أخبار عاجلة

التقنية والحداثة

يرى علماء الآثار أن ثلاثة دلائل كشفت وجود الانسان :

– شعائر الموتى ، دليل الدين .

– الكلام ، دليل الثقافة .

– الأداة ، دليل التقنية .

تعود الأدوات الأولى التي اكتشفت في "أوروبا" الى قبل حوالي 00 0 0 150 سنة ، وهي تشهد بوجود "الانسان " الواقف (أو انسان جاره ) الذي ظهر في ،"افريقيا" الشرقية قبل حوالي 0 00 1600 سنة . والانسان الواقف هو الذي اخترع التقنية التي سترافق المغامرة البشرية طيلة حياتها لكن الأدوات البدائية ، كتلك التي اكتشفت في "شيلهاك " (منطقة "اللوار " العليا في "فرنسا") لم تتقدم عمليا خلال ثمانمائة ألف قرن وقبل حوالي 0 00 600 سنة تحسنت الأدوات ولم تستخدم النار إلا قبل حوالي 0 00 0 40 سنة ، كما تشهد بذلك المواقد الأول .

فالتقنية لم تنطلق ، كما رأينا الا ببطء ، ثم تسرع تقدمها. هذا التقدم الذي سيلم به أيضا بعض فترات من الكمون . لكننا ألفنا هذا التسرع المستمر بحيث نكاد لا نتقبل أنه حتى في بدايات الحداثة ، يجب أن تنقضي فترات طويلة قبل أن تنتشر الاختراعات وتبلغ تقانتها . ففي عام 1771، صنع "كونيو" أول عربة بخارية ، لكن الأخوة "سريوليه " لم يسيروا على دراجتهم البخارية المثلثة الدواليب والتي تسير بسرعة كم في الساعة إلا في عام 1881م . ومعروف كيف حصل بعدئذ تطور السيارة . ونهاية القرن الثامن عشر والنصف الأول من القرن التاسع عشر يشكلان فترة ازدهرت فيها التقنية على نحو مدهش : البخار، الكهرباء، التصوير الشمسي .. ومع ذلك ، فإن فترة الحداثة الثانية ، تلك التي تبدأ حوالي 1880، هي التي شهدت قفزة التقنية الهائلة . النور الكهربائي، البرق ، الهاتف ، المحرك الذي يعمل بالنفط ، الطيران الخ . وقد قلبت هذه الاختراعات حياة الناس والعلاقات الاجتماعية والبيئة . لكن ذلك يظهر في أيامنا على درجة من البداهة بحيث يصبح الاصرار عليه غير مجد. لنقل ببساطة . إن التقنية تنطلق على نحو يتزايد قوة وأنها أصبحت الظاهرة الكبرى في عصرنا والمحور الذي يشاد حوله تطور حياتنا الاجتماعية _ لكنه أيضا يشكل المسألة الأكثر أهمية والأكثر إقلاقا والأكثر مدعاة للجدل . فكل شيء يجري كما لو أن التقنية ، وقد أفلتت من حقلها الخاص ومن العقل الذي ولدها، أخذت استقلا ليتها وجرت العالم الى منطق تستحيل السيطرة عليه .

لقد وجدت التقنية في وسط الحداثة الوليدة ، ونلاحظ ذلك بالرجوع الى ألواح "الموسوعة " الكبرى. فالتقنية تثير الحماس لأنها تظهر قدرات الانسان ، هذا المخلوق الذي يحس أنه أصبح بدوره خالقا (لا عجب أن يكون الانسان الألي هو الذي فتن اللب في السنوات الأخيرة من الملكية الفرنسية ). فمحيطنا ومشاهدنا الطبيعية وحتى كياننا الجسدي والاجتماعي أصبحت تعزى أكثر فأكثر ليس الى "الله" بل الى الانسان الصانع ، على حد قول "فيليب رو كيلو" . و" وجود التقنية في كل مكان يستبعد الدين لصالح السياسة "، أي لصالح الجهد الذي يبذل من أجل إخضاع هذه السلطة الجديدة الى سلطة أعلى ومن أجل تدريب وتنظيم وإضفاء الطابع الاشتراكي على العالم الميكانيكي. وبالتطلع الى أنفسنا وحوالينا، نلاحظ أنه قلما نجد جانبا من جوانب حياتنا لا يتوقف على إحدى التقنيات 0تحديد النسل ، العناية بالجسم والسيطرة على الحياة ، بالاضافة ، كأقصى حد، الى إبادة البشرية بالسلاح النووي. والحداثة ، التي كانت التقنية قد أذهلتها في البدء، والتي كانت تأمل أن تكمل التحرير الديموقراطي، أخذت ، حوالي 1930تخشى هذا التقنية . والاهتمام بالجمالية ، اليوم ، هو أقل من الاهتمام بعلم الأخلاق – أخلاقية الحياة والبقاء.

1-الطبيعي والصنعي:

لكن ما هي التقنية والحالة هذه : هل يمكننا أن نتصورها؟ فالغريب أن تعليل ظاهرة عصرنا الرئيسية هذه قد شغلت أقل حيز من تفكير فلاسفتنا فلم يكرس لها "سارتر"، الا الشيء الزهيد من أعماله رغم وفرة هذه الأعمال . لا جرم أن النقد اللاذع كثير، وقد رد عليه بالدفاع والتمجيد. والنقد الأشد عمقا يحتمل أن يكون ذاك الذي وجهه العالم السوسيولوجي الألماني "ماكس ويبر" الذي يرى أن "التقنية أعادت الانسان الى الصواب ، فانتزعته من سحر الأساطير القديمة . لم نعد نلتقي السيكلوب (العملاق الأسطوري) أو الحوريات عند منعطفات الطرق ، وما نجده تحت نظرنا الآن وفي كل مكان ، هو أعمدة البرق والماكينات والأبنية المصنوعة من الباطون ، زخارف تقانية لم تترك مكانا للشاعرية . وإذ وحدت التقنية جميع أشكال الثقافة ، أصبحنا نجد الأشياء ذاتها ، من مطار الى مطار، ونكاد نجد الآن الناس ذاتهم ، لأن التقنية سوت الخاصيات .

إن فارق الطاقة الكامنة هذا، الذي لحان الحوار البشري يمر عبره، قد ألغى وأصبح العالم فاترا. "سيموت العالم من البرد" صاح "برنانوس " وفي رأي هذا الأخير ، فإن التقنية تخنق الحرية وتذل النفوس : "التقنية هي التواطؤ الكلي ضد كل من أنواع الحياة الداخلية ". وفي الفترة ذاتها وصف "ليفي – ستراوس " إذلال البدائيين وهدم ثقافاتهم على نحو يتعذر إصلاحه وذلك باحتكاكها _ "الغرب " وأنهى عمله الأساسي متنبئا بنوع من القصور الحراري لنهاية العالم حيث تزول كافة الفروق وتنغمر الثقافات . إن الاتنولوجيا تعلم أنه عندما تتقدم التقنية الحديثة تضيع التقنيات القديمة وتتفكك الأعراف ، وتبتذل العادات ولا يبقى للمدنية المحلية الا أن تدمج أو تستسلم للانهيار. كان في "افريقيا" عام 1950، قرابة 3000 لغة محكية ، لقد زال نصفها الأن . فحيثما تتقدم التقنية يتراجع الكلام ، على الأقل الكلام الذي يتفوه به الانسان وليس الآلات التي تتولى الكلام نيابة عنه . وعلى سطح الأرض بأكمله تقوم شبكة تقنية واسعة بتقنيع وحل وتمثل اللغة والذاكرة والشعر.

هذا النقد صاغه مفكرو "مذهب فرانكفورت " بأسلوب أكثر فلسفة . وكان معظم هؤلاء المفكرين غادروا "المانيا" في الفترة الواقعة بين 1933و1938وبعد لجوء قصير الى "فرنسا" ذهبوا الى الولايات المتحدة ثم عادوا الى "أوروبا" بعد الحرب ولكونهم شعروا أنهم غير قادرين على العيش في "أمريكا" التي أصبحت فائقة التقنية . والمفكران "أدورنو" و "هورخيمر" صاحبا العمل الذي نقل الى الفرنسية باسم "ديالكتيك العقل " يعتقدان أيضا أن العقل التقني، بعد أن ساهم في تحرير البشرية ، هو في طريقه الى أن يصبح هو ذاته أسطورة والى أن يخمد جميع الامكانيات البشرية . لن أستشهد إلا بجملة فهي تتضمن نواة هذا النقد "إن هوية كافة الأشياء فيما بينها تشري باستحالة كل شيء ، أن يكون مماثلا لها".

هنا نقع على موضوع اقتلاع الجذور، وفقدان الهوية ، ربما كانت انقلابات القرن العشرين والنزعات الكليانية الكبرى ترجع بالفعل الى هذه الصدمة التي توجهها التقنية الى المدنيات الريفية . فقد انتقل آلاف الأشخاص من بيشتهم التقليدية الى البيئة الصناعية دون أن تتوافر لهم وسائل التهيئة لذلك التغيير. لهذا رأينا – وما زلنا نرى _ جموعا هزتهم بعض الاضطرابات وأرعبهم هذا الاجتثاث وهذا الانسلاب اللذان كانوا ضحيتهما. فلم نعد نعرف جيراننا ، ولسنا ننتمي الى أي مكان . لقد انقطعت علاقتنا بالأشياء. واختلت علاقتنا بالبشر. فالزوجة التي تحررت نظريا، فقدت دورها وثقافتها الخاصة لتتساوى مع الرجل فتصبح أحد عناصر السيرورة الصناعية ، أي عاملة ومستهلكة . وصار بإمكاننا أن نحول جملة "أدورنو" و"هورخيمر" كالتالي (إن هوية كافة الأشياء وجميع البشر فيما بينهم تشري باستحالة كل فرد أن يكون مماثلا لذاته وأن يعرف من هو ومن أين جاء).

يا للتقنية من غامضة ، إنها لا تسهل التحرر، وهي تخفف شقاء الناس ، فتلطف الامهم وتطيل أعمارهم ، وتقيم شبكة اتصالات تفتح السبيل لامكانية جعل العالم واحدا.. لكنها أيضا تضاعف قدرة الأسلحة ، وتضع وسائل خارقة في خدمة الديكتاتوريات ، إنها تلوث الأرض والبحر والجو، وتعزل الناس ، وتحول الحياة الاجتماعية الى استهلاك رمزي ينتزع منها معناها (تقتضي الحياة الاجتماعية هدم ما يشكل شذاها)..

لن ننتهي من تعداد حسنات التقنية وسيئاتها . إنها مهمة لا جدوى منها. فالتفاؤل التكنولوجي ليس أفضل من التشاؤم . زد على ذلك هل بإمكاننا أن نبرع على نحو كاف في هذه التقنية لنجعل من ذلك نقدا أو مديحا ذا قيمة ؟ الحقيقة هي أننا في الصلب ، وأن ثمة شيئا مضحكا لدى سماع بعض المفكرين الذين ركبوا الطيارة أو السيارة يأتون ليهاجموا التقنية عبر المذياع . لقد أصبح مستحيلا تعريف التقنية على أنها منظومة خارجية ، مخاصمة أو حليفة ، ينبغي أن نتصورها في علاقتها المتعايشة مع الانسان والثابتة . فالماكينات هي تفكير مدمج . وبالتالي إذا تحدثنا بالسوء عن الماكينات إنما نتحدث بالسوء عن ذواتنا، عن أفضل ما في ذواتنا.

لقد ارتبط تقدم التقنية تاريخيا بتقدم الفكر. فليست التقنية دليل وجود الانسان وحسب ، انها تخط سبيل نموه ، إنها تجسده تاريخيا، وتقدم له وسائل علاقته بالطبيعة ويفكر تقدمه بما أنها تكدس الأرباح ، ،دون الرجوع الى الوراء بخلاف ما يفعل الفن .

لقد بين "برغسون " وأحسن ، كيف أن التقنية ترتبط بجهد الكائن كيما يوجد إنسانيا. وجملته الشهيرة في أخر عمله "المصدرين " تردد دوما : "إذا ما كبر الجسد ينتظر علاوة من الروح " . من الذي لم يسمع بعلاوة الروح هذه ؟ لقد عنى "برغسون " شيئا أكثر عمقا بكثير. لم يقل فقط إن تطور التقنية يستدعي مصادر البطولة والقداسة . لقد قلب عبارات العتب التي توجه عادة الى التقنية مؤكدا ان العلم الروحاني هو الذي يستدعي التقنية . فبلغ بذلك الموضوع الأساس الذي سيتخذه "هايدغر" . "لن يرتفع الانسان فوق الأرض الا إذا قدمت له الة قوية قاعدة لذلك يجب أن يضغط على المادة إذا أراد أن ينفصل عنها".

إن التقنية لا تقبل الانفصال عن الوجود البشري ومع ذلك ننزع الى رؤيتها بمثابة ظاهرة غريبة ، عدائية تكاد تكون قبيحة كانت المسوخ فيما مضى نصفها بشر ونصفها حيوان ، ومسوخ اليوم نصفها بشر ونصفها ماكينات ، والروبرت (الانسان الألي ) يعتبر أحد هذا التزاوج القبيح . "المسخ هو اخصاب عارفين خارج النظام ، الأمر الذي يفرقنا في عدم تمييز مخيف ، يجعلنا نشك فعلا فيمن نكون . وظهور المسخ في المجتمع له دوما دلالة ما" (رونيه جيرار) ومسخنا هو بالطبع هذا التزاوج من الانسان والماكينة . بامكانه أن يكون أكثر من ذلك إنه "فرانكشتاين " ، أي ماكينة بوجه إنسان ، إنسان صنعه البشر . ولا يدعو الى العجب أن تبلغ هذه الاستيهامات أوجها اليوم حول "الهندسة " الوراثية (هندسة الجينات ).

انتهت الحلقة : فالانسان يوشك أن يصنع الحياة . في زمن "أليس " كانت التقنية عبارة عن فن قيادة مركب ، رتق الحبال ، جلفطة هيكل المراكب ، لا بل الدخول الى "طروادة " في جوف حصان خشبي ضخم .. فلفظة Techne في اللغة اليونانية أقرب الى ما نسميه الحرفية منها الى التقنية بحصر المعنى. ومع الماكينة التي تأخذ طاقتها خارجا عن الانسان أو عن بعض العناصر الطبيعية ، كالمحرك البخاري، النفطي ، الكهربائي ، تظهر أشكال أخرى واحتمالات أخرى، وتغير التقنية بعدها فتبدو وكأنها تفلت من الانسان الذي كانت خادمة له لتأخذ استقلاليتها. وكل من يشاهد ناقلة نفط عملاقة تمر يلاحظ فورا ما يميز هذه الدرقة العائمة عن مركب "أليس " فالسفينة الشراعية ، مثلها مثل طاحونة الهواء، هي نموذج لشي ء تقني يعود الى الجيل الأول فكل شيء فيها رصد بوضوح وليس هناك فائض ما، وكل ما فيها له عمله وجميل في الوقت ذاته . والدراجة ، التي أدهشت المحدثين عام 1900، تعبر هي أيضا عن وفر جميل في الوسائل بتحويلها الطاقة العضلية الى معدل السرعة ، أما السيارة فليست بهذه البساطة . فشكلها وهيكلها وقسم من أعضائها تظهر متطلبات جمالية واجتماعية خارجة عن وظيفتها الخاصة .

يبدو إذن أن التقنية البدائية التي نجدها في بعض الأشياء المستعملة (كالزلاجة والمركب الشراعي ورمح الرياضيين ) قد حل محلها نوع أخر من التقنية ليس امتدادا للجسم البشري، بل ينمي قوة لا تقارن به : فالمقطعة حلت محل المنشار، والمجر محل المنجل ، والجراف (البلدوزر) محل المنكاش والرفش .. ومع كون الديناميكية الهوائية تمحص خطوط العربات السريعة ، مع كون "الكونكور"، في مثل جمال دراجة السباق ، ومع كودن هذه الآلات تمنحنا أحيانا دوارا كأنه صادر عن قدرة فوق بشرية الا أنها تنشر أيضا الخوف من وقوع نكبة . والذي يبعث الخوف أكثر من الكوارث الطبيعية (كالصواعق والزلازل والأوبئة ) هو الحوادث التقنية (وقد أصبح النووي مثالها الرمزي ) كما أن قدرتنا التي تجسدت واستقلت ، تفلت من مراقبتنا ، وكما لو أن .يبدع ينقلب ضد مبدعه .

وقيما كانت الألية الصناعية تتطور في القرن التاسعه عشر، بدونا وكأننا نعي الظاهرة وعيا ضعيفا للغاية . فالآلة البخارية قلما ألهمت الرومانسيين . وتقدم الكهرباء ترك القليل من الآثار في شعر نهاية القرن . واعتبر بعضهم (فييني) أن الانسان ليس مهيأ ليسيطر على هذا التقدم ، كما رأى الأخرون (هوغو) في الآلات وسيلة يتخذها الانسان كي يتاله ("التقدم "، هو خطوة من "الله ") ولا شك أن "جول فرن " كان الأكثر مغالاة في تصوره السبقي للصيرورة التقنية .

ولنن كان الشعر والفن استمرا بعيدين وحائرين ، فالفلسفة كانت شبه غائبة . وتكونت الثقافة العلمية والتقنية بمنأى عن الثقافة الانسانوية التي ظل يهيمن عليها مفكرو العهد السابق على الآلية . حتى "ماركس " ، الذي هما رأينا اعتبر الانسان منتجا لأضاع حياته ، لم يحلل التقنية بعمق . ففي رأيه يتوقف كل شيء على كيفية استخدام الآلة كما يقوم به الذين استملكوا وسائل الانتاج . ففي مشغل رأسمالي ، الآلات هي قطعا آلات مستغلة ، مستهلكة ، مضنية وفي مشغل انتقل الى خدمة الطبقة العاملة هي محررة .. فأن تكون التقنية مرهقة ومحررة هذا ما قاله "مارلحمر" لكنه لم يضع شروطا أخرى سوى الاقتصادية والسياسية . فلم يتعرض حقا لمشكلة التكنولوجيا. لم يطرح على نفسه السؤال التالي في كافة الظروف السياسية والاقتصادية أليس للتقنية وجه خطر في نظر الذين يستخدمونها؟  الا تحمل في ذاتها قوة الهيمنة ؟

إن تطور التقنية الغريب الذي بدأ من منتصف القرن التاسع عشر فاجأ التفكير.فحرب 1914 هي التي ستجعل المشكلة تدرك ثم قنبلة "هيروشيما" (أيضا الحرب )وأخيرا التلوث . وعلى عصرنا الموشى بالتقنية ، تقع مسؤولية التساؤل حولها ولو متأخرا. ولكي نثير أهواء كهذا، ورعبا مماثلا، ينبغي أن نضع فيها الكثير من ذواتنا (بالاشارة الى الارهاب لعام 0 100 تحدث "إمانويل بول " عن "الرعب الخفيف في القرن العشرين ") فتصور التقنية هو محاولة التباعد بصدد ظاهرة تحيط بنا ، تلج الى أعماقنا وتتحكم حتى في إواليتنا الذهنية . هي إذن محاولة تصور ذواتنا بأنفسنا، إنها ممارسة صعبة لكنها خلاصية لآنها تسبق كل حرية.

غالبا ما يعرف الشيء التقني على أنه ليس "طبيعيا" ، بل "صنعي" . فوفقا لما جاء في بعض المعاجم ، "ما لا تنتجه الطبيعة هو تقني" فكانت المقابلة الاجمالية بين الطبيعة ، التي قد تكون مبدأ الحياة والحكمة والتقنية التي قد تكون موضع الزيف واللامعقول . والاجلال الذي خصت به الطبيعة في الرومانسية ومن أواخر القرن الثامن عشر، وكذلك الرجوع الى "الحقوق الطبيعية " التي أسست حقوق الانسان كلها تسهم في مقابلة الطبيعة والتقنية بشكل قابل جدا للجدل . فكما لاحظ "س . موسكو فيشي " وذكر به "ف . روكيلو" ، لم تعد الطبيعة "جنة عدن "، إن لها تاريخها . لنلق نظرة على بينتنا "الطبيعية " . لقد اتجر بها كما اتجر ببينتنا التقنية . لم يبق في "فرنسا" سوى غابتين غير محولتين ، والغابات الأخرى صنعت بأنماط مزروعة وغالبا مستوردة ، وقد تم استحضار الأزهار والشجيرات في غالبيتها من "آسيا" و"أمريكا" و"أفريقيا" و"أوقيانوسيا" ، هذه الأراضي المعشبة إنما عشبها يزرع ويحش ، هذه الخيول ولدت بالتصالب ، هذه الأرض قلبت آلاف المرات وربما الهواء.. لكن كم هو ملوث ! لاشك أن الشمس تظل طبيعية والنجوم كذلك .

فالطبيعة هي في القسم الأكبر منها نتاج التقنية ، والبيئة الطبيعية تزداد صنعية باستمرار ، الأمر الذي يطبعها بحضور مختلف يبدو لنا تارة وديا (مشاهد طفولتنا) وطورا معاديا وعدوانيا. ولكي تكون الطبيعة صالحة لسكني الانسان ، تحتاج (والأمر أكثر صحة في "أمريكا" و"أوروبا") الى ما يسميه "ف . روكيلو" "مصلحة صيانة " . إن الانسان يتلف الطبيعة وهو واقع يبرزه علم البيئة . غير أن هذا التوازن الذي تتهدده الصناعة الحديثة هو من صنع البشر "المهرة ".

وإذا كانت الطبيعة قد طبعت بالتقنية ، يمكن القول أيضا بأن التقنية "طبيعية " ، ذلك لأنها تعمل مع الطبيعة ، فتستخدم نواميسها وتلتقط طاقاتها.. "من جهة تنفذ التقنية ما لا تستطيع الطبيعة أن تحققه ، وتقلده من جهة أخرى". ويعلق "بيير أو بنك " على هذه الجملة فيلاحظ أن التقنية "تكمل " الطبيعة فتلاحق غائية توحي بها الطبيعة ذاتها: "حيثما لم تتمكن الطبيعة من ادخال انسجامها وتناسقها وانقسامها الفتيلي ، تتدخل التقنية لتكون البديل للتلقائية الغائبة . فالطبيعة تبقى المثل الأعلى للتقنية . ليس المقصود خلق ما هو فوق الطبيعي، حتى ولا أنسنة الطبيعة ، بل تعلبيه الطبيعة وساعدتها في تحقيق ماهيتها الخاصة بها. وروح الكلمة المرتبط بهذا التصور يبينه مثال الكرمة الذي يعود الى "نيوفراست " فالكرمة كائن طبيعي لكنها لا يمكنها أن تنتب كمونها الأكثر "طبيعية " إلا شريطة أن "يزرعها" الانسان . وبذلك فالتقنية لا تتحدى الطبيعة ، ولا ترغمها، بل تساعدها لتصبح ما هي عليه ".

هكذا "تتخذ التقنية في الطبيعة أداة ". وفي المرحلة الأولى ، تقلدها وتتممها وتخصبها وتجعلها تضع كمونها . (الزراعة ، وهي أول منهج تقني، تفسح المجال لمجازات جنسية عديدة .) لقد بلغ الأمر بـ"لوروا _ غورهان " أن شبه التقدم التقني بالتطور البيولوجي إذ قال "إن انتقال الصفات المكتسبة طبيعي في التقنية (…) لكن الطفرة ظهرت طبيعية بنفس المقدار". لقد أصبح الانسان عاقلا بالعمل على تقدم اللغة والتقنية معا، اللتين لا تشكلان سوى "ظاهرة عقلية واحدة ".

2- الكشف(هايدغر):

يمكننا أن نتساءل إن كانت الطفرة الحاصلة في العصر الصناعي لم تغير على وجه الدقة كنه التقنية بتغيير قوتها وأبعادها. وبإمكاننا أن نتساءل إن كانت تقنية الصواريخ من نمط الطائرات الورقية ذاته . فكلاهما بالطبع يستخدم قوانين طبيعية ، إنما بشكل ونتائج مختلفة جدا. الطائرة الورقية كالطاحون التي تعمل بالماء، تبقيان خاضعتين للطبيعة : إذا لم يكن ثمة هواء أو ماء، لن تعملا. أما الصاروخ أو المحطة النووية فيعملان في كافة الأوقات ، يقيمان مبدأهما وغديتهما خارجا عن الاحتمالات ، ولا يتعلقان إلا بالحساب والقرار البشري . إننا نرى جيدا أن تقنية كهذه قادرة على استخدام الطبيعة ضد الطبيعة ، والانسان ضد الانسان ، بما أنها تنقلب ضد اللغة بقدر ما تنقلب ضد البيئة . ومع ذلك ، لن نعترض على كون القصد ذاته والذكاء ذاته يربطان الأكرة الملساء بالناظمة الألية . فالتقنية حملت الطبيعة "أشغالا شاقة " ، كما قال "ف . روكيلو". ثم عندما يكون لدينا أرقاء ، كيف نتجنب تشغيلهم ؟

لقد تلفظت بكلمة "جهز" في أول تأمل له حول التقنية ، يعتمد "هايدغر" على الكلمة الألمانية Ge – stell  التي تذكر بالهيكل ، بالبنية ، ليستخدمها في معنى معادل للكلمة الفرنسية (وهي لمرة ، أغنى) arraisonnement  التي تعني إخضاع ، إبلاغ الأمر (الى باخرة ) بتنفيذ ما نأمر به . يقول "هايدغر" : "التقنية تأمر الطبيعة ، أي أنها تخضعها للعقل الذي يقتضي من كافة الأشياء أن تبين تعليلها، أن تصوبه " . إنه إذن نوع من تحدي الطبيعة : أعد الى هذه الدراية التي في والتي تربطك بها رابطة ما! وبالتالي ليس المقصود فقط أن نقوم بإجراء عمليات في الطبيعة باستخدام الطبيعة . "ما دمنا نتمثل التقنية كأداة سنظل مأخوذين بالرغبة في السيطرة عليها. إننا نبقى خارج جوهر التقنية ".

إن لكنه التقنية هذا علاقة مباشرة مع الانسان ونزوعه الى الفهم . فليس ما نلتمسه في الطبيعة هو مساعدة مادية وحسب ، بل مساعدة ميتافيزيقية : إننا نطلب اليها أن تسلمنا حقيقتها التي بدونها يظل وجودنا فقيرا وخاضعا . "عندما نكشف بدقة ما بأنفسنا لكنه التقنية ، سنجد أنفسنا وقد استولى علينا ، عل نحو غير منتظر،. نداء محرر". يتحرر الحس ويتلقى الانسان ذلك كإمكانية وجود حيث هو في علاقة طبيعية وشاعرية في الوقت ذاته مع المكان الذي يقيم فيه .

فالتقنية هي بالتالي شيء أخر مختلف عن "العلوم الطبيعية التطبيقية ". إنها تظهر غاية أساسية هي أن تقود الى الحقيقة ، الكائن المختبيء في الطبيعة . وكلمة arraisonnement  هي الكشف : إنها دعوة ، طلب موجه الى الطبيعة كي تسلم أسرارها وقواها العميقة . "إن التقنية تكشف ما لا يحصل من تلقاء ذاته وليس أمامنا الأمر الذي قد يأخذ تارة هذا المظهر أو هذه الصيغة ، وطورا غيرهما".

هكذا نرى على نحو أفضل ما يميز التقنية الحديثة من القديمة : لم تكن العلوم الصحيحة متوافرة لدى التقنية القديمة ، والكشف الذي كانت تقوم به كان محدودا واتفاقيا ولم يكن يتبع منهج التجميع المتواصل الذي يميز ما نسميه التقدم التقني . لكن التماس الطبيعة الذي تقوم به التقنية الحديثة منظم وملح . وتلاعب "هايدغر" بالفعل الألماني Heraus forden  يقول : "إن التطور الذي يسود التقنية الحديثة هو تحريض يخطر الطبيعة لتسلم طاقة يمكن استخراجها وتجميعها".

هذا الطلب الموجه بإلحاح الى الطبيعة لم يعد يتعلق بحاجة معينة ، إنه يزج الأرض بأكملها والبشرية بأكملها في مسار كشف وترشيد ومردود يكون شبكة متضامنة . كان "هيغل " يسمي الماكينة "أداة مستقلة ". إنها كذلك بقدر ما هي قادرة على أن تحكم نفسها بنفسها (المعلوماتية والروبرت أو الانسان الألي اليوم ) ، لكنها مرتبطة بشبكة معارف وإعلام وطاقة . إننا نرى ذلك جيدا: فكلما اكتسب جهاز تقني استقلاليته ، ازداد تعقيده وكلما وجد ذاته مقحما بالتالي في نظام هش . فالتقنية تبدو لـ"هايدغر" كشكل من أشكال الولوج الى الحقيقة والى السيطرة وليست ككيان خارجي، مستقل ومهدد وغالبا ما يبطل أو يلغى. فالتقنية التي تدرك جيدا تجرنا "في ندائها المحرر".

3- العقلانية وإرادة التسلط (يونفر):

غير أن "مايدغر" نفسه ، باستعماله كلمة – heraus  fordenكان يعني أفقا أقل طمأنة ، فكلمة forderi  تعني اقتضى، والسابقة heraus تشدد على ما يراد بالأولى إذ أنها تعني حرض ، ويقصد بها أكثر من ذلك فهي تعني استخرج .

وكلمتا نقابة وحفارة تعطيان صورة عن الثقابة لا تخلو من خشونة . طبعا فنحن لا نزال في مجال العقل raisonner) –(a لكننا لسنا بعيدين جدا عن مجال العنف . فالتقنية الحديثة ، في شكلها الصناعي، كما في شكلها الحربي ، ترتبط بالعنف بروابط متينة . فلم تكن الآلة ، بالنسبة لملايين العاملين ، عبدا ، بل مستبد لا يرحم . ونظام العمل الرتيب الذي خلده "شارلي شابلن " (في الأزمنة الحديثة ). بلغ الأوج في استعباد الانسان الذي عومل كحالة . ويرجح أنه بسبب الآثار التي خلفها هذا الاستعباد الصناعي نجد صعوبات كثيرة في احتواء الآلات الجديدة وتكييف سلوكنا الاجتماعي والاقتصادي معها.

لكن هناك أيضا عنف الحرب . ففي الحرب ظهرت بالشكل الأكثر إشراقا قوة التقنية الحديثة وقدرتها على الهدم وعلى الاغراء أيضا. لم يكن "أبوتينير" و" جول رومان " يقصدان أن يتغزلا بالجمال الشهواني للمدافع ذات العيار الثقيل في "فردن " . بل كان القصد أكثر من ذلك بكثير ، فحرب 1914- 1918 تعرض مشهد الاستخدام الكامل للموارد الصناعية والبشرية التي جندت في خدمة الوطن ، وقد استخدمت ايضا ماكينات جديدة من اطارات ودبابات وهاتف . هذا ما أسماه "إرنست يو نفر" "حرب المعدات ". والى هذه الفترة يعود تاريخ العبارة "معدات بشرية ".

وبوسائل تقنية ، ولغايات تقنية ، يتم هذا الحشد الفظيع من البشر والأسلحة والطاقات الذي يثير مشهده الحماسي بنظامه و"كليته الجميلة " حيث تقترن فيه الطاقات وتمجد الشجاعة .. إنه لنموذج من الفعالية التقنية والجمالية الجمعية في الوقت ذاته .. وسيجتهد الاستبداديون في تكييفه لأغراض صناعية وسياسية مستخدمين التخطيط والدعاية والارهاب المنظم . فتستمد منه البولشفية والفاشية والنازية طرقا تستخدمها في الحرب ، وفي السنوات التي تلت الحرب شوهد في كل أوروبا تقريبا تشكيل فرق من المحاربين القداس قرنوا الحنين الى الأخوة العسكرية (متحدين كما في الجبهة ) الى شعار العنف التقني. وسيؤجج "هتلر" هذا الخليط المفارق من العواطف اللامعقولة وذات الفعالية الصناعة .

لقد ذكرت اسم الكاتب الألماني "ارنست يونفر" الذي تطوع وعمره ثماني عشرة سنة ، وجرح عدة مرات ومنح الأوسمة ، انه أفضل من عبر عن جدة تطوع الجماهير هذه التي عمت عالم الحرب الحديثة المتسمة بالتقنية ، فبعد أن ألف قصتين عن الحرب ، كتب بحثين موجزين يرسمان نظرية التقنية التي استلهمها "هايدغر"، فلنقرأ تحسره لغياب بطولة الجنود المرتزقة الألمان : "لقد تلاشت روح البطولة الى الأبد ، إذ يجب أن تندرس حيثما تسود الآلة . فالنظام التقني هو المرآة الكبرى التي تعكس على أفضل وجه الموضوعاتية المتنامية في حياتنا (…) إن التقنية هي مظهرنا المتسق " والحرب هي أوج الديمقراطية ، إنها "ديموقراطية الموت" حيث تطوى الجماهير. "لقد تشبعت – "خاصة " – الحرب بروح التقدم ". و"التعبئة العامة " التي تقوم بها الحرب الحديثة هي شكل منجز من "العقل " و" القومية" و"التقنية " . و"العلم " يتلف على محرقته بالذات ، تاركا المكان لنوع جديد من الأبطال صنع في جحيم الخنادق . أدمن كان ليقول إن أبناء هذا الجيل المادي سيستقبلون الموت بهذا القدر من الحمية؟".

إن تصوف الموت هذا يفعل ما كان يسميه "نيتشيا" تحول القيم . إنه يفتح السبيل لقرن جديد سيكون في الوقت ذاته قرن التقنية والطقوس والأديان الجديدة على الأرض ، لحما سيكون قرن الدهاء والشعوب . و"ارنست

يونفر" هو المفكر الوحيد الذي يمكن أن يستوقفنا عندما نبحث عن فكرة في أعماق النازية وان يكن قد تباعد بسرعة بخصوص هذا المذهب ليدعو الى نمط من الأنسية الأرستقراطية . لقد عرف أن يميز عبر المحنة الكبيرة التي كونتها الحرب العالمية الأولى ، مجيء تقنية قادرة أن تحدق في عقلانيتها ، بإرادة التسلط فالمحارب يجب أن يخلفا العامل ، الكادح ، وجه الحداثة المعياري كما كان الراهب الوجه المعياري لـ "العصور الوسطى"، والهدم والانتاج هما الظاهرة التقنية ذاتها ، القابلة للانعكاس ، كما كان توقع "نيتشيه " ، الذي كان يؤكد على هوية المصنع والثكنة . واليكم ما كتبه "يونفر" بعد نهاية الحرب بقليل وهو يتأمل إعادة تحويل الحرب الى صناعة "يكفي أن نتأمل مليا هذه الحياة ، حياتنا في ثورانها ونظامها الذي لا يرحم ، في مناطقها الصناعية الثائرة والساخنة ، في فيزيائها وميتافيزيقاها ، في محركاتها وطائراتها ومدنها التي تعد الملايين من السكان ، لنشعر برعب تخالطه المباهج ، أنه لا وجود هنا لذرة واحدة لا تعمل وأننا نحن أنفسنا متورطون بعمق في هذه السيرورة العنيفة ، والتجنيد العام هو أقل من اتمام إرادة واعية لكونه لا يتم في السلم كما في الحرب ، إنه تعبير عن اقتضاء سري ولا مفر منه تخضعنا اليه الحياة في عصر الجماهير والآلات ، وكل حياة فردية تصبح باستمرار وعلى نحو متزايد ، حياة عامل ، وتخلف حروب العمال حروب الفرسان والملوك والبورجوازيين _إنها حروب جعلنا أكبر نزاعاتها العسكرية في القرن العشرين ، نستشعر البنية المعقلنة والحتمية العالية ".

إن "يونفر" يرى إذن ، في العمل الصناعي، القوة البناءة المجتمعات حديثة شريطة أن يندمج هذا العمل في سيرورة التعبئة العامة التي أعطتنا الحرب مثالا لها. أدلا يعتبر العامل القانون العرفي (حالة الحرب ) استثناء، إنه يجعل منه نظامه ". هنا نبلغ المنشأ المشترك بين الكليانيتين البولشفية والنازية المنبثقتين أيضا عن الحرب ، ستلهمين جزءا من إيمانهما المجند ومناهجهما في التنظيم والفتح والسيطرة . فالحرب الكليانية تلد "الدولة " الكليانية . ويرى "يونفر" أن هذه الكليانية يجب الا تكون عمل "دولة " ما أو أمة خاصة ، إن القدر الذي لا مفر منه ، قدر الكون هو الذي يدفعها الى الوحدة المعقلنة بواسطة التقنية . فالانسان ليس له سوى خيار واحد هو أن يتحمل مسؤولية "السيادة على الأرض ".

هذه الرؤية الساطعة أثرت بعمق في "هايدغر" إذ رأى أن جوهر الميتافيزيقا الغربية سيتحقق في القدرة على الكلية للتقنية التي أصبحت عالمية . ويكمل العقل إرادة السيطرة بتوجيهها نحو أهداف مسكونية .. فبعد انقضاء ثلاثين سنة على المحاضرة التي ذكرنا،يعود "هايدغر" الى مسألة التقنية في بحث عنون بمغزى"المنعطف " ، يستعيد فيه استنتاج "يونفر" : إن تمجيد التقنية يدل على فوز الفلسفة الغربية ، ويضيف : ينبغي منذ الآن أن نبحث عن أسلوب آخر في التفكير. وكان فيلسوف ألماني آخر "هوسرل " قد وصل الى النتيجة ذاتها فقال : "لقد عرف عصرنا تطورا تقنيا ينتهي معه كل موروث فلسفي. فالفلسفة أصبحت الآن علم البشر. ويمكن للعلم اليوم أن يحل محل الفلسفة في الأشياء التي كانت تقولها عن الانسان . وامتصت النظرية مسحوقة بالفوز الذي أحرزه تجهيز العالم ".

من جانبه ، كتب "هايدغر" يقول "إنها بداية الحضارة العالمية لكونها تأخذ منشأها من فكر "الغرب " الأوروبي" . ففي رأيه أن المنظور ليس ميئوسا منه ، وأنه وفقا للبديهية التي يقتبسها من "هولدرلين " ، " حيثما يوجد الخطر، تكبر القدرة على النجاة ". إن فوز العقلانية حرر الفكر فأصبح ممكنا إيجاده فيما يسميه "هايدغر" "مضاءات الكائن "، حيث يعود ممكنا سماع لغة صحيحة وامتلاك الحقيقة . واذ أثيرت التقنية صارت تعني "نسيان الوجود" في الأشياء وفي الفعالية وفي المردود. إذ سيكون الفكر نسيان أن الوجود منسي . والتقنية تتحدى الانسان الآن بعد أن تحدت الطبيعة . وفي عام 1969، أعرب "هايدغر" عن خشيته أن تتحول اللغة وقد "أفسدت " الى " لغة الحاسوب وتصبح دليل بنية الآلات . غير أنه بالضبط انطلاقا من اللغة ، يظل ممكنا استرداد الكائن . يجب الا تكون التقنية المسكن البشري الوحيد، فاللغة تظل موضع إقامة الانسان الرئيسية . بالفعل ، لا تعمل التقنية أبدا سوى ارجاع الانسان الى ذاته : صنع ذاتي، استثمار ذاتي.

إننا نلتقي هنا مصيدة الحداثة التي تحتجز البشر في صورة أنفسهم . والتراث الثقافي الذي تكون قبل العصر الصناعي، والطبيعة التي أفلتت من الاستغلال ، يظلان ضماني الكائن الذي يحتاج الى مصدر خارجي الى حوار مع عالم مختلف عنه هذه هي الحقيقة الراسخة ، حقيقة علم البيئة ، فيما وراء الاثباتات القابلة للمناقشة . الاحتفاظ للانسان بإمكانية معرفة ذاته عبر ما ليس ذاته : الماء، الشجر، الحجر، المشهد الطبيعي ، السماء.

4- القدرة والقدر:

لئن ظهرت التقنية مؤذية ، فما ذلك لكونها غير انسانية بل لكونها انسانية أكثر مما ينبغي : إنها تقدم لنا إمكانيات وقدرات خارقة ، فالأجهزة الضخمة التي تنظم السلم كما تنظم الحرب ، تجند كافة الانفعالات . لقد استولت عليها الرغبة في السيطرة . وأبعادها ونتائجها لا تقارن بأبعاد ونتائج التقنية القديمة . وتواز نات الحياة الطبيعية معرضة للخطر بسبب ذلك . إنه تلوث معمم . ويتزامن هذا (وقلما يلاحظ ) مع ضمور وتعطيل الثقاقات البلدية (الأصلية والمحلية ) وقدرات الأفراد والجماعات بسب الأجهزة التقنية . واضافة بادئة الى الكلمات تحل محل الأجهزة واللوازم وتفاقم العجز الذي تعوضه . فالذاكرة واللغة والقدرة على ترتيب وتنظيم الحياة تتعهدها بعض الأنظمة المختصصة.

واذا كان الاختصاصيون يثقفون الفرد ويتولون حمايته ونقله والعناية به وإسكانه يصبح هذا الفرد غير فاعل والجماعة غير قادرة على اتخاذ المبادرة . والحركات البدائية والتصرفات الأساسية تصبح مادة للتخصص ، للاحتكار، للتدريب وللاستغلال بالتأكيد . والموروث الملغي بأكمله يجد نفسه قد أعيد صناعيا: الطبخ ، الجنس ، آلاف الأساليب للعيش معا هذا النوع من التعايش الذي جعل منه "إيفان إيليش " جوهر تحليله النقدي.

هكذا تتابع التقنية عمل تهدم الجماعات الذي كان شرع فيه التحرر الديمقراطي. غير أنها ، خلال ذلك تقيم مراتب جديدة واكليروسا جديدا: فالخبراء والتقنيون والمعلمون يستأثرون بمعرفة تصبح أساسا للسلطات الجديدة . ومن عمل التقنية المساواتي ، تولد تفا وتات جديدة في المساواة بين الأفراد والفئات والأقوام والمناطق .

لقد بلغ مسامعنا جميعا الحديث عن التقنوقراطية أو حكومة الفنيين وعن "النوما نكلاتور" أو الطبقة الحاكمة . ومنذ أواخر الحرب الأخيرة ، أعلن "جـ برنهام " قيام عصر "مدراء الأعمال ". ومنذ ذلك الحين ، لم يعد يحصى نقض التكنوقراطية . ينبغي أن نسلم بأن كل تقنية ، حتى المسالمة ، تحتوي على سلطة معينة بالاضافة أيضا الى بعض الاكراه ، الاكراه الذي يمارس على الطبيعة ، الاكراه المنظم للحاجات البشرية ، الاكراه الذي يمارس على البشر الذين يرغمون على الخضوع للاجراءات التي يقررها المبرمجون . قبل عشرين سنة خلت ، كان لا يزال ممكنا تصليح السيارات آو الدراجات النارية من قبل أصحابها أنفسهم كما يتم اصلاح الدراجة العادية . لقد أصبح هذا غير ممكن الآن ، بل إنه محظور ، فكل شيء موصد ومختوم ، واختفت معدات التصليح وفي حال العطل ، يتم الاتصال هاتفيا بصاحب المرآب . إن هذه الميزة المغلقة ، المحكمة الاغلاق والعنيفة ، ميزة التقنية المعاصرة تتعارض مع مماثلتها ثقافة ما أو تمرنا شعبيا. وينجم عن ذلك أن التقنيات الأكثر تطورا تثير المزيد من سحر العلم ، وان انشقاقات تعادل في عمقها الانشقاقات التي كانت تفصل الشعب عن الارستقراطية ، تفصل الآن المبرمجين والمقررين عن أولئك الذين يخضعون دون أن يفهموا .

والأشكال التي تتخذها السلطة التقنية كثيرة العدد، سواء تعلق الأمر بالتقنوقراطيين وطبقة الاكليريكيين الجدد أو بالفئات الضاغطة الذين يقبضون على زمام الأنظمة التي لا غنى عنها في الحياة العامة (كهرباء، نقبل ، الخ) . وهذا التطور يعطي الحق لـ "هربرت مأركوز" الذي يعارض

إمكانية الاكتفاء بغائيات عقلانية عندما يدور الحديث حول التقنية . وليست التقنية المساعد للسيطرات الحديثة وحسب ، إنها في حد ذاتها سيطرة : "ففي التقنية ينعكس قصد المجتمع والمصالح التي تسوده فيما ينوون أن يجعلوا من الانسان والأشياء" ويرى "ماركوز" أن منطق التقنية يقود الى الكليانية . و"هابرما" أقل راديكالية منه : فالتقنية والعلم يظهران له كأيديولوجية الفئات الموجهة في الديمقراطيات "الليبرالية ". إنهما يقدمان لهذه الأنظمة الشرعية التي تحتاج اليها. ويختلط فيها تمجيد البورجوازيين للفوز الى جانب الرضا الشعبي الذي يولده الرفاه . وعلى حد قول "كورنو" فإن هذا التنسيق يؤدي الى الاستقرار والاتزان الحيوي لدى عموم المجتمع . أما السياسة في "تعامل كعلم " (بالاستفتاءات والدلائل ، الخ .) وقيما يخص الباقي ينحى في الهوامش مع مهمة اللجوء الى تصليحات الآلة والقيام هنا وهناك بتمويه عدم كفايات مزعجة . إنها رؤية مقنعة لاجماع لا يقوم خارجا عن الايديولوجيات ، كما يقال ، بل بفضل ايديولوجية جديدة ، ايديولوجية التقنية أكثر منها ايديولوجية العلم ، إذ أن التقنية تقدم البرهان الظاهر لفعالية العلم ونجاحه . لنذكر مع ذلك أنه ، منذ بداية الركود الاقتصادي ( 1974)، عجز رجال الاقتصاد عن إعادة إيقاع النمو الى ما كان عليه ، وهذا العجز نال من اعتبار التقنية وقدم خطي جديدة الى الأيديولوجيات التاريخية (الاشتراكية ، الليبرالية ). غير أنه في عالم يشك في كل شيء ، تصبح التقنية المرجع الأعلى للحقيقة . أقول التقنية وليس العلم ، لأن العلم لا يدرك تماما ما هو، لكن التقنية تشاهد وهي تعمل : الآلة تعمل . فكان الاستئثار بالحقيقة الذي يتنامى بواسطة الفكر الموضوعي والتقنوقراطي. كان "كانت " قد ذكر أن الانتقال من العلم القديم الى العلم الحديث يتصف بوضع فعال بخصوص الطبيعة ، وأن التقنية توجه العلم على نحو متزايد باتجاه التقدم المدر والمذهل . وليست الاحتياجات العسكرية فقط ، بل مجموع الأجهزة التقنية هو الذي يشد العلم نحو الفعالية ، وغالبا بالرغم من الأبحاث التي قد تكون أكثر فائدة . والكثير من علوم الانسان يشكو فقدان الاعتبار هذا ، وكذلك بعض العلوم الطبيعية .

إجمالا بعد أن ماثل "التقدم " "العلم " ، أصبح يطابق "التقنية " . فكان هبوط مسألة الحقيقة . وأصبح يشتهر بكونه حقيقيا، ليس ما يتعلق ببرهان فكري ، بل ما يبرهن عليه بالعمل الفعال . وهذا ما يساهم في تخفيض مكانة الفلسفة (في التعليم بخاصة ) وفي ازدياد البعد بينها وبين التقنية التي تطعن قبليا بكافة المسائل المطروحة حول الكائن ، هذه المسائل التي كان العلم والفلسفة يرعيانها كذلك سابقا. إن انتقال القيم هذا يجر انتقالا سياسيا، فالسلطة الديموقراطية التي كانت تبحث فيما مضى عن شرعيتها في المثل العظمي، كالعدل والحرية ، تحدد لنفسها غايات هي الانتاج ، والاستهلاك وتوزيع الاعانات المالية الاجتماعية . وعندما يحل تمجيد النتائج الباهرة محل تمجيد المعرفة تجد العلمنة نفسها وقد سلبت ما يبررها، فتدريس العلوم يحمل القيم، أما تدريس التقنيات ، فلا.

وغالبا ما يكون الرد على هذه الانتقادات شهادة إعلان التقنيات الجديدة الميكرو_ معلوماتية بخاصة . إنهم ينسون أن التقنية هي تجميع وسائل ومقاصد يتجاوز بكثير هذا العنصر أو ذاك من بين عناصرها : إنها طريقة تصور العالم وصنعه ، وليس أكيدا أن الحاسوب ، مهما كان خفيف الاستعمال ، هو أقل إكراها وخشونة في نتائجه من الآليات الثقيلة . والسؤال الذي تطرحه التقنية هو أولا معرفة ما إذا كانت كيفية الوجود هذه ستحتفظ ببعد يحجب كافة أساليب الوجود الأخرى واذا كان تضخم الكفاءة التقنية الذي سمح لـ"الغرب " بتكييف العالم حتى لا يرتد ضده (أعني ضد "الغرب") وضد العالم . وبعبارة أخرى ربما تصبح التقنية وهي إنسانية في جوهرها، ربما تصبح بتناميها بالذات ،عاملا ينزع صفات الانسانية ، مثما أصبحت ، من حيث كونها متممة للطبيعة ، عامل تشويه الطبيعة .

لكن هل هناك تيار خاص بالتقنية قد يكون إيقافه شبه مستحيل (التقدم لا يوقف ) ؟ البعض يخشى ذلك ، والبعض الأخر يعترض بأن التقنية تظل خاضعة للمراقبة البشرية حتى في قسوتها،. أليست الآلة "بعض الحركات البشرية وقد تبلورت في بنى تعمل "؟ أحد أشد النقاد قساوة الذي انتقد التوله بالتقنية ،ويدعي "جاك إلول " ، بعد أن نوه بأن التقنية تستبعد كل ما عداها، كتب يقول : "إن قدرة التقنية استقلاليتها مؤمنتان بحيث إنها (أي التقنية ) الآن تتحول بدورها الى قاضي الأخلاق . فلا يعتبر اقتراح أخلاقي فمالحا لهذا الزمن ما لم يتفق معه " . وقد رد على ذلك "ف . روكيلو" بأنه ليست هناك أية ضرورة في إحلال التقنية محل الأخلاق والسياسة . فيما أن الانسان هو صانعها، هي تحت مراقبة الانسان : هل تتصورون آلات شرعت في صنع آلات فالانسان يظل "المعشر" الصناعي للتقنية مع ذلك ، اتخذت التقنية قدرة وأبعادا بحيث أنها جددت بيننا ، في نظر الكثيرين معطيات المأساة القديمة إنها هذا "القدر" (هايدغر) الذي يجر البشر بلا رحمة في مسار عقلانية تامة حيث تنجز الحداثة وتتلاشى . كان اليونانيون يخشون من أن تثير قدرات الانسان غضب الآلهة إذا ما تجاوزت حدا معينا. وقد صرع "بروميتيه " لأنه حجب عنهم النار، إن خرق القياس هو الذي يثير الغضب الالهي. وفي نظر "إليش " ، إذا ما تجاوزت الآلة حدا معينا، تصبح فعلا "مانعا للانتاج ": فالناقلات تولد البعد، والطب يولد المرض ، والمدرسة تولد الجهل .

إنما الحداثة حطمت كل الحدود . لم يعد شيء يعترض سبيل الانسان في تنمية قدراته الى ما لا نهاية ، لا شيء إلا مقاومة العقل إزاء الاضطهادات التي تكون ضحيتها الحياة الطبيعية والحياة الاجتماعية وتراجع الوعي  امام احتمال قيام الانسانية بتدمير ذاتها بذاتها فكان الغم الذي يتنامى بقدر ما تضع التقنية من وسائل تحت تصرفنا ، هذه الوسائل التي تبلورت حول الطاقة النووية لأسباب وهمية أكثر منها واقعية .

إن التنامي السريع والمستمر لقدرات البشرية يضعها أمام مسألة لم تجرؤ بعد على مجابهتها . هل ينبغي استخدام كافة الوسائل التي يضعها العلم والتقنية تحت توفنا ؟ هل ينبغي صنع شيء أو أداة ما دمنا قادرين على ذلك دون الأخذ بالاعتبار شكل استعمالها والنتائج التي ستنجم عنها؟ إننا نقترب من اللحظة التي قد تنتج فيها الحياة ذاتها على الأقل في قسمها الأكبر. هل يجب أن نعمل ذلك متناسين أن كل شيء منتج يصبح ملكا معروضا في السوق بثمن معين ؟ هذه هي حال "الانجاب الاصطناعي" هل يجب أن نستخدم ذلك في جميع الأحوال ، إرضاء لـ "الحاجة الى طفل ؟" إن تنظيم هذه الامكانات مع الفردانية المسيطرة يوشك أن يحول الطفل الى عنصر إرضاء بالنسبة للذي أو للقي أو للذين يستهويهم الحصول عليه بأفضل ثمن ومن أفضل نوع ، ما لم تتعهد "الدولة " بالذات بمراقبة هذا الانتاج .. أهي فردانية أم كليانية ؟ في الحالتين نوشك أن نصل الى نمط من النسالة .

تلك هي المسائل التي تستولي اليوم على الأخلاق ، قبل أن تتدخل السياسة في ذلك . إنها بالفعل مسائل مجتمع لا يمكن أن تترك للقرارات الفردية ، إن لم يكن الا لكون "الانجاب الاصطناعي" قد يلزم تعديل التشريع في الأقسام التي تعالج الحقوق المتبادلة في الأسرة .

وما تحرزه التقنية من تقدم في الوقت الراهن يطرح بعض المسائل في المحسوس بعد أن كانت حتى الآن في حقل اللاهوت والفلسفة . هل "الاصطناعي" (عقل اصطناعي)، "انجاب اصطناعي" …) يتعارض مع "الطبيعي"؟ لقد رأينا أنه يصعب رسم الحد بين الاثنين ما دام الأمر يتعلق بالجنس البشري: فالاصطناعي هو بشري في غاية الكمال « لكن إذا كانت التقنية تخفف عن الانسان ، بل تحل محله في بعض المهام التي يتزايد عددها أكثر فأكثر ، فهي بالضبط توسع بذلك قدرته على الاختيار. وبالتالي ، فإن النداء موجه الى عقله والى حريته . والحاجة ملحة الى التفكير في تمفصل الحريات الفردية ذات القدرات المتزايدة الى ما لا نهاية ومستلزمات مجتمع تتهدده الذرة ، إذ أنه إذا دمر المجتمع ذاته بذاته ، لن يكون مجالا لممارسة الحريات الفردية .مرة أخرى نسقط في شرك برهان الحداثة الأقرن نتأرجح بين حماس الفرد وانكاسات بقاء الجماعة ، أي عودة "نظرية الكلية ".

وبعد ذلك حاولت الدبلوماسية ، التي أخضعت السياسة ، أن تنظم الاقتصاد، بقي عليها أن تسيطر على "النكبة " التقنية التي أطلقتها هي ذاتها، وأن تدرك أن "مصير" التقنية لا يقع خارجا عنا، بل فينا، وأن الحدود التي يستدعيها "خرق القياس" التقني، يجب على المجتمعات أن تفرضها على ذاتها بذاتها. تفضيل السلام على العنف ، التعايش المغفل في الاسماء، التوازنات البيولوجية في انتشار القوة ، وبعبارة أخرى، اختيار الوسائل التقنية الملائمة للغايات التي نسعي لنيلها، فإن التقنية مخدر يخترقنا جسدا وروحا. لهذا فهي تثير مشكلة في وسط كل مؤسسة وكل تفكير، مشكلة أخلاقية ومشكلة سياسية أيضا إذ أن الديمقراطية ، بعد أن دمجت الحياة المدنية في نظام عقلاني ، لن تتقدم الا إذا توصلت الى بسط السيادة السياسية على التقنية .

وقد ارتدت الأجهزة الكبرى نوعا من الهيمنة على الحياة الفردية وعلى الحياة الاجتماعية بحيث إن الثورة الفعالة وحدها ستقتضي طرح هذه الأجهزة الكبرى على المناقشة . وكما أن بعض التقنيات البيولوجية حظرت اليوم باسم احترام الحياة البشرية ، كذلك تقترب اللحظة التي سيتم فيها التخلي بوعي عن الأدوات والأجهزة المضرة بنوع خاص للمجتمع وللطبيعة ، سيتخلى عنها لصالح الأدوات الملائمة لأسلوب حياة أفضل ولمتطلبات البقاء. لذلك كان "الأزتيكيون " (شعب المكسيك قديما) يقررون أحيانا التخلي عن هيكل لم تعد ألهته ترضي رغباتهم . فما كانوا يفعلونه لآلهتهم الا نجرؤ نحن أن نفعله لأشياء وآلات ليست إلا من انتاجنا الخاص ؟
 
بقلم مادي دومنيناك
ترجمة لطيفة ديب

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …