أخبار عاجلة

الخارج توا من العدم

كانت السماء بلون أزرق مشوش ، أزرق كليلة من ليالي (كورسيكا). وفي ذلك الصباح ، كانت السماء مكفهرة .. مكلفة بأن تعطيه إشارة . لم يكن ينتظر جواب سؤال ما. إشارة فقط . البشارة بأن شيئا ما، لا يهم ماذا، قد، أو أنه ، سيتغير. هو، كان كاتبا، لامن هؤلاء الذين يبيعون أنفسهم في السوبر ماركت ، محشورين بين أدوات الاستعمال الكهربائية ، الفواكه والخضراوات . كان من هؤلاء الذين لا يبيعون أنفسهم .

الكتابة فن أناني، على شرط اعتبار الأدب كشكل من أشكال الفن بالطبع ، وسيلة تعبير ما، ربما لم تكن الاشارة تأتي. التجاعيد بدأت تشقق جبهته . تشققات عميقة كما الضجر.

جسم صغير متوقف عن النمو بفعل سنوات من الشكوك . بنظارات كثيفة لقصر النظر، ويد ناحلة متشنجة على قلم حبر سائل رخيص . نظرته ، مندمجة بنافذة غرفته مائلة السقف ، كانت تنقب العدم : تشابك سقوف بلا اسم التي وحدها ربما تستطيع تمييزها هوائيات التليفزيون التي غرست فيها، كأنها حيوانات تخص كل منها قبيلة أو كأنها تلال شعائرية .

هذا العدم كان يسمح له مع ذلك بالبحث في ذاكرته البهلوانية ، التي أصبحت مهتزة بسبب استخدام كسول .. كان الكاتب يعرف الوقت القصير الذي بقي له . لم يكن الموت لهذه اللحظة المباشرة ، لكن الشيخوخة كانت قد اتخذت مسكنا في جسده العجوز. وهذا لم يكن ليبقيا فوق الحد. كان هذا قد تبدى كمصير كل واحد. مع ذلك فقد كان في الأوقات الأخيرة يحس

بتعاطف مخلص مع (شامبو ليون )، متأكدا أنه كان قريبا من الهدف وغير قادر رغم هذا على تأخير الموعد.

بعد نصف قرن من التجوال ، لم يعد الكاتب يشك . كان متأكدا أنه صنع من ريشته شيئا عظيما، متفردا ، شيئا يملكه بشكل كامل ، أكثر من هذا : عمل اليه ينتمي هو بشكل قاطع .

ستة عشر عاما وهو يهبه كل وقته . أرضية غرفته كانت ممتلئة ، ببطاقات سياحية وبحرية تغطي الجزء الأكبر من الشرق الأوسط ، وبكراسات مطوية من كل نوع أيضا، مما كان يمنع الزائر من وطء الأرضية بقدمه . بلا أهمية : الزائر كان قد تغيب بشكل فضولي مع التقدم الذي كان يحرزه في عمله .

هذه الكومة من الوثائق المتحركة جاءت لترسو حول طاولة من خشب فظ كانت تقوم بمهاو مكتب ، وكانت أيضا ممتلئة بوثائق مختلفة : ملاحظات مأخوذة خلال رحلات أيام الشباب ، ملصقات قديمة ، صور ووثائق أرشيف مسروقة من مستودع كانت البلدية تستخدمه لوضع أي شيء فيه .

موضوع روايته ؟ لم يكن الرجل العجوز يتكلم مطلقا عنه ، أو قليلا. أصدقاؤه القليلون كانوا يستطيعون بشكل بسيط القول عنه أنه يتعلق بجهد جبار وطموح يبحث في ولادة علوم ما وراء الطبيعة في بلاد فارس ، عن تطوره ، ونزوحه ، في الساعات الأولى للبشرية . كل هذا محكوم بحبكة روائية . كان البعض يضيف : (لن ينجح أبدا!) . وآخرون : (ما دام أنه يجد نفسه ..) كان قد توجب على الكاتب نفسه ملاحظة أن مشروعه قد كان بحق ضخما بلا مقاس . لكن بدلا من أن تثبط عزيمته ، أخذ في مضاعفة جهوده متأكدا أنه قادر على ايصال مشروعه شاطيء الأمان . رغم كل شيء، فقد جهد كثيرا في تمحيص الوثائق بالدقة الأكثر اكتمالا من الجد، إلا أنه لم يكن يتمكن من إعادة لجم القطع المتناثرة من سرده . حتى هنا فالفصول كتبت تقريبا رغما عنه . لقد نضجت في داخله . ولم يتبق عليه سوى قطعها لوقت طويل جدا، كان قد امتلك الشعور بأن الكلمات تهرب منه قبل أن يكون الحبر قد أمسك بهن وهو ينشف والآن قد وجد الصياغة ، ها أن كل هذا لا يكفي!! أوه ، بالطبع كانت الفصول جميلة ومعتنى بهن بشكل خاص إن كان على صعيد قيمتهن الأدبية أو التاريخية ، لكن ما دمن قد امتلكن روحا الآن ، فان ما ينقصهن المفتاح الذي يسمح لهن بالتمفصل معا.

انخرست فجأة الريشة قبل أن تعاود الهبوط فوق الخشب . انطفأ الرأس قبل أن يستريح لكيلا ينضب ولكي يعاود الانطلاق كان متوجبا تغذيته .

مرة أخرى وجد الكاتب نفسه بمواجهة هذا الفقدان غير المحتمل : الشعور في ذات الوقت المطمئن والبغيض بأن القطعة التي تنقصه لأجل انجاز عمله ليست ببعيدة . حاول عدة مرات الالتفاف على المشكلة ، لكن كان قد تحتم عليه الاعتراف بأن القطعة المفقودة كانت في نفس الوقت المفتاح الرئيسي الذي سيمكنه من رفع دعائم عمله 0.. الاشارة جاءته أخيرا من السماء، لكن بطريقة مثيرة . كانت بحثا متعلقا بالطيران سنوات الثلاثينات ، وجده عند بائع غامض للكتب المستعملة ، كانت الشيء الذي أعطاه اليقين المطلق بأن ما يبحث عنه موجود فعلا، المالك الأصلي للكتاب كان قد قص مقتطفات متنوعة من جرائد ذلك الزمن وألصقها فوق الصفحات المخصصة للملاحظات الشخصية . لم يكن أي منها بحق ذا أهمية كبيرة ، وكان الكاتب سيتناسهن بسرعة لولا أن الصمغ كان قد فقد شيئا من مقدرته على اللصق مع المقالات ، نجت بمعجزة إحدى الدعايات التي جعلت الرجل العجوز يختله : كانت إعلانا يتعلق بمناسبة صدور كتاب يبحث في أعمال السحر بمصر القديمة . أما الاشارات الدقيقة عن محتوى الكتاب فقد كانت قليلة ، لكنها كانت كافية لتسمح له بتفحص المستقبل بتفاؤل ، كانت هناك صعوبة واحدة : اسم المؤلف كان وللأسف قد ذاب في الصبغ ولم يكن هناك شيء يسمح بتحديد الجريدة التي منها تم أخذ هذه القصاصة .

في هذه الأثناء ، أخذ الكاتب في الخروج من بيته بشكل متكرر، شيء لم يكن من عاداته حتى تلك اللحظة . كل مرة كان خروجه مدفوعا بالأمل أن هذا الكتاب كان قد استمر بالعيش رغم سبعين عاما من النسيان تقريبا. بحثه عنه في المكتبات لم يؤد الى نتيجة . مع أنه كان قد استخدم كافة الوسائل الحديثة في الاتصالات . الكتاب المذكور لم يتم أبدا إعادة طبعا. عدة مؤلفين، أوروبيين وأمريكيين كانوا هم أيضا قد انكبوا على دراسة التقاليد في مصر القديمة ، لكن عملهم ، الذي كان زمنيا أكثر قربا تكشف عن كونه قليل الجدارة بالاهتمام .

الرجل العجوز وجد نفسه مجبورا إذن أن يطلق عنانه في بحث ممل عند مؤرخي آثار غالبا ما كانوا قليلي المعلومات أو عند بائعي الكتب أكثر من الكتب نفسها. لكن الكاتب صمد برغم كل شيء مدفوعا من أفق إمكانية أن يضع أخيرا اللمسات النهائية لروايته ، انكب ببحث مضن ، لا يتوصل أثناءه للامساك بأثر لكتابه إلا لكي يفقد هذا الأثر من جديد.

لقد امتلك الحق بكل الاخفاقات بائع كتب مستعملة ، خارجا من خموله لسبب نجهله ، جلب له خرقة جريدة من الستينات وتبحث في فن الفخار المملوكي، أخر أكد له بأن لديه ، بدون ظل لشك ، الكتاب المطلوب ، وعاد خائبا، ثالث أكد له بأنه لديه راه في المكتبة البلدية ، التي كان الكاتب قد فتشها بغربال لأسابيع عدة ، آخر قدم مقولة أخيرا مفادها أن متحف علوم الفراعنة بالقاهرة يحتوي بلا شك على نسخة وهذا قبل أن يدير له ظهره متوجها لزبون آخر يود الحصول على بضع تفاهات للسخيفة باربارا كارتلانا.. باختصار، فالوقائع لا تتخذ تماما السباقات المأمولة في البداية . بعث بعدها بعدة رسائل لقسم الأرشيف في المكتبة الوطنية ، لكن حين وصله أخيرا جواب ، فقد كان لابلاغا أن ليس لديهم أي علم بوجود كتاب ، كهذا، كاتب الرسالة هذه اغتنم الفرصة ليطلب بأدب لمراسله أن يتلطف باعلامه بأي تقدم يحصل في أبحاثه . لا شيء كان في هذه المرحلة يدل على أن مسعى العجوز سوف ينتهي نهاية ايجابية .

فقط بعد سنة من الاخفاقات المتكررة حدث شيء لا متوقع : تاجر كتب مستعملة مجهول لحد ذلك الوقت ، أعلن فجأة وبمصاريف كثيرة ، عبر الراديو والصحف واسعة الانتشار، وصوله حديثا للمدينة . الاعلان كان يتكلم عن عدة مئات من العناوين المختلفة ، تهتم بأعمال متنوعة بشكل غير معقول ، ويتبجح الاعلان بشكل خاص ، بقدم وقيمة بعض منها.

كان الاعلان يضيف (هاتوا لنا الدليل أن الكتب التي تبحثون عنها قد وجدت، واذا لم تكن في مخزننا، فإننا نلتزم باهدائكم عشرة أعمال من اختياركم ) . مبدئيا ما من شيء كان يسمح للكاتب بأن يتخيل العثور على كتابه في هذا المكان من دون الأمكنة الأخرى. مع هذا مزودا بالعنوان وبصورة عن الاعلان الذي ينص على صدور بحث عالم الآثار المصرية . اتجه الى هناك .

صدقا، لم يكن يعتقد أن يجد هناك مثل هذه المجزرة ، لقد فعل الاعلان فعله: كان الحانوت ممتلئا ، ضحية لهجوم فعلي من حشد من الكائنات غير المحتملة ، بشكل مرئي فقد كانوا مهتمين بالأسعار الرخيصة أكثر من اهتمامهم بالأدب . رجل الأدب تم تقاذفه في كل الاتجاهات . مواجها هؤلاء المتوحشين الذين كانوا يعبثون بأصابعهم الصقعة كتبا ذات قيمة عالية ، وقد عانى من صعوبات جمة للحفاظ على برودة أعصابه . شعور كان متقاسما مع بائع الكتب الذي اضطر الى الدخول في المعمعة لأجل الحفاظ على أملاكه .

حينما أصبح كل شيء تقريبا هادئا، عاد البائع ليحتل مكانه خلف صندوق المحاسبة ، الذي كان أيضا عارضة زجاجية للكتب الأكثر ندرة . تقدم الكاتب بابتسامة صادقة وفرد بخجل الورقة التي صورها عن المقال .

أمسك البائع بالوثيقة الممدودة وعقد فجأة حاجبيه :

– أفترض أنكم لا تعرفون اسم المؤلف .

أجاب الزبون بقلق أنه لا يعلم حقا. لكن محادثه طمأنه قائلا له الا يقلق ، بأنه يعتقد بإمكانية اجابته طلبه .

اختفى في العلية الخلفية للحانوت ، تاركا المؤلف وحيدا مع انتظاره .. عاد بعد عشر من الدقائق معتذرا لتأخيره له . ابتسامة كبيرة كانت قد شكلت شفتيه:

– ولدي متأكد بأنه رأى هذا الغلاف في مكان ما، والعنوان يعني له شيئا.

ابتسم الرجل العجوز بدوره .

– لكن فقط .. أضاف مالك المحل ، يتوجب عليكم أن تجدره في هذه الفوضى! إنكم تتفهمون .. لقد استقررت لتوي هنا ولم أحصل على الوقت الكافي لوضع قليل من الترتيب في كل هذا!..

تابع الزبون الأصبع الذي كان التاجر يشير به نحو ركام من الكتب ووعي للمرة الأولى حجم الكارثة : حينما لا ترقد ببساطة في علب كرتونية مبتورة ومغبرة ، فالمجلدات كانت قد وضعت لكيلا نقول رميت على عجل فوق رفوف مهتزة لا تنتظر سوى نفخة لكي تتهاوى فوق المتطفل الساهي.

تجاوز الكاتب مع ذلك هذه الصدمة ، قائلا لنفسه إن الأمر هنا يتمثل في كونه آخر محاولة . جعله هذا يبتسم ويشمر عن ساعديه مفتشا بدقة منهجية كرتونة بعد أخرى رفا بعد رف كان يحل العقدة ، أحيانا فإن زبونا عديم الذمة وغير كتوم كان يعطل بحثا لكن لم يكن يعير ذلك أي اهتمام .

كانت دقة الرجل العجوز من الكمال لدرجة أن بائع الكتب كان أحيانا يسأله أين يقع هذا الكتاب أو ذاك ، حتى الزبائن كانوا متأكدين من أن صاحب الحانوت الفعلي هو الكاتب .

مع مرور الوقت ، كانت الجهود تصبح شيئا فشيئا مؤلمة للعجوز، الذي لم يكن ليرتاح . يوما بعد يوم ، خلال عدة أسابيع ، كان قد فتش الزاوية الأصغر في المكتبة ، متأسفا من أن التاجر كان يرفض له الدخول لمحله أيام العطل .

حينما أخذ الاحباط بالاستيلاء عليه ، ه قع على خيط جعله يستعيد شقته : كتب تاريخ لنهاية القرن التاسع عشر وبداية قرننا هذا.

هذا الخيط كان يحتوي على مئات من المجلدات . لا شيء بالمقارنة مع العناء الذي تم بذله من قبل . أثناء بضعة أيام بدت له كأنها شهور، أضحى الكاتب غير قادر على متابعة أبحاثه المضنية . كان الشتاء قد تسلل بتكتم في الشوارع ولم يستثن موكبه الطويل من الميكروبات الرجل المتعب العجوز. اختفاؤه تم بالطبع ملاحظته من صاحب المكتبة ، لكنه لم يتخوف من ذلك . وقال لنفسه بأن زبونه الأكثر مواظبة قد انتهى أخيرا بالعثور على ما كان يبحث عنه في مكان آخر.

رجل الأدب لم يكن قد استعاد بالتمام عانيته من الرشح ، حتى قفز داخل حذائه البال لمعاودة سلك الطريق التي قطعها مرات ومرات والتي توصله للحانوت . لم يمسه في الطريق ، وممتليء بفرح غير منعم على كل شخص متواجد بـ "يوم سعيد" مسرحية !! ابن مالك المحل تعرف مباشرة على القادم الجديد واندفع رأسا اليه ، ابتسامة موسومة فوق الشفاه ! آه : سيدي المقدام ! سوف تجنون من الفرح خلال غيابكم ، زوجتي وأنا وضعنا الأمور في نصابها في أشغال أبي الآن كل شيء مرتب حسب الحروف الأبجدية سيكون الأمر أكثر سهولة لكم الآن تأكد الكاتب من مصداقية أقوال الشاب ملقيا بنظرة حزينة حوله . ثم تمتم بكلمة ، الرنين منها كان يحملنا بفضول على التفكير بـ "مغفل ".

خرج ..جفونه كانت بصعوبة تستطيع احتواء الدموع التي تدافعت فيها.

قبر الكاتب لا يتميز بشيء عن أي قبر . صغير وكئيب ، حتى حين لا تمطر ..مزهر أحيانا لكن في أغلب الأحيان بسبب حارس المقبرة المهتم بالحفاظ على ما يشبه العدالة بين زبائنه .

منحوت على شاهدته اسمه وتاريخان .

في الأسفل : صورة مسحوبة من ألبوم ذكريات واحد من أقربائه .

في الأسفل أيضا : أربع كلمات منزوعة بعجل من إحدى قصصه التي كان قد كتبها في شبابه ، والآن مجردة من معناها لكونها منزوعة من سياقها.

 
 
 
قصة: ستيفان فيري
ترجمة: أحمد النسور (قاص ومترجم من الأردن)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …