أخبار عاجلة

التمثال.. وقبور زجاجية

l التمثال
المسكينُ لا يتعب
ولا يملُّ من تكرارِ
التجربة,
كأنَّه جنرال في حرب
لا ينبغي له أن يخسرَ.
تبتسمُ له ببراءةٍ
فيختلطُ عليه الأمرُ,
فيضغطُ على يدِها
الصغيرةِ
فترتعشُ في فزعٍ
كأنها يدٌ حقيقيةٌ
لا يدُ تمثالٍ لفتاةٍ
قتلها عجوزٌ
كان يغارُ عليها
من الحياة.
بالتأكيد
المسكينُ لا يعرفُ
حكايةَ التمثالِ
البليدِ
ولا سرَّ الندوبِ
التي تعلو رأسَ البنتِ
هكذا كان يضمُّها
بحنان إلى صدره
منتظرًا
إغماءةَ الحب.
l قبور زجاجية
لعلي صرت الآن شبحًا خفيفًا قادرًا على التحرِّك بخفةٍ في الظلامِ دون أن يصطدم بهذا الأثاثِ القديمِ الذي ملأ البيتَ وجعل منه مقبرةً عظيمةً.
سأقنع بفضيلةِ الكذبِ التي صرتُ أهلاً لها وسأمتدحُ جلوسي بين الخفافيش التي تهوي من الخراباتِ المجاورةِ وأسعى إلى الجحيمِ الذي تحدثوا عنه طويلا وأتلصَّص بريبة على من يقولون:»من يتعلم كثيرًا يفقد شهواتِه العنيفةَ كلها».ربما لأنني لم أعد أثقُ بأحد.
سأحاول إذن أن أزيحَ هذا الغبار المتراكم على الحوائط ِ وأداعبَ الأفاعي التي تطنُّ بأجراسِها العاليةِ, ثم أنقشَ اسمي على الماء وأزيفَ الأشياء لتكونَ أكثرَ جمالا, وبالطبع سوف أتعالى على كل البقعِ الحمراءِ التي جعلتْ منيّ كائنًا دمويا, ولن أشفقَ على أحدٍ, ليس لأن الشفقةَ ترتبطُ بممارسةٍ العدمية- كما يقولون – أو لأنها مثلا تقود –دوما- إلى اللا شيء, بل لأنني أراها ليست فضيلة من الأساس.
سأعودُ ثانيةً إلى عزلتي لأزدادَ توحشًا وقسوةً رغم أن الضوءَ في غرفتي صار شحيحًا,وسأكتفي فقط بالاستماع إلى ضرباتِ المطرقةِ الثقيلةِ وأنا أزيحُ حكاياتٍ مؤلمةً تسيلُ من رأسي, لا فائدةَ الآن من الكلام عنها لأنها سوف تتحولُ في النهاية إلى نكاتٍ بائسةٍ لا تفضي إلى شيء.إذن سأكتفي بالفرجة -فقط -على النعوش بعدما فشلتُ حتى في أن أصيرَ مجرَّدَ حارسِ قبورٍ.
سوف تبصرون بعيونِكم ملامحي الحقيقيةَ لتعرفوا أن الكلامَ هو أقلُّ المرايا خدعةً لما يشعر به المرءُ.
سوف أتحرَّرُ معكم من جسدي, ذلك «القبر المتحرك».
صدقوني حين أقولُ لكم صراحةً إنني مثلكم , لي أظافرُ حادةٌ سوف تشوِّهُ وجوهَكم قريبًا.
سأصرخُ وأنا أزيحُ صورةَ حبيبي التي صارت هيكلا يبعثُ على الرعبِ,لا بد إذن أن أخرِّبَ حواسي حتى أكون بصيرًا وعليمًا بكل شيء.
سأرى جسدي المُعلَّق نصفُه المسيح ونصفُه الآخر يهوذا وسوف أستهزئُ مثلكم بجميع مآسي الحياة, وأردد بثقة: «ما لايقتلني سوف يقويني».
سوف أضحك بسخريةٍ على ذلك السكِّير- الذي نادرًا ما يستيقظ – حين يناديني من الغرفة المجاورة , سأخبره بزهو أنني صرت مثل دود القبور الذي يأكلُ بعضُه بعضًا بعد أن يتغذى من جيفةً لا حياةً فيها.

نجاة علي
شاعرة من مصر

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …