أخبار عاجلة

التبـــــــغ العظيم..

أسجد صباحاً لقهوتي التركية , يكفر بمرارتها السكر , لأرى خلف الفنجان – يرتفع إلى شفتَي – صورةً سوداء على عدسات نظارتي الشمسية. وكأنه قديس في أيقونة على حائط كنيسة قديمة , يلعب النور بين دخان سيجارته المقدسة , ليسقط على وجهه الخاشع , يسجد للقهوة التركية صباح كل يوم. يصلي بخشوع – بكل شهقة حزينة ملئها اليأس من الدنيا والدخان , يحسبها الأخيرة. يصلي بخشوع – مسبحاً بكل زفيرٍ مؤلم من صدره العامر بالإيمان والسرطان والقطران والنيكوتين.
حاولت عبثاً الوصول إلى النفس الأول – إلى الروح الجميلة التي تطرب عروقك الميتة مع أول نفسٍ من أول سجارة. عميقة , تدغدغ أتعس العضلات في الوجه والكتفين , تلك التي اماتتها الكآبة والتسليم والفواصل الإعلانية والأحاديث الجانبية السياسية قبل خطبة الجمعة. أول طعم للسيجارة في الفم لا يكون كالهواء , بل يختلط باللعاب ليبرد , فيكون كطعم النعناع في الفم , الحلق والأنف. لطيف , هادئ , كوثني ٍ – أغمض عينيّ – أشهق النفس المقدس بفرحة حتى يلقي برأسي على كتفَي ؛ على مسند الرأس على الكنبة. وكأني لا أريد فراقه إذ – ويح قلبي – أزفره فأفتح عينيّ حزيناً ألاحق دخانه الشفاف الرقيق يختفي بين جزيئات هواء الناس.
إذ أرفع من السجود رأسي , لأتنفس عبق تلك اللفافة المقدسة , تنهمر علي عطوفاتها الشفافة. هي القبس عندما يجن النهار على الزهاد البائسين. وبقبس التبغ يحترق وتعبق الروح بمقدس بخوره أرى كما يجب أن أرى…
لا يصلب اليسوع , بل يموت على السرير بغرفة عمومية , تساقط كل شعره بالعلاج الكيمياوي. لا يصلب اليسوع , بل يموت بسرطان الرئة.
لا يموت المدخنون , بل تقتلهم الواقعية. بشهقاتهم الشجية تزاح عن قلوبهم الحجب , فيرون كما لا يرى الناس , واقعاً قد غفل عنه الناس. تباً للسامري أعماهم بتلفزيونه , وقنواته الإخبارية وتقارير وزارات ومنظمات الصحة العالمية وأطباء الأجسام وثقب الأوزون.
عندما يجن النهار لا يبقى من سجائره سوى البخور المقدس عالقاً في ملابسه.
 الحزن تطبعه الشمس بقسوة على الماء على الأسفلت, الأرصفة , جدران قصر السيف, الكراسي الملونة, الفناجين خلف زجاج نوافذ المقاهي وعلى قلبه المزيت بالحب , القطران , النيكوتين والذكريات العابرة.
يرى في ورقها المحترق نفسه , تحترق بسادية ماسوكية.
تحرق النفس الواقعية وفانتازيا الجرائد والصفحات الأولى.
جبال الملفات تطل على الأسلاك والأوراق المبعثرة والأقلام الزرقاء وقلم أحمر – ساكنون – على المكتب الرمادي الصامت. ليس حينها لطاحن الحرب صوتٌ يسمع في الواقع الميت – في فوتوغرافية الحياة. يهرب إلى الصور الجبناء من المعركة الحامية لأنها صامتة. في الفوتوغرافية يكونون لاأشياء.
و تعطي السيجارة بعداً للصورة
فجأة يكون لدخانها الشريف صوت المعركة ينحت ببخوره الواقعية في صور أولئك – الميتة. 
دخان السيجارة حي ذو روحٍ عظيمة , عفيفة تتقي شرور الجبناء والحمقى بتظاهرها بالجمادية. تحدثني أحاديثَ العظمة وأولئك الذين بقوا في الميدان حين حمى وطيس حياتهم. وعربدوا نصراً بالتبغ – ظفروا فسكروا ظفراً.
يبكيهم اليسوع على سرير الموت – عُلقتِ النياشين والأوسمة على صدورٍ لم تعرف الشجاعة , أول أكسيد الكربون , النيكوتين أو القطران. بل انتصر السامري وخوار عجله في الراديو وبهاء الذهب على الفضائيات. ويبقى زاهداً يبكي , يسبح بكل زفرة ذلك التبغ المقدس. وتعانقه الروح التبغية السماوية – فيسقط في أحضانها المباركة لقيطاً تنكره أمه الشَجاعة.
«صريختك إذ استصرختني
و المقام المبارك تأوي إلي لأطهر عقلك
من أحلامك السريالية النجسة والبروباجندا القذرة
لتبقى كما أنت..
تسجد صباحاً للقهوة التركية
يسقط النور على وجهك متخللاً
ذلك الدخان الطاهر
فتبدو قديساً والهالة النورانية تعطر جوّك»
***
أسألك
هل كان هاملت مدخناً؟
يحيى طالب علي
كاتب من الكويت

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …