أخبار عاجلة

الحداثة الشعرية بين النظرية والتطبيق (يوسف الخال إنموذجاً)

يُعتبَر مفهوم الحداثة الشعرية مفهوماً إشكاليّاً، خلافيّاً. يختلف الدارسون والشعراء والنقاد في تعريفه، وتحديد بدايات وأماكن تطبيقه وتمظهراته.. فعلى المستوى الزماني، يُرجع البعض عملية التحديث في الأجناس الأدبية لا سيما الشعرية إلى أواخر القرن التاسع عشر، الأمر الذي قاد إلى «الحداثة الشعرية في أواخر النصف الأول من القرن العشرين وطوال النصف الثاني منه.»(1) ويعود البعض الآخر بأحد تجليات الحداثة الشعرية، المتمثّل ب«قصيدة النثر»، إلى مراحل تاريخية متقدمة، حين يرى أن لها جذوراً في التراث العربي القديم تتمثّل في نثر المتصوّفة، وكتابات ابن عربي، والنّفري، والبسطامي، والسهروردي، وفريد الدين العطار. وحين يرى بذوراً جنينية لها في نصوص الإمام علي بن أبي طالب، وأبي حيان التوحيدي، وإخوان الصفا، والجاحظ.(2)
_ وعلى المستوى المكاني، يشير البعض إلى اختلاف حداثة أربعينيات العراق عن حداثة مجلة «شعر»، عن حداثة الستينيات المصرية والعراقية، عن حداثة السبعينيات البيروتية أو القاهرية.(3)
_ وعلى المستوى الفني، من نافل القول أن الحداثة تختلف باختلاف تمظهراتها التي عرفها تاريخ الشعرية العربية، من القصيدة العمودية، إلى الشعر الحر، إلى قصيدة التفعيلة، إلى قصيدة النثر. ناهيك بما طرأ على القصيدة العمودية من تغيّرات شكلية، في مراحل تاريخية معيّنة.
وإذا كان المقام لا يتّسع للتوقّف عند هذه الاختلافات والفصل فيها، فإنه لن يضيق بتمظهر الحداثة الشعرية عند يوسف الخال تنظيراً وتطبيقاً.
– فـي النظرية
حين يُذكر اسم يوسف الخال في تاريخ الشعرية العربية، سرعان ما يستدعي مجلة «شعر»، وفصلاً من فصول الحداثة الشعرية هو الأشد تأثيراً في مسارها، ما حدا به إلى أن يختم نبذة عن حياته كتبها في 15/5/1982 بالقول: «وخلاصة القول في سيرة حياتي إلى هذا اليوم، هي أني سعيد أن ألقى وجه خالقي وفي يدي اليمنى حركة شعرية غيّرت إلى الأفضل مسيرة الشعر العربي.»(4)
وقد كان لهذه الحركة نظريتها وأدواتها وتطبيقاتها التي أسهم معه فيها آخرون كانت لكل منهم بصمته وتوقيعه، دون أن تستوي الإسهامات في التأثير والتغيير، ومنهم نذير العظمة، خليل حاوي، أدونيس، شوقي أبي شقرا، محمد الماغوط، فؤاد رفقة، أنسي الحاج، خالدة سعيد، عصام محفوظ وسواهم…، على أنه يبقى ليوسف الخال فضل السبق إلى تأسيس الأداة الحاضنة لتلك الحركة عنيت بها مجلة «شعر»، وإن انضمّ الآخرون تباعاً إليه، أو واكبه مساهمون آخرون عن بعد كجبرا ابراهيم جبرا، وتوفيق صايغ، وسلمى الخضراء الجيّوسي، وبدر شاكر السياب، ورياض الريّس.(5)
لم تكن نظرة يوسف الخال إلى الشعر والفن نظرة سكونية، جامدة، ونهائية. وترى خالدة سعيد التي واكبت الحركة منذ بداياتها أن تلك النظرة «كانت قد تطوّرت بفضل تجاربه وثقافته، بعد مرحلته الأولى التي دارت في أفق الرمزية اللبنانية. وكان لتعرّفه إلى الشعر العربي الجديد في مختلف تطلّعاته، واهتمامه ببوارق التجديد في هذا الشعر، بعد تعرّفه إلى أمواج الشعر الجديد في أميركا وانكلترا، أثره الكبير.»(6)
ولعل خير تعبير عن هذه النظرة يتمثّل في محاضرة ألقاها على منبر «الندوة اللبنانية» في 31/1/1957، بعنوان «مستقبل الشعر في لبنان»، وفيها يمارس عملية نقض تمهيداً لعرض مشروعه الجديد؛ فيأخذ على الشعر العربي في لبنان تخلّفه عن روح العصر تلك التي يحددها بأربع نقاط هي: روح العلم، إعادة النظر في الموروث الفكري، القيم الإنسانية الحديثة، والإبداع المستمر.
وفي المقابل، يحدد الأسس التي ينبغي أن يقوم عليها الشعر بتسعة، هي: التعبير عن الحياة، استمداد التعابير منها، تطوير الإيقاع، وحدة التجربة، محورية الإنسان، وعي التراث العربي، فهم التراث الأوروبي، الإفادة من الشعر العالمي، والامتزاج بروح الشعب.(7) وغنيٌّ عن البيان أن بعض هذه الأسس خارج- نصي يتعلّق بثقافة الشاعر، وبعضها الآخر داخل-نصي يتعلّق بمضمون القصيدة وتعابيرها وإيقاعها وبنيتها.
في المحاضرة نفسها، وعطفاً على ما سبق، يحدد مواصفات الشاعر وحقل اهتمامه بأربع، هي: أن يكون «معنيّاً بالإنسان والتجربة الإنسانية»، «معنيّاً بحضوره في زمانه»، رافضاً كل خضوع للماضي وتقاليده»، «متحرّراً من كل سلطة موروثة أو شكل مسبق».(8) وهكذا، الشاعر الحديث، في منظوره، هو الإنساني، المعاصر، الرافض، والمتحرر.
ولعل تصدير يوسف الخال العدد الأول من مجلة «شعر» بمقالة للشاعر الأمريكي أرشيبولد ماكليش يربط فيها بين الشعر والحياة، ويعتبره وسيلة للمعرفة وإدراك الاختبار الانساني ومعرفة النفس، ويدعو إلى ممارسة فن الشعر، لأجل أغراضه وبمستلزماته الخاصة، بمعزل عن السياسة وحل مشاكل العصر، يضيء بعض الخلفيات التي انطلق منها الخال في وضع أسس ومنطلقات مشروعه الشعري،(9) حتى إذا ما كتب افتتاحية العدد الرابع من المجلة راح يؤكد على تلك الأسس والمنطلقات.(10)
ولتحقيق هذا المشروع، كان لا بد من أدوات، يستخدمها الشاعر ورفاقه، فكانت مجلة «شعر» أداة كتابية، وخميس مجلة «شعر» أداة شفاهية.
أ- مجلة «شعر».
شكّلت مجلة «شعر»، منذ تأسيسها، الحاضنة الحقيقية لحركة الحداثة الشعرية، في أحد أبرز تجلياتها الأشد تأثيراً في مسارها، فعلى صفحات هذه المجلة تجاور التنظير والتطبيق، فأوسعت صدرها للمنطلقات النظرية المستندة في جزء كبير منها إلى الاطلاع على الحداثة الغربية، وللمحاولات الشعرية الجديدة المتأثرة بدورها بالشعر الغربي الحديث. والمنطلقات والمحاولات راحت تتبلور شيئاً فشيئاً في مسار تدرّجي منذ العام 1957 حتى اتخذت صورة معينة مع توقف المجلة عام 1970.
على أن الحاضن كالمحضون كلاهما كان وليد الاصطدام بالثقافة الغربية؛ ففكرة تأسيس المجلة ومشروعها التحديثي هي الحلم الذي راود يوسف الخال في العام 1955، بعد عودته من الولايات المتحدة الأميركية.(11) وهو أرادها على غرار مجلة poetry التي كانت تصدر في شيكاغو «منبراً للمواهب الشعرية والمؤسسة في العالم العربي، ويكون مركزها بيروت»، كما أسرّ إلى الشاعر السوري نذير العظمة عام 1957.(12)
وبمعزل عن ظروف التأسيس وملابساتها، فقد لعبت المجلة دوراً كبيراً في وضع الأسس النظرية لمشروع الحداثة الشعرية، وفي احتضان المحاولات التطبيقية لهذه الأسس. و«كانت الناطق الرسمي لحركة الحداثة العربية المعبّر عن تيار نهضوي في الفكر والشعر والنقد موجود في بيروت ودمشق والمدن العربية الأخرى.»(13) و«أسهمت إلى حد كبير في تحرير الشعر من أسر التاريخ وقانون الجماعة، ومن نمطية النظرة الدينية الفقهية، أي من سلطة المعجم والماضي، مقدّساً كان أو تاريخيّاً. كما أسهمت إسهاماً واضحاً في دفعه إلى اتجاه التفكير الفلسفي والحدس وتحريض اللاوعي وتراسل الملكات.»(14) وأحدثت رجّة كبيرة في تاريخ الحساسية العربية الفنية حين «ذهبت بعيداً في مساءلة الأسس التي تقوم عليها الرؤى الفنية والحساسية الفنية والمراجع الفكرية والفنية»، على حد تعبير خالدة سعيد.(15) والمجلة فعلت ذلك، من خلال تخطي موضوع الشكل الشعري وتجلّياته في قصيدة التفعيلة أو قصيدة النثر مما يطفو على سطح الحداثة إلى الأعمق مما يتصل بإعادة النظر في تعريف الشعر نفسه، وتعميق مفهوماته ودوره، وفتحه على المغامرة الإنسانية الكبرى.(16)
ب- خميس مجلة «شعر».
إذا كانت المجلة شكّلت الأداة الكتابية لتحقيق المشروع اليوسف-خالي، فإن خميس مجلة «شعر» كان الأداة الشفاهية لتحقيقه. ولا ريب أن علاقة تكاملية كانت تربط بين المجلة و«الخميس»، فمحتوى المجلة هو مادة حوار في «الخميس»، وفعاليات «الخميس» يمكن أن تنشر في المجلة. على أن هذه الفعاليات تتراوح بين قصائد الشعراء، والحوار حول قضايا الحداثة الشعرية، والنقاش حول النتاج الجديد. ولم تكن الجلسات حكراً على الشعراء والنقاد بل كانت مفتوحة لمحبي الشعر والجمهور ما جعلها محوراً لحركة شعرية-نقدية-اجتماعية راحت تواكب المجلة، وتتسع، وتتعمّق حتى اكتسبت مشروعيتها مع الزمن، في مناخ قومي/ديني/سياسي غير مؤاتٍ، يضيق ذرعاً بأي تغيير.
وقد تمظهر هذا الصراع بين الوافد والمقيم، في جانب منه، في الخصومة التي اندلعت بين مجلتي «الآداب» و«شعر»، وما أُثير حول سياسة الأخيرة وتمويلها وعلاقتها بدوائر غربية، والحصار الذي ضُرب عليها. وبرأيي، هذا الصراع أدى إلى تقوية الحركة الجديدة، وإكسابها الشهرة والمشروعية.
وإذا كان زمان الحركة الشفاهية ثابتاً يوم الخميس من كل أسبوع، فإن المكان كان متغيّراً من خميس إلى آخر، من نادي متخرّجي الجامعة الأميركية، إلى قاعة في أحد الفنادق الكبيرة في رأس بيروت (بلازا)، إلى بيت يوسف الخال نفسه.(17)
– في التطبيق
لعل السؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو: هل طبّق يوسف الخال في شعره ما ذهب إليه في نظريته؟ وهل كان أميناً على الأسس التي وضعها، وعلى مواصفات الشاعر؟ وللإجابة عن هذا السؤال المزدوج لا بدّ من إضاءة نتاجه الشعري في أعماله الكاملة مما يضيق به هذا المقام، غير أن إضاءة الجزء قد تضيء الكل. ولذلك، سأقرأ في «البئر المهجورة»، مجموعته الشعرية الثالثة بعد «الحرية»، مجموعته الأولى، و«هيروديا»، مسرحيته الشعرية، مسترشداً بالسؤال المزدوج دون أن أقع في أسره.
في العنوان، يجمع الشاعر بين مفردتين متضادتين؛ «البئر» وما تثيره من دلالات الماء والكرم وري العطاش، و«المهجورة» وما تحيل إليه من هجر ونكران وعقوق…، ولعل الجمع بين هاتين المفردتين يمنح العنوان شعريته.
في القصائد التسع، يطرح الخال أسئلة الإنسان المعاصرة الوجودية، وهي أسئلة أزلية- أبدية، تتعلّق بالموت والحياة، والمصير، والخلاص، والسفر، والعودة، والقلق الوجودي…، أي ما ينتمي إلى حقل الداخل الإنساني. لذلك، راح يستعمل معجم الغيب والدين والأسطورة في تواشج معين، وبنسب تختلف من قصيدة إلى أخرى. هذا الاشتراك في الهم والمعجم والتركيب يدفعني إلى اعتبار «البئر المهجورة» أقرب إلى قصيدة واحدة طويلة منها إلى مجموعة شعرية. ولعل ما يعزز هذا الاستنتاج أيضاً هو أن الشاعر/ الإنسان يعتوره نقص داخلي ما في كل قصيدة ناجم عن عدم تكيّف مع واقع قائم فيروح يبحث عن كوّة خلاص تختلف تمظهراتها من قصيدة إلى أخرى، وتتعدد مسمّياتها بين: الشعر، الماضي القديم، المستقبل، الانتظار، الموت، التراب، الغرب، والبحر…، والقصيدة، عنده، هي هذا الترجح الدائم بين ما يعيشه الشاعر من واقع حاضر، وما يتطلع إليه من خلاص . وهنا، ندخل في شعرية التضاد بين هذين الحيّزين، أي شعرية المعنى والتركيب لا شعرية المفردات، مع وجود هذه الأخيرة بنسب ضئيلة.
على أن الواقع الذي يضيق به الشاعر قد يكون واقع الشعر نفسه، وتطلّعه إلى الخلاص قد يكون بالشعر أيضاً. وهنا، يطرح سؤال الحداثة الشعرية، الذي طرحه نظريّاً، بواسطة القصيدة؛ ففي القصيدة الأولى «إلى عزرا باوند» يعترف بواقع الشعر بقوله: «أثمنا إلى الشعر، فاغفر لنا/ وردّ إلينا الحياة»، ويعد بواقع مغاير، في عملية نقض وعرض مارسها في نظريته الشعرية، قبل ذلك: «لك الوعدُ: إنّا/ سنبني بدمع الجبين/ عوالم للشعر من عبقرٍ/ مفاتيحهن.» (ص197)(18).
وإذا كان الوعد بالجديد الشعري قطعه يوسف الخال إلى الشاعر الغربي عزرا باوند، فذلك ينسجم مع الرأي القائل أن دعوة الحداثة الشعرية هي وليدة الاصطدام بالغرب، وهو ما يكرّره في قصيدة «الدعاء»، حين يضيق ذرعاً بالحاضر (العربي)، ويحنّ إلى الماضي القديم (السوري الطبيعي)، ويرى في البحر (الغربي) خشبة خلاص ودماءً جديدة: «أيها البحر، يا ذراعاً مددناها/ إلى الله، ردّنا لك، دعنا/ نسترد الحياة من نور عينيك/ ودعنا نعود، نرخي مع الريح/ شراعاتنا، نروح ونغدو/ حاملين السماء للأرض دمعاً/ ودماءً جديدةً.» (ص230). هذا التطلّع نحو الغرب بما هو مرادف للطموح والأحلام والمغامرة الجديدة، نراه في قصيدة «السفر» التي تكتمل بقصيدة «العودة». وفي القصيدتين ثمة بحث عن شيء مفقود، وانتظار لغائب غير موجود. هو النقص يعتور الواقع، وينعكس على الشاعر، فيروح يبحث عمّا يردم به هذا النقص.
مشكلات الإنسان المعاصر، وما يتردّى فيه من وحدة، وعجز، وحيرة، ولاأدرية، وتطلّعه إلى خلاص ما، يطرحها يوسف الخال في قصيدة «الدارة السوداء»، فهذا الإنسان يعاني الوحدة: «وأنا في هذه الدارة وحدي/ جاثماً كالهمّ، كاللعنة، كالخوف/ على صدر الجبانِ،» (ص200)، ويعاني العجز: «أنا لا أجرؤ، لا أقوى على/ طمر العظامِ» (ص200)، ويعاني الحيرة: «أتراني اهجر الدار وأمضي،/ يدفن الأموات موتاهم وأمضي؟/ أين أمضي؟» (ص201)، ويعاني اللاأدرية: «آه لا أدري، ولكني أصلّي!» (ص202). ومع هذه المعاناة هو لا يفقد الأمل فيصلّي، ويتطلّع إلى خلاص يحرره من ماضٍ ثقيل وحاضر قاتم، فيتكامل تطلّع الشاعر في قصيدته إلى التحرر من الماضي والحاضر تطبيقيّاً مع دعوته النظرية إلى التحرر من أسر الماضي الشعري: «دارتي السوداء ملأى بعظامٍ/ عافها نور النهارِ،/ من يواريها الترابا؟» (ص199).
والمشكلات نفسها يطرحها في قصيدة «البئر المهجورة»، من خلال قناع إبراهيم، حيث يبدو سؤال التغيير مشروطاً بواقع افتراضي غير متحقق، ما يجعله صعب المنال: «لو كان لي أن أنشر الجبينَ/ في سارية الضياء من جديد/ […]/ تُرى يحوّل الغدير سيره كأن/ تُبرعم الغصون في الخريف أو ينعقد الثمر/ ويطلع النبات في الحجر؟» (ص203و204).
وإذ يطرح سؤال المصير في قصيدة «الجذور»، والعلاقة بين الموت والحياة، والعلاقة بين الإنسان والرب، يخلص إلى أن الموت والحياة وجهان لعملة واحدة، وإلى أن الأرض وحدها البقاء. وهنا، يلتقي مع ما تذهب إليه الأديان السماوية من حتمية التراب: «لنا التراب بيت رحَمٍ وكفنٌ/ وفي التراب تهبط الجذور صعداً/ فالأرض موردٌ، وحصادُ.» (ص208). هذه الخلاصة هي ما يجعله يرفض الكوكب المصطنع، وينحاز إلى التراب، فيدعو ربّه قائلاً: «رباه دعني ههنا لديك، دعني/ ههنا على التراب: هذا الكوكب/ الذي صنعتُ آخرٌ:/ زنابق الحقول لا تريده/ ولا الخراف في حظيرتي تريده/ ولا أنا أريده،» (ص212). ويتخطى مرحلة الدعاء إلى مرحلة الإيمان، فتتحرر الجذور/ الإنسان من القلق الوجودي:
«… والربيع مقبلٌ، / لا بد مقبلٌ، / من القبور والحقول مقبلٌ./ فالموت والحياة واحدٌ، / والأرض وحدها، البقاءُ» (ص213). هل نستطيع أن نقرأ في هذا المقطع استشرافاً مبكّراً للربيع العربي أم ترانا نحمّل النص أكثر ممّا يحتمل؟
هذا الترجّح بين الواقع والحلم، بين الإنسان والإله، بين الحيرة واليقين، بين الشك والإيمان، نقع عليه أيضاً في قصيدة «الحوار الأزلي». وعلى الرغم من تنكّر الإنسان لإنسانيته واختراعه الأعداء بنفسه، فيتألّب عليه غياب الحب، وباطل النطق، وتيه العقل، وفقدان الاتجاه: «… عروقٌ لم تعد/ تنبض بالحب أو البغض،/ لسانٌ ناطقٌ إلاّ/ بما كان له النطقُ، / وعقلٌ تاه في الدربِ، ولا دربُ.» (ص224)، فإن الشاعر/ الإنسان يؤمن بقيامةٍ ما تطوي سيرة الموت مستوحياً المعتقد المسيحي في هذا الجانب: « وما زال صليب الله مرفوعاً/ على رابية الدهر. به تمحى خطايانا، / به تورق آلام المساكين، / به تلمسنا أصابع الشك/ وتُطوى سيرة الموت على الأرض؟» (ص226).
هذه الأسئلة يطرحها يوسف الخال في شبكة من الثنائيات، يتحرّك فيها بين: الواقع والحلم، الوطن والمهجر، الإنسان والله، الحياة والموت، الشك والإيمان، الداخل والخارج، الإقامة والسفر، البر والبحر، الشرق والغرب…، ويندرج تحت طرفي كل ثنائية مفردات كثيرة. ولعل هذه الحركة هي ما يمنح النص اليوسف-خالي شعريّته.
وبعد، نصل إلى الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه، فنقول:
_ في الشكل، تندرج القصائد التسع في «البئر المهجورة» في إطار قصيدة التفعيلة، وإذا ما اعتبرنا أن هذا الشكل يقع في منتصف الطريق بين القصيدة العمودية وقصيدة النثر، لأمكن الاستنتاج أننا إزاء «نصف حداثة»، من حيث الشكل. ولعل ما يبرر ذلك أن قصائد المجموعة قد تكون كُتبت بالتزامن مع التنظير لمشروعه الشعري، وهي صدرت في العام 1958 أي بعد سنة واحدة من صدور مجلة «شعر» وإطلاق مشروعها الحداثي.
_ في المضمون، تتمحور «البئر المهجورة» حول تجربة واحدة، وتعكس اهتماماً بمحورية الإنسان في أسئلته الوجودية الكبرى، ووعياً بالتراث في بعديه الديني والأسطوري، ورفضاً للماضي والحاضر، وتطلّعاً إلى أفق جديد، واطّلاعاً على الثقافة الغربية. وهذا يعني أن يوسف الخال كان أميناً على الأسس والمواصفات التي وضع، بمعظمها. ولعل ذلك يعود إلى قرب عهد كتابة القصائد وصدورها في كتاب مع محاضرته التي ألقاها على منبر «الندوة اللبنانية» في 31/1/1957.
وإذا كانت نظرة يوسف الخال إلى الشعر تطوّرت مع الزمن، فإن ممارسته الشعرية لا بد أن تواكب هذا التطور بشكل او بآخر ما يمكن أن نراه في مجموعاته اللاحقة، غير أنه لا يمكن لأية ممارسة أن تكون انعكاساً آليّاً لأية نظرية، فليس ثمة وصفة جاهزة لكتابة الشعر.
خاتمة.
في الختام، وبعد ربع قرن على رحيل يوسف الخال، وبعد أربعة عقود ونيّف على توقف مجلة «شعر» عن الصدور، لا بد من التساؤل: ما الذي بقي من الشاعر: النظرية أم الشعر؟ وأيّهما الأكثر تأثيراً في مسيرة الشعرية العربية؟
من نافل القول أن يوسف الخال الشاعر باقٍ في شعره، وهو قد أثار أسئلة وجودية كبرى من خلاله. غير أن كثيرين ممن عاصروه فعلوا ذلك، وتجاوزوه في شعريّتهم وتأثيرهم في من عاصرهم وتبعهم. وبهذا المعنى، لم يشكّل الخال بشعره مدرسة لها أتباعها ومريدوها ومقلّدوها.
أمّا يوسف الخال المنظّر والداعية الحداثي، فتقتضي الأمانة التاريخية القول أنه سبق كثيرين في طرح الحداثة الشعرية، وفي توفير الأداة الحاضنة لها كتابيّاً من خلال مجلة «شعر»، وشفاهيّاً من خلال خميس المجلة. وبهذا، يكون أطلق حركة شعرية كانت لها تداعياتها الكبيرة على مسيرة الشعر العربي وما تزال. لذلك، يحق له التعبير عن سعادته بأن يلقى وجه خالقه والحركة في يمناه.
المراجع
1- نذير العظمة، أنا والحداثة ومجلة شعر، دار نلسن، الطبعة الأولى 2011، ص 37
2- الشعر العربي الحديث، أعمال الندوة الرئيسية لمهرجان القرين الثقافي الثاني عشر، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، الجزء الأول، ص 28.
3- المرجع نفسه، ص 121
4-one fine art. Com 
5- نذير العظمة، مرجع سابق، ص 63، 64
6- خالدة سعيد، يوتوبيا المدينة المثقفة، دار الساقي، الطبعة الأولى 2012، ص 95، 96
7- خالدة سعيد، المرجع نفسه، ص 37، 38
8- خالد سعيد، المرجع نفسه، ص 132
9- مجلة «شعر»، العدد الأول التذكاري، دار نلسن، ص 3، 4
10- الشعر العربي الحديث، مرجع سابق، ص 126، 127
11- خالدة سعيد، مرجع سابق، ص 95
12- نذير العظمة، مرجع سابق، ص 86
13- نذير العظمة، المرجع نفسه، ص 53
14- خالدة سعيد، مرجع سابق، ص 130
15- خالدة سعيد، المرجع نفسه، ص 35، 36
16- خالدة سعيد، المرجع نفسه، ص 109
17- نذير العظمة، مرجع سابق، ص 53، 86
18- يوسف الخال، الأعمال الشعرية الكاملة، دار العودة، 1979 .  

سلمان زين الدين
شاعر وكاتب من لبنان
 

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …