أخبار عاجلة

التوثيق الشعري في قصيدة قراءة في أوراق الجسد العائد من الموت

ربما يوقعنا مصطلح "التوثيق الشعري" في تناقض بين عنصرين متنافرين، العلاقة بينهما ضدية، وقائمة على مبدأ الالغاء، كل منهما يلغي لآخر، وهناك ارث كبير من الشعر الذي "يوثق " وقائع واحداثا ومناسبات، ولكن لا قيمة فنية حقيقية له، ويفيد في معاينته كشاهد او وثيقة تاريخية او لغوية (1). غير اننا يجب ان نميز بين النظم الوثائقي، وهو نظم غايته تأطير الوقائع وتوثيقها تاريخيا لا اكثر وبين "التوثيق الشعري"، وهو بنية معرفية عقلية، يجري تأطيرها جماليا ضمن بنية شعرية اشمل، غديتها الامتاع الفني والجمال وتحقيق مستوى أعلى من "الشعرية ".

والتوثيق الشعري معطى تجريبي ينشأ عن الحاجة الى المواءمة بين التاريخي والشعري، فثمة سؤال يطرح نفسه هنا هو: هل يمكن للقصيدة ان تمدنا بمعلومات حول موضوعها دون الاخلال ببنيتها الجمالية الفنية ؟ وهذا السؤال يقود بالضرورة الى اسئلة أخرى مثل كيف تتموضع علاقة العقلي بالجمال في القصيدة ؟ والى اي حد يمكن ان ندمج بين الشعري والتوثيقي؟

هذه  الاسئلة ليست مطروحة على الصعيد النظري فحسب، ولكنها مستمدة من واقع ازدياد النصوص الشعرية التي تتعامل مع المتغير التاريخي الذاتي او العام على اساس تجريبي(2) ويكشف هذا الازدياد ان "التوثيق الشعري" يعتبر انجازا حدا ثويا هاما يجري اختباره وترسيخه.

ولعل من الاهمية بمكان ان نقف امام نص تجريبي، يتعاطى مع التاريخ والوقائع المعاصرة كبنية توثيقية شعرية، لنستجلي جوانبها واهميتها في البناء الشعري ككل.

والنص هو "قراءة في اوراق الجسد العائد من الموت ". (3) للشاعر الاستاذ الدكتور عبدالعزيز المقالح.

يتعاطى النص مع حدث مأساوي كبير هو اليمن في اواخر 1982م، هو الزلزال الذي وقع في منطقة ذمار، واحدث خسائر مروعة آنذاك وامتد تأثيره الى مناطق بعيدة.

يعي الشاعر هنا خطورة المهمة الناهض بعبئها ويدرك أنها مليئة بمنزلقات وعثرات قد تودي بنصه اذا لم يتبصر موطىء قدمه، ولكنه انطلاقا من حدس شعري سليم ومن تجربة شعرية عريضة. يفتح نصه على مغامرة شعرية محسوبة يحتمها السياق، وتعتمد "التوثيق الشعري" للمواءمة بين الشعري والتاريخي، بهدف احتواء الحدث الكبير والحيلولة دون ان يحتويه الحدث.

استراتيجية العنوان

منذ العنوان يلعب الشاعر لعبة "التوثيق " فهو يطرح منذ البداية ان ما يقوم به هو "قراءة " وهذه اللفظة تقود الى عدد من الاحالات:-

1- انها تفترض "قارئا يقوم بالـ "قراءة " و"مقروءا" تكون الـ"قراءة " فيه.

2- "القارىء". خارج "المقروء"، وثمة مسافة زمنية او مكانية او نفسية بينهما.

3-" القارىء" موضوعي ومستقل بارادته ووعيه.

4- "المقروء" شي ء ناجز ومكتمل بذاته.

وهذه الاحالات تنكىء عن المعرفي التوثيقي، وفعل الـ "قراءة" هو اقامة علاقة ما بين القاريء والمقروء، فالأول يسعى الى امتلاك الثاني والاكتناز به، والثاني يعمل على "ابتلاع " الاول وادماجه ضمن احداثياته، وهي علاقة جدلية بالمعنى الفلسفي ترتكز على قانون "نفي  النفي"، فالقاريء بعد القراءة غيره قبلها، والمقروء بعد القراءة غيره  قبلها، فقد انضاف المقروء الى القاريء، وانضاف القاريء الى المقروء.

اذن من هو القارىء وما هو المقروء في هذا النص ؟

في العنوان نرى لفظة "قراءة " غير معرفة بـ"ال" او بالاضافة وغير موصوفة بأي نعت، مما يجعلها قابلة للتشكل وفق طبيعة القارىء الذي يقوم بها، كما يجعلها مفتوحة على كل الاحتمالات وغير مقيدة بزمان او مكان او بقارىء محدد، بمعنى انها "قراءة" القارىء، اي قارىء، في لحظة اتصاله بالمقروء.

اما المقروء فقد تضمنه العنوان "قراءة في اوراق…" لفظة "اوراق " هنا تؤكد على السياق المعرفي -التوثيقي للنص لتوصله الى حد الهيمنة، بل وتكاد تفسد ايحاء لفظة "قراءة "المتضمنة فلفظة اوراق، فالقراءة لا تكون الا في اوراق او ما شابه، والشاعر يدرك مدى ما يمكن ان تحدثه اللفظة من فساد في السياق فيلحقها بلفظة "الجسد" ليصبح المقروء "اوراق الجسد" محدثة بذلك "فجوة / مسافة توتر"(4). فلفظة الجسد "نقلت السياق الى الشعري/ الجمالي مباشرة لتكسر النسق المعرفي – التوثيقي، ومكتنزة به في الآن نفسه، لتكسب لفظة "قراءة " طاقات ايمائية اكبر ودلالات أعمق لأن الـ"قراءة في أوراق الجسد" غير أية قراءة أخرى فهي قراءة استثنائية لأوراق استثنائية تنفتح على البايلوجي والانثروبولوجي والايديولوجي، على الطقسي والمقدس والتابو، على الجمالي والمعرفي، على الحسي والمجرد، على التاريخي والسياسي والاجتماعي والحضاري، على السري والمنتهك، على الحياة والموت، على الآني والازل، وبين كل هذه الاحتمالات وغيرها، اختارت "القراءة " ان تتخذ وجهة ما لمسعاها لكي تتسق عنوانا لما سيأتي، ومن هنا جاء ترصيف الجسد بـ"العائد"، فيكون السياق "قراءة في اوراق الجسد العائد". و" العودة " لها احالاتها وتداعياتها، وهي حركة في الزمان والمكان، تتضمن نقيضها الذي تنفيه، فكل "عودة " يسبقها "نزوح " او "خروج " او "اقتلاع" – قسري او اختياري-.

عملية الترصيف وتوجيه الدلالة هنا جزء من التناغم بين التوثيقي والشعري، حيث يناغم السياقان في سياق واحد منذ حدوث «الفجوة / مسافة التوتر» في تعبير اوراق الجسد ويستمر معنا حتى النهاية.

وحتى لا تحيلنا لفظة "العائد" على احتمالاتها المتعددة،وحتى يكتمل السياق التوثيقي الشعري، فان كينونة " العودة " تتحدد بانها عودة من الموت، هنا يكتمل السياق وتتحدد المسارات الاساسية للنص، وهنا ايضا تحدث هزة او توتر بالتقابل بين لفظتي (الموت ) و(الجسد) الذي يصبح هنا مرادفا للحياة فتتسع دلالاته، ويكتسب بعدا اسطوريا يحيلنا على الميثولوجيا الاغريقية، هرقل واوروفيوس (5).

انوا قراءة للجسد في لحظةالـ" اسطرة "، في لحظة اكمال معاينة تجربة الموت، في لحظة العودة، ذلك ما يجسده استخدام اسم الفاعل "العائد" مما يعطي الـ"قراءة " طابع الاستمرارية، ويبين اهمية توثيقها شعريا، فالجسد تجاوز الموت هنا، ليتاح للقراءة ان تحيط بالتجربة من لحظة وقوعها حتى لحظة العودة منها، وفي لحظة العودة مازالت علائم النزوح المأساوي بادية على تضاريس الجسد وفي تلافيفه لتصل الى اعماقه.

كان يمكن للشاعر ان يستغني عن لفظة "اوراق " في العنوان، لانها تبدو نافلة للوهلة الاول، ولكن بالترابط بين العنوان والنص نتبين اهميتها في السياق، حيث جاء النص – الجسد بشكل مقاطع، يمكن ان يمثل كل مقطع ورقة، وهي اوراق متناثرة متداخلة تجسد عنف التجربة وهولها، حيث يبدو الشاعر، او يوهمنا بذلك، وكأنه يعتني بتدوين كل خلجة من خلجات الجسد، ويعني بتقديمها للقارىء بطزاجتها وحرارتها، اكثر من اعتنائه بـ"تنسيق " و" تبويب "اوراقه، ولكننا نتبين انه يعتني بالاثنين معا بنفس الدرجة.

هكذا يتسق شكل النص مع عنوانه مع التجربة المعنية.

طبوغرافية النص

اختار الشاعر بحنكة موقف "القراءة " ليقف خارج "الحدث " من اجل الاحاطة به والنظر اليه بشمولية، فتتسع الى أقصى حد ممكن حريته وامكانيته في اختيار زاوية او زوايا تعاطيه مع "الحدث " وفي تحديد طبوغرافية النص.

ولان الشاعر غير المؤرخ الذي يقوم بتسجل كل المعلومات والمعطيات المتاحة، فانه بعد عملية مراكمة المعلومات والملاحظات وهي لا تحصى حول حدث كبير مثل الزلزال، يقوم بعملية غربلة وفرز وانتقاء وتوزيع لها، وهنا تبرز ذاتية الشاعر بما يخدم رؤيته او غرضه الجمالي.

يتكون النص من مقطع استهلالي، وستة مقاطع مرقمة، وبعبارة أخرى من ورقة استهلالية وست أوراق مرقمة من 1-6من "اوراق الجسد" بحسب العنوان، وعلينا ان نلاحظ هنا اننا امام سبعة مقاطع او سبع اوراق.

ويتكون النص ايضا من مقاطع موزونة ومقاطع منثورة، وثمة فواصل بينها حيث تأتي الاخيرة مؤطرة داخل اقواس، وهنا يتساوى عدد المقاطع الموزونة والمقاطع المنثورة، سبعة مقاطع لكل منهما، هذا التأكيد على الرقم سبعة يحيلنا الى طقسيته، الى قصة الخلق، الايام السبعة، كما تضمنتها الكتب السماوية، والتي يأتي الزلزال، كيوم الهول، نفيا لها، هكذا يبني شاعرنا نصا ميثولوجيا يرتفع بالزلزال الى مستوى القيامة.

والشاعر لا يطرح العلاقة مع الرقم سبعة بهذا الوضوح، سوى مرة واحدة عندما يشير الى قوة الزلزال (سبع درجات بمقياس ريختر). بل يلجأ الى حيلة فنية بارعة، يلجأ الى التمويه، تاركا لنا متعة البحث والاكتشاف عن بقية مواقع الرقم "7"، ودلالاتها.

فالنص، طبوغرافيا، ينقسم الى ورقة استهلالية وست اوراق مرقمة من 1-6كما اسلفت الورقة الاستهلالية نثرية، بينما تتوزع كل ورقة من الاوراق المرقمة من 1-5الى قسمين، الاول موزون والثاني نثري، اما الورقة السادسة فان المقطع النثري يتوسط مقطعين موزونين، والعلاقة بين المقاطع النثرية والمقاطع الموزونة علاقة تواز، او تعاقب مقطع نثري يوازيه او يليه مقطع موزون.

وتتضمن المقاطع النثرية معطيات توثيقية مثل الارقام فى التواريخ والتواقيت وتحديد الامكنة والمواقع والسرد والوقائع والاخبار والريبورتاج والتسجيل والمعلومات وغير ذلك.

اما المقاطع الموزونة فتعتمد بحر المتدارك، وهو من البخور الصافية، والتفعيلة فيه تتراوح بين "فعلن " و" فاعلن ".

غير ان الشاعر يبدأ نصا الموزون من المتقارب في السطر الاول لينتقل مباشرة الى المتدارك ابتداء من السطر الثاني، وهذه حالة خاصة لا تتكرر في القصيدة، حيث

يقول:

" اذا زلت…

وبكى جسد الارض

– ايتها النخلة اليمنية – امرأة البن

كيف يباغتك الاصفر – الموت

والاسود – الحزن(6)

ويمكن للشاعر ان يتخلص من التداخل بين البحرين باضافة حرف "واو" قبل الاقتباس القرآني الانف الذكر، ولكن خبرة الشاعر تتدخل لاضفاء مزيد من الشعرية على المقطع، فالإضافة المذكورة، تفقد الاقتباس عنصر المفاجأة وتجعله معطوفا على كلام سابق، وملحقا به.

كما ان الشاعر من ناحية أخرى يحافظ على مصداقية "الاقتباس / التضمين " بايراده، كما هو دون تدخل او اضافة لانه عنصر توثيقي هام، وهو يحيلنا الى صورة قرانية (7) جليلة لاقصي درجات الهول، وهذا ما سنشير اليه لاحقا.

عناصر التوثيق الشعري في النص

لا يكتفي الشاعر باستخدام عناصر توثيقية في النص مثل التوثيق الزماني والمكاني، والتسجيلي، والتضمين، والقصدية، والسردي والرقمي…الخ، ولكنه يعمد الى استحداث بنى توثيقية كاملة في النص قائمة بذاتها، ومستقلة عن البنى الموزونة، كما مر بنا.

واذا استبعدت البنى التوثيقية، انتظمت البنى الموزونة المختلفة في بنية شعرية واحدة متصلة دون انقطاع، رتيبة ايقاعيا، رثائية، غنائية، احادية البعد.

غير ان ادخال البنى التوثيقية، يحطم النسق الرثائي الرتيب، ويلبس النص حلة زلزالية تقوم بخلخلة الذائقة الفنية السائدة، او تربكها على الاقل، لتعيد تنظيم نفسها وفق معطيات جمالية مغايرة، ولتتماهى مع او تنفي الزلزال الواقعي لتفرض زلزالها الجمالي الاكثر شمولية وتجاوزا.

وفي الحقيقة ليس هناك تقسيم او تحديد مسبق للعناصر التوثيقية يمكن الاتكاء عليها ربما لان هذه الدراسة هي الأولى في هذا المضمار، وبالتالي فهي تؤسس لاستنباط بعض العناصر على ضوء النص، بل لعل لكل نص يتعاطى مع التوثيق الشعري عناصره التوثيقية الخاصة به، اذن ما هي العناصر التوثيقية المستنبطة من نصنا هذا؟

اولا: التوثيق الزماني والمكاني:

في الورقة الاستهلالية تصدم اعيننا منذ البداية جهامة التوثيق في اكثر صوره جفافا:

(صنعاء: الشارع الدائري

الزمن: 13 ديسمبر 1982م

الوقت: الثانية عشرة و13دقيقة ظهرا..)

هل نحن هنا ازاء مذكرات ام محضر ما ام رسالة ام….؟ اية وثيقة تنتظرنا بعد هذا التحديد الصارم ؟. ان الشاعر يطرحنا امام ثلاثة معطيات توثيقية اولها التحديد المكاني (صنعاء: الشارع الدائري) وثانيها التزمين بشقيه التأريخ (13 ديسمبر 1982م ) والتوقيت: (الثانية عشرة…الخ ) وثالثها الكتابة الرقمية (13، 1982م، 13).

وهذه المعطيات تربك النص الشعري عادة، وتفقده شعريته، غير انها هنا تعمق اللحظة الشعرية وتعكس المدى الذي حفر فيه الحدث (الزلزال ) وعي الشاعر ليغرس نفسه، ان اللحظة توثق نفسها بقوة الزلزال وفجائيته، فالشاعر لم يبدأ من مركز الزلزال (ضوران ) وانما بدأ من صدمته هو، من الصدمة الزلزالية التي ضربت محيطه، وهذا بداية تلقائية.

إننا نلتقي هذا العنصر في مطالع المقاطع النثرية الثلاثة اللاحقة وبالذات معطى التحديد المكاني على النحو التالي:-

– في المقطع النثري الثاني "جيبوتي: محطة الارصاد الأولى "(9)

– في المقطع النثري الثالث: "ضوران: الجامع الكبير"(10)

– في المقطع النثري الرابع: "ضوران: المدرسة الابتدائية "(11)

في التحديدين المكانيين الاولين (صنعاء، جيبوتي) نقف على امتدادات الزلزال وانعكاساته، وفي التحديدين الثالث والرابع نقف في مركز الزلزال وتأثيراته المهولة.

لاحظنا ان الشاعر اكتفى بالتزمين في المقطع الاول فقط، ولم يقم بذلك في بقية المقاطع، فالنص يؤبد لحظة تاريخية معينة، وهي (الساعة الثانية عشرة و13دقيقة ظهرا) من تاريخ (3اديسمبر 1982م ) وانها اللحظة التي ينبني فيها النص ويهدم "الجسد" وعلى اساسها تقوم القراءة. وهذه اللحظة تشد لحمة النص، بعضه الى بعض، وتتيح للقارىء/ الشاعر أن يلعب لعبة "التزامن " بين التحديدات المكانية الاربعة المذكورة على النحو التالي:-
 

غير أن الشاعر قام بعملية "مونتاج " حتى يحقق "التزامن " حيث قام بعلمية قطع وتركيب كل تحديد مكاني على حدة، بحيث شكل كل مقطع نثري من المقاطع الاربعة الأولى بداية جديدة للنص نقطة انطلاقها الساعة "الثانية عشرة و13دقيقة ظهرا"، وكل بداية اضافة أخرى الى ما قبلها بحيث ينمو النص حلزونيا وليس دائريا او بشكل حلقة مفرغة، ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الترابط بين "التزامن " و" المونتاج ".

لقد لعب معطيا "التحديد المكاني" و" التزمين " دورا اساسيا في بناء النص حلزونيا، فما الاهمية التي يشكلها المعطى الثالث لعنصر التوثيق المكاني والزماني ونعني به "الكتابة الرقمية " الذي اشرنا اليه آنفا.

في الورقة الاستهلالية لاحظنا ان الشاعر استخدم الارقام عند كتابة التاريخ والتوقيت على النحو التال "13ديسمبر 1982- الثانية عشرة و13 دقيقة ظهرا".

اننا هنا امام معطيات رقمية هي 13- 1982م – 13، الا يحمل تكرار الرقم 13 دلالة ما مع ما يحمله هذا الرقم من دلالة تشاؤمية.

واذا وقفنا في الارقام المكتوبة بالحروف وبالارقام نجد اننا ازاء معطيين: الاول: ان الرقم 12 مكتوب بالحروف مرة ديسمبر ومرة الثانية عشرة ".

الثاني: اننا اذا قرأنا رقم "الثانية عشرة و13دقيقة " نجد اننا ندخل في رقم 13 حسب الترتيب الكرونولوجي التتابعي لتتشكل قراءة جديدة تحمل بعدا سحريا سوداويا لدلالة الكارثة -الزلزال اذ انه "في الدقيقة 13من الساعة 13في اليوم 13" من ديسمبر

 1982م وقع الزلزال. هذا التكرار الثلاثي للرقم 13 يعمق البعد السحري المذكور.

هكذا تتكرر سحرية الرقم 3بعد ان اكتشفناها في علاقة سابقة مع الرقم ا(القصيدة من 7مقاطع تتضمن 7 مقاطع موزونة و7 مقاطع نثرية، كما مر بنا آنفا).

ونحب ان نؤكد هنا انه لادلالة للرقم 13في الوجدان الشعبي وتكراره على النحو المذكور يعكس علاقة "تثاقف " قائمة في وعي الشاعر على اساس ثقافة انسانية واسعة.

ثانيا: العنصر السردي التسجيلي:

وسمة هذا التوثيق اخبارية وصفية يقوم فيها الشاعر برصد عياني لمتغيرات العالم المحيط به، واهميته انه يضعنا في صورة ما حدث فعلا ويرتبط بالعنصر السابق ارتباطا وثيقا في هذا النص اذ سيأتي استتباعا له وتوصيفا لماهيته. ويتبع الشاعر ثلاثة اساليب في نصه للتوثيق السردي التسجيلي هي:

1- الاسلوب التسجيلي كما في المقطع الاستهلالي (الاول ).

 2- الاسلوب الخبري كما في المقطع النثري الثاني والمقطع النثري السادس.

3- الاسلوب الحكائي كما في بقية المقاطع النثرية.

الاسلوب التسجيلي:

في المقطع الاستهلالي (الاول )(12) يستفيد الشاعر تماما من تقنية السينما التسجيلية، حيث يقوم برصد تسجيلي يشبه حركة كاميرا تلاحق المتغيرات المتسارعة، فهو لا يخبرنا بما يحدث ولكنه يطابق بين اعيننا وعينيه لنرصد ما يحدث لحظة بلحظة، في محاولة للامساك باللحظة المروعة في طزاجتها، لتأبيد تلك اللحظة مستعينا  في ذلك ومستعيضا عن عين الكاميرا بالاستخدام الكثيف والمتلاحق للا فعال المضارعة، لاكثرها حركية واضطرابا (تتمايل، يترنح، يتسع يضيق، يصعد، يهبط، تمسك، تتأوه، تستنجد، ترتعش، تنطلق ). وربما كان الفعل ( يخرجون ) غير منسجم مع سياق مضطرب وحركي كهذا، فالناس يخرجون عادة الى الشوارع، بما يوحيه ألك الخروج من الفة واعتياد ولعل الفعل المبني للمجهول (يقذفون ) او المضارع (يهرعون ) او الاستغناء عن الفعل نهائيا، انسب للمقام.

هكذا نحس مع الشاعر بنبض الاشياء، ونسمع تأوهها، ونور دوائر الكلمات المكسورة وهي تنطلق من الشفة، لنخرج بوثيقة حية للحظة انطمرت تحت الزلزال.

وفي هذا كله لسنا في مركز الزلزال، اننا في التخوم القريبة، في دائرة من الدوائر المحيطة به.

ان استخدام السياق التسجيلي وبقية السياقات في مواقعها« يكشف عن خبرة الشاعر ومهارته العالية في استخدام التقنية المناسبة في الموضع المناسب، فالشاعر هنا في قلب الحدث وهو شاهد عيان عليه، ومن الطبيعي أن يستفيد من تقنية السينما التسجيلية لنقل ما يحدث، وكل ذلك حدث في لحظة خاطفة، غير انها تبدو وكأنها دهر من الاهوال.

الاسلوب الخبري:

في المقطع النثري الثاني(13) ينتقل الشاعر الى دائرة ابعد، الى أقصى محيط رصد للزلزال، الى جيبوتي، ولذا يعتمد في مهارة التقنية الخبرية المذاعة (سجلت مراصدنا…الخ ) ويكتفي بالتعليق الشعري على الخبر:

بعد الولادة

يغفو الزمن في احضان الموت)

مؤكدا في ذلك جدلية العلاقة بين الحياة والموت، ونفيد من السياق الخبري معطيات ومعلومات هامة عن امتدادات الزلزال ومركزه وقوته وزمن وقوعه ولعلها المرة الأولى التي يغامر فيها شاعر باستخدام تقنية اعلامية حبرية في نص شعري وهذه تحسب له.

بينما في المقطع النثري السادس (14) يؤالف الشاعر بين التسجيلي والخبري مع ميل اكثر للثاني، ويخبرنا عن مرحلة ما بعد الزلزال والمساعدات التي كانت تصل الى مطار صنعاء، وفيها تعميق لكارثية الزلزال، من خلال الحديث عن الطائرة (الترابية ) التي تهبط (في خوف ) وعن الطائرات التي تهبط (في حذر) حاملة اطنانا من (الاكفأن ) وكميات كبيرة من (الاحزمة ) المختلفة المقاييس والاحجام، حيث يضعنا الشاعر امام مفارقة زلزالية، انه تصوير مروع لفداحة الكارثة، وسخرية مريرة من ضالة المساعدات ونوعيتها وسخرية اكثر مرارة من الاعلام، حيث يصبح الزلزال كارثة (للفرجة )، (بعد قليل نزل منها – اي الطائرة – عدد كبير من الصحفيين والمصورين ) تلك اول طائرة للمساعدات نزلت المطار تلتها طائرات الاكفأن والاحزمة حسب تصوير ورؤية الشاعر.

هكذا يعيد الشاعر بناء الخبر ليصور المدى الذي وصلت اليه كارثة الزلزال، معتمدا بنية المفارقة الشعرية في الصياغة الحبرية.

– الاسلوب الحكائي – السردي:

يرتبط الاسلوب الحكائي بالتحديد المكاني لمركز الزلزال  (ضوران: الجامع الكبير) ( ضوران: المدرسة الابتدائية ) وايضا بالحقل مرة اثناء الزلزال ومرة بعده، هنا نقع على اربع حكايات ثلاث منها مرتبطة بالزلزال مباشرة، و الرابعة من آثار الزلزال.

في الأولى (15) حكاية الجامع والامام والمصلين يسجدون ولا يقومون من سجدتهم وتذهب المدينة معهم في صلاة الموت. وفي الثانية (16) حكاية الثعبان الاسود الذي يخرج من جدران المدرسة ويزحف على الكراريس فيركض التلاميذ / الاطفال خلفه ويلتفتون فلا يجدون اثرا لمدرستهم ولا لكراريسهم ولا لمن تبقى من زملائهم. وفي الثالثة (17) حكاية المرأة التي تعود من الحقل ببرسيم لناقتها، لترى البيت فجأة يختفي وتختفي فاقتها ولا يبقى منها سوى رأسها بين الانقاض. وثمة احالة جزئية على (جورنيكا) بابلوبيكاسو ورأس حصانه الصاهل بألم وحرقة.

اما الرابعة (18) فهي حكاية الرجل الخمسيني المجنون بفعل الزلزال والشارد بين الحقول المكلم نفسه والذي فقد زوجته واطفاله في لحظة زلزالية مروعة، انه يعاتب اطباءه الذين يحاولون ابراء جروحه، انه يطالبهم بابقائها لانها (الخيط الذي يربط بيني وبين القبر، يصلني برائحة الاحباب ).

يعتمد الشاعر في الحكايات على عنصر المفارقة الشعرية، ويقيم معادلات موضوعية فثمة سورة القارعة وتجلياتها الزلزالية، وثمة الثعبان الاسود الذي تنعكس دلالته فيصبح رديفا للحياة وثمة البرسيم الاخضر في صورته المجسدة للشوق والحنين والحلم فيصير الشوق لعابا.. والحلم نعشا) وهذا الاب الكهل الذي يشعر بعبئية الحياة وسخرية القدر فيصير الجنون وسيلته للتوازن والجرح خيطا يربطه بالقبر.

إن تفاصيل الحكايات تكون في مجموعها لوحة (جورنيكا) يمنية هائلة حيث الزلال هو القوة القدرية الغاشمة التي تفجر اجزاء اللوحة وتبعثر اشلاءها.

وفي الحكايات يحافظ الشاعر على ديمومة اللحظة الزلزالية ويؤبدها في سلسلة متصلة من الافعال المضارعة التي تنتظم سلك الحكايات الاربع، وهي تقنية لطالما اعتمدها الشاعر في بناء نصه الزلزالي هذا.

ثالثا: عنصر التضمين او الاقتباس:

مر بنا لجوء الشاعر الى اقامة صلة بين نصه وبين الزلزال من خلال استحضار أيات القرآن الكريم وسوره الجليلة التي تصور مظاهر القيامة وخاصة ما جاء في سورتي "الزلزلة " و" القارعة ".

انه يرتفع بالزلزال الى مستوى يوم الهول المقدس مما يكسب نصه بعدا ميثولوجيا كما اسلفنا.

وقد مر بنا كيفية استحضاره لسورة "الزلزلة " في المقطع الموزون، حيث استحضر مطلعها "اذا زلزلت." وترك لنا استحضار بقية السورة. بينما في المقطع النثري الثالث يحدث نوع من الاتساق بين الجامع وتلاوة الامام لسورة القارعة. وهنا نقع على السورة كاملة وبين وقوع الزلزال لحظتها، فتصبح التلاوة نوعا من الاستحضار للزلزال او معادلا موضوعيا له.

كما تحضر آية الكرسي في لحظة اختفائها عند وقوع الزلزال، ان هذه الأية الكريمة هي تعويذة المؤمنين وحرزهم في مواجهة ما يحيق بهم من مكاره ومصائب، اذ نحن في مواجهة اكثر من مجرد كارثة طبيعية.

انه الوعي الجمعي في ضعفه وعجزه وعزلته في مواجهة لحظة من لحظات التغير الكوني المروع.

رابعا: عنصر القصدية:

القصدية عنصر توثيقي شعري هام وهو يعكس وعي الشاعر بالعملية الشعرية وتوجيها لها الوجهة التي تخدم غرضه الفني والجمالي، وترتفع قيمة النص جماليا كلما نجح الشاعر في اخفاء تصديته بل واوهمنا بعكسها، وقد مر بنا بعض الاشارات التي تكشف لنا ان الشاعر كان مسيطرا على نصه وموجها له، ومن هذه الاشارات:

 1- اتخاذ الشاعر موقف "القراءة " ليتق خارج النص من اجل الاحاطة به والسيطرة عليه.

2- التقسيم المتساوي للنصوص النثرية والموزونة، رغم انه يوهمنا بعكس ذلك.

3- الانطلاق من موقعه صنعاء ثم الاتجاه الى أقصى محيط الزلزال جيبوتي ثم العودة والتركيز على مركز الزلزال (ضوران ) وهو تتأبع منطقي، فالانسان يشعر بالحدث ثم يسمع عنه ثم يبحث عن تفاصيله.

4- استخدام التضمين واللجوء الى الآيات القرآنية الكريمة فيه من التوجيه ما يؤكد على قصدية الشاعر.

5- استخدام الارقام على النحو الذي مر بنا رغم عمليات التمويه.

 كل هذه الاشارات وغيرها تؤكد قصدية الشاعر وخبرته في مراكمة الملاحظات والمعلومات والخبرات وقدرته على التمحيص والغربلة والاختبار والتوجيه في اطار من البناء الفني الشعري المتكامل والمحسوب بدقة.

تلك هي ابرز العناصر التوثيقة الشعرية التي استخدمها الشاعر فى نصه الهام هذا وبقي ان نقف على العلاقة بين المقاطع النثرية والموزونة:

العلاقة بين المقاطع النثرية والموزونة في النص.

مر بنا كيفية الاستخدام للعناصر التوثيقية في النص، ولكن من الاهمية بمكان ان نحدد العلاقة بين النثري (المقاطع التوثيقية الشعرية ) الموزون.

كان وقوفنا طويلا امام المقاطع النثرية باعتبارها تتضمن كل العناصر التوثيقية الشعرية ما عدا حالة التضمين التي وردت في المقطع الموزون الاول، ولا يعني ذلك انه لم توجد حالات توثيقية شعرية داخل المقاطع الموزونة، فهناك السرد الشعري:

من رأى شجرا ميتا

وبيوتا تموت

ومن ابصرت عينه جبلا راكعا

وتلالا تداعب في بهجة الموت اطفالها؟(19)

وثمة اشارات مكانية الى مواقع ومدن مثل صنعاء وجبل الشرق وضوران، ويمكن القول ان النص اجمالا، منثوره وموزونه، بنية توثيقية شعرية واحدة.

غير ان السؤال يظل قائما، ما العلاقة بين النثري والموزون في النص ؟

قلنا آنفا إن النص ينمو حلزونيا فهو يبدأ في كل مرة بداية جديدة، وتتحدد البداية بالمقطع النثري ويلحقا المقطع الموزون ويمكن ان نجد مثلا على ذلك في المقاطع النثرية الثالث والرابع والخامس. حيث يجري الحديث عن المقطع النثري الثالث عن الجامع والامام والصلاة يأتي المقطع الموزون اللاحق به على النحو التالي:

للاله صلاة على  شجر البن يرحل محترقا

للنبي صلاة على مسجد كان يعشق لون الاذان

يضيء اذا ما أتي الليل بكلمات

وللشعر اسئلة وصلاة(20)

وفي المقطع الرابع حديث عن المدرسة المنهارة والاطفال المطمورين فيصرخ الشاعر مكلوما في المقطع الذي يليه:

من رأى شجرا ميتا

وبيوتا تموت

ومن ابصرت عينه جبلا راكعا

و تلالا  تداعب في بهجه الموت اطفالها(21)

والمقطع الخامس عن الحقل والقرية والحجارة المنهارة، فنرى الشاعر يرثيها:

يتشقق وجه القرى

ينشق وجهى

وصوتي

والجبل الـ.. كان ذاكرة البن والشمس

ذاكرة تحتسي خمر اوجاعنا

يتشقق وجه القصيدة

وجه الظهيرة

يخرج نعش وتسترجع الارض اشياءها

وحجارتها(22)

واذا عدنا الى المقطع النثري الاول نجد حديثا عن الزلزال دون تسميته وتهيمن على المقطع سمة المباغتة والذهول، ولذا يبدأ الشاعر نصه الموزون بتسمية ما يحدث بالاعتماد على النص القرآني وتهيمن عليه نبرة المباغتة والذهول:-

"اذا زلزلت… "

 وبكى جسد الارض.

– ايتها النخلة اليمنية – يا امرأة البن:

كيف يباغتك الاصفر – الموت

والاسود – الحزن(23)

كل ذلك يبين ان المقاطع الموزونة استمرار للمقاطع النثرية فهي اما تحديد وتأكيد او استراد او رثاء او ابتهال او تنويع لما جاء في المقطع النثري، رغم ان الشاعر يفصل بينها بالترقيم المقترح والمذكور في القصيدة وهو ترقيم وهمي كما تبين لنا سابقا، ولم نعتمده عند القراءة.

ونجد اشياء مشتركة بين المقطع النثري والمقطع الموزون مثل استعادة بعض المفردات – المفاتيح في المقطع.

بهذا تصل الدراسة الى ختامها ونأمل ان نكون قد وفقنا في استخلاص عناصر التوثيق الشعري في النص واهميتها بالنسبة للنص كاملا.

الهوامش:.

1- اوضح مثال على ذلك قصيدة نشوان بن سعيد الحميري، وألفية ابن مالك، والشواهد النحوية، وشعر المناسبات والمراثي والمدائح والا القليل منه.

2- نجد ذلك في بعض من اهم نصوص سعدي يوسف وادونيس ومحمود درويش.

3- ديران "او راق الجسد العائد من الموت " الدكتور عبدالعزيز المقالح – دار

الآداب – بيروت الطبعة الأولى – 1986م.

4- «في الشعرية » كمال ابو ديب – مؤسسة الابحاث الثقافية – بيروت الطبعة الأولى 1987م ص 20 وما بعدها.

5- «اساطير اغريقية » الجزء الاول «اساطير البشر» د. عبدالمعطي شعراوي-

الهيئة المصرية العامة للكتاب – 1982، القاهرة حول رحلة اورفيوس الى العالم

السفلي، ص 217- 220، وكذلك رحلة هرقل لانجاز عمله الخارق الثاني عشر في

عالم الموتى وذهابه وعودته بعد نجاحه ص 410-412.

6- ديوان "اوراق الجسد…» ص 5 /6.

7- سورة «الزلزلة » الآية 1.

8- ديوان «اوراق…» مصدر سابق ص 5.

 9- السابق ص 6.

10- السابق ص 7.

11- السابق ص 9.

12- السابق ص 5.

13- السابق ص 6.

14- السابق ص 1 1/12.

15- السابق ص 7.

16- السابق ص 9.

17-السابق ص 10.

18- السابق ص 12/12.

19- السابق ص 9.

20- السابق ص 8.

21- السابق ص 9.

22- السابق ص 10/ 11.

23- السابق ص 5 /6. 
 
محمد حسين هيثم (كاتب من اليمن )

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …