أخبار عاجلة

التناص فـي النقدين الغـــربي والعـــربي

  اختلفت النظرة إلى النص باختلاف المناهج النقدية التي قاربت معناه، وصاغت مفهومه. فقد اعتبرت  النظرية البنيوية النص بنية لغوية مغلقة على ذاتها، مكتفية بذاتها، لا تحيل على أية مرجعية أخرى تقع خارج النص، في حين بحثت النظرية السيمولوجية في مكونات النصوص البنيوية الداخلية، وفي مولداتها وأسباب تعددها ولا نهائيات الخطابات والنصوص، وفي العلاقة التي تربط النص بغيره من فروع المعرفة الأخرى. وقد عرَّفت الناقدة الفرنسية جوليا كرستيفا النص بأنه (جهاز نقل لساني يعيد توزيع نظام اللغة واضعا الحديث التواصلي- ونقصد المعلومات المباشرةـ في علاقة مع ملفوظات مختلفة، سابقة أو متزامنة)(١). ويتضمن هذا التعريف عددا من المفاهيم النظرية التي صاغتها كريسيفا، يأتي في مقدمتها اعتبار النص ممارسة دلالية، أي نظام دلالي مميز خاضع لتصنيفة الدلالات، حيث تتوالد الدلالة من عملية تستثمر في الوقت نفسه وبحركة واحدة جدل الفاعل (الكاتب)، وجدل الآخر (القارئ) والسياق الاجتماعي. كما اعتبرت أن النص هو إنتاجية، وهو الساحة التي يتصل فيها النص مع قارئه حيث يظل النص يعتمل باستمرار وليس الفنان أو المستهلك. ثم هناك التمعني الذي على أساسه يجب تصور النص كإنتاج، وليس كمنتج لكي تكون الدلالة غير وافية في تقديم المعنى فالنص هو فضاء متعدد المعاني، يتلاقى فيه عدد من المعاني الممكنة. والتمعني الذي يعني الدلالة التي تنتمي إلى الإنتاج، أي الداء والترميز حيث يقوم النص بموضعة الفاعل (الكاتب والقارئ معا) داخل النص كضياع في الأعماق.                                                                                        

 أما المفهوم النظري الرابع عند كريستيفا فهو مفهوم تخلّق النص/ خلقة النص ، والخلقة هو (التحليل الذي يتناول المؤديات وليس الأداء)(٢). وتستطيع خلقة النص أن تنطلق من نظرية للعلامة وللاتصال، فهي المادة المميزة لعمل العلامات في حين أن تخلق النص يطرح العمليات المنطقية الخاصة ببنية فاعل اللفظ، فهو مجال مختلط كلميّ وغريزيّ معا. وأخيرا هناك مفهوم التناص الذي يعيد توزيع اللغة، لأن كل نص هو (تناص والنصوص تتراءى فيه بمستويات متفاوتة وبأشكال ليست عصية على الفهم بطريقة أو بأخرى … فكل نص ليس إلا نسيجا من استشهادات سابقة) (٣).                                                                         

 لقد جاء ظهور مصطلح التناص كجزء من الأسس النظرية لنظرية النص عند جوليا كريستيفا وأصبح المنطلق الأساسي لأية دراسة سيميائية للشعر، فهو ينتمي إلى مرحلة ما بعد البنيوية، ويعتبر مفهوما تفكيكيا، إذ (تسكنه مفهومات الاختلاف والكتابة وثنائية الحضور والغياب)(٤) التي قالت بها نظرية التفكيك، كما أن رولان بارت في مرحلة انتقاله من البنيوية إلى التفكيك، تحمس لنظرية التناص، واعتبر أن التناص هو قدر كل نص مهما كان نوعه وجنسه. لكن بدايات ظهور هذا المصطلح في أشكاله الأولى سبق من الناحية التاريخية كريستيفا، إذ برزت مقولات عديدة، أكدت على انفتاح الدال على آخره منذ سوسير ونظريته اللغوية. وكان الفيلسوف الألماني فردريك نيتشه قد سبقه بالتشكيك في موضوعية أي نص. لكن الظهور الأول لمفهوم التناص ارتبط بالشكلاني الروسي شلكوفسكي الذي كان أول من أشار إليه في معرض حديثه عن اتصال العمل الفني بغيره من الأعمال الفنية الأخرى، ثم تحققت النقلة الهامة لهذا المفهوم على يد الناقد الروسي ميخائيل باختين، الذي استخدم مصطلح الحوارية أو تعددية الأصوات، في كتابه (شعرية ديستوفسكي). وقد استمد هذا المصطلح ( قيمته النظرية النقدية وفعاليته الإجرائية من كونه، يقع في مجال الشعرية الحديثة في نقطة تقاطع  التحليل البنيوي للنصوص والأعمال الأدبية باعتبارها نظاما مغلقا، لا يحيل إلا على نفسه مع نظام الإحالة، أو المرجع باعتبار ما هو خارج النص. ولهذا فقد أًصبح هذا المفهوم مرتكزا، من مرتكزات المقاربة الشعرية للنصوص الأدبية)(٥). وعلى الرغم من أن الذين أسسوا لهذا المفهوم كانوا ينتمون إلى النظرية البنيوية الوصفية، إلا أن هذا المصطلح جاء نقضا صريحا لتلك النظرية. فقد عرّفت جوليا كريستيفا التناص بأنه (تشرب وتحويل لنصوص أخرى)(٦) وهو يقع (عند التقاء مجموعة نصوص، ويكون في الوقت نفسه إعادة لقراءتها، وتكثيفا وتحريكا وانزياحا وتعميقا لها)(٧). ويندرج في إشكالية الإنتاجية النصية التي تتبلور كـ: عمل النص (٨) ص. وفي ضوء هذا المفهوم الذي تحمس له الناقد الفرنسي رولان بارت أعلن أن البحث عن ينابيع عمل ما ليس إلا استجابة لأسطورة النسب (فكل نص يرجعنا بطريقة مختلفة إلى بحر لانهائي هو المكتوب من قبل )(٩). لقد اتخذ التناص عنده وجهين وجه باعتباره سردابا تاريخيا ونوعا من تشكل الأيديولوجيا، ووجه باعتباره أسلوبا، أو تقنية للنقد التفكيكي(10). إن ما ميّز مفهوم التناص عنده هو تركيزه على دور القارئ في عملية التناص من خلال ما يقوم به من استحضار لمخزونه الثقافي عند قراءة النص، ما أدخل القارئ كفاعل في هذه العملية، لأن (الأنا التي تقترب من النص هي في الواقع مجموعة متعددة من النصوص الأخرى ذات شفرات لانهائية، أو بالأحرى مفقودة الأصول قد ضاعت مصادرها )(١١). ولا شك أن مفهوم التناص عند بارت قضى على مفهوم الأبوة لأن (الأنا التي كتبت النص ليست «أنا» حقيقية وإنما «أنا» ورقية)(12). وفي كتابه (إستراتيجية الشكل) أكد لوران جيني أن القبض على بنية العمل الأدبي، لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال علاقته بالبنى الأصلية. من جهته عمل جيرار جينيت على توسيع مصطلح التناص عندما اعتبر النص نصا جامعا، يسمح بالكتابة على الكتابة، وهو يشمل النص والمقدمات والإستشهادات، إلا أنه استخدم مصطلحا بديلا هو التعالي النصي أو النصية المتعالية، وعرَّفه بصورة إجمالية بأنه( كل ما يجعل « النص»» في علاقة ظاهرة، أو ضمنية مع نصوص أخرى، فهو يتجاوز إذن( ويشمل جميع النصوص، وبعض الأنواع ذات العلاقة الخاصة بالنصية المتعالية)(13). فالتناص هو (علاقة حضور مشترك بين نصين، أو عدد من النصوص بطريقة استحضارية( …) وهي في أغلب الأحيان الحضور الفعلي، لنص في نص آخر)(14)، لكنه لا يسهب أكثر في شرح هذه العملية لاسيما ما يتعلق منها بالمتلقي، باعتباره طرفا في عملية التناص من خلال من يستدعي لديه من مخزون ثقافي وأفق تخيلي ووجداني أثناء عملية التلقي.                                                                                  

وإذا كان التناص عند كريستيفا لا يتم إلا وفق طريقة تمنح النص وضع الإنتاجية، وليس إعادة الإنتاج، فإن التناص عند جيني لا يحقق فاعليته إلا عندما يعيد بناء اللغة على مستوى أعلى. وقد انطلق يوري لوتمان في تحديده لمفهوم التناص من محاولة استكناه العلاقات القائمة بين النص والبنى غير النصية (باعتبارها المدخل الصحيح، لتناول موضوع التناص من ناحية ، ولطرح مفهوم جدلي وحركي للنص، يجعل من العسير تصور وجوده وفاعليته، خارج إطار هذا المفهوم الشامل للتناص)(15)، ولذلك فالتناص عنده هو الذي يهب النص قيمته ومعناه، لأنه يضع النص داخل سياق يساعدنا على فتح مغاليق نظام النص الإشاري، ويمنح ذلك النظام الإشاري وعلاقاته المكونة له معناها، إلى جانب دوره في تمكين القارئ من طرح مجموعة متعددة من التوقعات، والتأثير في أفق التوقع عنده. ويعدُّ مارك أنجينو الذي عمل على إعطائها مديات واسعة ساهمت في انفتاحها على موضوعات وأشكال كثيرة من أكثر المتحمسين لهذه النظرية، إذ اعتبر( كل نص يتعايش بطريقة، من الطرق مع نصوص أخرى، وبذا يصبح نصا في نص تناصا، وبذا تنتمي أيضا الكلمة إلى الجميع لكونها تؤشر على فكرة مبذولة، في كل دراسة ثقافية)(16). إن تعدد التعريفات التي قدمت لمفهوم التناص، ترتبط بتعدد المرجعيات والرؤية التي قدمَّها كل باحث من المساهمين في بلورة هذه النظرية، وتوسيع حدود آليات عملها وتطويرها، ف(التناص ينتمي عند بعضهم إلى الشعرية التوليدية، وعند الآخرين إلى جمالية التلقي، وهو يتموضع عند بعضهم في مركز الفرضية الاجتماعية- التاريخية، وعند الآخرين في تأويلية فرويدية، أو شبه فرويدية، ويحتل عند آخرين موقعا بدهيا، كل البداهة في أساس مفاهيم النظرية، في حين أنها عند آخرين كثيرين مصطلح خارجي، لا يلعب إلا دورا عارضا)(17). إن آليات عمل التناص التي تتحدد من خلال مفهومي الاستدعاء والتحويل، تتطلب عدم النظر إلى لغة العمل الأدبي كلغة تواصل، بل كلغة إنتاجية منفتحة على مرجعيات مختلفة، تدخل معها في علاقات سيميائية، تقوم على الحوارية. وقد ميّزت جوليا كريستيفا بين ثلاثة أنواع من التناص، يمكن أن نجملها في:

١- النفي الكلي : الذي يكون فيه المقطع الدخيل منفيا كليا، ومعنى النص المرجعي مقلوبا.

٢- النفي المتوازي: الذي يظل فيه المعنى المنطقي للمقطعين هو نفسه، ويمنح النص المرجعي معنى جديد.                                                                                   

 النفي الجزئي: ويكون فيه جزء واحد، من النص المرجعي منفيا(18). كذلك يحدد لوران جيني في كتابه (استراتيجية الشكل) ثلاثة أنواع من التناص، هي التحويل الذي يعني تحويل معنى قائم أو شكلا متوفرا والذهاب بهما أبعد، ثم الخرق الذي يتقدم فيه الكاتب إلى معنى أو شكل قائمين ومحاطين بهالة من القداسة فيقلبهما، أو يطرح ما هو ضدهما أو يكشف فراغهما، وأخيرا هناك مفهوم التحقيق القائم على تحقيق مضمون، كان يشكل وعدا  في تلك البني. لم تتحدث كريستيفا في صياغتها لمعنى مصطلح التناص عن التناص الذي يحدث بين النصوص المختلفة القديمة، أو المعاصرة التي تنتمي إلى هذه الثقافة أو تلك، بل أشارت إلى التناص الذي يحدث بين النصوص، وغيرها من الفنون الأخرى وذلك عندما قامت بتطوير هذا المفهوم، مما أدى إلى نسف مفهوم القراءة الأحادية، وبؤرة النص، وأصبح التناص ينتمي إلى نظرية التلقي إلا أنها لم تقدم مفهوما واضحا ومحددا له، وربما كان ذلك من الأسباب التي جعلتها في مرحلة لاحقة تتخلى عنه.                                                                 

مفهوم التناص في النقد العربي:

جاء الاستخدام النقدي لنظرية التناص في النقد العربي الحديث متأخرا ما يقارب ربع قرن على ظهوره في النقد الغربي، وكان من الطبيعي أن يحمل انتقاله إلى الممارسة النقدية العربية الإشكاليات التي كان يعاني منها على المستوى النظري والمفهومي على وجه الخصوص. كما كان من الطبيعي أن يقابل هذا المفهوم، كغيره من المفاهيم النقدية بتباين واضح في الموقف منه كما كان الحال في الثقافة التي ظهر فيها هذا المفهوم. ونظرا لكون الدراسة هنا تتناول  استخداماته في الممارسة النقدية، وحمولته الدلالية المعبرة عن استيعاب هؤلاء النقاد للمفهوم،  فإننا لن نتعرض لتلك المواقف والذرائع التي استندت إليها في تحديد موقفها من ذلك سلبا أو إيجابا، وسنكتفي بعرض المصطلحات التي استخدمت في ترجمته، مع الإشارة في البداية إلى    أن هذا المفهوم، لم يكن بعيدا عن الاستخدام النقدي في النقد العربي القديم، فقد ذكره عبد القاهر الجرجاني واشترط للتمييز بينه، وبين الانتحال والسرقة والنسخ، تحقيق الإضافة والتجديد فـ(متى أجهد أحدنا نفسه، وأعمل فكره وأتعب خاطره وذهنه في تحصيل معنى، يظنه غريبا مبتدعا ونظم بيتا، يحسبه فردا مخترعا، ثم يتصفح الدواوين لم يخطئه أن يجده بعينه، أو يجد له مثالا يغض من حسنه، ولهدا السبب أحضر على نفسي، ولا أرى لغيري بثَّ الحكم على شاعر بالسرقة)(19).                                                                                  ويطرح الدكتور صبري حافظ العديد من القضايا التي تطرحها(علاقة النصوص بعضها بالبعض الآخر من جهة، وعلاقتها بالعالم وبالمؤلف الذي يكتبها من جهة أخرى، كما يطرح موضوع العناصر الداخلة في عملية تلقيننا لأي نص وفهمنا له، وهو موضوع (يشير بالتالي إلى أغلوطة استقلالية النص الأدبي التي تتبناها بعض المدارس النقدية، والتي انطوت بدورها على تصور إمكانية أن يصبح النص عالما متكاملا في ذاته، مغلقا عليها في الوقت نفسه وهي إمكانية معدومة إذا ما أدخلنا المجال التناصي في الاعتبار، وإذا ما اعتبرناه مجالا حواريا في الوقت نفسه)(20). إن هذا الطرح يجعل مفهوم النص يتجاوز علاقات التناص التي تتشكل على أساسها النصوص الجديدة، بغض النظر عن درجات وأشكال هذا التناص إلى دور الواقع الخارجي، أو العلاقة بين العالم والمؤلف الذي يكتب النص في إطار الرؤية التي يقدمها العمل الأدبي إلى الذات واللغة والعالم في هذا النص، وهو هنا يحاول الرد على أصحاب النظرية البنيوية التي تعتبر النص بنية مغلقة على ذاتها، ومكتفية بذاته.                                                            ويشمل التناص عند الدكتور حافظ كل الممارسات (المتراكمة وغير المعروفة والأنظمة الاشارية والشفرات الأدبية والمواصفات التي فقدت أصولها وغير ذلك من العناصر التي تساهم في إرهاف حدة العملية الإشارية التي لا تجعل قراءة النص ممكنة، ولكنها تؤدي إلى بلورة أفقه الدلالي والرمزي أيضا)(21) . وينطلق الدكتور شكري عزيز ماضي في كتابه (من إشكاليات النقد العربي الجديد) في دراسته للتناص، من مفهوم النص الذي تؤكد الدراسات على أنه يفتقد لوجود مركز للبنية التي لا تعرف الانغلاق. إن النص في ضوء مفهوم التناص بلا حدود فهو ديناميكي متجدد، متغير، من خلال تشابكاته مع النصوص الأخرى، وتوالده من خلالها ثم يعرِّف النص بأنه النص الذي لا يأخذ من نصوص سابقة عليه أو متزامنة معه، بل هو يمنح النصوص القديمة تفسيرات جديدة، أو يقدمها بشكل جديد. ويحدد آليات التناص بآلية الاستدعاء والتحويل ما يتطلب النظر إلى اللغة، باعتبارها لغة إنتاجية منفتحة على مرجعيات مختلفة، وليس كلغة تواصل(٢٢). ثم يشير إلى وظيفة أخرى للنص الذي لا  يكتفي بالأخذ من  نصوص سابقة عليه، وهي منح النصوص القديمة تفسيرات جديدة، وهذا يذكِّرنا بمفهوم الإنتاجية الذي تشترط كريستيفا تحققه في النص الجديد. من جهته يؤكد الدكتور أحمد الزعبي في كتابه (التناص نظريا وتطبيقيا) أن موضوع التناص ليس جديدا تماما في الدراسات النقدية المعاصرة، وأن جذوره تعود في الدراسات الشرقية والغربية إلى تسميات ومصطلحات أخرى، كالاقتباس والتضمين والاستشهاد والقرينة والتشبيه والمجاز والمعنى وما شابه ذلك في النقد العربي القديم، فهي مصطلحات أو مسائل تدخل ضمن مفهوم التناص في صورته الحديثة(23)، لكنه يؤشر الى مسألة هامة تتمثل في التفاوت الحاصل في رسم حدود المصطلح وتحديد موضوعاته. ولعل هذه الإشكالية المنهجية تتجاوز مفهوم التناص إلى غيره من النظريات النقدية الحداثية وما بعد الحداثية نظرا لتعدد الاتجاهات والتيارات النقدية التي تنشأ داخل كل نظرية من تلك النظريات.

والحقيقة أن هناك العديد النقاد العرب المعاصرين الذين تناولوا التناص بالدراسة نظريا وتطبيقيا. ويعتبر الناقد الدكتور محمد مفتاح أكثرهم عملا على تطوير وإغناء هذا المفهوم في كتابه (المفاهيم معالم) الذي حدَّد فيه ست درجات للتناص، مخالفا بذلك كريستيفا وجيني اللذين قدما ثلاث درجات له، وذلك بعد أن عرَّف التناص (باعتباره نصوصا جديدة تنفي مضامين النصوص السابقة، وتؤسس مضامين جديدة خاصة بها يستخلصها مؤول بقراءة إبداعية مستكشفة وغير قائمة على استقراء أو استنباط)(24). والدرجات الست التي يحددها هي:

١- التطابق: ويتحقق في النصوص المستنسخة .                                              

٢- التفاعل: فأي نص هو نتيجة تفاعل مع نصوص أخرى، تنتمي إلى آفاق ثقافية مختلفة، تكون درجات وجودها بحسب نوع النص المنقول إليه، وأهداف الكاتب ومقاصده .

٣- التداخل: ويقصد به تداخل النصوص المتعددة، بعضها في بعض في فضاء نصيِّ عام . وهذا التداخل أو الدخول أو المداخلة، لم يحقق الامتزاج أو التفاعل بينها، وهي تظل دخيلة تحتل حيزا من النص المركزي، وإنْ شبيها إلى نفسه وهذا التشارك يوجد صلات معينة بينها .

٤- التحاذي: وهو المجاورة أو الموازاة في فضاء مع محافظة كل نص على هويته وبنيته ووظيفته .

 ٥- التباعد: وهو التحاذي الشكلي والمعنوي والفضائي، وقد يتحول إلى تباعد شكلي ومعنوي وفضائي .

٦-التقاصي: ويقوم على التقابل بين النصوص الدينية والنصوص الفاجرة السخيفة على سبيل المثال (25).

ويؤكد بشير القمري على القيمة النظرية النقدية للمصطلح من خلال الموقع الذي يحتله في (مجال الشعرية في نقطة التحليل البنيوي للنصوص والأعمال الأدبية، باعتبارها نظاما مغلقا لا يحيل إلا على نفسه، مع نظام الإحالة أو المرجع باعتبار ما هو خارج النص: ولهذا فقد أصبح هذا المفهوم مرتكزا من مرتكزات المقاربات الشعرية للنصوص الأدبية)(26). ولعل هذا التداخل بين مفهوم التناص، والمفاهيم النظرية النقدية الأخرى كالسيميائية والتفكيك والشعرية التي يتحول فيها هذا المفهوم إلى منطلق في مقارباتها للنصوص الأدبية، يكشف عن الأهمية التي يحظى بها نظريا وإجرائيا، وعن مدى فاعليته الإجرائية إذ عدَّه البعض مفهوما تفكيكيا استنادا إلى مفهوم  النص الحاضر الذي يستدعي النص أو النصوص الغائبة، ومرتكزا للنظرية الشعرية، إضافة إلى جعله أساسا للنقد السيميائي، كما يدِّلل من جهة أخرى على عدم وضوح الحدود التي تميز هذا المفهوم وآليات عمله وعلاقاته، لاسيما على مستوى التلقي والتأويل.

تتنوع موضوعات التناص كما تتنوع آلياته ودرجاته وأشكاله لأن التناص لا يحدث مع النصوص الأخرى التي تنتمي إلى ثقافة محددة، بل هو يتحقق مع النصوص المتزامنة معه، أو السابقة عليه والتي تنتمي إلى ثقافات مختلفة، وهو إما ان يكون ظاهرا أو شعوريا كما هو الحال في الاقتباس الاستشهاد والتضمين والتناص الواعي، أو يكون غير ظاهرٍ وغير واعٍ حيث جرى امتصاص تلك النصوص وتذويبها في النص الجديد، بحيث أصبح من المتعذر اكتشافها في كثير من الحالات. ولعل الإشكالية التي يواجهها الباحث تكمن في تعددية الترجمات المقدمة لمصطلح التناص، وهي إشكالية كما نعرف موجودة في الثقافة التي ولد فيها هذا المصطلح. لقد قابل تعدد التعريفات التي قدمت للتناص تعددا في المصطلحات التي استخدمت عند الحديث عنه، منها التناص والتناصية والتفاعل النصي والتعالق النصي، والتعالي النصي أو النصية. وازدادت إشكالية المصطلح والتداخل في حمولته الدلالية، وضبط معناه الدلالي وحدود اشتغاله عند نقله إلى الثقافة العربية، إذ استخدم البعض مصطلح التناص أو التناصية في حين ارتأى البعض استخدام مصطلح النص الغائب والتفاعل النصي. ونظرا لشيوع استخدام مصطلح التناص في الكتابة النقدية واستقراره في التداول النقدي، فقد آثرنا استخدامه دون أن نتجاهل أنه يتضمن في معناه وآليات عمله التفاعل النصي الخارجي، سواء مع مرجعيات نصية، أو مع المخزون الثقافي للقارئ، أو المرجعيات النصية الداخلية المتمثلة في تناص التجربة مع نفسها. وهذان النوعان من التناص سيكونان مجال البحث والدراسة في هذا الكتاب الذي سوف، نتقصى فيه أنواعهما وآليات عملهما ووظائفهما الرمزية والجمالية والفكرية عبر آلية الاستدعاء والتحويل، وآلية الامتصاص والتذويب بغية الكشف عن أشكال حضور النصوص الأخرى، في نصوص الشاعر ومدى وضوح مفهوم الإنتاجية والتجديد والتطوير فيها، إضافة إلى دراسة مستوى آخر من التناص هو تناص التجربة مع ذاتها، إذ إن كل تجربة تقيم نوعا من الاتصال والتعالق فيما بينها، سواء على مستوى اللغة الشعرية أو المعجم الشعري، أو على مستوى عدد من السمات والخصائص الأسلوبية والتعبيرية، المميزة لخطاب الشاعر وصولا إلى تحديد مدى وضوح مفهوم الإنتاجية والتجديد في النصوص الجديدة التي تقدمها هذه التجربة في أعماله الجديدة كما تشير إلى ذلك تواريخ صدورها. والملاحظة التي يجب الإشارة إليها هنا، هي صعوبة الكشف عن جميع أشكال التناص الموجودة في نصوص الشاعر، سواء ما كان منها خفيا أو ظاهرا لأن ذلك يتطلب معرفة بجميع المرجعيات النصية، وغير النصية التي تستدعيها تجربة الشاعر، أو تمتصها في نسيج بنيتها أو هي تحيل عليها في سياق الرؤية الشعرية والجمالية التي تقدمها هذه التجربة على مستوى العلاقة مع الذات والعالم والأشياء، وهي رؤية تتصل بالذاكرة الوطنية والوطن والأرض والتاريخ والإنسان على المستوى الوجودي والسياسي والوجداني من خلال وعيها الجمالي المفتوح على التجربة.

 

 

 

 

 

المراجع :         

١- آفاق التناصية: المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين- ترجمة محمد خير  البقاعي- الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 1998- ص37.

٢-آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين- ترجمة محمد خير البقاعي ….. المرجع السابق- ص41.         

٣- آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين ….المرجع السابق- ص42.

٤- التفاعل النصي/التناصية:النظرية والمنهج- تأليف نهلة الأحمد- كتاب الرياض العدد 104 يوليو 2000- ص87.

٥- التفاعل النصي/ التناصية :النظرية والمنهج – تأليف نهلة الأحمد …. المرجع السابق- ص34.

٦- آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين …المرجع السابق- ص321.

٧- آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين… المرجع السابق- ص318.

٨-التناص نظريا وتطبيقيا- تأليف الدكتور أحمد الزعبي- مؤسسة عمّان للنشر- عمّان 2000- ص 148.

٩-النظرية الأدبية المعاصرة- رامان سلدن – ترجمة د. جابر عصفور – الهيئة العامة لقصور الثقافة – القاهرة 1996- ص 148

10- آفاق التناصية: المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين … المرجع السابق .

١١- أفق الخطاب النقدي دراسات نظرية وقراءات تطبيقية- الدكتور صبري حافظ – دار شرقيات القاهرة 1996- ص 58.

12- أفق الخطاب النقدي: دراسات نظرية وقراءات تطبيقية- الدكتور صبري حافظ … المرجع السابق- ص 52.

13- آفاق التناصية: المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين …. المرجع السابق- ص179.

14- أفق الخطاب النقدي دراسات نظرية وقراءات تطبيقية- الدكتور صبري حافظ … المرجع السابق- ص 132.

15- أفق الخطاب النقدي دراسات نظرية وقراءات تطبيقية- د. صبري حافظ…المرجع السابق- ص 56.

16 – في أصول الخطاب النقدي- تودوروف / بارتن / اكسو / انجينو – ترجمة أحمد المدني – بغداد1987- ص 102.

17- آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- تأليف مجموعة من المؤلفين …المرجع السابق- ص.79

 آفاق التناصية:المفهوم والمنظور- مجموعة من المؤلفين …. المرجع السابق. -18

19- مجلة الآداب اللبنانية- العدد ١-٢ كانون الثاني وشباط – السنة 46- 1998 ص50.

20- أفق الخطاب النقدي : دراسات نظرية وقراءات تطبيقية – د. صبري حافظ … المرجع السابق .  

21- أفق الخطاب النقدي: دراسات نظرية وقراءات تطبيقية- د. صبري حافظ … المرجع السابق- ص 13.  

٢٢- من إشكاليات النقد العربي الجديد- الدكتور عزيز شكري ماضي- منشورات المؤسسة العربي للدراسات- بيروت 1997.

23- التناص نظريا وتطبيقيا- الدكتور أحمد الزعبي …. المرجع السابق- ص19.            

24-المفاهيم معالم: نحو تأويل واقعي- الدكتور محمد مفتاح- المركز الثقافي العربي- الدار  البيضاء- بيروت 1999- ص41.

25- المفاهيم معالم : نحو تأويل واقعي- محمد مفتاح … المرجع السابق- ص47.

26- مفهوم التناص بين الأصل والامتداد- بشير القمري- مجلة الفكر العربي المعاصر- العدد 60-61 السنة 1989- ص 168.
 

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …