أخبار عاجلة

الجسد وشبيهه في الرواية العربية الحديثة توظيف الجسد كمقياس لتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية فـي مجتمع شرقي مغلق

يعتبر بعض الباحثين أنّ تناول الكاتبات العربيّات للعلاقة المثليّة الأنثوية في نصوصهنّ يأتي في مستويين، أحدهما: إنّ هذه العلاقة هي احتجاج ومقاومة ضدّ تجاهل الرّجال للنّساء في المجتمع العربيّ، وثانيهما: تعتبر هذه العلاقة بديلاً للعلاقة مع الرّجال، حيث انّ النّساء في العلاقة المثليّة يبقين صاحبات الدّور الفعّال والنّشِط (Taha, 2006, pp. 67؛ صفّوري، 2008، ص 202). 
على سبيل المثال، تأتي رواية مسك الغزال للكاتبة اللبنانيّة حنان الشيخ لتبيّن انّ توظيف المثليّة الجنسيّة النّسائيّة هدفه مقاومة الأعراف المجتمعيّة الذّكوريّة، والاحتجاج على إهمال الزّوج لامرأته وانشغاله في السعي وراء المال والعمل، والتّأكيد على دور النّساء الفعّال واختلال دور الرّجال في المجتمع العربيّ. تحكي الرّواية عن نور المرأة الخليجيّة الّتي تعاني من غياب زوجها صالح المسؤول في الدّولة لانشغاله بالتّجارة في أرجاء العالم. وسهى الّتي تأتي مع زوجها باسم إلى إحدى دول الخليج هربًا من الحرب في لبنان وسعيًا نحو حياة أفضل. تنشأ علاقة بين نور وسهى، بعد أن تداوم سهى على زيارة نور كي تعلّمها فنون السّباحة. 
تنجح نور في استمالة معلّمتها سهى نحو ممارسة جنسيّة تتطوّر مع الأيّام، رغم توجّس سهى في البداية وإنكار كونها مثليّة كنساء أخريات، لكنّها تؤكّد أنّ مثليّتها هذه، في المجتمع الخليجيّ المنغلق، هي متنفّس مؤقّت للحرّيّة لأنّها تنجذب بطبيعتها للرّجال.
تقول سهى وهي تصف ممارستها المثليّة الجنسيّة الأولى «نور تقبّلني وما فكّرتُ كما في الواقع أنّ القبل هي بين الرّجل والمرأة، بل تمنّيت المزيد، وكانت نور كلّما وصلت نقطة في جسدي أيقظتها وتركتها  قلقة» (الشّيخ، 1988، ص 47).
أمّا رواية ملامح للكاتبة السّعوديّة زينب حفني فإنّها تعطي نموذجًا للعلاقات المثليّة النّسائيّة الّتي تنشأ كبديل وتعويض عن العلاقة مع الرّجل، وذلك حينما تُحرم المرأة من الزّواج فتعاني من الوحدة أو حينما تقع ضحيّة للاغتصاب. فهند ترتبط بعلاقة جنسيّة مع ثريّا بعد أن قرّرت عشيقتها السّابقة الزّواج، مع العلم أنّها من يعرّفها على ثريّا. أمّا سماهر فتهرب إلى علاقة مثليّة بعد أن اغتصبها والدها منذ سنّ العاشرة ولمدّة خمس سنوات، تشكوه ويتمّ زجّه في السّجن. وتصرّح: «لو كان الأمر بيدي لألقيت الرّجال جميعهم في حفرة وأضرمت النّار فيها» (حفني، 2006، ص 113).
من بين الرّوايات النّسائيّة الحديثة الّتي تناولت المثليّة الجنسيّة النّسائيّة بشكل محوريّ أو بشكل جانبيّ وفق زمن صدورها: رواية حبّات النّفتالين للكاتبة العراقيّة عالية ممدوح الصّادرة عن دار فصول والهيئة المصريّة العامّة للكتاب في القاهرة 1986. ورواية مسك الغزال للكاتبة اللبنانيّة حنان الشّيخ الصّادرة عن دار الآداب في بيروت 1988. ورواية جنّات وإبليس للكاتبة والباحثة المصريّة نوال السّعداوي الصّادرة عن دار الآداب في بيروت 1992. ورواية بنات حارتنا للكاتبة السّوريّة ملاحة الخاني الصّادرة عن منشورات اتّحاد الكتّاب العرب في دمشق 1998. ورواية أنا هي أنتِ للكاتبة اللبنانيّة إلهام منصور الصّادرة عن دار رياض الرّيّس في بيروت 2000. ورواية ملامح للكاتبة السّعوديّة زينب حفني الصّادرة عن دار السّاقي في بيروت 2006. ورواية الآخرون للكاتبة السّعوديّة صبا الحرز الصّادرة عن دار السّاقي في بيروت 2006. ورواية الكاتبة السّوريّة سمر يزبك رائحة القرفة الصّادرة عن دار الآداب في بيروت 2008. رواية الصّحفيّة اللبنانيّة رحاب ضاهر لا نقاب للشّمس الصّادرة بنشر خاصّ في بيروت 2008. ورواية نساء يوسف للكاتبة والنّاشرة اللبنانيّة لينا كريديّة الصّادرة عن دار الآداب في بيروت 2012. ورواية الحمامة بعباءتها السّوداء للكاتبة السّعوديّة ليلى عقيل الصّادرة عن دار نينوى في دمشق 2012. ورواية مينا للكاتبة اللبنانيّة سحر مندور الصّادرة عن دار الآداب في بيروت 2012. 
إضافة إلى أنّ عددًا من الكاتبات وظّفن في رواياتهنّ المثليّة الجنسيّة الرّجاليّة بشكل محوريّ أو جانبيّ. نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر روايتين: رواية بيروت 75  للكاتبة السّوريّة غادة السّمّان الصّادرة عن منشورات غادة السّمّان في بيروت 1975. ورواية حَجَر الضّحك للكاتبة اللبنانيّة هدى بركات الصّادرة عن دار رياض الرّيّس في لندن 1990.
 وقد جاء توظيف المثليّة الجنسيّة عند هؤلاء الكاتبات كانعكاس لتردّي الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة. ففيه تصوير لاستغلال القويّ للضّعيف والغنيّ للفقير، لتغدو العلاقة المثليّة الجنسيّة علاقة سيّد/فاعل/رجل وعبد/خامل/امرأة. ففي رواية بيروت 75 يذهب فرح الشّابّ القرويّ ذو الصّوت العذب الرّجوليّ إلى بيروت ليحصل على المساعدة من قريبه نيشان، كي ينتشله من الفقر ويصنع منه مطربًا للرّجولة. فيستغلّ نيشان حاجته للمال ورغبته الشّديدة في الوصول إلى الشّهرة،  ليجعله أداة لإشباع رغباته الجنسيّة في مقابل تحقيق أحلامه، إذ يقول له نيشان بوضوح: «هل تعرف الثّمن، ثمن الشّهرة؟ […[ هل أنت على استعداد لدفعه؟ الطّاعة أوّلاً… الطّاعة المطلقة لي» (السّمّان، 1975، ص 44). 
يصف الرّاوي ردّ فعل فرح على ما سمعه، فقد أحسّ أنّ في صوت نيشان شيئًا شرسًا وصارمًا «مثل فرقعة السّياط في «السّيرك» على أجساد الحيوانات أثناء التّدريب» (ن.م.، ص 44). يتحوّل فرح من رجل مكتمل الرّجولة إلى رجل يمارس المثليّة مع سيّده، ويعاني من حالة نفسيّة تمنعه من إقامة علاقة مع امرأة، ليغدو رجلاً عاجزًا جنسيًّا. وتشير غادة السّمّان إلى أنّ فرح يتحوّل، في علاقته المثليّة بنيشان، من شريك غير فاعل إلى حيوان مستعبد من سيّده عبر علاقة لا إنسانيّة .(Al-Samman, 2008, p.280) وهذا التّحوّل يكتمل في نهاية الرّواية، حينما يعوي فرح مثل كلب مذبوح على الجمهور بدلاً من الغناء، ليُنقل بعدها إلى مستشفى الأمراض العقليّة.
أمّا رواية حَجَر الضّحك فتصوّر المثليّة الجنسيّة الرّجاليّة بشكل مغاير، إذ يعتبر كلّ من براين ويتاكر  Brian Whitaker والسّمّان أنّ هذه الرّواية من الرّوايات القليلة الّتي نجحت بتوظيف الرّغبة المثليّة الدّاخليّة بين الرّجال. فالكاتبة تجعل القارئ يتعاطف مع بطلها خليل في نجاحه وفي حزنه على فشله بأسلوب بسيط وناجع. فهي تتناول اختلافه الجنسيّ النّابع من تكوينه الجينيّ ورغبته الدّاخليّة منذ بداية الرّواية، دون  التّعبير عن إحساسه بالإثم أو مناقشة أسباب مثليّته، ودون اللجوء إلى أيّ أوصاف صريحة حول ممارساته المثليّة الجنسيّة. وهذا التّناول للميول المثليّة النّابعة من اختيار داخليّ شخصيّ لم تعالجه الرّوايات العربيّة المعاصرة الّتي كتبها رجال ونساء في سنوات التّسعين من القرن العشرين (ويتاكر، 2007، ص 115؛ .(Al-Samman, 2008, pp.293- 294
بالمقابل يشير فيصل درّاج إلى أنّ خليل يمثّل الإنسان الخنثى، المخلوق الهجين، الّذي أضاع الذّكر الّذي لم يكنه وأخطأ الأنثى الّتي لم تستقرّ فيه. ففي لطفه المسالم ما يوحي بأنثى وفي رقّته الصّامتة ما ينفي الذّكر (درّاج، نزوى).(1)  والرّواية أصلاً تصف خليل بأنّه ذو ساقين قصيرتين وكتفين ضيّقين، تسكنه أنوثة دفينة مستسلمة تتناقض وعنف النّظام الذّكوريّ السّائد. وهو يميل سرًّا إلى الذّكور المختلفين عنه بنية وطباعًا، إذ أحبّ ابن جيرانه ناجي ابن بيروت البريء والأنيق والّذي يسقط ميتًا برصاصة جاءته من شرق بيروت: «بعد مقتل ناجي ما عاد لجسد خليل من أخ أو مثيل قريب» (بركات، 1990، ص 89). ثمّ يقع في غرام ابن عمّه يوسف القادم من الرّيف الوسيم واللاهي مع فتيان من عمره، والّذي يسقط ميتًا برصاصة قادمة من غرب بيروت. وبعد مقتله «لم يعد جسد خليل يسير معه إلى أيّ مكان» (ن.م.، ص 172). 
وهكذا يكون لموت ناجي ويوسف الأثر الكبير على خليل، إذ يشعر بعزلة كبيرة إثر غيابهما، كما ويتحرّر من صورتين عشقهما ولا يستطيع أن يكون مثلهما، فهو لا يتحلّى بالوسامة والقوّة والأناقة. والرّواية بالأساس تستثمر الحرب الأهليّة كخلفيّة لأحداثها وما يعتمل في شخصيّاتها، بما في هذه الحرب من مذهبيّة وطائفيّة وطبقيّة وفصائل مسلّحة. وكأنّ الحرب تحوّل مكان الإقامة بيروت إلى مكان للعبور، وتنقل الطّبائع البشريّة من الحبّ والجمال إلى القبح والكراهية. فوجه ناجي المهذّب يتحوّل إلى شخصيّة العريس المسؤول عن مصائب الضّعفاء. وبدلاً من يوسف الوسيم يظهر «الأخ» المتورّط في عمليّات تهريب الحشيش والأفيون المصنّع مقابل شحنات الأسلحة، ووساطة مع إسرائيل، والّذي يميل بدوره إلى معاشرة الرّجال ويُعجبه خليل ويعشقه، إذ يخاطبه وهو ينظر إليه بعينين شبقتين «كان عليّ أن أسافر منذ شهر لكنّك تشلّني لم أعد قادرًا على الحركة. ما زلت أؤجّل من أجل أن أراك» (ن.م.، ص 225). 
وهكذا وبفعل الحرب والسّياسة، يتحوّل خليل من ريفيّ أنثويّ لا ذكوريّ مقهور وفقير، إلى رجل قويّ يتّسم بالكراهيّة الخالصة بشاربين كثيفين ومنكبين عريضين وساقين طويلتين، يخالط سادة الحرب وينعم بثياب جديدة وسيّارة ومُرافق، ذَكَرٍ يمارس ذكورته عبر عنفه واغتصابه لجارته الّتي تعيل طفلها، والّتي كان يقول لنفسه سابقًا عنها «فيها شيء يشبهني هذه المرأة. فيها شيء من الرّجال لا أستطيع وضع إصبعي عليه» (ن.م.، ص 216). 
يعتبر درّاج أنّ خليل الرّيفيّ الخنثى قبل أن تروّضه الحرب، بقي كما كان خنثى، بعد أن أصبح زعيمًا، لأنّه ساوى بين الذّكورة والاغتصاب، وبين الذّكورة المغتصبة والرّجولة السّياسيّة. فهو لم يكن سويًّا في جسده القديم ولم يعد سويًّا في جسده الجديد (درّاج، نزوى).(1) في حين تؤكّد الكاتبة هدى بركات، في أحد حواراتها، على أنّ خليل هو شخص مثليّ في مرحلة إنكار لمثليّته «بسبب تعريف المجتمع للرّجولة. أجبره الضّغط الاجتماعيّ على البحث عن الرّجولة من خلال اغتصاب إحدى الجارات» (.(Haddad, 2005, Issue (2) 
من جهة أخرى، فإنّ عددًا من الكتّاب الرّجال تناولوا في رواياتهم العربيّة المعاصرة المثليّة الجنسيّة، الرّجاليّة والنّسائيّة، بشكل محوريّ أو جانبيّ. وكانت طبيعة تصويرهم لتلك العلاقات المثليّة الّتي تحدث في مجتمعات شرقيّة منغلقة ومتزمّتة مشابهة لطبيعة تناول العلاقات المثليّة الرّجاليّة والنّسائيّة في الأدب النّسائيّ عمومًا، بما في تلك العلاقات أيضًا من سيطرة سيّد/قويّ/قاهر على عبد/ضعيف/مقهور (انظر/ي مثلاً محمّد، جسد الثّقافة(3)؛ المحارب، العربيّة نت(4)؛ Al-Samman, 2008, pp.277, 297). ومع ذلك فقد ظلّت روايات الرّجال أقلّ جرأة من روايات الكاتبات الّتي وظّفت المثليّة الجنسيّة بشقّيها الرّجالي والنّسائيّ كما يذكر شاكر النّابلسي (النّابلسي، أمان).(5) 
ومن بين روايات الرّجال الّتي تناولت المثليّة الجنسيّة النّسائيّة نورد هنا الرّوايات التّالية وفق زمن صدورها: رواية بيروت بيروت للكاتب المصريّ صنع الله ابراهيم الصّادرة عن دار المستقبل العربيّ في القاهرة 1984؛ رواية حالة شغف  للكاتب السّوري نهاد سيريس الصّادرة عن دار عطيّة في بيروت ودمشق 1998؛ رواية أمريكانلّي- أمري كان لي للكاتب المصريّ صنع الله ابراهيم الصّادرة عن دار المستقبل العربيّ 2003، والّتي تتناول المثليّة بشقّيها؛ رواية تيموليلت: سيرة وحجر للكاتب السّودانيّ محسن خالد الّتي نشرها إلكترونيَّا في موقع سودانيز أونلاين(6) 2005؛ رواية واحة الغروب للكاتب المصريّ بهاء طاهر الصّادرة عن دار الشّروق في القاهرة 2007؛ رواية النّبطيّ(7) للكاتب المصريّ يوسف زيدان الصّادرة عن دار الشّروق في القاهرة 2010. 
وعند الالتفات إلى الرّوايات الرّجاليّة الّتي توظّف المثليّة الجنسيّة النّسائيّة، نقف عند رواية بيروت بيروت الّتي تستثمر أحداث الحرب الأهليّة في بيروت. وهي تصوّر علاقة مثليّة جنسيّة بين لميا وجميلة. وتأتي هذه العلاقة لتعوّض إهمال الرّجل لزوجته وغيابه عنها، ولتقوّض دوره في المجتمع الأبويّ. فها هي لميا تعاني من غياب زوجها، مدير دار النّشر، عدنان الصّائغ وسفره المستمرّ. وجميلة الّتي تكبرها سنًّا تملك يدين رجوليّتين قويّتين، كما يصفهما الرّاوي القادم من القاهرة، الكاتب الّذي يبحث عن ناشر ليطبع مخطوط كتابه، ويتحمّس له عدنان (أنظر/ي ابراهيم، 1984، ص 250). 
بواسطة هاتين اليدين تمنح جميلة عشيقتها الطّمأنينة والرّاحة، وتظلّ مصرّة على أن تدافع عن علاقتهما، إذ تحذّر بطل الرّواية الرّاوي الذي يقيم علاقة جنسيّة مع عشيقتها، وتطلب منه أن يتركها. وتقول له: «أستاذ. أنت لك حياتك في القاهرة. وأنا ليس عندي غير لميا. إنّها كائن رقيق يحتاج إلى رعاية كاملة وحنان فائق. وليس هناك من يفهمها ويقدّرها ويحبّها مثلي. لكن أحيانًا يحدث شيء لا أفهمه. لنقل محاولة لإثبات الأنوثة أو القدرة على اجتذاب الرّجال. أو ربّما. الملل» (ن.م.، ص 250). وبدوره يفسّر الرّاوي بأنّ لميا قد لا تكون مثليّة، فقد تكون ميولها للرّجال وللنّساء على حدّ سواء: «ربّما كانت تنتمي للعالمين» (ن.م.، ص 250). فتعلّق جميلة: «محتمل. لكنّي لم أفقد الأمل في أن أكسبها تمامًا لعالمي» (ن.م.، ص 250). 
جملة جميلة هذه تؤكّد على أنّ مثليّة لميا مكتسبة من الظّروف المحيطة بها. ولميا نفسها تؤكّد ذلك في حوارها مع الرّاوي حينما يصارحها بأنّه على علم بعلاقتها مع جميلة. فتقول إنّها تمارس المثليّة هروبًا من فظاظة الرّجال وأنانيّتهم وغرورهم «أنت لا تعرف الرّجل اللبنانيّ. حياته كلّها تدور حول تسديد الأقساط، واللحاق بالسّباق. وإنجاب ولد يحمل اسمه الكريم» (ن.م.، ص 258). يجيبها الرّاوي: «إنّه يفعل ذلك من أجلكنّ» (ن.م.، ص 258). فتؤكّد له أنّها تفضّل العلاقة المغايرة للجنس: «أعرف. ولهذا أعود إليه دائمًا. على العموم أنا أفضّل الرّجال» (ن.م.، ص 258).
أمّا رواية حالة شغف فتوظّف المثليّة الجنسيّة النّسائيّة بشكل محوريّ. وهي توثّق ظاهرة «بنات العشرة» الّتي انتشرت في أوساط  «العوالم»- النّساء المغنّيات والرّاقصات والعازفات، في حلب في سوريا، في الثّلاثينات من القرن العشرين. فتطلعنا الرّواية على حكايات كثيرة عن «بنات العشرة» اللاتي يستهويهنّ الرّقص والغناء والعزف، ويحيين حفلات الزّفاف والطّرب في بيوت نساء علية القوم والمقاهي والحمّامات في مجتمع يفصل بين الجنسين. فقد أقمنَ علاقات مثليّة نسائيّة بأجواء إيروتيكيّة خفّيّة وملتبسة أتاحها انغلاق هذا المجتمع. إضافة إلى تسليط الضّوء على مشاعر الغيرة وعذاب العشق، ومحاولة الدّفاع عن العلاقة مع الشّريكة وإبعاد المنافسين من الذّكور والإناث. 
هذه الرّواية تركّز على الشّغف المطلق بين العاشقتين روحيًّا وجنسيًّا، وعيشهما تحت سقف واحد، وهذا ما يسمّى العِشرة. وأفضل وصف لظاهرة «بنات العِشرة» جاء على لسان إحدى الشّخصيّات المركزيّة في الرّواية، وهي المغنّيّة، صاحبة الفرقة الموسيقيّة النّسائيّة، الخوجة بهيرة المتيّمة بوداد، والّتي تحاول أن تقرّبها منها، وتبعدها عن عالم الرّجال المسحورين بجمالها. فتقارن بين ماهيّة الحبّ عند النّساء في العلاقة المثليّة وماهيّة الحبّ عند الرّجال في علاقتهم بالنّساء: 
«أنْ تحبّ امرأة هذا معناه أنّها تتفانى في مَن تحبّ. بلا سبب وبلا هدف أو مصلحة. الرّجال يحبّون المرأة لأنّهم أنانيّون، أمّا المرأة فهي تحبّ لتعطي.. الرّجل يأخذ ويرهن مستقبل المرأة له فقط. إنّه يجعلها تحبل لتلد له الأطفال، يجعلها تخدمه في البيت، فتطبخ له وتكنس وتسهر على راحته. أمّا راحتها هي فلا قيمة لها. عندما تحبّ المرأة امرأة أخرى فالهدف هو الحبّ، وفقط الحبّ.. بلا أطفال، والاثنتان تتعاونان وتخدمان بعضهما بعضًا. إنّه الحبّ الصّافي.. حبّنا يشبه حبّ المتصوّفة» (سيريس، 1998، ص 87- 88).
وتعلّق السّمّان بأنّه على الرّغم من جرأة الرّواية في توظيف المثليّة الجنسيّة النّسائيّة بشكل صريح، إلاّ أنّ الرّواية لا زالت محصورة في هيمنة الذّكور والرّغبة الجنسيّة الغيريّة، وفي ثنائيّات ديخوتوميّة وتقاطبيّة: امرأة- سحاقيّة وخاملة- فاعلة Al-Samman, 2008, p. 304)). فمثلاً مثليّة بهيرة ملتبسة بين رغبة داخليّة وظروف اجتماعيّة، فقد تربّت منذ صغرها على أنّها صبيّ ذكر، وتزعّمت صبيان الحارة الّذين كانوا ينادونها إمّا «أبو صطيف» أو «صبحي». وقد قرّرت عند بلوغها أن تعشق النّساء لأنّها لا ترتاح مع الرّجال وتشمئزّ من أجسادهم، وفضّلت الشابّات العذراوات اللاتي لم يمارسن أيّة علاقة مغايرة للجنس. وتعلّمت أن تمنع شريكتها من الخروج خوفًا من هربها في مرحلة ما مع رجل، كما حصل مع بديعة- أمُّ وداد- إحدى معشوقاتها السّابقات الّتي هربت مع حبيبها. كما وألغت بهيرة أنوثتها وتشبّهت بالرّجال حينما مارست الغناء مع فرقتها، فقد «اعتادت أن تقف على الخشبة وهي ترتدي ثياب الرّجال، وفي بعض الأحيان كانت تضع طربوشًا على رأسها، أو ترسم شاربين مفتولين، ودائمًا كانت تشكل وردة بيضاء في عروة سترتها. كانت قد اشتهرت بمزاجها الذّكوريّ ذاك، وهذا بالذّات ما جعل نساء المدينة يمتن فيها ويعبدنها» (سيريس، 1998، ص 36).
من هنا يتّضح أنّ تناول الكاتبات للمثليّة الجنسيّة الرّجاليّة والنّسائيّة، يشبه بالعموم تناول الأدباء الرّجال للمثليّة الجنسيّة الرّجاليّة والنّسائيّة، من حيث انّ المثليّة الجنسيّة في غالبيّة هذه الأعمال هي أمر مكتسب ناتج عن التّعرّض لاعتداءات نفسيّة وجسديّة في سن الطّفولة، أو أنّها  نابعة من أسباب طبقيّة واقتصاديّة واجتماعيّة في مجتمعات شرقيّة منغلقة ومتزمّتة. كما أنّ هذه العلاقة المثليّة بين الطّرفين تصوّر سيطرة سيّد/قويّ/قاهر/فاعل على عبد/ضعيف/مقهور/خامل. وقليلة هي الأعمال الّتي تتعامل مع المثليّة الجنسيّة على أنّها موضوع جينيّ فطريّ يجعل من صاحب الهويّة الجنسيّة المثليّة- ذكرًا كان أم أنثى- حائرًا بين مجتمع يرفض هويّته، وبين نوازعه وشهواته الّتي تضغط عليه بشدّة، فيعيش حالة من اللاتوازن والخوف. 
من ناحية أخرى فإنّ تناول الكاتبات للعلاقة المثليّة الأنثوية يأتي في مستويين، الأوّل- إنّ هذه العلاقة هي احتجاج ومقاومة ضدّ تجاهل الرّجال وإهمالهم للنّساء في المجتمع العربيّ الذّكوريّ. والثّاني: تعتبر هذه العلاقة بديلاً وتعويضًا عن العلاقة مع الرّجال، حيث انّ النّساء في العلاقة المثليّة يبقين صاحبات الدّور الفعّال والنّشِط ويقوّضن دور الرّجل، ويؤكّدن على اختلال الرّجولة العربيّة وخيبة أملها والشّعور بالدّونيّة جرّاء الهزائم على المستويين الاقتصاديّ والسّياسيّ.
المراجع العربيّة
– إبراهيم، صنع الله (1984)، بيروت بيروت، القاهرة: دار المستقبل العربيّ، ط1.
– بركات، هدى (1990)، حَجَر الضّحك، لندن: دار رياض الرّيّس، ط1.
– حفني، زينب (2006)، ملامح، بيروت: دار السّاقي.
– السّمّان، غادة (1975)، بيروت 75، بيروت: منشورات غادة السّمّان، ط1.
– سيريس، نهاد (1998)، حالة شغف، بيروت ودمشق: دار عطيّة، ط1.
– الشّيخ، حنان (1988)، مسك الغزال، بيروت: دار الآداب، ط1.
– صفّوري، محمّد قاسم (2008)، شعريّة السّرد النّسويّ (1980-2007)، جامعة حيفا: كلّيّة العلم الإنسانيّة- قسم اللغة العربيّة وآدابها.
– ويتاكر، براين (2007)، الحبّ الممنوع- حياة المثليّين والمثليّات في الشّرق الأوسط، (ترجمة: ف. إبراهيم)، بيروت: دار السّاقي، ط1.
المراجع الإنجليزيّة
– Al-Samman, Hanadi (2008), «Out of the Closet: Representation of Homosexuals and Lesbians in Modern Arabic Literature», Journal of Arabic Literature, Vol. 39, pp 270-310.
* Haddad, Mark (2005), «Interview with Hoda Barakat», Barra magazine (Helem, Beirut), Issue 1.
* Taha, Ibrahim (2006), «Beware men, They Are All Wild Animals- Arabic Feminist Literature: Challenge, Fight, and Repudiation», Al-Karmil: Studies in Arabic Language and Literature, ed. by Shimon Ballas Haifa: University of Haifa, Vol. 27, pp 25-71.
المراجع الإلكترونيّة
– درّاج، فيصل، «هدى بركات: من تاريخ مُتداعٍ إلى تاريخ لا وجود له»، نزوى- مجلّة أدبيّة ثقافيّة فصليّة، ع 36، دخول الموقع: 5/1/2013  http://www.nizwa.com/articles.php?id=2884
– المحارب، سعد، «رواية تصوّر واقع المثليّة الجنسيّة في السّعوديّة»، العربيّة نت، دخول الموقع: 2/1/2013   http://www.alarabiya.net/articles/2007/09/05/38709.html
– محمّد، أسد، «الشّذوذ الجنسيّ في عمل روائيّ جديد»، جسد الثّقافة، دخول الموقع: 2/1/2013 http://aljsad.com/forum36/thread71216
– النّابلسيّ، شاكر، «الرّواية النّسويّة وتابوهات الثّالوث المحرّم»، أمان نقلاً عن جريدة إيلاف اليوميّة الإلكترونيّة، دخول الموقع: 27/1/2011  http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=22727 
– فصل من دراسة أكاديميّة بعنوان «حينما يتعرّى الجسد أمام مرآته: توظيف الجسد الأنثويّ والمثليّة الجنسيّة الأنثويّة في الرّواية النّسائيّة العربيّة الحديثة» 2013.
1- http://www.nizwa.com/articles.php?id=2884
2- http://www.nizwa.com/articles.php?id=2884
3- http://aljsad.com/forum36/thread71216
4- http://www.alarabiya.net/articles/2007/09/05/38709.html 
5- http://www.amanjordan.org/a-news/wmview.php?ArtID=22727
6- http://www.sudaneseonline.com/cgi-bin/sdb/2bb.cgi?seq=msg&board=85&msg=1176490221&page=48&pb=
7- تستند إلى شخصيّات وأحداث تاريخيّة. والمثليّة النّسائيّة فيها واضحة في الجانب العاطفيّ أكثر من الجسديّ.   

شاهد أيضاً

هذيان المدن الاسمنتية

 احمرار  « المدينة.. المدينة…» يبدو اللفظ زلقاً وهو يخرج من بين الشفتين الممتلئتين باحمرار قان. …