أخبار عاجلة

«البحر يبدّل قمصانه» لـ عائشة السيفي

التعبيرية الشعرية في نطاق المدلولات:
قد تتيح لنا هذه القراءة النقدية إمكانية التعرّف على تجربة الشاعرة العمانية عائشة السيفي، وإنّه لمن المفيد وقبل شروعنا بالكتابة، علينا أن نُلقي نظرةً ولو سريعة على معالم الواقع الثقافي العُماني لنوفيه حقّة، ولنا أن نوجز بالإثبات لنبيّن الأسباب الجوهرية التي أدّت إلى تذبذب المنجز الشعري وعدم تفاعله مع الرؤية الأدبية في إطار ما يسمّى بقصيدة النثر في نطاق الشعرية..
قد يعزو بعض متداولي الشعر هذه الظاهرة إلى خطل المنظومة الشعرية أصلاً، فلن يصبح الشعر في هذه الحال لغة تواكب الحداثة لضعف الإمتثال لبنيتها الدلالية، فالشاعر غالباً ما ينحاز إلى بيئته وبالتحديد المنشأ الصحراوي الأول، لأنّه يرى في هذه الوضعية هُويته المحليّة، وهو بهذا يستطيع أن يحافظ من هذا المنظور على الموروث الشعبي، ويؤكّد استقلاليته عن المضمون الغربي، وما تجلّيات الحداثة إلّا نزعةٌ تغريبية لا يجدها الشاعر ضرورية ولا تكون مقياساً لتميّزه حسبما يرى، لكنّنا لا نعني من المقارنة النقدية ما يؤدّي إلى حتمية انغلاق الفئات الأدبية على المظاهر الثقافية العامة، فنحن لا نرى في إطار هذه الرؤية ما يدعو إلى القلق، ولا يحقّ لنا أن نفترض حكماً يضع الشعر موضع الشك، ودليلنا تقييمنا الشعراء سيف الرحبي وزاهر الغافري وسماء عيسى، فعلينا إلّا ننسى البتّة أنَّ الشعر صيرورةٌ أدبية لا تتوقّف عن النمو ولا تتلخّص في أُسلوب شعري ليفرض علينا سطوته، فكلّ صيرورة أدبية تنبّئ بظهور شاعر/ة بسماتٍ تختلف اختلافاً تاماً عن سمات جيله..
وقد ينطبق الأمر نفسه على شعر السيفي، وإذا ما قمنا بتشريح دقيق لمجمل البنى، فإنّنا سنكتشف في نهاية المطاف وجود بنية ضمنية مرادفة تلخّص السمات الذهنية الضرورية، وتُفضي بها إلى حداثة رديفة، ولكنّها رهينة بقيام تحوّل بنيوي ليضعف الطابع المفرط للإيقاع وعدّه تفريعاتٍ غنائية:
«أقولُ خذيني إلى الأحرف السومريّة
كي نلدَ اللغة الأمَّ بكراً بتولا»ص63
«الحبّ مسخٌ بنقصي وربٌّ بكل ّكمالك» ص67
(ما قيل عن الحبّ: آدميته وألوهيّته)
وستسمح لنا هذه البنية بتوليد الفرق وإعمامه كقوّة جمالية بديلة تقوّض البناء النمطي ليحمل معنى مغايراً، ولعلَّ ذلك كلّه يعود إلى استثمار السيفي للمقتنيات اللغوية في نسيج القصائد وتزويدها بمعطيات دلالية لتزيد من عمق وظيفتها، ففي رأينا أنَّ الشعر أثرٌ يسمح بالإستنباط من مكنون اللغة لأنّها مكوّنه الحميم.
فلنتأمّل هذا المستوى الدلالي في المقطع الآتي:
«ويخجلني أن تكون الحقيقةُ غيري
وأن يصبح الشعرُ ملكاً لغيري» ص41
ويخجلني أن تكون القصيدةُ غيري
لأنّ القصيدةَ نصفُ دمي» ص44
«ويخجلني أن أصيرَ نبيّاً لقومي ويصبحَ في كلّ بيتٍ نبيّ» ص43
(ويُخجلني)
من أوّل وهلة في أثناء صيرورة القراءة أي من عتبة النص الاستهلالي (الطريق إلى الياسمين) تسحرنا المعاني الدلالية، وأناقة التعبير، ويعود الفضل في هذه الحالة إلى اللغة الحاضرة بقوّة، فاللغة تعدّ نقطة انطلاق لاكتشاف مكامن الدلالة، وتقف الشاعرة في القطب لتنقلنا إلى أجواء شعرية تتميّز بخصائص متفرّدة لا تخرج البتّة عن سياق التعبيرية الشعرية في نطاق المدلولات وعلاقتها بالبلاغة مهما اتّسعت رقعة الأخيرة، ولا تخضع لإرادةٍ نغمية يقيّدها بالتنغيم الناشز إلّا لاستحضار الدالّ، فالتنغيم إذاً يشير الى سمة دالّة:
«سمائي عاريةٌ وغيومي انتحرت بالماء
لا عاصمَ لي اليوم من الحبّ سوى الحب» ص74
(الذي لا يشبهُ أحداً يموت)
الرؤية الداخلية والاستعارة المجازية:
لعلّ الاغتراف من معين النص القرآني أو الكنسي التعبيري لا يغيّر من الأمر شيئاً سوى الإحتفاظ بمتن ديني حافل بأمثلة من القرآن لتقوية المعنى، وليس من الضروري أن تحيل على دلالة دينية على أساس أنّها تأويل دلالي، وليس هذا شأن الشعر، ولا أزعم أنَّ الشاعرة كانت تروم وصل العلاقة بين منظورين متباينين، ولكن يجب الإعتقاد أنَّ مبدأ التلاقح من المنظور الشعري يعدّ استعارةً تساهم في تنوّع القيم وازدهار الشعر، وقد استلّت الشاعرة من روافد اللغة ما يكفي لدعم منجزها بتشكيلات جمالية إضافية..
صحيح لا تنتمي القصائد إجمالاً إلى جيل الحداثة أو إلى جيل قصيدة النثر، غير أنَّ الشعر في الواقع يشهد تحوّلاً معمارياً في مجال التقنية التعبيرية إذا ما تخطّينا اللغة المنظومة كمادة للصياغة، فالمفارقة من هذا المنظور تُعطي تعريفاً خالصاً للنَّظم (الإيقاع + القافية) وتعدّه نمطاً موروثاً مرتبطاً بالماضي بعلاقة أدبية، وهذا ما نلمسه عملياً في جزئيات المعمار البنائي، والحال أنَّ الإغتراف من الموروث الشعري النمطي لا يعدو في حقيقته خطلاً جوهرياً، ولعلّه في إمكاننا قبول وجود مثل هذا النظم في حدود دلالاته كأقصى حدّ على رغم من فاعلية النظم بالقياس إلى شعرية الحداثة، ويبقى المدلول من منظورنا هو الأساس كما بينا قبل قليل..
وسنكتفي بالإشارة ولو بالعبارة إلى ما ندعوه قصيدة النثر التي احتلّت أماكن حسّاسة في العملية الشعرية، بل وأصبحت البوصلة لقياس الدلالة من جهة أُخرى، ولنا في هذه الحالة أن نسمّي قصيدة التفعيلة (المنظومة) شعراً تنغيمياً بامتياز، وسنسمّي قصيدة النثر (الحداثية) شعراً دلالياً بامتياز، ومع ذلك فعلينا ألّا نمنح الشرعيةَ للنثر لنغمط حقّ القصيدة المنظومة لنعدّها خروجاً عن الثوابت الأساسية للخطاب الشعري الحداثي، وعليه فليس من المنطق أن نزنَ شعر السيفي بميزان الإيقاع الذي يعمل على استئصال آثار الدلالة، ويرجّح النبر (الجُمل الصوتية) ومثل هذا المنظور بالتأكيد لا يقرّبها من النمط إلّا بحجم حساسيتها الغنائية.
لذلك يمكن بعد كلّ هذا أن نعدّ الانزياحات خرقاً للتنميط لو نحن أعطيناها هذا المعنى، إذاً فالإنزياحات ليست إلّا مسوّغاً يقرّب الشعر من مواقع الحداثة، ويدخل ضمن إطارها إذا ما جعلنا التنويعات الوزنية أو الإستعارات التعبيرية سبباً معيارياً لوضع حدّ للنظم لإضعاف الفونيمات الصوتية، لأنّنا نعرف فلن يكون لها بالكاد مدلول مكثّف مهما قمنا بالتمحيص، ولو أزحنا الإيقاعات الوزنية من كلّ صورة شعرية، وتخلّصنا من بعض قيودها بوصفها مصنوعاً متكلّفاً، فإننا سنكتشف لا ريب صوراً تنسب إلى الانزياح أي بصيغة حالة الإنزياح: (المنافرة) فتكون خرقاً لقانون الكلام، أو بصيغة نفي الإنزياح: (الاستعارة) وهذا يمكن أن يقود إلى خرق قانون اللغة.
ولربّما نعد جزالة اللفظ، وثراء اللغة، وأناقة التعبير من السمات الجوهرية للخصائص الشعرية التي تنظّم البنية والشكل (morphology) وهذا التشكيل اللغوي هو ما يؤلّف فضاء الشعر، ويحدّد طرائقه لا إيقاع الفونيم (phoneme) وحده ولمعرفة مكمن القوّة يجب أن نبحث في المحتوى الذي يسمح بالإنثيالات اللغوية لتغني صيرورتها، وهذا مبدأ أساس لنقاء النص، ولا يختلف إثنان عن القوّة التعبيرية التي تكتنف شعرية التراكيب، وليس هذا كلّ شيء فلا ينبغي لنا أن ننسى في نطاق عرضنا هذا صورة الفونيم التي تجسّم القيمة الصوتية بين البنية والشكل وتنظّم موسيقاها، ولا نزعم امتلاك الآلية الكاملة للمسك بالقوانين الصوتية العروضية، ولكن ذلك لا يخلّ بالبنية اللسانية العميقة من هذه الجهة مع أنَّ للصواتة (phonology) صلة بالشكل (التجانس الصوتي) يستدعي الشعر في هذه الحالة تناغماً لغوياً، فذلك ما يحدّد قوّة الصياغة الشعرية، والقيمة التركيبية فضلاً عن القيمة الجمالية كما نرى، ومثل هذه الحالة متحقّقة نسبياً ولو بدرجات متفاوتة، وما يسمّى دلالة إنّما تؤمّنه الصيغة الشعرية المتناغمة ولم تنفصل عن سياقها إلّا لتعلن عن الاقتراب من بنية عميقة:
«ولا تخذليني فإني امتحنتُ المواسمَ .. أجدَبَها
واختبرتُ من النار.. ألهبَها
وعبرتُ الأساطيرَ/ كلّ الأساطير.. أصعَبها
وخرجتُ كما يخرجُ الأنبياءُ من الوحي هشّاً
ولكن ولكن عصيّاً» ص15
(ما يُشبة حزناً مريمياً)
تنقلنا القصائد إلى فضاء شعري غالباً ما تكون أجواؤها خاضعة لتأويلات دلالية بحسب القولات التي تُرجع التأويل الدلالي إلى قصيدة النثر بخاصة، في حين تبقى هذه الأحكام رهن عوامل شخصية، نحن لا نستطيع أن نُلغي قطعاً من الشعر جمالية الأشياء، فالشعر لا يفترض القوانين، إنَّ الشعر بتحديد أكثر تجلّيات وجدانية كيميائية نفسانية، وما يجعلنا نخوض في هذا الفضاء هو خصوصية الملفوظ الشعري من حيث هو انزياح، وعلى رغم من التقليد كما نرى في سياق البناء المعماري الذي لا يحقّق انزياحاً تركيبياً، ولكنّنا نشعر أنّنا إزاء شكل يرسم جسراً بسماتٍ شعرية لكيما يكون بموازاة الفونيم الخاضع لإيقاع الموسيقى وحساسيته الغنائية.. ولنعلن الآن عن بعض الوحدات التي تشير إلى بطلٍ موسوم يخاطب بطلةً لا كما يحبّ هو أن يخاطبها، ومع ذلك نفهم أنَّ هذا المقطع المتدرّج يدخل ضمن نطاق الفكرة ليكون موازياً للدلالة:
«ولا تجزعي فالقصيدةُ ملحُ دمي
وأنا سامريٌّ نفاهُ الكلامُ إلى شفتيك كلاماً قصيّا» ص14
(ما يشبه حزناً مريمياً)
ولكن كما لكلّ صيغةٍ ثوابت وخصائص حسب درجة قوّة المعاني الدلالية، فكذلك لكلّ وحدة صوتية دلالة وعلى رغم من تدفّقِ الغنائية إلّا أنّها لا تتعارض في العمق مع متن القصيدة التي احتفظت ببنيتها الدلالية المستوحاة من النص الديني:
«كيف يتركُ موسى عصاهُ
ونوحٌ سفينتَهُ
ويفرّ المسيحُ بصلبانه
ويجفّ على الفمِ هذا النبيذُ العتيق؟» ص20
(عن صديق ضلوعه الطريق)
فعادة ما يرفع من مستوى التعبير جمال اللغة كما نحن نعرف، والحق لا أحد يزعم استحواذه على المُطهّر اللغوي، وأخيراً فإنَّ هذا التقدير من منظورنا يبقى سبباً، ويمكن أن يتفاوت من كاتب إلى آخر، وهذا ما يسوقنا إلى موضوع التأويل، لذا علينا ألّا ننكر بعد هذه النظرة القوّة الجمالية التي تتمتّع بها القصائد، فالشعرية الجمالية تكريسٌ لما هو أدبي تعلن في النتيجة عن وجود بنية قوية تفرض علينا دائماً قراءةً معيارية ليست الهدف منها إلّا لتأويل يسمح لنا تشريحه بدقّة لإبراز معالمه في صلب الشعرية.
تساهم الاستعارة في عملية البناء لتثري الحبكة لتصبح لها وظيفة، فذلك لأنّها تأخذ شكل الدعامة للمحسّنات الشعرية، وهي إضافة شعرية تضطلع بها اللغة لتقوية المعاني دون الانسياق وراء الدلالة، وما إظهار المتون اللغوية إلّا دليلٌ على تأكيد رؤيتنا..
فلنلاحظ أثر المتن الديني الأُسطوري:
«وامضِ كأنّكَ موسى إلى التيهِ وامضِ كأنّك قابيلُ نحو خطيئتك الأبديّة» ص23
لننظر تجلّيات المتن الصوفي:
«خذني إلى ابنكَ سيّدنا الشعر كي تستقرَّ النبوّةُ في أضلعي ويكشّفَ عن ساقهِ الشعر خمراً حلالاً» ص24
لنلاحظ الكيفية التي يوفّرها المتن الشعري المستل من محمود درويش:
«هل صورة الشيءِ أقوى من الشيء؟
لولا مخيّلتي قال لي آخري:
أنت لستَ هنا» ص23
(بكائية أخيرة لمنفى من نسيان)
نجد نزوعاً يرمي إلى رسم جغرافيا للوحات شعرية، كلّ جزء منها يصوّر مظهراً دلالياً ويستدعي تأويلاً متعدّد القيم، فالشاعرة تسبر غور اللغة وترسم رسماً صارماً من العسير أن تتكرّر الصيَغ نفسها ما دامت الصرامة اللغوية مسنداً..
الملاحظ أنّنا نرى من يؤول سوداوية الحزن إلى سوداوية ذات حساسية مفرطة وموروثة تظلّ سماتها بعيدة عن شخص الشاعرة وليست من صلبها، فنحن لا نتردّد قطعاً في إخضاع حكمنا للمختبر لنقدّم تشريحاً كاملاً، ولا نتردّد في إثبات أنماط شعرية وجدت نفسها لتصميم نموذجها الشعري التناصي ليظهر بمظهر البنية والشكل المستنسخين من صلب النمط نفسه.
يكفي أن يبلغ الحزن مدىً بعيداً من الشفافية لينتهي بالأمل، وليس تكريس اليأس، فالشاعرة تذهب في العمق بما ترمز له بالمعنى لترسم صورة من التضامن التعبيري لتحتفظ لنفسها بموقف ما دام للشعر وظائف تعبيرية في مستوى البنية، وفي مستوى المدلول:
أريدكَ للخمرِ فاسكُبْ كؤوسكَ من جسدِ الشعر
هذي القصيدة ذنبك» ص23
(بكائية أخيرة لمنفى من نسيان)
الزُخرف اللغوي استعارة شعرية:
يبقى بعد هذا، يقوم الشعر بصوغ التعابير بحريّة لاستكمال وظيفته بفضل اللغة، مع العلم أنَّ الزُخرف يندرج في مجال اللغة الشعرية، ويمكن أن نعزو ذلك إلى الفن الشعري الاستعاري ليعدو إجراءً شكلياً يكسب بعداً تعبيرياً، يمكن أن ينفي الإنزياح ويخرق الصيغة اللغوية لمصلحة المستوى الشكلي (إنزياح استبدالي + استعارة) في حين أنَّ دلالة هذه الاستعارة تتجسّد في طبيعته الزخرفية، ولو أنّها في حقيقة أمرها من المحسّنات البديعيّة التي تدخل في نطاق الإستعارة..
وقد جاء توزيع الكلمات موازياً للمعنى وما كلمة (مدد) إلّا دالّةٌ روحية يقوم عليها الأداء، وتأكيدها يدلّ على فحواها ضمن هذه الصيغة، ولم يقف الموضوع مقصوراً على استعمال نمط تعبيري، من الأحرى أن نلاحظ أنَّ صيغة استئناف المعنى وتقويمه بالموروث الديني التاريخي أو بالأدب الشعبي العُماني يُضفي على الشعر مسحة من الجمال، أمّا استعمال الرمز فيمنح الموضوع وظيفة دلالية على الرغم من المآخذ الصرفية أو النحوية، فما بين مأساة الحسين وأوجاع يوسف والمسيح تنمو اللغة لتعزّز المعنى الشعري تارة بالتلاقح بين الفصحى والعامية وتارة باستعمال الاستعارة كمعطى وظيفي:
«لكأنّني نجوى بلالٍ حين يهتفُ يا أحد
أوجاعُ يوسفَ حين يطعنني البنفسجُ
أو تشقّق عن قميصي الروح أصرخُ/ لا سند» ص58/59
«خذ كربلاءَ دعِ الحسينَ وخذْ خريفَ دمشقَ/
أرضَ النهروان/ فرات بغداد الحزين/
حديقةَ الموتى/ غبار الريحِ حاشية الرشيد» ص60
(مدد وأنت تمزج روائحنا برحمتك)
وقد جاء توظيف الأدب الشعبي بحجّة تطوّر الشكل لغاية شعرية تبقى ضرورية في قضية التلاقح، وفي الحقيقة نستخلص أنَّ التلاقح الشعري من وجهة نظرنا = استعارة أدبية ويحسن أن يكون في الوقت نفسه انزياحاً استبدالياً مطّرداً، لكنّه يبدو شكلياً كما يوحي لنا ذلك من دون أن يلحق الضرر بالسياق الشعري، والملاحظ أنَّ الشاعرة أخذت تستنبط من الأدب لتجعله معياراً موازياً لمعيار اللغة الطبيعية، وهدفها في ذلك لا يبتعد عن خلق لغةٍ قريبة بمعانيها من لغة الحياة.
لا شك في أنَّ بعض الوحدات لا تقدّم شيئاً جديداً في مستوى الدلالة سوى تحقيق حلقة الوصل بين غنائية جمالية وغنائية متّسعة التقفية. فملاحظتنا لبعض المفارقات العروضية لا تعني حكماً نهائياً، ولا يمكن وضعها كمقياس عام، بيد أنَّ الإشارة إليها تعدّ من مسؤولية الناقد والقارئ معاً لكونهما ملزمين بتفكيك البنية الإيقاعية وإعادة بنائها على وفق القوانين العروضية، حيث إنَّ من السهل ترميم الهنات بالتزام طريقة التفكيك، أمّا استعمال الزُخرف اللغوي، فإنّه لا يعني أنَّ الشعر يغرف دائماً من الكليشيهات المعدّة، أمّا الهوامش في المتن فتعدّ تقنيةً ضمنية لا تغيّر من الأسلوب شيئاً، نعتقد أنَّ من الأجدر منع تكرار البديهيات وعدم دخول مجالها ما أمكن ذلك، وباختصار ولكي نغلق القوس المفتوح مثلاً فعلينا أن نبادر بملء الفراغ مقابل المعنى المضمر، وهذا ما تتوقّعه الشاعرة من المتلقّي لاجتراح صيغة تنتمي إجمالاً إلى السياق.
من نصيب الشعر العمودي:
وبإدخال النظم العمودي إلى بنية الشعر، فمن البديهي أن يتّخذ الشعر من الغنائية موضوعاً له، فما عاد التحوّل جزءاً من الهدف، بل يمكن أن تنقاد الحواسّ لسحر الإيقاع المطلق. إنَّ الشعر الغنائي يجسّد الإحساسات الوجدانية ويولّد البنية التي لا تنفك عن جعل القارئ يتأمّل الموسيقى وينساق وراء غنائية رومانسية تزداد اتساقاً في أغلب الأحيان:
«نشجَ الليلُ بعيني وبكى
كيف يبكي مَن مِن الدمعِ غرق» ص27
أو
«ليتهُ ما نامَ أو صلّى لهُ
حزنهُ المدفونُ في حزنِ الورق» ص28
(بكائيّات على جسد الليل)
ولكن مثل هذا الأمر يستدعي استيضاحاً من المفيد إعمامه، وبعبارة أُخرى إنَّ علاقة الأدب بالفن تبقى في حقيقة الأمر متماسكة بموجب صلة وصل بينهما، فإذا أعددنا الشعر فناً خالصاً فيغدو حينئذ من منظورنا تجلّياً يجسّد صورة الفن بكل إحالاته التركيبية، ويكون الفن تجسيماً من تجسيماته، أمّا إذا اعتمدناه جنساً أدبياً ففي وسعه أن يغدو صورة انتقائية لتجسيد الأدب بكلّ تمثّلاته الأُسلوبية بمعنى أن يفرض موضوع الأدب اختزال اللغة. إنَّ الاغتراف من النص القرآني كما نعلم يرجع بالتحديد إلى التوليفة التي اشترطتها البيئة الدينية كما سنرى في نموذج قصة يوسف وزليخة في الموروث الديني، أمّا الفونيم فيبقى في بنيته الصوتية نفسه، وأمّا النظم فيحتفظ بتوليفة قديمة لا تقبل توسّعاً في بعض مفاصلها، فما يشفع الشعر انعتاقه من ربقة القوافي لتغدو سماته مغايرة، ولا سيما في حالة التخلّي عن القيود، فلا عجب أن تفعل الشاعرة ذلك لإدراكها العميق أنَّ القوافي المطّردة قد تقيّد الشعر وتقلّص من تفجّره اللغوي..
ربما لا تعبّر القصيدة العمودية عن مشاكل الواقع المتعدّد الرؤى، وهذا من شأن النظم الذي عليه أن يحلّها من منظوره دون أن يزعم امتلاكه المعطيات الأدبية المسلّمة، ولنتفق مبدئياً على أنَّ الشعر المقفّى لا يعدو كونه تقليداً شعرياً، ولا يرجع في حقيقته إلّا للنظم، ومهما نبغَت الشاعرة في مستوى العبارة فتظلّ اللغة خامدة، فلم يلحقها تغييرٌ مبدئي أو انزياح يخرق الصورة الغنائية..
يبقى بعد كل هذا أنَّ الإغتراف من معين الصيَغ المعدّة = الأساس العميق لبناء القصيدة، هناك في الواقع التباسٌ في الإستعمال اللغوي للقافية، وهذا ما يفقد الإحساس بجمال الكلمة، ويحيلها إلى شكل غير أمين للغة، لنتأمّل نظام الأبيات الموحّدة والمطّردة القافية:
«أحيلكَ للرملِ يا صاحبي
فنادِ المشيئةَ كي نهلكا
ونمّقْ بموتكَ أحزاننا كما نمّقَ الموتُ أحزانكا «ص35
(السوناتات الأخيرة لنبيّ الرمل)
المورفيم والفونيم النظم والإبتكار:
يمكن التعبير عن عمق المشاعر داخل اللغة وخارجها في آن واحد، لأنَّ الهدف الأساس كما يدل المحتوى الشعري هو خلق الدلالة من جوهر الشعر نفسه، ولتوضيح هذه الصورة يمكن أن نُرجّح الإبداع إلى طريقة استعمال اللغة التي تتفرّع منها المحسّنات البديعيّة والإستعارة والتورية من جهة والنظم الصوتي من حهة ثانية. «إنَّ الفن الكامل هو الذي يستغلّ كلّ أدواته» كما يجتهد جان كوهن..
يحتاج الأمر هنا تأويلاً، هل الشعر استعارة تورية مجاز، نظم صوتي، وحدات لغوية morpheme)) أين صور الإبتكار إذاً؟
فالنظم بطبيعته لا يقبل الابتكار ولا يشرع بمواجهة النمط كما سنرى، فنحن بذلك لا ننسى أنَّ النظم يناقضُ مبدأ التجديد، لأنّه ليس من صلبه، وفي الأخير مهما تصل درجة تناغم قوّة الأداء في النظم التعبيري بصفة عامة، وفي النظم الصوتي بصفة خاصة، فالواقع المعبّر يفرض شكلاً مكروراً، وإنَّ هذا الشكل لا يشير إلى متوالية تحقّقُ مستوىً تعبيرياً يقوم بوظيفته الدلالية، ولا يجرّد الشعر من أساره الغنائي ليبطل مفعوله السلبي.
(البقية بموقع المجلة على الانترنت)

فنحن لا نُعطي لأنفسنا حقّ المواجهة الشخصيةٍ لنثبّط عزيمة شاعرتنا، بل يتحتّم علينا في هذا الإطار أن نقوم بمعالجة الشعر وتمحيصه بمهنيّة أدبيّة تضع الشعر في المقام الأول، وليس بموجب منطق استعلائي يتنافر مع قواعد الأدب، وإذا ما دقّقنا في الديوان سنتفاجأ لا شك منذ المقدمة بجمال اللغة يطغى على محتوياته، فما يحمله الشعر في عمق سياقاته يُعطي الانطباع بتفوّقه اللغوي، وهذا لا يمكن إنكاره، فالواقع أنَّ الشعر ليس أثراً استاتيكياً، ولا ينبغي أن يُفهم على أنه (بلاغة متحجّرة) فما يجب على الشعر تقديمه أن يختار نموذجه المبتكر أي أن يكون الاختلاف بالتحديد جوهر موضوعه مع الإعتقاد بهذا ليكون الإختلاف مقوّماً يخترق صيرورة التقليد بكل تمفصلاته.
ما يؤخذ على الشاعرة انقيادها إلى النظم الذي يستحيل تحديثه إلّا في حالة التمرّد على المنهج نفسه، وهذا يسستدعي بالضرورة نقلة جوهرية لاقتلاع النبر وإضعاف جذوره.. لذلك فالعبارة المنظومة ليست إلّا جزءاً من الوحدة الصوتية ( (phoneme وكون النظم ينافي قصيدة النثر الدلالية المتمرّدة، لكن انفراج الوحدات الشعرية أدّى إلى انفراج ملحوظ في القوافي، وهذا الانزياح الشعري غالباً ما يقف بالنقيض من النمط ويكون له بنية دلالية، وليس بنية وصفية:
«كم حفرة في انتظار دمي
وأنا في الخريطةِ أشبه بالنقطةِ الصفر» ص42
(ويخجلني)
لا شيء يمنع الشاعرة من الانتقال من صيغة إلى أُخرى ما دام الشعر يسمح بذلك، فالانتقالة من نعومة الرومانسية ـ الغنائية ـ إلى صيغة التمزّقات الإنسانية تكشف عن مدلول يوحي بشعرية الأشياء، وينبّىءُ عن استحضار المعنى الشعري في الوقت نفسه، وقد خصّصت الشاعرة في هذا المستوى أبياتاً في صيغة درامية:

«ويخجلني أنّني كلّما ازدادَ قلبي هياماً بهم طعنوني بنايٍ
وغنّوا بنايٍ لفردٍ سواي» ص43
لنلاحظ كذلك هذه الصيغة التعبيرية:
«ويخجلني أن تعيش البدايةُ بي وأكونَ الأخيرَ بقاموسها» ص43
(ويخجلني)

الشعرية والجمالية:

تمثّل قصيدة (منتصف الطفولة منتصف الحبّ) نقلةً يتوسّم فيها الخير، وهذا ما يدفعنا إلى دراسة البنية التركيبية للغة المستعملة والإشارة إلى السياق المنبثق منها، ولإدراكنا أنَّ الشعر يقبل التحوّلات، فإنَّ المفهوم العام للقصيدة يحقّق الرغبة في هذا التحول البنيوي، بل لا يتوقّف الأمر عند ذلك الإطار ولا يحرم الشعر من تحقيقه..
ــ هناك في الواقع حاجةٌ لاجتراح أُسلوب رديف ليقوم باختراق النظم تمهيداً لتطويع غلوّ الإيقاع الموسيقي، والظفر باللغة كمادة لسانية مقابل التضحية بالموسيقى أو جعلها إيقاعاً باهتاً يقبل الإستغناء عنه بالدلالة..
ــ أو التضحية بالقافية التي يمكن التعبير عنها بكيفية أُخرى وفي صورة انزياح شعري لغوي:

«حبّاً طفولياً أريدُ ودفتراً للرسم ِكعباً عالياً للرقصِ
لا أحتاج من لغةِ الغرامِ سوى بساطةِ لثغتي في الراء» ص45
(منتصف الطفولة منتصف الحبّ)

ــ أو مقابل التضحية بالغنائية الرومانسية لضمان ما يمكن أن نسمّيه بالشعر المدوّر، علينا بعد كلّ هذا أن نؤّول بعض التراكيب الضمنية لنعيد بناءها إذا سلّمنا جدلاً أنَّ المتمنّيات ممكنة، وما على الشاعرة إلّا أن تصوغها في إطار شعري أصيل يحفظ جوهر الفن الشعري، فهناك استعمال لغوي لصور مستوحاة من مبادئ الرومانسية (romantic):

لا أشتهي شيئاً سوى حبٍّ طفولي وفارسِ مهرةٍ بيضاء يحملني لنزوى فوق مهرتهِ ويقسمُ بي با سمائي الجديدة والقديمة
كم أحبّ الرقصَ في أضلاعه» ص46
(منتصف الطفولة منتصف الحبّ)

أو لصور مستنبطة من الصوفية: أو لصور تتضمّن استعادة لجمالية المكان:

«وأحبّ أن أتقمّص الأشياءَ بين دمي ولحمي كم يعذّبني الغناءُ وفي دمي حاناتُ رقصٍ لا تنامُ
يثيرُ حزني صوتُ شيخٍ في الصباحِ يعلّم الأطفالَ تجويدَ الكتابِ وفي المساء يعلّم الأنثى الجميلة كيف تجعلُ من معالمها الخفيّة جنّةً دنيا.. وكيف تجيد تجويد الغناءِ الطفلِ في النهدِ البريء..
مشيتُ من قفرِ العبارةِ للعبارة كي يعود الشيخ من أكفانِ ذاكرتي وكي أسترجع الضحكات من ثغرِ الأماكن..
أشتهي رجلاً بطعمِ الملحِ يحملني إلى وطني البعيدِ الغارقِ المنثورِ في شطآن مسقط»ص45/46
(منتصف الطفولة منتصف الحبّ)
الملاحظات والمفارقات:
+ في السمات الشعرية:
يبقى اعتراضنا قائماً على بعض الأشكال الشعرية، فالبنية التركيبية قد تراوح ما بين العبارة القويّة والجملة الغنائية..
ــ فهناك اللغة المتماسكة التي تحتفظ بالقيمة للدلالة الخالصة مثال ذلك:
«كان لي رجلٌ ـ كالقصيدة ـ أعمى ولكنّه أبصرَ اللهَ من قلبهِ» ص50
(البدوي الذي سيفه الأرض)
ــ وهناك اللغة تحتفظ بالقيمة الجمالية التي تحفر عميقاً في الوجدان الإنساني مثال ذلك:
كان لي رجلٌ لا يريدُ سوى ظلّ طيرٍ يحلّقُ أعلى من الريح
لا يشتهي غير أن يجعلَ الحربَ في الأرضِ رمّانةً والمجاعاتِ زيتونةً مثمرة» ص50
(البدوي الذي سيفه الأرض)
ــ وهناك البديهية الشعرية التي تلامس الشغاف، ولكن بصيغة تسلّم قيادها إلى الكلام العابر. إنَّ المشكل في هذه الصيغة لا ريب يرجع إلى حرفية فاقدة لدلالتها فلنتأمّل البيت كما يوحي السياق:
«كان لي رجلٌ من عُمانَ يسمّونهُ «… الحي» أمّا أنا فأسمّيه ناصر» ص52
(البدوي الذي سيفه الأرض)
ولكن تبقى القوافي المتباعدة مع ذلك تفسح المجال للإنفراج الشعري ليحقّق انزياحه بموجب ما تحقّقه الحريّة من تعبير شامل..
تنضوي الوحدة الشعرية تحت تسمية تحمل دلالةً عميقة أضحت فيما بعد عنواناً رئيساً للكتاب، وكيفما كان الإستنتاج تحتفظ قصيدة (البحر يبدّل قمصانه) بومضة شعرية كما تشير الجملة الدلالية الآتية:
«يُجاملني البحرُ بالأغنياتِ
فأشهقُ
هل بدّلَ البحرُ قمصانه ليصيرَ دمي عارياً
وأصيرَ أنا ككمانٍ بلا صاحبٍ أو صديق؟» ص53
(البحر يبدّل قمصانه)
بهذا نلاحظ أنَّ المعنى يتجلّى في صيغة خرق الكلام، ويرمز إلى مدلول متماسك ليعوّض عن نقص أولتهُ الغنائية أهمية قصوى، وللتقليل من عبءِ الغنائية يمكن أن نشير إلى وجه الإختلاف في السمات الشعرية المتمثّلة في مستوى اللغة الدلالي..
من حقّنا أن نسأل ضمن هذه المفارقة، فلنأخذ الجملة الآتية مثالاً:

«يَفنى الصبيُّ من الأسى ويداهُ تفترشان حزنَهما..
يَفنى الصبيُّ من الأسى ويداهُ تنتظرُ المدد « ص61/62
( مدد وأنت تمزج روائحنا برحمتك)

صحيح أنّنا نلاحظ نقصاً في الصيغة، فإذاً لماذا لم تقل (يداه تنتظران) لترميم الصيغة..
ومن المفارقات العجيبة التي تثير الدهشة إصرار الشاعرة على البوح بتعابير جمالية تبدو في ظاهرها أقلّ تألقاً، وغالباً ما تكون المخاطبة صورةً لبنية تركيبية تُعطي الإنطباع بالتسليم لصيغة المؤنث، في حين أنَّ الأمر يفرض صيغةً تتوفّر على محتوى يرمز إلى علاقة متبادلة تتضمن العشق بين متناقضين.

+ في البناء الشعري:

نستنتج من جوهر الوقائع دلالةً يمكن أن نعزوها إلى التناص الشعري، ومع هذا النهج فعلينا أن نعتقد أنَّ الشاعرة تقدّم صياغةً معتمدةً على تجارب سابقة (ضمن قوالب) معدّة تعدو ظاهرة طبيعية في الشعر ما دام التناص يوسّع من مداركها ضمن مبدأ حرية التعبير بهذا المعنى.
ولئن كانت القصيدة الموسومة (ظل جدّي وظل أبي للغناء وللرقص) متحرّرة من قيود القافية، فلأنّها تدخل ضمن تيار لا يستجيب للتقفية، وبهذا فهي مدوّرة أمّا حينما تتحدّى التراكيب سياقها المعهود لتصبح كتلة منفصلة لا تخضع لقوانين معينة، فإنّ السياق يعدو كلاً مترابطاً، وهذا ما يفتحُ ضمناً أفقاً فسيحاً للتأويل إنطلاقاً من رؤية حميمة لكلّ المعطيات اللغوية، ولكل ما يتعلّق بالشعر، ونعتقد أنَّ فقرة طويلة بين قوسين ما هي إلّا اقتباسٌ أو تضمين كان للاستعارة فضل تمثيله في جوّ الشعر..
ويمكن أن نضيف شيئاً أنَّ مضمون القصيدة وجداني، وسنرى كيف تخرج الشاعرة من السياق الرومانسي الى السياق الناري الملتهب، ويبدو أنَّ الإنزياح هنا لا يتضمّن عناصر ذات خاصية رومانسية خالصة، لأنَّ مفردات مثل: الموت والوخزة والوداع احتلّت أماكن حساسة في جزئيات الشعر.

————————

كريم ناصر

شاهد أيضاً

من الخالدين أبومسلم البهلاني (ت 1920م)(1)

محمد بن ناصر المحروقي* ما هو الأثر الذي تركه “أشعر العلماء وأعلم الشعراء”: أبومسلم البهلاني؟ …