، إلا أنه كورقة نظرية لا تبضع الحدث الراهن، ولا يمكن لهذه الأفكار أن تشتق استفهاماتها الجوهرية من الحدث لتُدرج الخبرة المتعلقة به، في الجهاز الادراكي. بل انها تفترض فيه ما ليس منه. فشعار: «الشعب يريد إسقاط النظام» ونغمته البهية المتماثلة هنا وهناك، ليس طرحا سياسيا في نظرية الدولة، وليس اقتراحا لهيئة بديلة محددة بقوام أيديولوجي ما. إنها بالتحديد، توجه تحرري غير مقترن بنظام، نحو حرية مجردة سياسيا ومتعينة إنسانيا بالكرامة. والحق المرتبط بهكذا حرية، هو حق التأنسن الطبيعي وليس رغبة في الاكتمال الأخلاقي ضمن كيان الدولة بالمعنى الهيجلي. إنه حق الانسان بأن يكون كائنا طبيعيا، وليس مجرد شيء مستعبد بالمواطنة العقائدية، التي تملي عبر الرعب، النشيد الانضباطي على المواطن. لذلك لم تتجاوز جميع الشعارات حدود دولة القانون، كبديل لقانون اللادولة. فالأمر لا يتعلق بدولة فاسدة يمكن إصلاحها من خلال تعديل دستورها، بل هي معسكرات أو حقول اعتقالية، ذات ملكية عائلية، يتوارث فيها الحكم وتتساتل فيها أسماء حاكمها الذين وجدوا في ظهور الثائر المدني، صدمة وانتهاكا لملكيتهم، فردوا بوحشية وكأنهم يدافعون عن مالهم وعرضهم، بعد تحلل الدولة إلى مزرعة. من هنا، تكون سلمية الثورة خيارا استراتيجيا. لكن في المقابل، يبقى إمكانها العسكري خيارا اضطراريا، نظرا لحجم الابادة الوحشية التي تنتهجها هذه النظم لدحر الثورة التي لن يردعها أي قتل. رغم ذلك ما زال سؤال الشرعية والإصلاح والفساد يتردد في القول المتعلق بهذا الحدث. إن سؤال الشرعية بحد ذاته هو سؤال غير شرعي، كونه لا ينبني على أساس حقوقي أو قانوني، ويأتي في سياق تجربة تاريخية قوضت كل إمكانية لظهور أنظمة شرعية في المنطقة المحيطة بها. أما سؤال الإصلاح، فهو سؤال بلا طائل لأنه ينتظر إصلاحا أو ترقيعا من قبل نظم استولت عبر الفساد على الحكم، ومن خلال تشريع الفساد وتنظيمه تطورت. فكيف لها أن تقود إصلاحا.؟ فالفساد طبيعتها والإصلاح منطقيا حدها الذي يفندها، لذلك فإن كل إصلاح يصدر عن منظومة إفسادية سيكون فسادا بالضرورة. لقد جاء حافظ الأسد عبر تنظيم انقلابات عسكرية متتالية داخل الهيكلية البعثية وطهر حزبه من أفراد من غير طائفته وعسكر الحكم وصار قائدا قسريا حتى آخر نفس. ثم ورَّث الحكم لبشار الذي غير الدستور الفاسد بطريقة جذرت الفساد وحرفت الحياة السياسية في سوريا إلى خرافة. وبما أن بشار من طينة صدام والقذافي، بمعنى أنه لا يرى في نفسه رئيسا لدولة، بل صاحب ملكية تتعرض للانتهاك من قبل المتظاهرين المطالبين باستعادة دولتهم المنهوبة. وبحكم أنه مصاب بتضخم نرجسي مرضي يصاب به معظم القادة القسريين، ونتيجة لتراكم الهتاف والمديح في سياق تكونهم النفسي، فإنه لن يتنحى، بل سيبقى عبر القتل حتى اللحظة الأخيرة من سقوطه. وما سيعقب السقوط، ليس منقوشا الآن في السيماء الاجتماعية الراهنة، لذلك علينا ألا نغالي في التعويل على المرحلة المقبلة، فالجديد يتأسس عبر التاريخي والطبيعي، قبل ان يستقر في المعقولية الخاصة به. أما التخوف المبالغ فيه من تحكم التطرف الاسلامي بالحكم في البلاد التي يسيطر عليها الاستبداد، فإنه تصور واقعي، دون أن يكون هذا الواقعي عقلانيا بالضرورة. فالتدين السلفي الذي تفشى في المنطقة التي ابتليت بالدكتاتوريات، جاء على ظهر أمرين اثنين: العجز وانعدام العدالة المؤسساتية، حيث استثمرت الحركات الدينية حاجات الناس الأساسية، وقدمت نفسها داخل نظام قمعي ظالم، كبديل ذي توجه رباني. فعندما تنعدم الحلول المنطقية ويفتقر النظام القضائي للعدالة، وتختزل كل المسالك إلى المسار القمعي، حيث الذل والمهانة تحصيل حاصل، تحت نير سلطة مطلقة الصلاحيات في ارتكاب ما تريده من شرور باتجاه الأفراد الخاضعين لجهاز قمعي لا تقوى أية سلطة تقليدية على مجاراته. يجد المرء نفسه مستغرقا في اليأس ومضطرا لإحالة أمره إلى الماورائيات/ كالشيوخ والتعويذات والشعوذات وغيرها من السلط الدينية التوسطية المسيرة لفهم ديني شعبوي، مرتبط باليأس العام ومضاد للعقلانية الدينية، لذلك تظهر التوجهات السلفية السرية، منظمة بعنف همجي، متحينة الفرصة للانقضاض على التذمر المتغلغل في كيان الشباب المتحمس للتخلص من وضعيته الحيوانية، عبر حالة متوحشة عصابية، تجد في التدمير الكلي خلاصها ومدخلها لعالم مثالي لا تفقه منه شيئا. يرافق نمو هذه الوضعية، قبول عام للتوكل على الله في شكله النقي، الأمر الذي يساعد على تمرير سياسة الحركات الدينية عبر الايمان الحقيقي، للسيطرة على الفئات الجاهلة والمتذمرة بغضب شديد، وتجنيدهم في حركات دينية ترشد الناس إلى التخندق في الضلال التدميري المقدس. وبما أن الدكتاتوريات لا تعترف بالقوانين، وبالتالي بإمكانية وجود مرجعية ما ليحيل المرء أمره إليها، تقمع بشراسة  الطلب الاجتماعي في العدالة السياسية والاقتصادية، وتجد في هكذا ضغط، خروجا على المحرم وتدنيسا لمقدسها الخاص. فتنعدم السبل، ويسقط المجتمع في اليأس، لتبقى حياته معلقة على القدر الذي يرديه أو ينتشله، عبر سلسلة ترابطات غير عقلية لتفاصيل تشييد الوضعية الخرافية للأحوال الاجتماعية؛ إذ يظهر العته كقيمة ضمن شروط الطاعة، والتفرد الفكري تهديدا لبقاء الشخص المفكر وهكذا دواليك، لتصعيد المقدمات التي تنمو من خلالها مكانة السحر والأفكار الشيطانية القادرة على تجاوز نظام شرير ولا عقلاني بالمطلق. ظهور المعادل الخرافي في الذهنية الشعبية أمام نظام قمعي، يجعل الفرد العقلاني يعتقد بما لا يتقين منه، فيضمر البرهان على حساب الشعوذة وبربرة الخطباء. وبما أن السلطة القمعية تستفيد على نحو مرضي من تدهور الوعي الاجتماعي، فإنها تنفخ بأدواتها القذرة في عباءة الملالي، رغم ادعائها معاداتها له. إنها تعادي فقط ما يجعل الناس عقلاء في دينهم، وتغذي بيلجتهم الدينية، لتسهل عملية اسثمارهم في عمليتها العدوانية. مع تعميم التدين الاصطناعي وتطهير المؤسسات من القوانين ودارات العمل الوضعي ـ يقول موظفو الدولة أثناء ممارستهم لدورهم العقابي في جلد المواطن عبر الروتين : لن أمشي لك هذه المعاملة، بدلا من القول بأن معاملته غير مستوفية للشروط القانونية. إنها الذهنية المتحكمة في العدالة والصحة والتربية والتعليم مثلما هو الأمر في السجون ـ يتفشى بذلك التذمر والعجز، ويتحايث الغضب واليأس في ملامح الانسان المتجهم الذي لا يتعلق تجهمه بمثير مباشر، بل بتراكم تاريخي للازدراء والتبخيس الذي تتعرض له ذاته داخل المناخ الاضطهادي للدولة الاعتقالية، فالروتين مثلا ليس شكلا من أشكال الادارة المتخلفة، بل هو أولية عقابية لتبخيس المواطن الذي يخرج من الدائرة الحكومية  بكرامة منتهكة وجسد يرتعش غضبا، فيصرف جزءاً من عدوانيته بالتمزيق العنيف لمعاملته الادارية التي قد تتعلق بدراسة ابنه أو بترخيص رزقه. غير أن هذا الاذلال التبخيسي للذات لا يتلاشى هباء، بل يتغلغل في هيئة الفرد المنعكسة بدورها على السيماء التعنيفية للمجتمع، والتعميم الذي يحدث للعدوانية داخل المجتمع، يكون مرتبطا بالرغبة الجوهرية في استعادة الذات، فـ : « فشل تحقيق الذات، فشل الوصول إلى قيمة ذاتية تعطي للوجود معناه، يولِّد أشد مشاعر الذنب إيلاما للنفس، وأقلها قابلية للكبت والإنكار. هذه المشاعر تفجر بدورها عدوانية شديدة تزداد وطأتها تدريجيا بمقدار تراكمها الداخلي»(2). ويشكل التدين الاصطناعي شكلا من أشكال تصريف العدوانية التراكمية، رغم دخولها في مجال الاستثمار الأيديولوجي. يقوّم المناخ الاضطهادي ذهنية الأفراد لإحالة المعضلات إلى الماورائيات كسلطة وحيدة قادرة أن تتفوق على سلطة الطاغية ، وبالرغم من صبر العدالة الالهية الطويل ـ دون أن نخلط بذلك بين العدالة الالهية المرتبطة بدين نقي، وبين الحركات الدينية التي تعدل في حدود المقدس والمدنس بما ينسجم وأديولوجيتها المتواطئة مع مفهوم الدكتاتورية أو المكرسة لاستمرار التبعية لظل الخليفة الغليظ ـ إلا أنها مع ذلك تمنح المرء نوعا من الطمأنينة المنعدمة في حياته المستباحة. وهكذا يصبح التدين مصطنعا، وبالتالي يكون استلابا للفرد المؤمن، بحكم أنه يشكل هيئة قسرية ولدت تحت الضغط القمعي لهيئة قسرية أخرى. وستكون قسرية الانضباط الديني الحدي، مدخلا للتحرر منه، إذا ما تمكن هذه الثورات أن تنزع السقف عن الدولة، وتفتح للحرية فضاءاتها المفترضة، لتحرر الفرد من إكراه الالتزام بالمرجعية الدينية أو المرجعية الدكتاتورية، ليختار ما يمثله ويحقق من خلاله ذاته دون استلاب ديني أو سياسي، ليعود الدين إلى مساره الحقيقي ضمن علاقة الفرد بإلهه. وبعودة المجتمع إلى الفضاء العام، وتحرره من البنى الاعتقالية، سيصبح بإمكان الفرد أن يتعين دون إكراهات خارجية في هويته الممكنة. لذلك ستبقى الممارسة الثورية ما بعد إسقاط النظام معلقة باشتراطات تلك اللحظة غير المشتقة من الخبرة التاريخية، والمرتبطة في الوقت ذاته بالطبيعة التاريخية ما قبل الوضعية القسرية للمجتمع. ستكون الممارسة متحررة من الاكراه الخارجي وليس من الطبيعة التاريخية، لذلك فإن التنابذ والتفاعل لتأسيس الهوية، سيحدث ـ إن كان متحررا حقيقة ـ ضمن الممكنات والدارات الثقافية الخاصة بكل مجتمع. وهذا ما لا يأخذه الادراك الاسقاطي في حسابه، لذلك يشوش المعنى في تنظيره للحدث ويجعله أكثر غموضا. هذا ما التزمت به الكثير من الكتابات التي لم تتمكن من فهم كيفية حدوث ثورات تحررية دون المرور بالحتميات التقليدية للتطور الايديولوجي للمارسة الثورية، التي تفكر في المستقبل على طريقة تفكرها في الماضي، وتمضي إليه في خطط قالبية مسبقة الصنع، دون التآلف مع الصدف التاريخية المحتملة. لذلك افترضت لهذه الممارسة الخلاقة، نواة جاهزة من التناقض السطحي، شبيه في أجزاء منه بمفهوم التناقض الماركسي الذي يحدث نتيجة تطور وسائل الانتاج واصطدامها بعلاقات الانتاج داخل المجتمع، فالحدث لم يتطور نتيجة لتفاقم الضغط بين القمع ـ الذي لم يكن يوما خامدا ـ وبين تطور مفهوم الدولة أو العقل، لتكون هذه الثورات، ثورات لأجل إنتاج دولة منقوشة في بيانات المعارضة، رغم بعض الايحاءات التي ظهرت من المعارضة على خجل، بأنها هيأت للمناخ الثوري على مدار عقود فارغة من المعارضة. إنها ليست ثورة للمعارضة في مواجهة السلطة، بل ثورة انضمت إليها المعارضة ضمن الشرائح الاجتماعية الأخرى، وكعناصر احتجاج اجتماعي بلا تنظيم محدد. ورؤية المعارضة للحدث أو لنفسها داخل الحدث، بناء على هذا المنطق، سيكون تضليلا لاوتعاء الحدث في زمنه، وإسقاطا اختزاليا لنمط جاهز من المعنى، وعقبة نظرية أمام محاولة إنتاج وعي بالحدث وتصعيده في آن. إن هذه الممارسة الخلاقة للتحرر اللاإسنادي، التي ظهرت من العمق اللامرئي ، بقدر مرئيته ورمزيته في السيماء الاجتماعية، لتفاعل ما يمكن تسميته بالغبار المجتمعي، ستغير معه كثافة النظام الرمزي للدوال الاجتماعية، بما يجعلها تتعين من جديد في قيم أكثر ثباتا وارتكازا على مواضيعها. لذلك، إن كنا نعتبر هذه الممارسات التحررية ثورة، فإنها تكون كذلك بشكل لا مرجعي، ودون قياسها على الأنماط التاريخية لمفهوم الثورة. مع الأخذ في الحسبان، الجانب العاطفي لعبارة الثورة، وما تعلق بها من رومانسيات قامت بتغذيتها لتفعيل ديناميكة الفعل الثوري وتسويغ انتهاك الثورة لماهيتها قبل غيرها، فالحماسة الثورية ألهت الفعل الثوري ومنعت دراسة مقوماته المضادة له، بتعديلها لمجال المقدس والمدنس في النظام العام للمبدأ الاجتماعي، وما رافق الثورات من ترسيم عقائدي لحدود الحقوق، فانتهك الحق الطبيعي باسم الحق الثوري، وصار كل شيء ثورة. إذ لا يوجد شيء يُصطلح عليه بالثورة الكاملة لتكون معيارا لقياس الممارسات الثورية، إلا في المعتقد السحري، فالثورة الفرنسية/ 1789/ بكل زخمها العاطفي والفكري، ورغم كل التمهيد الفلسفي لها من قبل فكر وأدب الأنوار، تحللت في ممارستها إلى إرهاب الأنوار/ فيريللو/، ولم يتمخض عنها دستور نموذجي لبناء دولة على غرار العقل، بالرغم من أيديولوجيا العقل التي روجها الأدب الفرنسي عن الدولة في الجماهيرة الثائرة آنذاك، حيث كان: «خيال الجماهير يخلي تدريجيا المجتمع الأول ليختبئ في الثاني. لقد تم تجاهل الواقع الموجود لصالح مجتمع مفترض ومن ثم ظلت الجماهير تحيا بفكرها في تلك الحاضرة المثالية التي شيدها الكتاب»(3). إلا أن ذلك لم يؤد إلى إنتاج دولة مثالية متفقة مع القواعد النظرية المجردة التي جعلت الثوار يفكرون بالدولة من خلالها، ويجدون في حكم لويس السادس عشر شرا بالضرورة، حيث أعقبت هذه الثورة الحروب النابليونية، وتصدعت مؤسسات الدولة، وجاء دستور 1793 مخيبا، فوصفه آدموند بيرك : «بأنه خلاصة الفوضى»(4). وخاب أمل كانط بالثورة التي كان من أشد معجبيها، رغم عدم عدوله عن ايمانه بالقيمة الأخلاقة للأفكار المنتجة لحقوق الانسان. لكنه مثل بذلك، كما يوضح كاسيير موقفه، نموذجا لصراع تصورين عن القوانين والتاريخ، الصراع بين التنوير والرومانتيك.(5) فالثورات التحررية، ليست صروحا مثالية ليوتوبيا الدولة. وممارستها المتحركة تحت بنودها النظرية، متعلقة على نحو أكثر عمقا بالتراب، بالشروط الاجتماعية الخاصة، بنمطها الجغرافي والتاريخي والانفعالي. ولا يمكن تحوير هذه الاشتراطات الذاتية حتى من قبل الممارسة الايديولوجية المدجنة للفعل عقائديا، لذلك فإن الميل النظري لإخضاع الحدث الجديد تاريخيا، لمعانٍ مكتسبة من ممارسات مختلفة جوهريا، تشكل حجابا سميكا لرؤية الحدث ولإمكانية استدماج الخبرات المشتقة منه في الرؤية. يتوجب بناء على ما سلف، أن يكون تأملنا النظري في ممارستنا، تكثيفا دلاليا لهذه الممارسة، وتطويرا لفاعليتها. لتتأسس المعقولية الثورية من مكوناتها الذاتية وليس من عناصر أجنبية. فالجهل الذي رافق الحدث منذ انبلاجه، فسح المجال للسلط القمعية من الارتكاز على القتل وتسويغه باستخدام عبارات عفنة وغير مرتبطة بجوهر الحدث التحرري، إلا أنها، ظهرت رغم ذلك كنظام دفاعي لكيان إجرامي، وساهمت بذلك في إطالة أمد القتل ـ كمبادرة الجامعة العربية للنظام البعثي السوري ـ، وتقديم طروحات ساذجة كإصلاح نظم لا تستقيم بدون الفساد، وربط إنسانية الحدث بنرجسية « أوسانج» أسير الظهور الاعلامي، الذي تقدم بأكثر التصاريح سذاجة في الحدث ـ الخلاص، حيث ربط اللحظة البوعزيزية بوثائق ويكليكس الدعائية غير الخاضعة لمنطق القيم الصادقة فيما يتعلق بصدق أو زيف تلك الوثائق المعبرة عن اتساق السياسة العالمية في مضمونها الشرير / إن جوهر السياسة غير أخلاقي . فيبر /. ونظرا لبلاغة الحماقة المتشابكة في هكذا ربط، سنتوقف عنده باختصار يليق بهكذا تسويق للنرجسية ، حيث أطل علينا بطريقته الدرامية المبهرجة في التعبير الأيمائي لصورته على التلفاز، وبتصريح كلي الحماقة، ربط فيه الفتيل البوعزيزي بوثائقه الممتلئة إثارة مغوية لوسائل الاعلام المتيمة بالإثارة. فاختفت بذلك، عقود طويلة من الاستعباد الهمجي المنظم. لم تقدم لنا وثائق أوسانج جديدا يذكر بخصوص فساد العائلات الحاكمة، التي قمعت لعقود طويلة آدمية الفرد، وقوضت بنية التحولات الاجتماعية لجعل الوضعية الخضوعية ثابتا قانونيا في تشريع بنية فوقية للحق الاغتصابي، الذي صار بدوره بنية تحتية للفساد والسأم الأخلاقيين، كالدستور البعثي والكتاب الأخضر المقدس. أكنت في حاجة لويكيلكس حتى أعلم أن آل الأسد يغتصبون السلطة منذ نصف قرن.؟. وأن كرامتي تنتهك ما أن يمر بي عنصر أمن؟. أكان الليبيون بحاجة لهذه الوثائق، لكي يتعرفوا على خبل القذافي ووحشيته؟. أكان اليمنيون والمصريون بحاجة لوثائقه لكي يعرفوا أن وأن و…إلخ. لقد ساهم الجهل في تسويق هكذا تصريح مرضي مهين لإرادة التحرر الجارفة التي تشعبت في الشعب الذي فطن لحقه في الحرية فانتفضت لأجل خلاصه، وهوـ أي المجال الاعلامي الذي سمح لهكذا تصريح للجهالة الجاهلة أن تظهر دون مشاكل ـ يثبت الخطأ التأسيسي لتنظير انبثاق اللامتوقع التحرري. فالسؤال المبضعي لهذا الحدث، هو سؤال الـ«كيف» وليس سؤال الـ«لماذا»، رغم الصدمة التي ستحدثها هذه المبادلة لمن اعتاد التنهيج الكلاسيكي للاستفهام، فالجدل التحرري غير مرتبط بالضرورة القائمة فيما بين السيادة والعبودية/ كوجييف/، بل وإنما  بين العبودية الوضعية وبين الحق الطبيعي في التأنسن. لذلك يكون سؤال الـ لماذا متأخرا حتى لو جاء مقلوبا في هيئة الاستفهام عن الأسباب التي منعت تحقق هذا الحدث الانبثاقي. لقد تحرر الفرد من مسخيته، واستنهض عبر المكونات الفضائية التي أٌضيفت إلى تركيبته المعاصرة، غريزته الثورية، ليتمرد على المسار العبودي للموت، ليظهر في العراء عاريا دون خوف من إعلان ماهيته الانسانية التي يشعر للمرة الأولى في حياته بأنه يستردها، ويعيشها، ويمتلكها ليحرر من خلالها ذاته في الآخرين. هذا هو الكوجيتو الذي توصل إليه «كامو» في تحليله لسايكولوجية الانسان المتمرد(6). فمن يتمرد على القمع، ينتزع من ذاته الخوف من الموت، ويتعين عبر التمرد في الخير العام، لذلك لا يكون التراجع في حسبانه، فالقتل يغذي تمرده دون أن تؤدي وحشية القمع إلى إضعاف إرداته. إنه وللمرة الأولى يكتشف المصدر الحقيقي لاضطهاده، فيعيد إليه التراكم التاريخي لمسخ الذات، بعدم التماهي مع السلطة القمعية وتصريف مسخه على الآخرين، بلو إنما، باستثمار وضعيته الحيوانية السابقة لاسترداد عزته، فالنظام الاجتماعي الانساني يختلف جوهريا عن النظام الحيواني، والاعتقاد الخرافي المتحكم في النظم الكليانية تدفعها لترتيب المجتمع على أسس حيوانية لإخضاع البشر، لذلك تقترح لحظة استثنائية في تاريخ المجتمع الذي تحكمه، وتفرض عليه عبر التماهي مع تلك النقطة التدجينيةـ كلحظة الخميني والحركة التصحيحية الأسدية واللحظة القذافية الخضراء ـ، بجعل الخضوع وفقا لقيم ضد طبيعية وطبائع مندمجة في اشتراطات الترييض الحيواني للمجتمع، أساسا في ترتيبها للنظام الاجتماعي، وهذا ما يجرها إلى عدم احترام مطالب الناس في الكرامة، كونها لا تنظر إلى الناس على انهم آدميون، بل مسوخ حيوانية خاضعة لسياساتها الحيوية في التقويم الحيواني. لقد بين بيير بورديو تلك الأخطاء التي بينتها السوسيولوجيا لتمييز العالم البشري عن العالم الحيواني بقوله: «ان التقسيمات البشرية تتميز عن التصنيفات الحيوانية والنباتية من حيث إن الموضوعات التي ترتب هنا وتوضع في مكانتها هي ذوات قادرة على الترتيب والتقسيم»(7). إن الفرد ذات قادرة على التعين، وسلبها قدرتها في أن تكون، يعني تجريدها من قدرتها على التأنسن. وبما أن الكون من طبيعة الكائن، وأن ماهية الآدمي مرتبطة بمدى فاعليتها في أن يكون فردا فريدا ومتميزا، فإن التمرد على السلط الاضطهادية لا يستمد مبرره من خارجه، أو من خزعبلات أوسانج، بل وإنما من ذاته. إنه مرجعية حدوثه وجوهره في آن. دون أن نلبس حتمية الحدوث أسمالا أيديولوجية ما. فالعقائد لا تدرك الهوة التي تفصلها عن الممارسة وعن الخصائص الخاصة بكل ممارسة، لذلك تعلق عليها آمالا طوباوية وتستثمر تلك الآمال المخادعة لتكريس المصالح الخاصة. علينا أن نفطن لجوهر تمردنا قبل مصادرته من قبل الممارسات العقائدية. إن التأكيد الذي يجعله كامو ثابتا في شخصية الانسان المتمرد، هو ذلك الاندماج الجوهري للإحساس الفردي في الاحساس العام، بحيث تسحق الحرية الشخصية في حرية الآخرين، وخير الفرد في الخير العام. هذا الثابت النفسي يقود التمرد جذريا، بجعل الفرد رافضا لكل ما كان يقبله سابقا ولما لم يكن يقبله، فيعرف ذاتها بناء على مقدمات جديدة ومناقضا للمقدمات التي صاغت خضوعه السابق. يعيد هذا التمرد التحولي عملية الفرز والتجميع الرمزيين للدلالة المجتمعية، وتتغير معها أسماء الأفعال وأثقالها النفسية. فعنصر الأمن الذي كان مخبرا ومزهوا بكونه مخبرا في مجال أخلاقي لازدهار الوشاية، يتحول إلى مجرم ضمن ميليشيات مخابراتية. وتتجرد عبارة الأمن من ملحقاتها العاطفية، ليرادف الاعتقال، وتصبح الدولة الأمنية دولة اعتقالية، مما يفند ادعاءات النظم القمعية التي تقول بأن ما سيأتي بعدها، سيكون انفلاتا أمنيا وفوضى عارمة وإرهابا إسلاميا…إلخ. ليكون الذي يليه إمكانا تحرريا أكثر من كونه انفلاتا للحركات الراديكالية. فالتشعب التعذيبي للنظام العقابي ، وعفوية تمفصله في التواصلية المجتمعية، ينكشف على جرميته، ويتحلل إلى حقيقته الأخلاقية المشينة، لذلك يواجه هذا النظام حركة التمرد بوحشية مفرطة، كون التمرد يعري النظام من كل الأحابيل الاجرامية التي كست وجهه التاريخي، ويجرده من قدرته على مواراة القتل، وتبطينه لأوالية القتل في سير الحياة لجعله أمرا عاديا ومقبولا كأنه قدر الأفراد وليس جرما من قبل النظام، لذلك لم يكن النظام القضائي يتعرض للجرائم التي يرتكبها النظام ضد الشعب، ولا يشرع البرلمان ـ مجالس المدح ـ قوانين تحاسب السلطة على جموحها الاجرامي، بل تقر قدسية الأصفاد المكبلة للشعب والتنكيل اليومي بحياته. هذا ما يحدث الآن ومنذ عقود مع الكارثة البعثية التي حلت بالشعبين السوري والعراقي.حيث لا ينكر المتحدثون باسم البعث جرائمه، بل يدافعون عنها بتغيير تكييفها القانوني، وجعلها إجراءات ضرورية لحماية النظام من عبث غير المنضوين تحت رايته الاجرامية، أو يساومون في أحسن الأحوال على الرقم الاحصائي للضحايا ، مع اقتسام الرقم بجعل جزء من الضحايا أفراد تابعين لها. تعادي الدولة الاعتقالية العدالة وتثبط كل إمكانية لإسناد الحق إلى القانون. ويندرج مفهوم الشعب أيضا ضمن قائمة أعدائها. فلكي تتمكن من تقويض العدالة، لا بدَّ لها أن تدحر المعنى السياسي لتعين الشعب؛ إذ أن الفئة الحاكمة، فئة متطابقة طائفيا وعرقيا مع مكون ضئيل خارج عن قوانين الجماعة وقوانين المجتمع، ولم تتسنم السلطة عبر انتخاب حقيقي لتمثل بذلك الشعب. وهكذا، فإن وجود كيان متماسك قادر على أن يكون شعبا سياسيا، سيكون من أكبر التهديدات تأثيرا في بقاء واستمرارية هكذا فئة ـ عصابة. لذلك ترى وجودها في غياب هذا النسيج، فتعمل على تذريره جغرافيا بربط كل مكون بمكان ما، وسياسيا بجعل الحقوق فئوية وغير متقاطعة مع الوضع العام للمناخ الاضطهادي، فيتحلل الشعب إلى فئيات صغيرة وضعيفة ومحدودة الرؤى، لتصبح سهلة الافتراس من قبل النظام العام لتحلل الشعب إلى جماهير نوامة ومطواعة. إن استثمار السلطة للتفكك الاجتماعي، لا يتيح لها السيطرة على الكل المجزأ وحسب، بل وإنما، يساعدها على تحييد السياسي من مقولة الشعب، فيصبح بذلك الجهة الوحيدة القادرة على استدماج عبارة الشعب في خطابها، بعد القضاء عمليا على كل وجود يحيل إليه هذا التعبير، وهكذا تصبح قضية جزء ما عطبا إداريا في محافظة متطابقة مع جماهير اثنية أو طائفية لا ترمز إلى العطب العام. مما يمنع بذلك التضامن الشعبي بين الفئات الاجتماعية، وتختزل معضلاته إلى مشاكل جزئية قابلة للعزل ـ القمع على حدى، دون معالجة الفضاء المرضي العام. وقد أدت هذه الاستراتيجية إلى تسيير مهمة الدولة الاعتقالية في معاداتها لمفهوم الهوية الوطنية. فغياب هوية وطنية متعالية وحاملة لكل مكونات التركيبة الاجتماعية ضمن خصوصياتها، يمهد السبيل لتذرير الشعب وربط مكوناته بتعينات رهطية بشكلها الأقرب إلى الحاجات البدائية العضوية، بحيث يتجنب الفرد الخروج على كيان جماعته التي تحميه وتؤمن له حاجته الحيوانية الغذائية والنسلية في آن، فلا يتعالى بمفاهيمه الحقوقية فوق غريزة بقاء الجماعية، ليتأسس في مقابل ذلك، هوية مزيفة وواقعية في آن؛ مزيفة لتوهم الفرد عبر انتمائه لها، أنها تمكنه من أن يكون ما هو عليه ـ يفترض في الانسان أن يكون كائنا زمنيا بالمعنى الهيجلي، لا يتوقف عند ما هو عليه ـ مع ملحق صغير ، يتضمن بندا واحدا، يجرده من ماهيته الحقيقية كإنسان ذي خواص معينة ومحددة باشتراطات تاريخية وثقافية وتخيلية خاصة به، مع ضرورة اجتماعية في تصعيد تلك الخواص لتتفاعل في الفضاء الاجتماعي العام، الذي يحول الفردي إلى اجتماعي ويرجع الاجتماعي إلى تفاعلات فردية متحولة باستمرار، فيكون المجتمع ذاتي التحول في كل مرة يتعين فيها عبر مكوناته المتباينة المتعددة. وهكذا يتناقض وجود الحزب الواحد ذي الشرط الحيواني لثبات المجتمع وتنافر الهويات، مع الوجود الحقيقي للمجتمع الانساني بشروطه التفاعلية والزمانية. لذلك تحاول الدولة الاعتقالية أن تحول الزيف إلى واقع، عبر تسخير مؤسسات الدولة لمعالجة الزيف الهوياتي وتحويله إلى واقع اجتماعي لتضليل التصعيد الانساني للمجتمع على غرار التصعيد الاجتماعي للفرد بالمعنى الفرويدي. وللبرهنة على هكذا تحليل، سنكتفي بذكر قرارات المحاكم البعثية في سوريا، التي لا يصدر فيها الحكم باسم الشعب السوري، بل باسم الشعب العربي ـ المرادف للبعثي ـ في سوريا، وهكذا تقوم القوانين بإقصاء العدالة من الأحكام وإقصاء الشعب من التمثيل القانوني، فيصبح الفرد ممثلا بهوية خاطئة، وبالتالي يغدو مختفيا فيها. إن استعادة الشعب لإرادته واقتحامه للمجال السياسي عبر شعاره البهي: «الشعب يريد إسقاط النظام»، قد زلزل حتى الهواء الذي يتنفسه الطغاة. فالعدالة تصبح ممكنة بالنسبة لشعب يريد أن يؤسس دولة القانون عبر التكافل الاجتماعي المدهش، لمكونات كانت مستلبة بهوامات الكراهية الخبيثة المصطنعة، وتنسيقها النوعي لتأسيس هوية وطنية متضامنة لمكوناتها بطريقة تكافؤية لقيم كل نوع، سيقصم العماد الدكتاتوري ويقوض معه وإلى الأبد، كل المكونات المرتبطة بفكرة الخضوع الاكراهي الضروري لعناصر اجتماعية لامتفاهمة. ـ قارن بين خطاب سيف الاسلام حول الحرب الأهلية وخطاب بشار الأسد عن تحول المنطقة إلى أفغانستانيات ـ. لكن ما ينقص هذا التأسيس العفوي للتفاعل الاجتماعي، هو ضعف الدائرة الثقافية الخاصة بكل مجتمع، في رفد هذه الممارسة التاريخية للتمأسس الهوياتي بوعيها التاريخي، وهذا المثلب هو الذي سيخلق في قادم الأيام، وخصوصا بعد لحظة إسقاط النظام، التنابذ الاجتماعي، إلا إذا تم تدارك ذلك بإنتاج وعي وطني وقيم ثقافية وسياسية منفتحة على أنتربولوجية الآخر الشريك في الوطن، دون اختزال المختلف إلى قيم إحصائية لديمقراطية الأغلبية الغوغائية التفكير، فالديمقراطية والهوية الوطنية متشارطان، ولا يمكن أن تتحق هوية وطنية بدون ديمقراطية عقلانية. وكل حديث عن أقلية وأغلبية  إنما هو انعكاس لتفكير خاطئ وليس التزاما بموازين واقعية. لقد حسمت الدراسات الابستمولوجية المعاصرة قضية الاستخدام الخاطئ لتعابير رياضية في تقييم المجموعات البشرية، وكيف أن الممارسات العقائدية ضللت التعابير لربط مجموعة بشرية ما بنظام قيمي لا تنتمي له، كمفهوم الدونية والمساواة وغيرها من التعابير المتعلقة بحجم الأشياء وليس بقيمها النوعية. وهكذا دوليك، تمت برمجة التفكير العرقي المزهو بهوامات التفوق العرقي.  لذلك علينا أن نفطن لخصوصية هذه الممارسة الحالية المتوجهة لتنشيط التفاعل الهوياتي لمكونات المجتمع، إذ أنها تقوم على سطح التراكم القسري لنقائضها القصوى. لذلك تشكل أقسى ضربة تلقتها هذه الدول الاعتقالية، التي  مستها الحرية ببركتها. وفي الوقت ذاته، تكون محملة بهشاشة داخلية ضمنية تخفيها الهالة العاطفية للتحرر العام. إن الشراسة التي واجه بها الطغاة ثورات التحرر تجد تعليلها في العودة الصدامية لشعب يريد أن يتماهى مع العدالة ـ حتى إن كان ذلك مجرد طرح طوباوي لسايكولوجيا الحرية، فالعدالة تأتي فيما بعد وعبر تأسيس آخر لمؤسسة القوانين في الجسد الاجتماعي وبناء على جهاز ثقافي قابل لأن ينخرط في السياق المدني للعدالة. وبالرغم من ذلك، إلا أن شعار « الشعب يريد ..» لم يشكل فقط تعبيرا لديناميكية الثورة التي لن تهدأ قبل ان تسقط ما أعلنت إسقاطه، بل تثويرا لمرتكازات أساسية في وجود كل شعب حقيقي ـ العدالة والهوية والشعب ـ التي شكل غيابها أساسا لحرية الطغاة في القتل العمومي المتواصل. فجاءت الثورة بتمثيلها الرمزي لشعب يريد أن يفعل بنفسه ما يريده، محددا بذلك وجوده كنقيض لوجود الطرف الاضطهادي، بحيث لا يستقر أحدهما في وجود الآخر. فاما أن يهرب الطاغية، أو أن يقتل حتى يُقتل، في ضوء النتيجة الحتمية لانتصار غريزة الحياة لدى الشعب الذي يرفض أن يكون ميتا.
إن التفاعل المتنامي الذي حصل فيما بين البؤس والقمع التاريخيين، أوجد الظروف المثالية لانفجار المجتمع المضطهَد وانبثاق نقيضه التحرري. فالضرورة الاذلالية التي أنتجتها الدكتاتورية لإكراه الأفراد على الارتباط قسرا بمخلوق مخابراتي أو بزعيم حزبي، تستحيل قوة تمردية جذرية، لا لقلب العلاقة فيما بينهما، بحيث يتبادل كل من الجلاد والضحية مكانهما على غرار الانقلابات العقائدية ـ العمليات الانتقامية غير قابلة للقياس، كونها ليست انعكاسا لفكرة النظام البديل ولا تشكل بحد ذاتها نظاما ـ، بل وإنما لتحويل الكرامة الانسانية إلى ضرورة عمومية، داخل الفضاء العام للحرية؛ إذ أننا لسنا أمام ثورة كلاسيكية، انقلابية المحتوى، كالثورة الخمينية والثورة الكوبية التي لم تثور على الشر، بل على المحتكرين له، فاحتلت مكانهم، وقلبت الدور التهريجي لتحول الجلاد ضحية والضحية جلادا. فالتدفق الهدام للعدوانية المنهجية التي أسست العالم الاعتقالي بكل مكوناتها المناقضة للوجود البشري، كالشخصية المفهومية «الواشي»  وأيديولوجية الحزب الواحد والقائد الخالد والمكان المطبوع بعقل الدكتاتور، كلها ستؤمن الركيزة النفسية لئلا يستلهم المجتمع المضطهَد قوامه الأخلاقي من العالم الاعتقالي الذي تحرر منه عبر ثورات مدنية بلا عقائد إستلابية. دون أن تكون هذه الحصانة الرومانسية ـ لا توجد حركات تحررية بدون تصور رومانسي عن الحرية، فالطوباوية من روح التمرد ـ مانعا بالضرورة لضغط إمكانية التكرار التاريخي للسلاسل القديمة. فلا يوجد تأسيس جديد حر بالمطلق، وكل تأسيس هو تأسيس معقول ضمن شروط الطبيعة والتاريخ الخاصين والمؤسسين للرمزية المؤسساتية، التي ستحدد علاقة الشيء الاجتماعي بمعناه الخاص في الممارسة المتعلقة بهذا الشيء. لذلك. فإن نصف قرن من البعثية التدميرية التي هدَّمت المرجعيات الطبيعية والاتفاقية لتكون هي المرجعية المطلقة، لن تتحلل إلى هباء، بمجرد إسقاط المؤسسات التشغيلية لتمفصل هذه الكارثة الايديولوجية في الترابط المجتمعي، بل ستكون حاضرة كمثال على الخطأ والشنيعة الأخلاقية، حضور عكسي لاستلهام النقيض. فالواشي الممثل الفكري لماهية الدكتاتورية، الذي منحه البعث سحرا اجتماعيا ليتجبر على الناس، لا ليشي بهم إن كانوا قد فكروا سرا بشيء ما، بل بحكم السلطة التي منحها البعث لنزوات الوشاة تشييدا للعبث، الذي حل مكان القانون والمنطق؛ إذ ليس القيام بشيء ما داخل واقع متجرد من الحقيقة، هو ما يستدعي غضب السلطة، بل ضرورة الاستخفاف بحياة الناس وكرامتهم، هي ما تروم إليه السلط الدكتاتورية التي تنتهك المجتمع لتنهكه حتى ييأس، فيصبح فريسة سهلة لتحويله عن مسار آدميته. لكن الفطنة التاريخية للذات المتمردة، ستجبر الواشي على التخفي، ولن يتجرأ مرة أخرى على أن يسرح مرة أخرى في شوراع سوريا، حاملا معه تقارير الرعب بقهقهته التي جعلت ضحكة عنصر المخابرات اشتراطا عكسيا لإحساس الناس بالبلاء. أما صورة الزعيم الخالد، الكلي الحضور. الصورة الثالوثية لعائلته الطائفية ـ كما في إيران ـ التي تغلف البلاد بابتسامته التي يخبر من خلاله الشعب، بأنه وهو يقتل من يريد يبتسم؛ إذ ليس هناك ما يردعه لإبادة خصومه، وإبادة كل من لا يرضخ لأوامره،فإنها ستغدو ترميزا بصريا لمصيرها، وتحديدا للمسار الذي سيتم إنتاجه فيما بعد، وفقا للقيم التي ستحرر الرئاسة كمنصب إداري، من تبعات الزعامة القبلية المطلقة. طبعا، كل ما تقدم متعلق بالدرجة الأساس بقدرة الدارة الثقافية على رفد الممارسة الجديدة بقوامها العقلي، وهو قوام هش حتى اللحظة. فما يحدث الآن من تشقق في البنى الاجتماعية المولدة لسلوكيات جديدة غير منضوية تحت قوس الخبرات الاجتماعية السابقة، وتظهر دون تنظير معرفي لها، بل مجرد أقوال عجولة تغبش قدرتنا على رؤية ما يحدث. خصوص أن الاعلام ينسق هذا التشتيت في الرؤية.فقد دفعت الوتيرة العاطفية العالية للمناخ التحرري، دفعت بالكتابة للدخول كطرف في الصراع، بدلا من أن تمارس دورها الجوهري في الوجود كمجال تحليلي لفهم الأنساق التناسجية التي تقطع الحدث التحرري في مسطح الحرية. لذلك، كُتِبَ ما كتب محملا على أكتاف الأنترنت، ليكون قول المثقف حاضرا بالفعل بدلا من أن يكون حاضرا بالقوة. لقد بهتت الفروقات في اتخاذ المواقف بين المتحدثين باسم الحدث التحرري، وصار الجميع على حين غرة، سياسيين بلا ممارسة حقيقية في تمحيص الأشياء. فازدهر الكلام المجتر على حساب الفهم، وصارت النظم المستبدة مجرد نظم فاسدة، وبالتالي يمكن مطالبتها بالإصلاح والتفكير بإصلاحها الذاتي. لذلك وجد القول الضال سبيله للتمفصل في التفكير العام، كالمقارنة التي طرحها بعض المثقفين ـ وفقا لتقديمهم لأنفسهم ـ حول التحولات التي حدثت في العراق ما بعد صدام، وبين التحول الجوهري في بنية المجتمع ما بعد اللحظة البوعزيزية. وقد وجدت وزارات إعلام النظم الدكتاتورية ضالتها في ذلك، بحيث قررت من خلال التجربة العراقية مآل التجارب التحررية المختلفة، ونظرا لغياب التحليل عن التصاريح، تمكنت هذه المقارنات الخاطئة من البقاء في تسويغ قتل المتظاهرين، كونها تدفع عن نفسها مآلا خاطئا. إن القياس على التجربة العراقية بكل خصوصياتها التاريخية والوحشية والسايكولوجية ، تعبر عن الخطأ في إجراء القياس للبرهان على قضية ما، وبما أن عملية القياس في حد ذاتها خاطئة، فإن كل ما يمكن أن تقدمه من براهين على صواب هذه الثورات أو على لا صوابيتها، ستكون نتائجة خاطئة. فالسياق مختلف جذريا في عملية التأسيس التاريخي للهيئات النقيضة؛ إذ أن صنم الزعامة المطلقة للطاغية في العراق، تفتت إلى زعامات صغيرة مضادة لماهية الدولة ولإمكانية بنائها المدني. خصوصا أن الحرب الأهلية فيما بين العراقيين أنفسهم قد قوضت القوام القيمي للتفاعل المجتمعي، ووفَّرت الركيزة النفسية للتخندق الرهطي، ولاستثمار الزعماء القبليين في الرأسمال العشائري. لذلك ظهر فيها زعماء شعبيون بلا معقولية قيادية. وأصبحوا ـ القادة ـ كالمريض الذي يصفه فرويد بأنه يحافظ على مرضه، كونه يستفيد منه، وباتت التجربة العراقية لبناء دولة مؤسساتية موبوءة من جديد بمرض الزعامة. أما ما بدأ من تونس وتشعب في المنطقة لاحقا بكل المكونات المتباينة، وحاملا لها في أشكال اجتماعية غير مسبوقة لتفاعل القوى المعزولة، فإنها تؤسس بذلك اختلافها الجذري عن التجربة العراقية التي لم تستقر على شيء حتى اللحظة. فقد كان المجتمع في هذه الدول محتجزا بدنيا في القبضة الأمنية. وقد  توفر هذا الشرط في العراق أيضا، لكن المعالجة المتباينة لذات الظروف هي التي أحدثت الاختلاف بين التجربتين البعثيتين في كل من المعتقل السوري والمعتقل العراقي. في سوريا مثلا. لا يمكن أن يتزوج أي فرد أو أن يمارس نشاطا تجاريا أو يتعين في وظيفة حكومية، أو أن يكون يحترف رياضة ما ـ لاحظ المستوى الرياضي للتمثيل السوري في المحافل الرياضية ـ، أو أن يخرج أو يدخل البلاد …إلخ، إلا بموافقة الجهات الأمنية. وهكذا كان المجتمع مكبلا أخلاقيا بالإكراه الخارجي، فلم تكن أفعاله معبرة عنه، بل عن السلطة التي قوَّمت تشويهه المنهجي. لذلك لم تتحول سوريا أو ليبيا إلى دولة بالمفهوم المؤسساتي أو الحقوقي، بل تحلل ضمن نظام المرض القسري إلى بيمارستان ـ مستشفى عقابي بالمفهوم الفوكوي، حيث تم تنظيم التشوهات الاجتماعية وتحددت حدود المرض والصحة، ونظام الترقية المرضية. وترسخت الطرق العلاجية قي المختبر التعذيبي الذي تم تسميته إجحافا بحق العقل والمنطق بأنه دولة. فوضِعَت حدود حدية فيما بين الشعب المنضوي تحت نظام الحزب وضمن نطاق الرضى السلطوي، وبين الشعب الأجنبي غير الحزبي، الذي وضِعَ في المنطقة الأخرى، خارج النطاق الاعتقالي. فأصبح من الجائز والضروري تصفيته. والخطاب الاعلامي السوري المستلهم من سلفه الليبي، يعفينا عناء التعليل. فهما أفضل وثيقية عينية لتوضيح هذا التقسيم. حيث صنفوا المواطن المتمرد ضمن خانة اللإرهابي المخرب، والمواطن الحزبي المتواطئ مع السلطة الاعتقالية ضد حرية وطنه، في خانة الشرف. يشرح «فوكو» هذه التقنيات في مؤلفه «تاريخ الجنون»، والكيفية التي من خلالها ولد الاعتقال الكبير بعد تصديق الكنيسة لمرسوم لويس الرابع عشر، القاضي بحجز المشردين في معتقل كبير تشرف عليه الكنيسة عبر ميليشيات تابعة لها، كانت تسمى بـ«رماة المستشفى»، حيث تحول الحجز إلى نظام روحي وكيان أخلاقي، يكون الموجود بداخله خاضعا لنظامه، مرتاحا ومطابقا للبنود التي حددتها سلطتا الدين والدولة للمواطن الخيير، وبالتالي يكون المتمرد على هذه البنود شريرا يجب معاقبته حفظا للنظام الاعتقالي العام.(8).  إنه المناخ ذاته الذي تتنفس فيه شعوب هذه المنطقة حقوقها، لذلك لن يكون خروجها من قبضة الدولة الاعتقالية مجرد تمرد أيديولوجي للقصاص من الفئة التي امتهنت تعذيبها لعقود باسم الضرورة العلاجية أو باسم الحركة التصحيحية، بل وإنما لتتجرد من الرداء المرضي المهين وتحرقه كليا. فالتحرر الحاصل الآن، ليس مجرد تحرر أو تحرير للسياسي في المجتمع، بل تجاوزا لقصور المجتمع وتحريرا لقواه الكامنة، لإنتاج المجال التفاعلي بين هذه القوى، وبالتالي إنتاج سلطة محملة بالقوى التي تتقاطع بعلاقاتها داخل هذه السلطة. وهذا أمر لم تنتبه له الكثير من الكتابات المبنية على مواقف لا معرفية. حيث خلط معجمها الذهني بين الدولة والسلطة، وبين الركود والاستقرار، مع استمرارهم في الخطأ المنهجي الذي ذكرناه آنفا، حول تعبيري الأقلية والأغلبية الذين يحيلان لتفكير خاطئ، ويشلان التفكير في مفهوم الحق وتطوير فلسفته. لذلك لم تظهر خلال الشهور الطويلة المنصرمة، أي بحث معرفي في مفهوم القوى المجتمعية وطريقة انفتاحها على بعضها البعض في حقل تفاعلي ـ وسط قدرات، لا تختزل فيها الأطراف بعضها إلى عناصر كبيرة سائدة وأخرى صغيرة تابعة. فالمكونات الاجتماعية التي أمنَّ لها تمردها الجمعي وسطا مشتركا لتنمية وجودها الانساني على نحو عفوي، مستعدة للتلقائية المطلوبة في التأثر بالآخر الذي يشكل بالنسبة لها قوتها. لكن في ظل غياب ثقافة تاريخية متماسكة حول احترام أنتربولوجيا الآخر والانفتاح عليه، قد يشكل ذلك الحجر المفقود في بناء الثقة داخل ثقافة المواطنة. ويجعل من هذا المفهوم الأخير مجرد تكرار للقيم الاضطهادية القديمة بأسماء جديدة. فالكلام ـ العقل الانفعالي الذي يطفو الآن على الصفحات الأنترنتية التي تبسط الجهل بمساحات شاسعة، والأحداث التي جرت في مصر مع القبطيين وظهور السلفية في تونس وإعادة ربط سوريا بالعرقية العروبية..إلخ، كلها تتكون عبر ومن خلال غياب المعرفي في التاريخي، أو التأريخ غير المعرفي الذي كان هيجل يستغرب من إمكانيته في ايجاد الرابط الدقيق والجوهري بين الأحداث. إنَّ الفعل الاجتماعي الخلاق الذي يمنحنا الفرصة الهائلة لتطورنا النشوئي، يفتقر إلى قوله الاجتماعي الحق، وبالتالي إلى إمكانية ترميزه في النظام العام وإوتعائه في زمنه، والتعليل من خلاله على قدرة التأنسن لمجتمعات ظلت لعقود غافلة قسرا عن نفسها. لذلك أحايث تفاؤلي بالمآل التحرري لهذه الثورات، أحايثه بالذاكرة التاريخية للتكرار السلالي، لأنماط سلوكية قديمة يتم تكريسها بأسماء جديدة، وذلك عندما تعجز الثورة على إنتاج عقلانية نقدية لتشغيل الدارات الثقافية التي ترفد المجتمع بطرائقه في الرؤية. فالمجتمع وهو يتمرد على الظلم، يظهر وكأنه كلية منسجمة متكافلة، لكنننا لا نستطيع أن نختزل المجتمع إلى إحدى لحظاته الحماسية التي قد تعميه نفسيا عن رؤية ما يفتقر إليه ليكون كلية متفاعلة. ولا يجوز أن نختزل المكونات إلى مجرد أعراق وطوائف في هيئة الغير، لأن كل ميل اختزالي هو توجه تعصبي قمعي، واجترار سلوكي لوضعية تاريخية ثابتة. سأختم ما تقدم بالنواة المؤسسة لهذا البحث. وهي أن حياتنا تحت السقف الاعتقالي للنظم العقابية كانت مرهونة بالطاعة وشخصيتنا بالهتاف لخلود الأب الطوطمي، الذي فرض القصور على الشعب ونصَّب نفسه راشدا أوحد، فأصبحت الدولة أرخبيلا اعتقاليا، ارتدى فيه الجميع، كما في السجون، الزي الفكري ذاته. كانت أسباب التمرد قائمة باستمرار، غير أن الرقابة العقابية لجمت حراكنا الذي تحرر الآن عبر النيت والصورة الاعلامية المسلطة على القتل العام، فأصبحت بنية الفرد مكونة من قيم غير مسبوقة في استجابته للسياسات الحيوية القمعية، وصارا ممتلكا لأدوات نضالية غير قابلة للتقويض من قبل المنظومة القمعية المادية، التي اعتادت التنكيل بالأجساد لإرهاب الآخرين وإنتاج العبرة الاضطهادية، دون أن يؤدي ذلك إلى إدانته. والقدرة الالكترونية على تعميم تلك الجرائم في الفضاء الافتراضي المنفلت من الرقابة الكلاسيكية، والمساعد على الحث ودعم الحافز الثوري لدى الأفراد المتمردين غير المتواجدين في المكان ذاته، أعاد تركيب الفرد من قيم  برية غير مشذبة وهاربة غير قابلة للحجر وبالتالي للرقابة والتعديل العقائدي. قد يساهم معنا المجال الافتراضي للتواصل والكشف، في إحداث تغيير جذري، إلا أنه لن يُحدِثَ تحولا جوهريا في بيئة المجتمع، فنحن الآن نعود من الموت، متحررين ومطبوعين بعقود من القمع، لذلك اتخذَّ وسيتخذُّ تمردنا في شكله، ديناميكية ثورية، دون تعليق ذلك بنتائج ثورية محددة وقطعية.  فالإعداد الثوري قائم لدينا الآن على الضرورة التحررية من الدكتاتور، وليس بناء على نظرية سياسية في الدولة، لكن ممارستنا الثورية ستثمر الفرصة الاستثنائية لإمكانية بناء دولة قانونية، تمنع التاريخ القمعي من العودة. إن الحرية الحقيقية هي فكر الحرية المتنامي التعقيد لأشكال التحرر، وليس مجرد إسقاط دكتاتور أو إزالة تمثال. فالأصنام تكمن في الممارسة، تلك الممارسة التي يكون الترييض التاريخي للجسد الاجتماعي جزءا منها. من هنا ضرورة وحساسية وبطء عودة المتحررين إلى الحياة. وهذا ما سنبحثه في المبحث الآتي لتحليل مفهوم الثورة وإظهار الفرق بين لحظتها التحريرية وانفصالها عن القدرة التحولية لتغيير النظام الاجتماعي كشرط جوهري لتحول الفعل الثوري إلى نظام اجتماعي مختلف.

هوامش الجزء الأول

1ـ فوكو. ميشيل ـ المراقبة والمعاقبة. ولادة السجن. ترجمة: علي مقلد ومطاع صفدي. إصدارات مركز الانماء القومي. بيروت. 1990. ص 71.
2ـ حجازي. مصطفى ـ التخلف الاجتماعي/ مدخل إلى سيكولوجية الانسان المقهور. إصدارات المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء. المغرب. الطبعة 9 لسنة 2005. ص. 51.
3ـ توكفيل. أليكسي دي ـ الأدب والثورة الفرنسسيةـ ترجمة: أدريس بنيحي. على الرابط التالي :
http://www.aljabriabed.net/n61_10benyhya.htm
4ـ كاسيرر. آرنيست ـ  الدولة والأسطورة ـ ترجمة: د. أحمد حمدي محمود. مراجعة: أحمد خاكي. إصدارات وزارة الثقافة المصرية مع الهيئة المصرية العامة للكتاب. القاهرة. 1975. ص 240.
5ـ كاسيرر. آرنيست. الدولة والأسطورة. نفس المصدر السابق. ص 243
6ـ كامو. آلبيرـ الانسان المتمرد ـ ترجمة: نهاد رضا. إصدار: عويدات للنشر والطباعة. بيروت. باريس. 1983. ص. 29.
7ـ  بورديو. بييرـ الرمز والسلطة ـ ترجمة: عبدالسلام بنعبد العال. دار توبقال للنشر. الدار البيضاء. المغرب. الطبعة الثالثة. 2007. ص. 10
8ـ فوكو. ميشيل ـ تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي ـ ترجمة : سعيد بنكراد. المركز الثقافي العربي. الدار البيضاء المغرب. الطبعة الأولى. 2006. ص 83 وحتى 88.

شاهد أيضاً

كارين بوي عيناها مصيرها

شعر الشاعرة السويدية كارين بوي كما حياتها يُعنى بأسئلة بسيطة : كيف نعيش وكيف يجب …