أخبار عاجلة

الانوثة وتمظهراتها في شعر عبداللطيف اللعبي

شغلت حقيقة النفس البشرية العقل الانساني منذ القدم، وكأنه لم يتقبل مسألة الفصل فيها بين الذكورة والأنوثة. لذا لجأ الى خلق الأساطير التي تفترض ثنائية الجنس بتنصيب آلهة تجمع بين مظاهر الأنوثة ومظاهر الذكورة.

ومع ظهور علم النفس، اتجه العلماء الى القول بأن الفصل بين ذكورة وأنوثة النفس البشرية فصل تعسفي يضر بالانسان ويقلص من طاقاته الابداعية. وقد أبرز العالم النفسي السويسري جومتاف يونغ أن أحد النماذج القوية المؤثرة في الرجل هو ما أسماه بأنيما وعرفه بكونه الظاهرة الأنثوية في الوجود وفي المقابل يوجد في نفس كل امرأة جانب ذكري خفي لكنه فاعل سماه بالأنيموس. (1) وجاء العلم الحديث ليؤكد هذه الثنائية الجنسية في النفس البشرية. تقول الدكتورة نوال السعداوي في كتابها "الأنثى هي الأصل": "المعروف بيولوجيا وفيزيولوجيا أنه ليس هناك من هو ذكر خالص مئة بالمئة ومن هو أنثى مئة بالمئة. بل إن الأعضاء الجنسية والهرمونات الجنسية في كلا الجنسين تتداخل. ويحتفظ الرجل ببقايا أعضاء أنثوية منذ كان جنينا وتحتفظ المرأة ببقايا أعضاء ذكرية منذ كانت جنينا وتجري في الجنسين في مختلف مراحل العمر هرمونات مؤنثة ومذكرة."(2) واذا كانت العلوم الحديثة تؤكد كلها على الازدواجية الجنسية للنفس البشرية، فإن تجاهل هذه الحقيقة بتقسيم النفس الى أنوثة خالصة وذكورة خالصة يعود، في رأي العلماء، الى العوامل الاجتماعية والثقافية والتربوية التي تلعب دورا مهما في تحديد أنوثة المرأة أو ذكورة الرجل. (3) انطلاقا من المعطيات السابقة نطرح التساؤل التالي:

اذا كان الابداع في جوهره تعبيرا عن النفس البشرية ودواخلها المتشعبة ومعانقة للحرية المطلقة، فهل يمكنه أن يتحقق في غياب تكامل هذه النفس البشرية بعنصريها الذكري والأنثوي؟ يجيبنا عن هذا التساؤل الدكتور عبدالستار في كتابه "آفاق جديدة لدراسة الابداع" حيث يقول: ".. وتحقيق الابداع أو الاستعداد له يحتاج الى تحقيق توازن مماثل بين تقبل الدور الذكري أو الأنثوي على السواء." (4) ومن هنا يخلص الى أن المبدع يكون أميل الى التعبير عن مظاهر الجنس الآخر. ويشير في هذا الصدد الى أن "المبدعين من الذكور يظهرون – بمقارنتهم مع غير المبدعين – قدرة على التطور بخصائص شخصياتهم ترتبط بالتعبير عن الأنوثة مثل الحسامية المرهفة والتعبير عن المشاعر والاهتمامات الجمالية والعاطفية."(5). انطلاقا من هذا التصور للابداع سأتناول مظاهر الأنوثة في شعر الشاعر عبداللطيف اللعبي. ذلك أن القاريء المتأمل في كتاباته بشكل عام وفي شعره بشكل خاص يجد هذه الظاهرة لافتة للنظر، مما يدفع الى القول بأن التعبير عن هذا الجانب الأنثوي هو تعبير واع، ولربما مقصود كتحد للمجتمع الذي يصر على أن يشطر الانسان الى شطرين منفصلين تمام الانفصال عن بعضهما البعض يقول الشاعر في قصيدته "مدح الهزيمة":

أود أن أستسلم

نفسا وجسدا

مثل امرأة

مثل رجل

اعتنق الحب (6)

فالحب هنا مرتبط باستسلام المحب كلية، نفسا وجسدا، للمحبوب بغض النظر عن جنسه. في حين أن الاستسلام في الحب يعتبره المجتمع صفة من صفات الأنوثة الخالصة، لأنه مرتبط بالضعف وبحاجة المرأة الى الرجل الذي يشكل الطرف الأقوى في المعادلة. ذلك أنه العنصر الفاعل نفسيا وجسديا. فالشاعر هنا يود لو أنه يكشف الجانب الأنثوي فيه باستسلامه للمحبوبة وإبراز ضعفه أمامها. ذلك الضعف الذي يدفعه المجتمع الى كبته ليظل الحاجز قائما بين الرجل والمرأة وليظل كل منهما يعتبر الآخر غريبا عنه ولغزا محيرا يصعب فك رموزه…!

وكما أن الشاعر يرفض أن تكون صفة الاستسلام مقصورة على المرأة وحدها، كذلك يرفض أن تكون صفة الرقة مقصورة على المرأة دون الرجل الذي جعل المجتمع الخشونة من نصيبه. أرسلنا لحانا وشعورنا

لكي تكون الرقة أيضا

من صفات الذكور(7)

إنه يرفض الفصل التعسفي الذي يمارسه المجتمع على النفس البشرية بجعله الرقة من صفات الأنوثة والخشونة من صفات الذكورة. وبناء على هذا الفصل، يعيب على الرجل حساسيته ورقة مشاعره كما يعيب على المرأة حزمها وقوة ارادتها معتبرا الأول ناقص الرجولة والثانية ناقصة الأنوثة. لهذا يريد الشاعر أن تكون الرقة أيضا من صفات الذكور ومن ثم، وبطريقة غير مباشرة و أن تكون الخشونة أيضا وبعا تحمله من دلالات اجتماعية، من صفات الاناث. يريد أن تكون هز الصفات مجتمعة في كل من الرجل والمرأة حتى يكون كل منهما كاملا نفسيا وبالتالي انسانيا كما يؤكد على ذلك الفيلسوف نيتشة في حديثا عن خصائص كل من المرأة والرجل والعلاقة بينهما عندما يقول: "للنساء قوة الإدراك وللرجال الحساسية والانفعال.. غالبا ما تندهش النساء، وبشكل سري، من التعظيم الذي يكنه الرجال لحساسيتهن. مع ذلك، وأثناء اختيار القرين، يبحث الرجال قبل أي شيء آخر عن كائن ذي قلب طيب وعميق فيما تبحث النساء عن كائن لامع زي حضور ذهني وفطنة. هكذا نلاحظ أن الرجل يبحث عن الرجل المثالي وأن المرأة تبحث عن المرأة المثالية: أي كل منهما يبحث عن تمام سماته الخاصة وليس عن مكمله." (8).

إن الشاعر يحسر بهذه الصفات الأنثوية في داخله فيعبر عنها بشكل طبيعي ودون أية عقد اجتماعية بل ويذهب في التعبير عنها الى درجة الالتحام بالأنثى في صورة الأم اذ يقول:

اليوم، حين أكون وحيدا

أقلد صوت أمي

بالأحرى، تتكلم أمي بلساني

بشتائمها، بلعناتها، بكلامها البذيء

بسيلها الضائع من أسماء التصغير

بكل هذه الكلمات المهددة بالانقراض

لم أر أمي منذ عشرين سنة

لكني آخر انسان في الأرض

لايزال يتكلم لغتها(9)

الشاعر هنا لا يقلد صوت أمه ولغتها وإنما هي التي تتكلم بلسانه. فهو تجسيد حي للأم المتجذرة في أعماقه، بلفتها الرافضة المتمردة. هذا التجسيد نجده أيضا في كتابه "تجاعيد الأسد" حيث يتحدث بلسانها أو بالأحرى تتكلم هي بلسانه لتعبر عن مهاناتها داخل هذا المجتمع الذي يصر على أن يجعل منها مجرد طفل صفير ومن صمتها، وخاصة أمام الرجال، ميزة من مميزات الجمال. تقول هذه الأم: "ما يوجد داخل رأسي لا يتجاوز عقل طفل. لقد علموني الصمت. ولم أناهض قط قانون الصمت المقدس هذا. انه مهر النساء وزينتهن وسر جاذبيتهن."( 10). الملاحظ أن ذات الأم تمتد داخل ذات الشاعر الذي يحسر بمهاناتها فيعبر عنها أحسن تعبير. خاصة وأنها تمثل في نظره المرأة المثالية بالمفهوم النيتشوي لأنها تجمع بين الأنوثة بحكم تكوينها الفيزيولوجي والذكورة من خلال لفتها الخشنة البذيئة وتمردها على الوضع الاجتماعي الذي يريد حصر وجودها في نطاق ضيق هو انجاب الأطفال وخدمة الزوج. يقول الشاعر في كتابه حرقة الأسئلة: "لكن هناك صورة قوية بقيت لي من جاهليتي هذه انها صورة أمي. لم تكن خاضعة قط. بالعكس كانت امرأة متمردة.. كان لديها مستوى من الوعي الحدسي والرفض لكن مصير تحقيقه كان هو المصادرة باعتبار ظروف تلك الفترة". (11). يزداد هذا الإحساس بالأنوثة والتعبير عنه بصراحة أكثر في قصيدته "الشاعر المجهول":

أي امرأة أحببتها؟

وبأي عشق؟

ومن يدري؟

فلربما كنت بالفعل امرأة

ولم أعرف رجلا في حياتي

لكوني شديدة البشاعة

أو بكل بساطة

لأني لا أملك ما يكفي

في أعين الرجال

من الجاذبية (12)

نجد الشاعر في هذه التساؤلات يختلط عليه الأمر، فلا يدري الى أي الجنسين ينتمي. لا يدري إن كان رجلا أحب امرأة ما وبأي درجة من الحب، أو امرأة لم تحظ بحب الرجال لأنها تفتقر الى الجاذبية والجمال. إنه يعبر عن إحساس المرأة التي تندب حظها لكونها لا تملك أحد عناصر الجمال التي تشد الرجال الى النساء. بل يذهب، وفي نفس القصيدة، الى درجة أن يتخيل نفسه نائحة في المأتم أو جارية في حريم:

ولكن، هل كنت شاعرا غنائيا؟

أم ملكا خاملا؟

كاهنا؟

أم نائحة محترفة؟

جنيا أم آدميا؟

أم جارية؟

تعزف على العود داخل حريم؟ (13)

فالنواح والندب من صفات المرأة. والنائحة المحترفة تحيلنا على العصر الجاهلي حيث كانت هذه النائحة تحفظ أشعار الرثاء وترددها لشحذ همم النساء، وحثهن على المزيد من النواح والبكاء. وتجعلنا نستحضر الشاعرة العربية الخنساء التي اقتصر شعرها على الرثاء وبكاءالأموات والدعوة الى الأخذ بثأرهم.

وكما أن المشاعر ينقل الينا هذا الاحساس المفعم بالحزن وهذه القدرة الفائقة التي اعتبتها المرأة عبرتاريغ مهاناتها الطويل على البكاء والإبكاء، ينقل الينا كذلك إحسامر الجارية المحرومة من الحرية، والتي تنحصر مهمتها في الترفيه عن سيدها بالعزف والرقص والفناء. ويتجلى هذا الإحساس بشكل أوضح في القصيدة التالية من ديوانه "خطب فوق الهضبة العربية":

عندما سكتت شهرزاد

في الليلة الأولى بعد الألف

وعانت آلام المخاض

بكت لأول مرة

سيف شهريار لم يعد

منتصبا فوق رأسها

لكن أبواب الحريم

انغلقت من حولها

حينئذ أدركت أنها

اجتازت العتبة

الى احتضارها الأبدي (14)

ان نقل هذه المشاعر يعكس حساسية الشاعر المرهفة وقدرته الفائقة على التفاعل مع واقع المرأة التي تسكنه، كما يعكس وعيه بوحدة النفر البشرية من حيث جمعها بين الأنوثة والذكورة. وانطلاقا من هذا الوعي نجده يوجه النقد لكل من الرجال والنساء الذين يتصرفون بحسب التصنيف الذي يفرضه عليهم المجتمع. يقول في قصيدته "الأشياء الصغيرة":

من عيوب النساء

يحتجن دائما

لمن يشعل لهن السيجارة

لا يعثرن أبدا على مفاتيحهن

يستمتن في الدفاع

عما في حقائبهن من فوضى

من عيوب الرجال:

يسيرون سيرا خشنا

يخفون أيديهم

يصلون الى الموعد

كما الى الثكنة (15)

ما يأخذه على النساء هو ذلك السعي لأن يكن مجرد إناث. فإذا كن قد حاولن تجاوز الحدود الفاصلة بين الرجال والنساء باختيارهن ممارسة التدخين الذي يعد سلوكا رجاليا، فلماذا الإصرار على إضفاء طابع الأنوثة عليه؟ لماذا لا يعتمدن على أنفسهن، كما يفعل الرجال، في اشعال السيجارة؟ لماذا الإصرار على الدفاع عن الفوضى، رغم أنهن أكثر إحساسا بجمال الأشياء وبالتالي بالتناسق وبالنظام؟ وما يأخذه على الرجال رغبتهم في أن يكونوا صورة نموذجية لما يريدهم المجتمع أن يكونوا عليه. إذ يمشون مشية خشنة للدلالة على القوة والعنف. ويخفون أيديهم في جيوبهم وكأنهم يخشون ابراز ما تتصف به من جمال حتى لا يتهموا بالتشبه بالنساء. فهل الجمال حكر على المرأة؟ وهل كثف الرجل لما يتصف به من جمال يقلل من قيمته وينقص من رجولته؟ تتجلى من خلال هذا الانتقاد، دعوة الشاعر عبداللطيف اللعبي كلا من الرجال والنساء الى إظهار الجانب النفسي المغيب في أعماقهم،والى إعادة اكتشاف ذواتهم. دعوة نجده يعبر عنها بشكل صريح في قصيدته "الشمس تحتضر":

ولكن يلزمنا

اصغاء شاسع

الى العينين، الى اللسان

والرحم

………

أن تعود النساء

من منفاهن المزدوج

أن يسعى الذكور أخيرا

الى اكتشاف هويتهم (16)

على النساء أن يتحررن من الاستغلال المزدوج. وهذا لن يتأتى طبعا إلا إذا تحلين بصفات "ذكرية" تتمثل في روح المقاومة وقوة الإرادة. وعلى الرجال أن يتحرروا من القيود التي تبعدهم عن ذواتهم الحقيقية ويكتشفوا جانب الضعف فيهم وبالتالي إنسانيتهم الكاملة. هذه الإنسانية التي استطاع الشاعر أن يحققها بتأمل ذاته واكتشاف أغرارها ومن ثم اكتشاف "رجولته" الكاملة.

يقول في كتابه "حرقة الأسلة": "ومنذئذ، أصبح من الممكن لعلاقتي بالمرأة أن تتصور وتعاش في اتجاه تحقيق الأخوة الإنسانية. ومنذئذ أعدت اكتشاف "رجولتي". هذا ما يؤدي بي اليوم الي التفكير بأن الرجال في حاجة ربما الى حركة تحررية خاصة بهم على غرار النساء… تجعلهم يكتشفون امتداد المرأة في ذواتهم وامتدادهم في ذات المرأة. حينئذ لن يصبح للرقة والقوة، للحدس والعقل، للحيوي والفكري أي جنس قاصر. ستكون هذه الصفات على أكثر تقدير متجذرة أكثر لدى هذا الجنس أو ذاك حسب تاريخه الفردي أو الوراثي، رسيتمكن الرجل أخيرا من التخلص من درع المحارب كي يكتشف المميزات التي يملكها خاصة أو يقتسمها مع النساء والتي كبتها لحد الآن في أعمق أعماقه لأنها كانت متناقضة مع صورة الرجولة المبتذلة. حينئذ يكف اعتبار جسد الرجل كأداة عنف وامتلاك مرعبة ليكشف عن هشاشته المؤثرة، وقدرته على العطاء والاستسلام للآخر، ولم لا جماله الذي يمكن للفن أن يحتفي به بدوره بدل تخصيص هذا الاحتفاء بجسد المرأة كما فعل لحد الآن؟" (17). ان هذا التصريح يكشف، وبكل وضوح كل ما صوره في ابداعه الشعري من نزوع لإبراز الجانب الأنثوي في نفسه. وحتى عندما يصل با اليأس من الجنس البشري أقصده، رغم حبة الجنون والأمل التي يزرعها في كل مكان، ويقدم استقالته من الانتماء الى هذا الجنس الذي لم يجن من وراثه سوى الألم، ويلجأ الى عالم الحيوان ليتقمص جلده، نجده يختار أن يصير كلبة لا كلبا حتى يتمتع بحدس الأنثى الذي يجعلها تتنبأ بالكوارث قبل وقوعها.

هأنذا

أستقيل من الجنس البشري

أتقمص جلد كلب

أو بالأحرى كلبة

أتعلم اشتمام الشر

من بعيد

من بعيد جدا (18)

وتصل هذه النزعة الأنثوية قمتها عندما تتجاوز رغبة الشاعر تحدي المجتمع، الى تحدي الطبيعة نفسها. ذلك أنه يريد أن يكتسب صفة بيولوجية أنثوية خالصة هي صفة الحمل والولادة. واذا كان من المستحيل تحقيق هذه الرغبة على مستوى الواقع فانه سيعمل على تحقيقها على مستوى الحلم. يقول في نص "تمرين لمحلل نفسي": "يتذكر قارئي المخلص حتما حلم الرجل الحامل الذي رويته في كتاب سابق. هذا الحلم عاودني في صورة أخرى. وإذا كان قد عاودني فلأنه يستجيب لتركيبة ما في بنيتي النفسية ومن شأنه أن يكشف عن وجود انفعالات أو أمور مكبوتة أو استيهامات لا أرغب مطلقا في الاستفاضة فيها.". (19)

وقارئه المخلص يعرف أنه روى هذا الحلم في كتابه "تجاعيد الأسد" بطريقة جد مفصلة استغرقت عدة صفحات. وسأحاول اختصاره فيما يلي: ".. ومع ذلك فتأثير هذا الحلم لايزال طريا. قلب "عين" يدق دقات غير طبيعية. يداه متصلبتان ومنتفختان.يحس بألم حاد في بطنه.. بطن منتفخ انتفاخا نمير طبيعي. نعم ! إنه انتفاخ الحمل في آخر مراحله. لقد كان حاملا فعلا. استرجع المشهد برمته. كان عاري الجسد، يجلس مباشرة على الفسفساء. كيف وصل "عين" الى هذا المكان؟ هذا ما لم يستطع تفسيره. وعلى العكس من ذلك، فان حقيقة حمله بدت وكأنها لم تصبه بالدهشة. لم يبد له الأمر طبيعيا وحسب بل وقدريا أيضا. قدر يتقبله عن طيب خاطر. ما كان يؤرقه رغم كل شيء هو احساسه بما يسمى بآلام المخاض الأولى. لقد بدأ ذلك "الشيء" ينزلق على امتداد بطنه. ولن يتأخرني الخروج. (20)… حلم الليلة الماضية.. يسكنه من جديد. وفي منتصف إنمفاءته رأى نفسه عاريا… آلام الوضع تعود بحدة أقوى مما كانت عليه في الحلم… كان في هذه المرة مركزا كل اهتمامه وطاقته وقدرته علي الرقة على الكائن الذي يتخيله وردي اللون.. لطيفا كالعسل الخالص، يسبح في مياهه الأصلية… لن يتأخر هذا الكائن في الزحف على امتداد جدران نفقه الاسفنجية ليقترب من المخرج… كان "عين" يتابع تطور هذا الكائن العجيب. يشجعه. يمد له يده. هكذا أصبر كل منهما قريبا من الآخر، يحس بقلبه يذوب عشقا فيه… (21)

وبالعودة الى "تمرين لمحلل نفسي" نجد الشاعر بعد تذكيره بالحلم، يصور حالته النقية عندما خرج الجنين من بطنه: "آه ! كنت سعيدا يا أصدقائي. كان قلبي يختلج مثل نسر يتهيأ للتحليق. كنت أقول في نفسي فخورا: أخيرا سأصير مساويا للمرأة !"(22).

ان هذه القدرة الفائقة على تصوير آلام المخاض والوضع وتصوير الجنين وهو يزحف للخروج من أعماق البطن المظلم، وهو يقاوم بكل ما أوتيت أعضاء جسمه الضئيل من قوة… وتصوير ذلك التلاحم الرائع بين الحامل والجنين وساعدته على الخروج الى عالم النور، والسعادة التي تغمر المرأة وهي تخرج الحياة من أعماقها… كل هذا يعكمر إحساسا طبيعيا لا يمكن أن يدرك مدى صدقه إلا المرأة التي التي جربت آلام المخاض وعامثت مراحل الوضع بكل جزئياته وتفاصيله ويمكنني القول بأن هذا الإحساس العميق ليس غريبا على شاعر متميز كالشاعر عبداللطيف اللعبي. لأن القصيدة التي تنطلق من الأعماق، ولا تكون مجرد ترف فكري، لا تختلف ارهاصاتها والأحاسيس التي تصاحب كتابتها عن آلام المخاض والولادة.

إن هذا الإصرار على إبراز الشاعر لأنوثته، يدفعنا الى التساؤل عن الأسباب الكامنة وراء ذلك. فإذا كان الإبداع، باعتباره عاملا ذاتيا، سعيا متواصلا لتحقيق الكمال وتعبيرا عن النفس البشرية في شموليتها وكمال صفاتها، فإن هناك عاملا موضوعيا يتمثل في تجربة الاعتقال التي كشفت للشاعر حقيقة المرأة المشرفة وجعلته يعتز بصفاتها الأنثوية ويسعى جاهدا للكشف عن هذه الصفات المخيبة في أعماقه. يقول في كتابه "حرقة الأسئلة": "منذئذ أصبحت مفاهيم القوة، المقاومة، الصمود تصرف الى المؤنث. ولم تعد تمثل العلاقة بالمرأة ذلك السجن وذلك الجحيم المصنوعين من عقد أفاعي الخوف والفتن المعيشة خلال طفولة ومراهقة محرومة، لتصبح بوتقة لتحقيق الذات من خلال الاخر ولتحقيق الآخر من خلال الذات، شرط أنسنة الذات كشرط قبلي ضروري لأنسنة العلاقات البشرية". (23)

أمام هذه القدرة الفائقة على الغوص في أعماق النفس البشرية وإبراز الجانب المغيب فيها، المتمثل هنا في المظهر الأنثوي، يمكننا القول إن الشاعر عبداللطيف اللعبي استطاع أن يرتفع بالابداع الى أعلى مراحل السمو بتحقيقه تكامل النفس البشرية وتوازن مظهريها الأنثوي والذكري. هذا التكامل الذي يجعل القاريء – رجلا كان أو امرأة – يجد نفسه في كتاباته وينشد الى محيطه الابداعي فيصبح بالضرورة قارئا مخلصا باستمرار.

الهوامش:

1- الأدب النسائي هل هو ظاهرة استثنائية: ريتا عوض، مجلت وجهات نظر. العدد الخامس ابريل 2000 ص 65.

2- المرأة والجنس – 2- الآنثى هي الأصل. نوال السعداوي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر. الطبعة الأولى 1974. ص 79.

3- نفس المرجع السابق. ص 79 تقول الكاتبة: "وقد اتضح أن أول وأهم عامل يحدد احساس الشخص بكونه ذكرا أو أنثى هو نظرة الأسرة أو من حوله اليه كذكر أو أنثى. وتوضح لهم من البحوث العلمية أن الولد أو البنت رغم سلامة الأعضاء التناسلية كلها بيولوجيا وفيسيولوجيا يتغير احساسهما بالذكورة أو الأنوثة حسب نظرة الأسرة.. وعلى هذا فإن العوامل الاجتماعية والثقافية والتربوية تحدد أنوثة المرأة أو ذكورة الرجل".

4-5-  الأدب النسائي هل هو ظاهرة استثنائية ! ريتا عوض ص 65.

6- الشمس تحتضر يليه احتضان العالم ترجمة الياس حنا الياس. دار توبقال للنشر ص 40.

7- نفس المصدر السابق ص 28.

8- ما وراء الخير والشر (مختارات) فريدريك نيتشه ترجمة د. محمد عضيمة ص 44.

9- الشمس تحتضر يليه احتضان العالم ص 133.

10- Les rides du lion – A Laabi Editions Messidor Paris 1989 p29.

11- حرقة الأسئلة. دار توبقال للنشر ص 46.

12-13- Poemes perissables Editions de la differnce p17 ترجمة للقصيدة لصاحبة المقالة.

14- discours sur la colline arabe A Laabi ترجمة القصيدة لصاحبة المقالة.

15- الشمس تحتضر يليه احتضان العالم ص 82.

16- نفس المصدر ص 19.

17- حرقة الأسلة ص 99.

18- الشمس تحتضر يليه احتضان العالم ص 36.

19- نفس المصدر ص 156.

20- Les rides du lion – A Laabi Editions Messidor Paris 1989 p45-46.

21- نفس المصدر ص 58-59 (الترجمة لصاحبة المقالة).

22- الشمس تحتضر يليه احتضان العالم ص 157.

23- حرقة الأسئلة ص 98.
 
رميج الزهرة (كاتبة من المغرب)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …