أخبار عاجلة

الحمار والجثة

(1)
كانوا قد انتهوا من حرث الأرض بعد ثلاثة أيام مجهدة، ونثروا في ذلك الوادي خمسة مطامير من الشعير، واستعدوا للعودة إلى ماريش مع أول خيوط الصباح. في الليلة الأخيرة ناموا كما فعلوا في الليالي السابقة. افترشوا التراب فوق شجيرة السدر التي جمعت حولها تلا صغيرا من التراب، حيث احتموا بأشواكها من الذئاب والضباع الجائعة، وتركوا موقد الحطب بينهم تذوي ناره تحت الرماد.
كالعادة استيقظ عاشور أولا، وأخذ يلح على رفيقيه للاستيقاظ، وهو يضع الحطب في الموقد وينفخ في ناره الذاوية. استيقظ مبروك وهو متأفف، ونظر نحو الأفق فلم ير الإ الظلام، فجلس يحك رأسه، ثم يعيد طاقيته إلى مكانها، وأخيرا استيقظ بلعيد. عندما استوى جالسا صرخ بكل قوة، بينما كانت النار تتأجج في الحطب الهش. رفع عاشور الفأس وهوى بها على الأفعى الصغيرة التي خرجت من تحت عباءة بلعيد، فقطع رأسها. أدرك أنها أفعى من نوع أم جنيب، وهي أخطر أنواع الأفاعي بالرغم من صغر حجمها، وأدرك أن صاحبه ميت لا محالة، على بعد يومين من ماريش.
أسنده مبروك حتى تمكن من الجلوس، بينما كان وجهه شاحبا، وأطرافه ترتعش. أخرج عاشور سكينه، وبحث في جسمه عن المكان الملدوغ ليبتره، فهو الحل الأسرع والأفضل في مثل هذا الموقف، إلا أنه وجد أن الأفعى عضته في بطنه، حيث تسللت بحثا عن الدفء، وحيث نامت معظم الليل. ضرب مبروك رأسه وقال «لا حول ولا قوة إلا بالله». بينما أخذ عاشور يدور حوله لا يعرف ماذا يفعل. وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، ومن بين الرغوة التي خرجت من فمه، قال بلعيد «وصيتي تدفنوني في ماريش».
(2)
ربطاه فوق الحمار بعد أن لفوه في عباءته. لم يبرز من العباءة الا نعلاه وقدماه المتورمتان. كان مبروك يفضل دفنه في نفس المكان، إلا أن عاشور نهره بشدة فالوصية لابد أن تنفذ مهما كانت الصعاب. تقدم فمسك لجام الحمار وقاده نحو الغرب، وهو يردد «لا إله إلا الله»، بينما اختار مبروك أن يمشي خلف الحمار وهو يقول «تري تري».
كان عليهما أن يختصرا الطريق ليصلا في نهاية اليوم إلى ماريش، وهو ما يعني أنهما سيخاطران بعبور واد خطير، وخاصة بعد أن هطلت الأمطار على الجبال، وهي الأمطار التي جعلتهم يجازفون بالحرث في هذا الوادي، الذي يتحاشاه معظم أهالي ماريش بسبب بعده، وأفاعيه وعقاربه وخاصة عندما يعودون في الصيف ليحصدوا ما زرعوا، لكن احتباس المطر ثلاث سنوات متتالية لم يترك لهم خيارا، اعتمدوا على خبرة عاشور بأحوال الطقس، وخاصة بعد أن أكد لهم أن العام سيكون صابة، وأن هذا الوادي سيغنيهم بشعيره خمس سنوات كاملة.
جاءوا بالحمار وتموينهم الذي تعودوا حمله في مثل هذه المشاوير. دقيق الشعير، الزميطة، وزيت الزيتون، بالإضافة إلى بعض التمر والتين المجفف، ولم ينسوا الشاي والسكر، أما المحراث السوري فقد تعودوا على تركه في مغارة تطل على الوادي، وبذور الشعير كانت تنتظرهم في مطاميرها تحت الأرض. تركوا فقط علامات تدل عليها. أحيانا عندما يحتبس المطر سنوات أطول يأتوا للوادي ليعودوا بالشعير الذي طمروه، بدلا من زرعه تحت سماء بخيلة.
طوال الوقت كان عاشور يفكر ليس في عبور الوادي المزبد، وإنما في عبور حقل الألغام الذي لم يخبر بلعيد عنه، خوفا من أن يرفض عبوره. قرر أن يغامر ولكنه سيخبره بعد أن يتجاوزا حقل الألغام. اعتمد على القصص المتواترة التي أكدت أن عددا من الأشخاص عبروا حقل الألغام دون أن ينفجر لغم واحد تحت أقدامهم، ودعا الله أن يحميهما ببركة جده الماريشي الكبير.
(3)
عند الظهر وصلا إلى الوادي، وسمعا صخب المياه من بعيد، وهي تتدفق بقوة في مجراه الذي يتسع ويضيق. اختار عاشور أضيق مكان بحيث قدر أن عليهما أن يتخطياه في عشرين خطوة فقط. أعاد ربط الجثة فوق الحمار، ونزعا عباءتيهما وربطاها فوق الجثة. طلب عاشور من مبروك أن لا يدع الحبل يفلت من يده مهما كانت الظروف. شمر عن سرواله، ومسك لجام الحمار بقوة واندفع وهي يصيح «يا لله..يا الله». ترنح في الخطوتين الأولى والثانية، ثم سار مستقيما يتحاشى الصخور التي غمرتها المياه، أما مبروك فقد تشبث بمؤخرة الحمار، وبالحبل الذي ربطا به الجثة، وكان الحمار متحفزا رافعا أذنيه ورأسه، وفجأة ارتفعت المياه، وضربتهما موجة قوية محملة بالتراب والحصى. دار الحمار حول نفسه، وكاد أن يعود إلى الضفة التي جاء منها، وبذل مبروك مجهودا خارقا ليعيده إلى الضفة الأخرى، وعندما وضع قدمه على التراب الجاف، التفت باحثا عن عاشور الذي كان يتوقع أن يسبقه، ولكن لم يكن لعاشور أي وجود، ترك الحمار وأخذ يجري مع ضفة الوادي، لمح فرملته الزرقاء وقميصه الأبيض وهو عار الرأس، تحمله المياه المزبدة وتنعطف به انعطافة حادة، أخذ يجري وهو يصرخ «يا لطيف..الطف..الطف».
بعد مشوار وجده عالقا بين صخرتين، وقد تحطم رأسه، عاد إلى الحمار الذي وقف مبهوتا في مكانه دون حراك، بينما الجثة تحت العباءة تنتفخ، حتى أنغرز النعل في لحم القدمين.
تمكن بشيء من الصعوبة من انتشاله، ربط جثة عاشور بحبل وجره بالحمار، وعندما مد الجثة أمامه أدرك حجم مأساته. في نفس اليوم يفقد أعز صديقين في حياته. جلس على الأرض وأخذ يلوح التراب على رأسه «يا حليلي هيه ووك علي ووك»، بينما الوادي ما زال يهدر بعنف.
تناول الفأس وأخذ يحفر بكل قوة، بينما جسمه يرتعش، واكتست ملامحه علامات الغضب والحزن والمرارة. وضع عاشور في القبر بكامل ملابسه، وردمه بالتراب والصخور، ولم ينس أن يجمع الأشواك والزرب خوفا من أن تنهشه الذئاب والضباع. ترك علامة واضحة على القبر، وقرأ الفاتحة داعيا الله أن يرحمه، وأن يحسن إليه، ويسكنه الجنة التي وعد، وغادر يقود الحمار وفوقه الجثة دون أن يلتفت إلى الوراء، بينما عبر السماء التي تناثرت فيها السحب البيضاء غراب ينعق، فانقبض قلبه بشدة، ولكنه واصل سيره الحثيث.
(4)
كان يسير مطرقا لا يستطيع إيقاف سيل الذكريات في رأسه، فقد ولد الثلاثة في عام واحد، وختنوا في حفل واحد، وتزوجوا في نفس العام، ولم يفترقوا حتى عندما جندهم الطليان بالقوة، فوجدوا أنفسهم يحاربون الفرنسيين في غدامس. كان عاشور بذكائه الحاد أول من شعر أن الطليان سيخسرون المعركة، فثبت مدفعه على زاوية قائمة وأطلق الطلقة بعد أن طلب من الجميع الابتعاد. عادت الطلقة فدمرت المدفع الذي انطلقت منه، وهكذا انسحبوا من المعركة. عبروا حقل ألغام كامل في الظلام دون أن يدركوا ذلك، وعادوا من غدامس إلى ماريش على أقدامهم. باعوا أسلحتهم لقبائل الزنتان مقابل ملابس مدنية وحمير وبعض الطعام.
الآن صديقاه جثتان هامدتان، واحدة تنتفخ فوق حمار مذعور، والثانية مدفونة بجانب واد ثائر. عند العصر أدرك أنه توغل في حقل الألغام الذي لم يخبره عاشور عنه. توقف وأخذ ينظر حوله. رأى بقايا سياج معدني متناثرة، ويافطات معدنية صدئة رسم عليها جمجمة وعظمتان، وكتابة أجنبية وعربية فأدرك أنه في قلب حقل الألغام، وأنه لا فرق بين أن يعود أو أن يمضي قدما. قرر المجازفة. أعاد ربط الجثة على الحمار، وأدرك أنها تتفسخ. ربط حبلا طويلا في بردعة الحمار، بحيث ابتعد خلفه عشر خطوات، وأمر الحمار بأعلى صوت «تري..تري»، فاندفع الحمار بخطوات نشطة. كان يحرص أن يدوس في نفس الموضع الذي داس عليه الحمار، وهكذا قطع شوطا دون أن يحدث مكروه، متذكرا ليلة أن عبروا حقل الألغام في الظلام بعد معركة غدامس، وشيئا فشيئا تخلى عن حذره الشديد، وارتخت قبضته وهو يمسك بالحبل، بينما كان الحمار الذي نال منه العطش والجوع يسعى بكل جهد للوصول قبل الغروب إلى مربطه في ماريش، وفجأة انبثق الدوي خلفه، وارتخت القبضة التي كانت تمسك الحبل بكل قوة، فأخذ يعدو بسرعة بينما الجثة تهتز فوق ظهره. وعندما توقف والتفت شاهد الغبار يهطل فوق ما تبقى من جثة صاحبه.
عند الغروب توقف الحمار في مربطه أمام بيت مبروك، وأخذ ينهق بشدة، ويركل الهواء بقائمتيه الخلفيتين محاولا التخلص من الجثة التي تفسخت بشدة.

قاص من ليبيا يقيم في هولندا

شاهد أيضاً

سائق القطار

قال : في البداية كاد يطق عقلي . اجن . كدت ان اخرج من ثيابي …