صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

التوأمان نص مسرحي قصير

مقهى قديم بعدد قليل من الطاولات.. وامرأة في الأربعين من العمر، سمراء، هي مديرة المقهى والنادلة في آن .. وسنسميها المرأة «1».
يدخل إلى المقهى رجل في الخمسينيات من العمر، وسيم وأنيق، يحمل عصا أنيقة، وهو في صحة جيدة ، وفي النص المسرحي هو الرجل «1» .
المرأة «1» «تفاجأ بدخوله المقهى»:
أين كنت ..
هل أنت الذي أقيم بانتظاره في هذه المدينة التي ترفض أن تعلَم النسيان ؟!
وعدتني .. بألف ليلة وليلةٍ.. وألف ليلةٍ وليلة أخرى .. وأخرى.
ورحلتَ ..
هل أنت … ؟
الرجل»1» : أريد قهوةً …
المرأة «1» مقاطعة ً :أعرف ماتُريد.. منذ أن هربتَ ..
إي هربتَ ..
وأنا أُعدُ في كل صباحٍ قهوةً.. تطلبها ..
وكنتُ بانتظار أن تأتي .. ولا تأتي..
فأين كنت ؟
الرجل «1» «يبدو أنه ثقيل السمع :
أريدُ قهوةً .. إنْ لم ْ …
«يمسك بعصاه.. كأنه يقدم على مغادرة المقهى»
المرأة «1 » مقاطعة ً :
كم تغيَرتَ ؟!
لم تكُ قبلَ هروبك .. إي سأقول : هروبَكَ
تطلب قهوتك المرَة الثقيلةَ .. قبل الحديث معي عن حديقتك المنزلية .. عن صخب الجارة .. أو عن ضجيج بنيها.
وكنتَ تغا زلني وتدخِنُ.. «تحرك يدها وأصابعها .. كمن يدخن»
الرجل «1» :
أنت مدخنَةٌ ؟!
ثمَ في حوار ذاتي :
سأعاتبه .. هو من دلَني إلى هذه المدخنَةِ ..
كان يدخِنُ..
إن الطيور على مايماثلُها تقعُ..
المرأة «1» :
لا.. لا أُدخِنُ
الرجل «1» يواصل حواره الذاتي
امرأةٌ ومدخنةٌ ؟!
المصيبة كاملة
. . . . . .
. . . . . .
أكرهُ رائحة التبغ ..
إن النساء اللواتي يُدخِنَ .. يتركن عندي انطباعاً..
أخشى .. إذا ماتحدثت عنه وأفصحتُ عمَا يراودني..
ستقولين :ياللرجال الذين يُعطون أنفسهم فوق أقدارها..
وتقولين: إنِي قليل حياءْ
المرأة «1» وهي في ذروة استغرابها مما تسمع .. تتحدث مع نفسها :
يا ..
مابهِ ؟!
يتهرَب منَي ..
سأعرف ماذا يدور في رأسه.. وبماذا يُفكِرُ ..
«تلاحظ دخول سيدتين, تتوجهان إلى طاولة بعيدة نسبياً عن طاولة الرجل «1»..
تذهب إلى حيث جلستا ، بعد حديث قصير معهما، تدخل إلى حيث تعد لهما ما طلبتا»
«يفتح الرجل «1» حقيبته ، يخرج منها مجلة وجهاز هاتف جوال .. يضع جهاز الهاتف على الطاولة .. ويقلب صفحات المجلة»
تعود المرأة «1» .. تحمل صينية وبعد أن تضع طلبات السيدتين على طاولتهما، تتوجه إلى الرجل»1» وتضع على طاولته قنينة ماء صغيرة وفنجان قهوة .
المرأة«1» :
وهذه قهوتك المرَة والثقيلهْ
مغليَةً .. كما كنت أعدها من قبل ..
«تقرب الكرسي في محاولة الجلوس، حيث يجلس الرجل«1» .. يمدُ يده إلى قنينة الماء الصغيرة»
الرجل«1» :
كلُ مافي هذه المقهى .. يسمُ بدني..
الماء باردٌ .. كالثلج ِ
«يتناول فنجان القهوة ويرشف منه.. ويواصل ما كان يقول :
وهذه القهوة .. هل أعددتِها لقتلي ؟
أيتها المرأة .. من أنت ؟!
«تحاول الجلوس»
ابتعدي .. تخنقني رائحة التبغِ..
المرأة «1» تجلس على كرسي في مواجهته :
تسألني من أنت ؟
هل نسيتني .. أم تدَعي النسيان ..
هل نسيت امرأةً آوتكَ .. حين لم تجد مأوى
تقول : ابتعدي .. تخنقني رائحة التبغ..
أنا التي لم أقرب الدخانْ
حرمته في البيت والمقهى ..
«على أحد جدران المقهى لافتة ، بمنع التدخين في المقهى»
تستمر المرأة «1» في الكلام :
بل من أنتَ ؟
هل أنت الذي انتظرته ؟!
إن كنتَ لاتريد أن تعود ْ
مياهنا إلى مجاريها ..
لماذا جئت ؟
هل تريد أن تذلَني ؟!
«إحدى السيدتين اللتين جاءتا إلى المقهى، تنادي المرأة «1» ، تذهب إليها، فتدفع الحساب، وتغادر المقهى مع صديقتها»
تعود المرأة «1» إلى طاولة الرجل «1»
الرجل «1» :
طلبتُ قهوةً ..
أشربها خفيفةً وحلوةً، ولا أريد الماء بارداً
«ينظر في ساعته»
لتسرعي بها..
فموعدي مع الطبيب بعد عشرين دقيقة ..
وأنا أكاد لا أسمع ..
دلَني عليهْ
شقيقي ..
ربَما عرفتِه ..
«يخرج من حقيبته ، سماعة طبية ويدخلها في أذنيه»
المرأة «1» :
من ؟
الرجل «1» :
شقيقي الذي حدثني عن الطبيب .. قبل أن يغادر البلاد مطروداً .. وقد يعودْ
بلى .. يعود
المرأة «1» في طريقها إلى حيث تعد طلبات الزبائن .. كمن يحدث نفسه :
لا أصدَق ..
هل هو غير الذي كان ..
ثم اختفى ..
لا أصدق ..
ها هو يلعب بي
«تدخل إلى مكان إعداد طلبات الزبائن .. وفي هذا الوقت، يغادر الرجل «1» المقهى، تاركاً على الطاولة ثمن القهوة التي لم يشربها »
«تخرج المرأة «1» حاملة صينية عليها فنجان قهوة وكأس ماء ، وتنتبه إلى طاولته الخاليه»
المرأة «1» :
وكما قلت ,,
هاهو يلعب بي ..
. . . . . .
. . . . . .
تسير باتجاه باب المقهى .. كأنها تحاول اللحاق به ..
سأعلمه كيف يخرج من خَرَفٍ يتحامى به ..
من جنون ٍ ..
ومن وهم أن يتصوَرَ.. أن يتخفى بقبعة وشوارب بيضْ
وادعاء ماليس فيه ..
ماليس ..
ما ..
خلال كلام المرأة «1» تتلاشى الإنارة .. شيئاً فشيئاً .. ثم تسود العتمة..
موسيقى خلال العتمة .. ثم عودة النور إلى المقهى .
* * *
امرأة .. تشبه المرأة «1» تبدو أكثر بهاء ، ترتدي تنورة جد قصيرة تكشف عن فخذيها، وقميصاً يكشف عن مفاتن جسدها الأسمر.. وتسريحة شعر شبابية..
تجلس على طاولة تدير منها المقهى.. إنها المرأة «2»
يدخل إلى المقهى رجل في أواخر الخمسين من العمر، ولكنه يتصابى ، وهو يشبه الرجل «1» عاري الرأس، يرتدي بنطلونا وقميصاً رياضياً، سريع الحركة ، سريع الكلام ، وسنسميه الرجل «2» .
المقهى من دون زبائن والمرأة «2» تدندن بلحن خفيف وتحرك جسدها مع إيقاعات اللحن .
الرجل «2» مخاطباً المرأة «2» :
ها أنذا أعود..
كم تغيرت ِ ؟! تغنين ؟!
تغيَرت أنا الآخر ..
سأحاول الغناءْ
المرأة «2» تقاطعه، من دون أن توجه له الكلام:
لكم تحملتُ من الأعباء ..
في كل يوم يستفزني مخبلُ في هذه المقهى ..
لسوء حظي..
انظروا إليه ..» تشير إلى الرجل 2»
من أي مشفى للعصاب جاء ْ
الرجل «2» مواصلاً كلامه ، إذ لم يسمع ماقالته المرأة «2» :
منذ أن عدتُ ..
هل تعلمين متى عدتُ ؟
. . . . . .
. . . . . .
يجيب عن سؤاله :
قبل قليل ْ
كان الطريق مزدحماً..
لكنني كنت أعرفُ «ينظر في ساعته»
إنك في هذه الساعة .. وحدك ِ
«تقاطعه المرأة «2» مرة أخرى، من دون أن توجه له الكلام :
لتحمني السماءْ
لتحمني السماءْ
من هو .. ها .. ؟!
من أي مشفى للعصاب جاءْ ؟
«يغير الرجل «2» وضع الكرسي ، يضعه في مواجهة المرأة «2» ويجلس بكل ثقة»
«يظهر نادلٌ شاب، يسأله عن طلبه ، أما هو فيخرج سيجارة ليشعلها .. فيشير النادل الشاب إلى اللافتة التي تمنع التدخين في المقهى، وبإشارة حازمة يطلب إعادة السيجارة إلى العلبة»
الرجل «2» ، موجهاً كلامه إلى المرأة «2» :
أنت تعرفين قهوتي ..
ثقيلة ومرَة ..
وكنت … «لا يكمل ما كان يريد قوله»
ثم يقول :
من هذا الذي يسألني .. عن طلبي ..
يمنعني من التدخين ..
. . . . . .
. . . . . .
كلُ ماكان وما ألفته ..
تغيَر الآن..
أنا وأنت .. والمقهى ..
«وبصوت واطئ» :
وهذا الولد الفجُ ..
الذي يمنعني من الـ… «ويحرك أصابعه في إشارة إلى التدخين»
النادل «ساخراً .. وقد رآه يحدث نفسه :
أما قرأت عند الباب ..
لامكان للمجانين وللمدخنين ..
الرجل «2» لايعلق على سخرية النادل منه ترفعاً، ويوجه كلامه إلى المرأة «2» :
أمس ..
وقد صرتُ قريباً.. عند مدخل المدينة الشرقي ..
كنت ُ أستعيد ذكرياتنا..
أتذكرين .. ليلة انتزعت من مليكة الرقص ..
وأنت ترقصين حتى الفجر .. عرشَها ؟
. . . . . .
. . . . . .
أتذكرين .. يوم ملأ الثلجُ الضفافَ..
غمر الكوخ الذي كنا نقيم فيه ..
وتدفأنا ببعضنا ..
«تبتسم المرأة «2» بشيء من الاستغراب والعطف، وتتساءل في نفسها ، إن كان الرجل مجنونا أم ممن فقدوا الذكرة ؟»
«النادل .. يعود حاملاً صينية عليها زجاجة ماء صغيرة وفنجان قهوة.. ويوجه كلامه إلى الرجل «2» :
ليس هذا مكان الزبائن ..
بعد قليل يغص المكان بهم ..
«يصادف دخول السيدتين اللتين رأيناهما من قبل .. تتوجهان إلى طاولة بعيدة نسبياً»..
.النادل :
فانتقل من هنا ..
وهناك «يشير إلى إحدى الطاولات»مكانٌ يناسب أحلامك الجميلة .. يا ..
بإشارة حازمة.. تنبهه المرأة «2» إلى أن يسكت وأن يضع كل مافي الصينية على الطاولة التي كان يشاركها فيها الرجل «2»»
«يفعل النادل ما أمرته به المرأة «2» ، ويتوجه إلى حيث تجلس السيدتان»
الرجل «2» :
هل أقول تغيَرتِ ؟
إي.. قد تغيَرتِ ..
سمنت قليلاً ..
. . . . . .
. . . . . .
نصحتكِ أن تعتنين بنفسك .. قصة شعرك .. ألوان ماترتدين
وها أنت بعد عناد طويلْ
أراك كما كنت أحلم .. أو أتمنى ..
«يرن هاتفها الجوال.. تستجيب للرنين بسرعة ، كأنها كانت بانتظاره.. وتستمع بشغف واضح «
المرأة «2» :
إذن وصلت ِ ؟
. . . . . .
. . . . . .
سأكون في انتظارك..
الحمد لله على السلامهْ
«تغلق الهاتف.. وتوجه كلامها إلى الرجل» 2» وهي في حالة حبور .
هي أختي التوأم ..
وقد رحلت منذ شهور ْ
تبحث عن رجل أوهمها بالحبِ !!
فما وجدته..
وعادت.. ياللقلب المكسورْ
رجلٌ كذابٌ مغرورْ
الرجل»2» :
ما أعجب .. ما أسمعه..
.لك أختٌ توأم ْ
لمَ لمْ أعرف هذا من قبل .. لماذا لمْ أرها ؟
. . . . . .
. . . . . .
ما أعجب هذا
لك أختٌ توأم ْ
ولي أخي التوأم .. يقيم على مقربة منَا..
وسيأتي بعد قليلْ
«يختفي النور.. قليلاً .. قليلاً .. ثم تسود العتمة..
موسيقى خلال العتمة.. ثم عودة النور إلى المقهى»
يدخل الرجل «1» كما رأيناه من قبل .. يندفع إليه الرجل «2» ويحتضنه..
في هذا الوقت ، تدخل المرأة «1» كما رأيناها من قبل .. تهرع إليها المرأة «2» ، غير أن القادمة ترى الرجل «2» فيهرعان إلى بعضهما ويحتضنها بكل عنفوان.
أما الرجل «1» والمرأة «2» فيقفان وهما في أقصى حالات التعجب ، من كل ماكان وما حدث وما يحدث في اللحظة الراهنة .
يلتحق النادل الشاب بالمتعجبين والسيدتان اللتان رأيناهما من قبل ,
* * *
تخفت الإنارة .. ثم تسود العتمة .


حميد سعيد