البيــــــت القــــديم للكاتبة التركية أويا بايدار

ولدت أويا بايدار في استانبول سنة 1940. نشرت أولى رواياتها في صحيفة «حرّييت» واسعة الانتشار وهي في المرحلة الثانوية. أنهت دراستها الجامعية بعلم الاجتماع من جامعة استانبول. نالت جائزة سعيد فائق للقصة القصيرة عن مجموعتها القصصية ’الوداع أليوشا‘، وجائزة يونس نادي عن روايتها ’رسائل القطة‘، وجائزة أورهان كمال عن روايتها ’بقي رماده الساخن‘، وجائزة جودت قدرت عن روايتها ’بوابة الأرجوان‘، وجائزة البحر الأبيض الإيطالية للثقافة عن روايتها ’العودة إلى اللامكان‘.
بعد انعطافها عند الزاوية، سيكون مقابلها على بعد خمسة إلى عشرة أمتار، بيت خشبي قديم بمشربيات ودرج رخامي… لا يزال يعبق في أنفها خليط لا يُنسى من روائح ضلع الضأن والسمن المحترق وماء الورد والمرحاض والرطوبة. إلى ميمنة الباب، نافذة واطئة بمصراع سحّاب، سترفعه إلى أعلى قليلاً لالتقاط مفتاح خُبِّئَ تحته.
«لا يزال يُفتح بصعوبة مثل دائماً. ينبغي تزييت الغال».
برودة مرعشة في المدخل الرخامي الواسع الخالي من الأثاث.
«لم تسمع صوت فتح الباب كالعادة. مثير للدهشة كيف لم يُسطَ على هذا البيت ليلاً!».
صناديق وسلال من الخوص مكدسة أسفل الدرج المؤدي إلى الطابق العلوي. تحتوي فيما تحتوي على قطعة من قميص داخلي لأفندينا عبد العزيز، وثوب زفاف من الدانتيل الموشى بالخيوط الذهبية لشاه فير هانم، وشال عجمي ممزق، وورود صناعية مختلفة الألوان، وقميص طفل من الحرير الخالص…
«آه يا بنيتي، لم أُلبس ابني سوى الحرير. لقد خِطت كل ملابسه بيدي، حتى التطريز والرسومات. لو لم تقم أمك بعمل السحر وهي تغسل ملابس العسكر بصابون قُرِئ عليه، لكنتِ أميرة الآن. خدعوا ابني. لا أميرات مصريات ولا وصيفات سراي…».
لوحة زيتية لحريق في غابة داخل إطار مطلي بالذهب على حائط ملاطه متصدع ومتساقط في أماكن عدة لإحدى الغرف في الطابق العلوي. طقم كنبات فاخرة غطّيت بشراشف قديمة كي لا تغبرّ ولا يبهت لونها بانتظار أيام احتفالية لن تأتي، وإلى جانب إحدى الكنبات صورة الجدة بالحجم الطبيعي وهي تستند إلى درابزين الدرج وترتدي زياً شركسياً بصدارة موشاة بخيوط ذهبية، ودكة رائعة من الفضة حول خصرها وتنورة من الحرير الخالص تلامس الأرضَ أطرافُها، شعرها الطويل حتى خصرها، عبثت به ريح خفيفة، وتضع السبابة على وجنتها وتبتسم بفتنة وإغراء…
صوت أجش مشاكس يتردد في أذنها: ليلة أمس، لم يدعوني أنام حتى الصباح. لقد غنوا بالباب «اصحِ يا بطتي اصحِ» حتى الصباح.
في الواقع، هي لا تسمع حتى أصوات المدافع ولو أطلقت إلى جانبها. يقال إنها أصبحت صماء فجأة ذات ليلة، بعد أن فقدت زوجها في السنة السابعة من زواجها وبقيت وحيدة مع طفلها ذي الأربعة أعوام. في الركن، صورتان في إطار من فضة فوق طاولة حائطية: طفل صغير بعينين واسعتين خجولتين، يمسك عصفوراً صغيراً أبيض بيد، ويتمسك بيده الأخرى بتنورة أمه ذات الشعر الطويل حتى خصرها. يكاد يهرب ويختبئ خلف الصورة. في الصورة الأخرى، نفس المرأة أيضاً ولكن في زي ممرضة بين عساكر جرحى.
«يقال إنها تطوّعت للعمل ممرضة في المستشفى الفرنسي أثناء الحرب العالمية الأولى. ذلك يعني أنها كانت إلى جانب الأعداء. هل ذلك لصلتها بالسراي، أم من دافع إنساني محض؟ في الواقع، لم أعرف عنها سوى القليل، بل لم أعرفها قط…»
قالوا إن البيت لا يزال على حاله، على بعد عدة خطوات بعد المنعطف. منذ متى ترتفع في محيطه، بنايات من طوابق عدة، صُمّمت بفن هندسي لازيّ ومغطاة بالموزاييك؟ وقد تحوّل ما حوله باتجاهاته الأربعة إلى أسواق. وفروع مصارف ومكاتب شركات ووسطاء تجارين وأسواق تحت أرضية. لا بأس، ولكن أين يقيم الناس وأين بيوتهم؟
لا أذكر جيداً موقع بيت سوربيك وأواديس. هل كان في المقابل تماماً، أم قبل المنعطف؟ كان جدار حديقة بيتهم بارتفاع البيت. باحته الخلفية باردة ورطبة، تعج بالحلزون، وتزدان بالبنفسج والنفنوف وشجر الأسكيدنيا بأوراقه المخملية السميكة ونجيل أخضر يانع يغطي تربتها. كانت الحديقة مخبأً لكل أسرار الطفولة.
«كان جدّهم الأكبر عضواً في إحدى المنظمات الأرمنية. شُنق جدّهم أثناء تهجير الأرمن واختبأت المرأة وطفلاها الاثنان عند عائلة تركية فنجوا من القتل». ما قُدّم من مربى الورد المعد في قوارير صغيرة ملونة كعرفان بالجميل، طعم الموت كان مختلطاً بمذاقه. أول رؤية حول الشنق والمشنقة والجلاد في طفولتهما…
الحديقة، كانت هناك. تذكر الآن بوضوح أكثر. كانت في الزاوية المقابلة تماماً. هل يعقل أن لا تذكر الحجلة من اثنتي عشر خانة التي خطّوها على الرصيف بجانب جدار الحديقة، وتفوّق سوربيك على الجميع لسرعتها باللعب وإنهائها اللعبة دون أن تلمس قدمها الأرض ولا حتى مرة واحدة؟ كانت تبدو أكبر من عمرها وثدياها يهتزان تقفز على قدم واحدة.
«كم كنت خرقاء، كنت أدوس على خط الخانة الثانية».
حينذاك كان الأطفال يصيحون باستهزاء «سي ي ي!». ترددت هذه الكلمة في ذهنها. لِمَ كان الأطفال يصيحون: «سي!» عندما يدوس أحدهم على خط الحجلة؟ لم تستطع أن تجد معناها ولا في أية لغة تعرفها.
أجل، الحديقة كانت هنا وكان البيت في عمقها. كان يُسمح لسوربيك وأواديس باللعب في الشارع شريطة عدم الابتعاد عن البيت. وإذا ما حلّت المناسبات الدينية، كان الجيران يتبادلون في ما بينهم: كعك الباسكاليا في عيد الفصح والهدايا تحت شجرة الصنوبر المزينة بندف القطن في عيد الميلاد، والحلوى في عيد الفطر والكعك في عيدي المولد والمعراج وقطع من لحم الأضاحي في عيد الأضحى، وزبادي العاشوراء المغطاة بحبات الرمان والفستق في يوم عاشوراء.
«اليونانيون والأرمن والأتراك واليهود جميعهم من أهالي ماكري كوي. لم أرَ في ما بينهم سوى الجيرة لحسنة لسنوات طوال».
تستذكر فجأة كيف أُضرمت النيران واحترقت البيوت ونُهبت المنازل وحُطّم كل شيء. أي كابوس هذا؟ تستذكر خجل الفتى أواديس وقد ارتسم الرعب على وجهه حين رُبط من وسطه وجُلب لختان قسري، ورعب النساء اللاتي حاولن الاحتماء بجيرانهن الأتراك.
«هل رأيت كل هذه الأحداث في 6-7 أيلول (سبتمبر)، أم إنها من نسج خيالي؟ ما إن وصل خبر الأحداث ذلك اليوم إلى والدي حتى جرّني من ذراعي في وسط الشارع. فهمت من جدتي لاحقاً أنه كان قلقاً جداً من أجل جيراننا. بدا الشارع كساحة معركة. في الزاوية أثاث كان لا يزال يشتعل ببطء. وسط الشارع، أمتعة وزجاج مكسور وأثاث محطم، وصمت مرعب دموي في ساحة معركة لا يُعرف من المنتصر أو الخاسر فيها. عبرنا الشارع بخطوات سريعة وصعدنا الدرجات الرخامية بقفزة واحدة. هذه المرة، كانت جدتي تقف خلف الباب مباشرة. كانت ترتدي روب دي شامبر طويل حتى الأرض ونعالها المعهودة بالكعب العالي وتحمل بيدها عصا بطولها تقريباً، نُزعت من طاولة ماهوغاني قديمة… أدركنا أنه ينبغي علينا الصمت من وضعها إصبعها على شفتها. صعدنا الدرجات بهدوء. كنّ مختبئات في غرفة الخزين في الطابق الثالث. احتضنتُ سوربيك أولاً ثم أمها ثم الخالة تاسولا. لم أشعر بالخجل طوال حياتي بقدر ما شعرت به من خجل ذلك اليوم. تلك الليلة، دخل والدي في غيبوبة بعد بضع ساعات من عودتنا إلى البيت. نزيف دماغي… اصطحبناه إلى المستشفى. لم يعد إلى المنزل مرة أخرى».
كانت على يقين أن البيت في الزاوية المقابلة. إلى جانبه مباشرة، مشغل آغوب الخياط. كان وجه آغوب مليئاً بالبثرات ويداه مصابة بأكزيما تفاقمت إلى قروح… كان آغوب يخيط ثياباً نقلاً عن صور الممثلين والممثلات المرفقة بأغلفة قطع اللبان الأمريكية، كما خاط معطفاً أزرق دخانياً بخصر عالٍ وفتحة من الخلف مثل الذي كانت ترتديه ملكة جمال الممثلات شيرلي الصغيرة ذات الشعر الأصفر الملتوي في أحد أفلامها. يقول بصوت ملؤه الفخر والغرور والفرح «مرحى لي! مثله بالضبط». ثم دون أن يرى مبرراً لكبح حماسته، يسأل ذلك السؤال المعتاد دائماً: «والآن هل أغني لك أغنية؟ ما رأيك بأغنية أخرى؟». كان يؤمن بجمال صوته. مع هذا لم يكن قادراً على إكمال أية أغنية حتى نهايتها.
هناك متجر الخياط، لابد أنه في إحدى زوايا ذلك المصرف ذي الواجهة الزجاجية السوداء المقاومة للرصاص والحاجبة للضوء. في صدرها رفرفة قلب طيرٍ، تردد خفيف وقرار حائر… تدفع الباب. المصرف بارد وإنارته صفراء كئيبة. كان الدكان في الزاوية الأمامية اليسرى. كُتب فوقه ’تصريف العملات الأجنبية‘، وموظفة تجلس خلف الطاولة، تمضغ اللبان وتقلّب كفيها لتلقي نظرة على طلاء أظافرها. على الأرض قصاصات أقمشة بألوان مختلفة. في الزاوية الأخرى، مانيكان من الخشب وعلى رأسها قبعة سوداء. طاولة الكوي، وماكينتا خياطة ماركة سنجر قديمتان واحدة يدوية والأخرى تدار بالقدم.
«حذار لا تتجولي بقدم عارية يا عزيزتي. حذار من الإبر، قد تُدمي قدميك».
يدا آغوب مليئة بالقروح. مكواة حامية، ورائحة ثقيلة من خليط الثوم والتبغ. تشعر بالغثيان وتكاد أن تختنق.
«هل ترغبين بشيء ما؟ ما رقم حسابك، لطفاً؟»
لا حساب مصرفي لها. لا هنا ولا في أي مصرف آخر. أوقفت كل شيء أمس. أنهت جميع أعمالها.
«أجل، أردت معطف شيرلي الأزرق الدخاني بفتحة خلفية وزرّين وخصر عالٍ…»
تنظر إلى اليدين خلف الطاولة. يدان رقيقتان معتنى بهما، حيوية وجميلة. يدا آغوب كانت مليئة بالقروح.
«كيف تداعب امرأة بهاتين اليدين، ما هذه المصيبة يا عزيزي»، يقول بحسرة، ثم بصوت كسير منهار يشرع بغناء أغنية لا تكتمل.
«كلا، لا أريد شيئاً. ألقيت مجرد نظرة. كنت على وشك الخروج».
تركت خلفها رعشة مختلطة بالشك والدهشة والريبة…
عندما تنعطف عند الزاوية، وتنحرف في الشارع سترى البيت. لم يكن بيتاً عادياً.
«كان قصراً صغيراً مثل درة نفيسة. بناه غالب باشا بكل عناية وحرص. انتقل أبناء العم وبنات الخال للعيش خارج قصر غوزتبا، بعد أن أصبح القصر لا يكاد يتسع لبناته وأزواجهن وأبنائه وزوجاتهم. عادت مَلَك وطفلها اليتيم إلى القصر بعد أن توفي زوجها في سالونيك. لكنها كانت حادة الطباع فلم تحتمل مشاركة الآخرين العيش في البيت الكبير. ربما لأنها أصبحت أرملة في سن مبكرة، وربما لأنها لم تعد تسمع… فبنى الباشا الأفندي لها بيت ماكري كوي. أراد أن يكون مستقراً لها، ومصدر دخل في آن معاً…»
تذكر دائماً تلك المرأة صغيرة الحجم غريبة الأطوار، التي تعيش وحيدة، لا تتغير ولا تشيخ، وكأن الزمان قد توقف عندها، وذلك البيت الخشبي الذي أجّرت عدداً من غرفه، وحيوتها وحركتها الدائمة في صعود وهبوط درجه بنعالها الجلدية السوداء بالكعب العالي، ورداءها الطويل الذي يكنس الأرض. كلبها الفينو الأسود صغير الحجم، يركض خلفها مدلياً لسانه الأحمر.
«هل تُقتنى الكلاب في البيوت؟! أمر لم يُؤلف في بيوت المسلمين. لابد أن ملك مجنونة كما يبدو من تصرفاتها».
هكذا كانت تستغيبها العمة الكبيرة بصوتها الأجش. لم يكن هناك أية مودة بينها وبين زوجة ابن أخيها منذ زمن بعيد، منذ زمن حريم عبد العزيز.
«وجدت أخيراً ما كان غائباً عن ذهني». تشعر بالراحة. «كان اسم الكلب تانجو. كيف نسيت ذلك؟»
كان له ألبسة موسمية مختلفة الألوان من الحرير والجوخ والصوف، وفوطة يد بيضاء لمسح قوائمه وذيله.
«هذه ليست فوطة يد يا جدتي بل فوطة قوائم، تانجو لا يد له…».
تتجوّل الجدة داخل البيت بلا توقف، بعينيها المكحّلتين وبلوزتها المزينة بالورود وشعرها المشبوك إلى الأعلى بمشبك مرصع بالألماس.
حين تختفي للحظات في إحدى الغرف السحرية، تنبش الصناديق والسلال على عجل، كان تانجو يرتاب ويغضب.
«اخرس، لا تهرّ. أنا لست لصة. لا أفعل شيئاً، كل ما أريده بضع فناجين من البورسلين لبيت دميتي، وقطعة من الدانتيل لأخيط منها فستاناً لدميتي. ألا تعلم أنها لن تسمعك مهما نبحت!»
كانوا يستقلون قطار الضواحي المنطلق من سيركجي كل خمسة عشر يوماً صباح كل أحد بانتظام. ذلك هو يوم الجدة… كانت تشعر بالضيق طوال النهار، وكأن قلبها حُشر في قفص صغير جداً. لا شيء يزيل إحساسها بالضيق، لا الغرف الأربعون التي تفتح على بعضها التي تذّكر بسحر الغرف السرية المليئة بالكنوز في الحكايات، ولا الرائحة الرائعة للمربيات والطعام الذي أُعد بعناية على مدى بضعة أيام، ولا نفحها قطعة النقود المثقوبة من فئة القرشين ونصف، ولا السماح لها بمداعبة تانجو، بل ولا حتى تحميمه، ولا حكايات القصور والأمراء، ولا حلم اللعب مع أطفال الجيران. ضيقها يزول عند العودة في المساء، وتشعر بغبطة عظيمة حين تتكئُ على المقعد الجلدي للقطار وفي يدها حقيبة مليئة بالعطايا.
«لم أحبها قط، بل في الحقيقة، لم أفهمها قط. كنت طفلة صغيرة. ما كنت أعرف أن المحبة تحتاج إلى معرفة وفهم. لقد أقنعنا أنفسنا بأنها تفضل العزلة في ذلك البيت الواسع».
«أمي غريبة جداً، لا ترغب بالإقامة معنا»، يقول أبي.
لقد انتظم بزيارتها كل خمسة عشر يوماً بلا انقطاع، مثلما كان يفعل منذ مغادرته البيت في الثامنة عشر من عمره، إذ اعتاد إرسال ثيابه المتسخة في أكياس خاصة إلى أمه لغسلها سواء كان في بغداد أو البصرة.
كيف لم تفكر بذلك مطلقاً حتى هذا اليوم! كانت هناك علاقة بين عدم محبتها لزوجة ابنها وقصة عمل السحر بغسل ملابس ابنها العسكري بصابون قُرِئ عليه. تبسمت مندهشة من نفسها لتوصلها لهذا الاكتشاف في وسط الشارع. كان كيس الملابس المتسخة الذي يصل كل خمسة عشر يوماً حدثاً مهماً في وحدتها ورابطاً وحيداً بينها وبين ابنها البعيد عنها على مدى سنوات طوال، ينعش فيها عواطفها ومحبتها له. ثم قُطع هذا الرابط الوحيد بقيام النساء الغسالات بعمل السحر بالصابون، فأبعدوا ابنها عنها.
«كيف لم أفكر بهذا حتى اليوم!»
تذّكرتْ نبرة صوت جدتها الذي يفطر القلب عند قولها «ابني». نبرة عميقة أليمة كأنها أنين، كأنها استغاثة، وكأنها تريد احتواء كل حياتها، كل أملها، وقلبها، وكل معنى لحياتها في تلك الكلمة الوحيدة…
«تناول شريحة لحم أخرى يا بني، أنت تحبها. لقد اشتريت لك ملابس داخلية من محلات ليون يا بني، وكما تحبها من الكتان وبرجل طويلة. الأناس العاديون يرتدون ملابس داخلية قصيرة الآن. أعلم أنك لا تحبذها يا بني. كنتَ ترسلُ لي ثيابك الداخلية في كيس لغسلها حتى عندما كنت أسيراً في البصرة، وحتى عندما كنت تدرس العلوم السياسية في أوروبا. كم كنتَ مهووساً بالنظافة. ما كنت تدعُ أحداً يغسلها لك، وتأنف فعل ذلك بنفسك. أما الآن، فقد تغيّرت. ماذا دهاك يا بني». أو «إلى أين آلت الأوضاع السياسية يا ابني؟ هل ستستعيد ألمانيا قواها؟ ذاك الخَلَف ذو العينان الزرقاوان يودي بالبلاد إلى كارثة عظيمة. جميع الجيران ضحية للضريبة العقارية. أنت تعلم يا ابني، ما دامت تلك القنبلة في أيدي الأمريكيين السفاحين الآن، هل سيشنون الحرب على كل العالم؟»
بعد قليل، ما إن تنعطف في الزقاق سيبدو البيت مقابلها.
يُشطف درج المدخل الرخامي في الصيف بعد الظهر، إحساس بانتعاش جميل. تجلس النساء اليونانيات بملابسهن السوداء على الدرجات الرخامية ويحكْنَ الدانتيل الأبيض الناصع بلا توقف. كم هي طويلة فترة ارتداء النساء اليونانيات لثياب الحداد! كم تليق ملابسهن السوداء وأوشحة الدانتيل الأسود التي تغطي رؤوسهن بما يحكن من الدانتيل الأبيض! الأرمنيات أكثر سمنة، أكثر شعبية وأقرب إلى الشرق. ما إن تميل الشمس إلى الغروب حتى تبدأ حركة إعداد المازات في بيوت الأرمن. تختلط رائحة يانسون العرق بروائح السمك والمحار المقلي ويختلط طعم الأرضي شوكي بالشبت مع طعم كرات اللحم المعدة على الطريقة الأرمنية. لأمسيات حزيران سعادة مختلفة وجمال خاص. مع بواكير الصيف وارتفاع درجات الحرارة، يحتسي جميع أهالي الزقاق قهوة المساء أمام الأبواب على الكراسي القابلة للطي أو على وسائد مطرزة تُفرش على عتبات الأبواب. في الزقاق ذي الأربع لغات وأربعة أديان، تقام الموائد ويؤكل الطعام بألفة دافئة في أفنيته الخلفية المنعشة، والظليلة بعرائش الياسمين.
حزيران مرة أخرى. الجو حار ولزج. الزحام مضجر لا ألفة فيه. ظلال صفين من الأبنية تخيّم على موقع البيت. يبدو أن الورثة قد عهدوا به لمقاول لإنشاء بناء لقاء طابق واحد. هل كان سوربيك وأواديس هما الورثة؟ أم الخالة تاسولا؟ أم آغوب، أم ماريكا، أم الأخت ناجية أم العم يوسيف كانوا من الورثة؟ بعضهم كان مستأجراً. من يعلم لمن كانت تلك البيوت الجميلة المبنية من الخشب أو الآجر!

«هل قلتِ أناس الوقت الحالي! نساء حثالة وكناسة قمامة، أين تلك السيدات الهوانم والأسياد الأفندية! يا لهذا الزمان السيء! لابد أن يوم القيامة قد اقترب…»
المرأة المسنة صغيرة الحجم تتجول داخل البيت الخشبي الواسع وتتذمر:
«لعن الله من أفسد نظام حياتنا! لقد أصبحت الأحذية تيجاناً. يا لهذه الدنيا السيئة! لقد أطعمت المرحومة شاه فير هانم ثلاثمائة جائع أمام بيتها يوم زفافها. لن أنسَ أبداً تنكّر الجميع لوالدة السلطان درّو شيهفار الحبلى. ادعى الجميع أن مولانا السلطان وحيد الدين خائن للوطن. اسألي أبيك إن كنت لا تصدقين. كل ذلك من أعمال ذي العينين الزرقاوين. كاد أن ينفجر غيظاً حين أصبح أنور صهراً للسراي».
«لا أحب الزحام فحسب، بل أخشاه أيضاً. أصبحت مثل جدتي، لا يعجبني أحد ولا يستهويني أي شيء أيضاً. ذلك يعني أني قد هرمت. أشعر بأن هذه الأبنية الشبيه بالسفرطاس بتراكم طوابقها بعضها فوق بعضها، وكأنها ستنهار فوقي. في أشهر حزيران، ما عادت الشوارع تعبق بروائح المانوليا والياسمين والورد، بل بروائح دخان العوادم والمجاري والعرق. لحسن الحظ أني قريبة جداً من البيت. ما إن أخطو بضع خطوات حتى أستعيد برودة الدرجات الرخامية، وسكينة ظلال الأسكيدنيا والمانوليا…»
كان الباب يُفتح دفعاً. كان جميع أهل الحي على علم بموضع مفتاح ملك هانم. مع هذا، فموضع المفتاح كان مجرد إجراء شكلي. مطرقة الباب كانت على شكل رأس أسد من النحاس.
تصعد ثلاث درجات رخامية وتفتح الباب ببطء. تلك الرائحة المعهودة من رطوبة وضلع الضأن والسمن المحترق وماء الورد… تصرّ الأرضية الخشبية كلما تداس. على يسار باب المدخل غرفة بمشربية تطل على الشارع. الدواوين والأرائك في تلك الغرفة، كما هي دائماً مغطاة بأغطية من الكتان الأبيض والدانتيل. الوسائد من الساتان الأزرق ومطرزة بطواويس بعديد الألوان. المنقل النحاسي الكبير امتلأ بالرماد ولكن بعض جمراته لم تنطفئ بعد.
«ينبغي إضرام النار». تمد يدها فوق الرماد. ما زالت حرارتها مناسبة لشواء الكستناء.
على الحائط، شاب وسيم يبتسم. يرتدى لباس الفرسان ويعتمر طربوشاً ويعتلي حصاناً جامحاً. طفل صغير بنظرات حزينة، يمسك في كفه عصفوراً أبيض. امرأة شابة بعينين مكحلتين، طويلة الشعر، نحيلة الخصر، ويدها على صدغها تنظر بشرود. على الطاولة في الزاوية، مفرش حريري موشى بالزهور والطيور، وطبق فاكهة بساق، يحتوي زعروراً وأسكيدنيا وإجاصاً وليموناً أخضر. إلى جانب الموقدة المبنية من الحجر الزجاجي الصيني الأزرق قطع من الأغصان الجافة والحطب. تخرج ببطء من الغرفة البيضاء ذات المشربية. يصرّ الباب الخشبي خلفها. تنزل إلى الطابق السفلي. المطبخ خاوٍ، مهمل تعلوه طبقة سميكة من الغبار. في الزاوية وعاء طعام فارغ لتانجو، تعلوه شباك عناكب كثيفة. تخرج إلى الحديقة الخلفية الصغيرة حيث يحتضن النفنوف بأغصانه الوردية ورائحته العطرة شجيرات صريمة الجدي. بيوت الدمي الصغيرة التي أقمنها تحت شجيرات الورد عندما كنّ يلعبن ’بيت وبيوت‘. أغصان أشجار الأوكاليبتوس والمانوليا والأسكيدنيا تطل من حديقة الجيران، تغطي سماء الحديقة وتحجب أشعة الشمس. تتدلى زهرة أضاليا صفراء على كتفها. رائحة الياسمين والريحان تعبق في أنفها. صمت مخيم، وعزلة امرأة لا تسمع حتى أصوات المدافع ولو أطلقت إلى جانبها…
صوت عزف على البيانو يصدح من الطابق الثاني. حزن يخيم حولها لم تشعر بمثيله حتى هذا اليوم. تصعد الدرج مهرولة. خلفها، وقع خطوات ناعمة لكلب فينو صغير غير مرئي، واهتزاز ذيل بفرح.
في الطابق الثاني فتاة صغيرة تجلس أمام البيانو على مقعد بلا مسند، وقد انحنت برأسها قليلاً، تهتز بخفة طرباً، وتنقّل أصابعها فوق مفاتيح البيانو. حذاؤها من الجلد الأسود اللماع برباط جانبي، وجواربها بيضاء، وتنورتها بكشاكش من الدانتيل وشريط كبير من التفتا على شكل فراشة. نوتا من إعداد جورج باباجورج مشرّعة على البيانو.
لا تشعر الفتاة الصغيرة بأن حريق الغابة داخل الإطار ذهبي قد بدأ بالانتشار متجهاً نحو البيانو. الغرفة متوهجة بضياء أحمر. «يجب أن أنقذها. لا يمكن أن أتركها للنيران تلتهمها». تندفع نحو البيانو. تأخذ الطفلة بين ذراعيها. لا شيء بين ذراعيها. رغم وجود شريط من التفتا عُقد كفراشة بين يديها، لكنها تظن أن ما تراه ليس سوى حلم.
يُفتح غطاء الصندوق الموجود أسفل الدرج. ينتشر من الصندوق أغطية أسرّة بيضاء كالمستكة مزدانة بالدانتيل ومواشاة بأزهار مطرزة بخيوط بيضاء وعابقة برائحة الخزامى.
«في الداخل سرير نحاسي واسع ومريح يا ابني. خذ الطفل واذهب هناك. كنت تتمدد هناك دائماً عندما كنت تأتي في السنوات الماضية. نجّدت الفراش حديثاً وغسلتُ أغطيته».
غطاء قطني أبيض فوق السرير النحاسي. الشراشف باردة ورطبة حتى البلل. امرأة هيفاء صغيرة الحجم، طويلة الشعر تتمدد باسترخاء على السرير. شعرها متناثر على الوسادة وغطاء السرير مكشوف. صغيرة الحجم حتى لا تكاد العين تميزها… لا صوت يوقظها، لا صوت بيانو الطفلة الصغيرة، ولا المعجبين المجهولين المغنين ببابها حتى الصباح، ولا صرير الدرجات الخشبية، ولا نباح الكلب الحزين المكتوم. لابد أنها تتمدد هناك منذ سنوات. أم أن ما عزفته الفتاة الصغيرة على البيانو كان كتهويدة؟ تغطي غطاء السرير بهدوء. تعود إلى الغرفة ثانية. الأرفف والمكتبة والأدراج خاوية. أزهار الفاوانيا والكاميليا المصنوعة من الشمع ذبلت. تنفض غبار الفاوانيا الأرجوانية. فتاة صغيرة أخرى تنزل الدرجات من الطابق العلوي. على رأسها طرحة عروس من الزهور البيضاء اللؤلؤية، تجرّ خلفها ثياب زفاف شاه فير هانم بذيله الطويل الممتد فوق الدرجات القديمة. نعال الجدة الجلدية بالكعب العالي. على صدغها، عند شريانها السباتي جرح ينزف.
«لا تلبسي نعالي، ستقعين وينكسر حوضك».
كم يبدو الصوت قريباً. تستدير وتنظر خلفها، لا أحد. تتقابل نظراتها مع الفتاة الصغيرة ذات الطرحة والوشاح الطويل. كأنهما تشاهدان بعضيهما في المرآة، تقفان بلا حراك وجهاً لوجه. جرح صدغ الفتاة الصغيرة لا يتوقف عن النزيف.
«لو أعبر تلك المرآة وأتجاوز نفق الزمن ربما أستطيع الوصول إليها، ربما أضمد جراحها».
زهرات الطرحة اللؤلؤية تتخضب بالدماء. تسمع صرير باب في الأسفل. نسيم يهب في البيت متنقلاً من جهة إلى أخرى. الدم يسيل من صدغ الفتاة الصغيرة وينتشر شيئاً فشيئاً على وشاحها الأبيض، تجر ثوبها وتصعد الدرجات وتختفي.
على طرف الشارع الرئيسي، ما زالت تقف مترددة أمام مبنى المصرف بمعماره القبيح. هل ستجد الجرأة على خطو بضع خطوات أخرى؟ هل ستقدم على دخول الزقاق، وهل ستتمكن من العثور على البيت؟
«كم من الزمان انقضى على ذلك، لابد وأنني نسيت. لا أظن أن هذا الزقاق هو نفسه. كان صوت البحر ورائحة الطحالب تأتي من بعيد. كانت هناك حدائق بأشجار ضخمة ومانوليا وياسمين ونباتات مزهرة على مدار السنة. الأرض كانت مرصوفة بحجارة صغيرة مصقولة. كان الهدوء والطلاوة تعم أرجاءه. لابد أنه ليس الزقاق نفسه. ربما أخطأت بالزقاق وربما بالشارع وربما بالحي. لابد وأن أجد الزقاق. أنهى آغوب خياطة فستاني الكريب دوشين الوردي، سأذهب لأخذه. سأعرّج على بيت سوربيك وأسألها متى سنلعب الحجلة. يجب أن أحضر حساء العظام الذي أعدته جدتي للمرأة المهاجرة المسلولة التي تقيم في طابق التسوية في البيت المقابل».
«إياك أن تدعيها تقبلك».
«أحضرت الخالة تاسولا كعك الباسكاليا من الفرن. ناضجة ورائحتها شهية. لم أصدق أبداً أن العم يوسيف يلقي الأطفال في البراميل الإبرية، سأذهب لألعب مع ريبيكا».
جرح على صدغها يؤلمها، ليس في الماضي ولكن في المستقبل. البيت ليس هنا، أصبحت على يقين الآن. ستبحث في الزقاق الذي يليه. ربما في الجهة الأخرى، أو ربما في حي آخر، أو ربما في مدينة أخرى…
تتوقف عند زاوية الزقاق وتستدير. تتراجع مبتعدة عن الزقاق بخطوات سريعة.


الترجمة من التركية صفوان الشلبي

شاهد أيضاً

اللّوز المرّ

في سديم لجة الصباح الباكر، عندما كانت الديكة تستيقظ، وتدفع بنداءاتها المتعالية بقايا خيوط الظلام، …