أخبار عاجلة

الدلالات الأسلوبية البنيوية بين عبدالقاهرالجرجاني وميكائيل ريفاتر الجرجاني وريفاتر: على القارئ الاجتهاد لتحديد العلاقات المشفرة في النص

تتشاكل أسلبة التفكير النقدي في موضوع الأسلوب ، فليس ثمة انقطاع بين قديم ومحدث أو بين لغة ولغة فالسياق التفكيري في حقل الدراسات الأسلوبية يكاد يتّفق في جميع المضامير،ويتشاكل في كلّ الرؤى لذلك فالعلماء الأسلوبيون تراهم  يبحثون مواضيع متداخلة متناغمة ومتكاملة يكمل فكر هذا الناقد فكر الآخر ويوفيه حقه من النظر والتفتيش ، لذلك فليس مستغربا أن يتوافى تفكير عبدالقاهر الجرجاني البلاغي مع تفكير ميكائيل ريفاتر الأسلوبي من حيث تركيزهما معا على المتلقي وتخويله فطنة الاستقراء الإبداعي القائم باستظهار خفايا الإبداع في النّص التي تلتقي في النهوض باستجلاء الظواهر الأسلوبية الكامنة الخفية في النصّ ، ولا يمكن السير في اتجاه تفتيق جماليات الأسلوب إلاّ باستثمار عنصر السياق الأسلوبي أوالسياق الفني الذي هو عنصر أساسي في تشكيل الظاهرة الأسلوبية، من حيث تمثيله للخصوصية الإبداعية لمؤلف دون الآخر في نسجه للكلام نسجا منظما وخرقه للمؤلوف خرقا فنيا.
ملامح التلقي لدى عبدالقاهر الجرجاني:
يعتبر عبدالقاهر الجرجاني في عداد البلاعيين السباقين إلى التنقيب عن الفعاليات الإبلاغية التواصلية حيث عوّل بكلّ وضوح على استثمار قوى التلقي في إثراء المادة اللّغوية الإبلاغية ، وخاطب المتلقي في مواضع عديدة من كتاب دلائل الإعجاز سامعا وناظرا ومتصفّحا وقارئا .(1)
 فالمتلقي المبدع هو من يقوم باستقراء مكونات الخطاب اللّغوية واكتشاف خفاياه لأنّه في نظر عبدالقاهر موكول به التنبّه إلى مكان الخبء ليطلبه ، وموضع الدفين ليبحث عنه(2) ، لأنّ اللّغة في العرف البلاغي العربي مِلْكُ السامع وهي طيعة له  .
وكذلك يتّسق تفكير عبدالقاهر الأسلوبي مع سعي التنظير في هذا الحقل مثلما هم مجمعون عليه من حيث اشتراط إدراك العلاقات الترابطية بين الكَلِمِ ، فالتشاكل الوظيفي هو المفسرة في ضوئه مختلف الترابطات اللّفظية حيث لا نظم في الكلام ولا تنسيق ( … حتى يعلق بعضها ببعض ويبنى بعضها على بعض ، ويجعل سبب هذه من سبب تلك …)(3).
     فالفطن البلاغية والمهارات الفنية التي يمتلكها القارئ مدخل لكشف أسرار النّصّ الداخلية وبنيته ، لأنّ ( …من حذق الشاعر أن يوقع المعنى في نفس السامع إيقاعا يمنعه به من أن يتوهّم في بدء الأمر شيئا غير المراد ، ثمّ ينصرف إلى المراد …)(4)، فالعناصر البنائية المرافقة لحس الإنشاء الأسلوبي من طبيعتها التشخّص والظهور لا بقصد التنميط بل من أجل التذوّق (… والتوصّل إلى أسرار النّصّ الداخلية وبنياته يمثّل القراءة الصحيحة التي تتوخّاها البنيوية ، وتجعلها مدار منهجها التحليلي الذي يجعل من القارئ السلطة التابعة لسلطة النّصّ …)(5).
     وإذا كان من خلل أو نقص يذكر في هذا الموضع من تداول منهج التحليل الأسلوبي البنيوي ، فإنّه يكون جديرا بنا لفت الانتباه إلى بعض الإشكال الذي ساد التفكير البلاغي النقدي الأدبي العربي القديم ، وبالتحديد عندما ساد منهج التخطيء بعض القراءات النقدية العربية القديمة نعتقد أنّ مردّ الارتباك في الموضوع متّصل بسوء تقدير بعض الدارسين لمسألتي مفهومية الخطاب من استحالتها ، وذلك ما عبّر عنه الآمدي(6) حين وضع عنوانا في الموازنة أسماه أخطاء أبي تمام في اللّفظ والمعنى والحقيقة أنّ الألفاظ دالة بطبيعة صدورها النفسي على اعتبار أنّ كشف قناع المعنى مرهون بمدى مهارة القارئ في ابتكار القراءات والتأويلات التي يولّدها التفهّم المستطرف وقد لخّص الآمدي فوضى التطوّع في ابتكار أساليب البديع في سوأة الوقوع في المحال.
      لقد أشاد ميكائيل ريفاتر(7) بدور القارئ الذي يسهم من وجهة نظره في كشف وتحديد الوقائع الأسلوبية المرتبطة بعملية التلقي انطلاقا من قوله: لا دخان بدون نار ، حيث يتداول الضمني بالمعلن أي جهات الكلام نتيجة لمثير في النصّ ففي كلامه على موضوع إجراءات التحليل، ذهب ريفاتر إلى أنّ دارس الأسلوب يسجّل ملاحظات عن ردود فعل القارئ مستخدما إياها على أنّها مجرّد مؤشّرات لعناصر لها أثرها في البنية .(8)
     لقد أحاط عبدالقاهر الجرجاني(9) بهذا المكتنف البلاغي الذي يتمخّض عن إنتاج الأساليب والعبارات حين قال: (… واعلم أنّك لا تشفي الغلّة ولا تنتهي إلى ثلج اليقين حتى تتجاوز حدّ العلم بالشيء مجملا إلى العلم به مفصّلا ، وحتى لا يقنعك إلاّ النظر في زواياه ، والتغلغل في مكامنه ، وحتى تكون كمن تتبّع الماء حتى عرف منبعه ، وانتهى في البحث عن جوهر العود الذي يصنع فيه إلى أن يعرف منبته ، ومجرى عروق الشجر الذي هو منه …).
يستوي عبدالقاهر مع ريفاتر في طلبهما معا بذل الاجتهاد من قبل المتلقي بغية التوصل إلى تحديد العلامات المشفرة في النّصّ ، والتركيز على القارئ المتحكّم في مهارة الاستقراء حيث يجب مراعاة كلّ كلمة وفق مرجعياتها المعجمية .(10)
   يحثّ عبدالقاهر المتلقي على اقتفاء أثر المعاني والدلالات المخبّأة بين العروض البلاغية والأسلوبية التي تنهض لا متناهية بين ظلال العبارات  ( … لأنّ المزايا التي تحتاج أن تعلمهم مكانها وتصوّر لهم شأنها أمورا خفية ومعاني روحانية أنت لا تستطيع أن تنبه السامع لها وتَحدث له علما بها حتّى يكون مهيّأ لإدراكها وتكون فيه طبيعة قابلة لها ، ويكون له ذوق وقريحة ، يجد لهما في نفسه إحساسا بأنّ من شأن هذه الوجوه والفروق أن تُعْرَض فيها المزية على الجملة…)(11) ، فالصياغة البلاغية تعني في بعض ما تعني (… إعادة تشكيل حالات المتلقي العاطفية وبخاصة التعبير عمّا قد يصاحبه من تأثير أو لذّة أو حالة انفعالية …)(12). 
    يمكن تلخيص مقومات الفهم والتفهّم لدى عبدالقاهر في المستندات التالية : التهيئة النفسية أو استعداد المتلقي وهي التي يمكن تسميتها قوى التفهّم ، ثم القابلية الطبيعية الفطرية للإدراك ، فعاملا الذّوق والقريحة ، فهذه الثلاثة  يلخصها عبدالقاهر في مصطلح واحد هو آلة الفهم(13). 
حيث نلفي تعويل ميكائيل ريفاتر،على الأسباب ذاتها المسهمة في توليد الدلالات والنهوض بها من قبل المتلقي حين ركز على عاملين مهمين مساعدين على تفهم النص واستقرائه هما عاملا الذوق والعبقرية(14)
 يمتاز الخطاب الإبداعي باشتماله على بوادر إخبارية تواصلية تترتب وفق طبيعة مؤانسة يبتغيها المنشئ وينتويها ، يتنامى هذا التعزيز التواصلي بين طرفي الخطاب المنشئ والسامع أو القارئ إلى درجة من التوحّد والانسجام لأنهما يشتركان في فضل التفهم والإفهام، فالتوافق الانفعالي بين الطرفين يغدو بمثابة الأداة المساعدة على تفهّم آليات الخطاب الفني، فالتوقعات البلاغية أو الإيقاعية التي تغلف بلاغة الخطاب تغدو بمثابة المثيرات التي بفضل تناسب معطياتها البنائية تسهل على المتلقي الانخراط في مجاذبات توقعها،لأنه أي القارئ يعمل على جلب المعاني من خلال تأويله للنص عن طريق محاولته ودون كلل الكشف عن النية الأصلية للكاتب(15)
       لذا نرى بأنّ الخطاب الأدبي الفني الناجح هو الذي لا يقول كلّ شيء داخل اللّغة الخطية المنطوقة بل هو ذلك الخطاب الذي تتعزّز قواه الدالة بمختلف الدعامات الإيقاعية الناهضة على جنبات النصّ .
     تتفرد القراءة بكونها مداخلة طارئة لمقول الخطاب تستطيع أن تلهم الكثير من المستجدات الدلالية التي هي محض انطباع حر ّيستكشفها القارئ من خلال نشاط مخيلته ،فهو ( …يعمد إلى إعادة بناء النص من جديد متجاوزا بدلك بنيته الدلالية الأولى إلى بنيات أخرى أعمق يتم دلك من خلال عملية الحفر والتنقيب في مستويات النص.(16)
    يفضي إعمال الذّوق الفني إلى توجيه الحسّ في تصور الأشكال البنائية ويتمّ هذا الفعل عن طريق توظيف الحدس الذي يحفظ للعبارات والجمل اللّغوية خصوصيتها البنائية والعرب تتحسّس ابتداع الأساليب والعبارات وتنسبها إلى مبتكريها حتى تصبح بمثابة شهادة الميلاد على وجود الذات المبدعة وشخصانيتها بل وزيادة على هذا فإنّ العرب تحتفل بابتكار المعاني فتؤرّخ نسبتها إلى مخترعيها(17).
      ففي التعاطي الشعري الأثر الحاسم في تبني الأساليب الارتجالية الطريفة التي لا شبيه لها في واقعي الممارسة والتعاطي ، لذلك فإنّ لغة الشعر لغة استجداد تبعا لما تتمتّع به من الانقذاف السردي المستند إلى فورة التداعي وحماسته.
يمثل المتلقي في الدراسات الأسلوبية الحديثة طرفا بارزا في عملية التواصل والإبلاغ بل دوره (…مهم ومؤثر فكما لا يوجد نص بلا منشئ كذلك ليس ثمة إفهام أو تأثير أو توصيل بلا قارئ فهو الحكم على الجودة أو الرداءة وهو الفيصل في قبول النص أو رفضه…)(18) ، لكن ريفاتر لا تهمه الأحكام التي يصدرها القارئ بقدر ما يهمه  من ذلك تحديد الوقائع الأسلوبية الكامنة في النص .لأن النص من منظور ريفاتر مكتوب في روح القارئ(19).
      لا يمكن أن تحتجب عن أنظارنا تلك الحوافز الإبداعية التي ينشدها كلّ من المنشئ والقارئ على السواء ، حيث يثبت في حيّز الممارسة أنّ ثمّة ضروبا كثيرة من المنافسة والتسامي والسباق يتخلّل الرابطة التواصلية بين طرفي الخطاب فالإيلاع بالتفوّق روح ثابتة يحتكم إليها في كلّ إنشاء أو قراءة ، فلعبة التحايز التي تسكن الوسط التراسلي تلهم كلاّ من الطرفين طبيعة من التسامي والشعور بالعبقرية والتفوّق نعتقد أنّها المولدة للقيم البلاغية الأسلوبية والمنتجة لها .
        فلا مهادنة بين المنشئ والمتلقّي حيث يوهم كلّ منهما نفسه بإخمال الآخر في كثير من التحدّي فمن الثابت أن ليس هناك توافق مبدئي بين المؤلّف والمستقبل في تشفير الرسالة وبين استقبالها للقارئ حيث ينضوي تشفير الرسالة تحت تأثيرات فنية وجمالية أي الوظيفة الشعرية المعتمدة هي المعيار الأساسي في التحكّم في تقييم العلامة(20) .
     وللتّدليل على مصداقية هذا التجاذب علينا أن نردّد دائما المقولة العربية المناسبة في الموضوع محاورة أبي تمّام لأحد متلقيه : لم لا تقول من الشّعر ما يفهم ؟ فقال له: وأنت لم لا تفهم من الشّعر ما يقال؟(21) ، مع علم الطرفين أن لغة الشعر تكفل للطرفين مصداقية التواجد الذي تبرّره طبيعة لغة الشّعر لأنّها لا تقبل سوى التعبيرات القابلة للتّوصيل .(22)
     ونجد لعبدالقاهر الجرجاني أكثر من رأي يتماشى مع التخريجات الأسلوبية لريفاتر في تفهّم الأدوات و الوسائل المنهجية التي يستعان بها في التقاط الخصائص الأسلوبية للكلام، فما (… كلّ فكر يهتدي إلى وجه الكشف  عما اشتمل عليه ، ولا كلّ خاطر  يؤذن له في الوصول إليه ، فما كلّ أحد يفلح في شقّ الصدفة ويكون في ذلك من أجل المعرفة …)(23) .
       ينبني التذاذ المتلقي للخطاب حسب تقدير عبدالقاهر مشروطا بعملية التنقيب والتفتيش عن العناصر الفنية غير المتوقعة المشكلة لجماليات الخطاب الفني مثل عنصر الاستغراب(24) الناتج عن صدمة المفاجأة المتحينة في سياق استقراء المكونات ، ونجد الرجلين : عبدالقاهر وريفاتر يتفقان في مبدأ بث الغرابة والمفاجأة(25) في مقروئية الخطاب ، فهذه الحوافز الفنية بحسن تقدير مكامنها من الخطاب تتعزّز بلاغة الفنّ والجمال ،  ويحسن بنا التأريخ لأوليات الاهتمام بمبدأ المفاجأة بالإشادة  بسهم ابن طباطبا  الذي وسم هذا الفضل البلاغي بموقع البشرى الذي يقوم في جوهره بتوافر آليات استفزاز المتلقي وجره إلى كشف خيوط اللعبة البلاغية المنطوية عليها بلاغة الخطاب.(26) 
       وعلى أوثق تقدير ،فإنّ البلاغيين العرب أعطوا مبدأ التدرج في مداخلة خبايا الخطاب وخفاياه بعدا تفكيريا بالغا (… فإن الشيء إذا حصل كمال العلم به لم يتقدّم حصول اللّذة به ألم ، وإذا حصل الشعور به من وجه تشوّقت النفس إلى  العلم بالمجهول فيحصل لها بسبب المعلوم لذّة ، وبسبب حرمانها عن الباقي ألم ، ثمّ إذ حصل لها العلم به حصلت لها لذّة أخرى ، واللذة عُقيب الألم أقوى من اللّذة التي لم يتقدّمها ألم …)(27).
       يكشف عبدالقاهر الجرجاني عن أنّ ثمّة طاقات روحية تأويلية لابدّ من الاستعانة بها في بذل قوى التفهّم البلاغيّ لكل خصوصية تعبيرية ، فالانفعال بالقيم التعبيرية ليست في متناول كلّ حس ، وكذا فإنّ الخواطر تتفاوت في مقدرتها وكفاءتها في التنبه للحيل التركيبية التوقيعية التي يتشخّص بها الانبصام الأسلوبي فالمتلقي الفنان المتفهّم هو الذي يضطلع ببذل قوى الاستنباط المكمّلة لبنية الخطاب البلاغية من خلال العمل على النفخ في روحه.
     فالسمات الأسلوبية تستنهضها فطنة التلقي البلاغية في ذهن القارئ عن طريق الانتباه للعناصر اللّغوية المكونة والبانية للخطاب ، التي إذا قام بتحليلها توصل إلى دلالات وسمات خاصة تبرز التميز الأسلوبي في بنية الخطاب التعبيرية.(28) 
فاعلية التلقّي من منظور ريفاتر: 
       لقد سعىriffaterre ريفاتر إلى استخدام فعل التلقي بجعله معيارا لتحديد الوقائع الأسلوبية في القول الأدبي فالأذواق إذا كانت متغيرة وكان لكلّ قارئ أحكامه المسبقة الخاصة فإنّ المشكلة تتبيّن عندئذ في تحويل ردود الفعل الذاتية إلى أداة موضوعية للتحليل.(29) .
   تطرّق ميكائيل ريفاتر إلى التركيز على ما يسميه القارئ العمدة : Archilecteur  الذي عوّل عليه كثيرا وأقحمه في  كشف الوقائع الأسلوبية  وفكّ شفرة الرسالة الأدبية .(30)
       ونتصوّر أنّ هذا القارئ النموذجي الذي تحتفل به رؤية ريفاتر  متمتّع بفطنة ثقافية كفيلة بأن تمنحه قيمة أدبية يغدو معها مؤهّلا للتقييم والتخريج بما يعني امتلاكه أدوات التّأثير في سلطة الخطاب عن طريق أهليته لبذل جهود التخريج والتّأويل  وخاصة أن ريفاتر ركز على مسألتي الذوق والعبقرية اللتين يستعين بهما القارئ في تأويله للنص(31) ، وقد تكون العبقرية التى  قصدها ريفاتر هي الفطنة البلاغية التي  أشاد بها عبدالقاهر التي ينبغي توفرها في المتلقي المتميز، ونعتقد بأنّ هذا القارئ لا بدّ من أن يتوافر على مصداقية أدبية يكون بها شريكا لنتاتج حياة الخطاب (.. فاستمرار التأثيرات الأسلوبية عبر الزّمن وتلقي الشعر في كلّ لحظة يتوقفان تماما على القارئ(32)، وهذا يعني أن الوازع الحاسم ليس في الإجراء وإنما هو في الاستعداد المعرفي الذي يسكن روح المتلقّي ، لذلك اعتبر القارئ محورا للدراسات الأسلوبية (فريفاتر صاحب رصيد كبير من الآراء حول القراءة حيث طالب المتلقي بفكّ شفرة النّصّ ، حين دعا الكاتب لتشفير نصّه …)(33).
         ثمّ طال اهتمام ريفاتر ليقول بضرب من المشاكلة لهذه المبادئ في تقسيم القارئ وتصنيفه حسب الذوق والمقدرة فثمّة  قارئ عمدة ، وقارئ متوسّط، وقارئ عادي(34)، ومن العرب من أسمى زخم الربط بين طرفي التراسل بالوجوه الكثيرة التي تقع بين مستويين تواصليين مستوى أعلى هو المتفوّق وآخر أدنى هو المنحطّ الذي إذا تدنىّ لحق بأصوات الحيوانات.(35) 
       واستيفاء لمواصفات التلقي فإن لكل أسلوب درجة من الوعي في التلقي ، فالأسلوب المتدني يضطلع بالإخبار ، والمتوسط منه يقوم بالإمتاع ، وأما الأسلوب الرفيع فغايته التأثير .(36) 
وبهذا يكون ميكائيل ريفاتر بمثابة الرائد الذي فتق البحث الأسلوبي البنيوي ، يعزى إليه هذا الاستنباط الإبداعي الذي فتح للحضارة اللّغوية فضاءات التنوع والاستجداد.  
فالإبداع البلاغي الحديث ينصبّ على الاضطلاع بنقل الرؤية النقدية من الدرس اللّغوي المحدّد إلى مقاربة الغايات النقدية الفكرية التي تعنى بالقضايا الكبرى من مثل الأسلوب والصورة الأدبية .(37)
ولو تأمّلنا الدلالة الجوهرية العميقة لمعنى السياق والتساوق ألفينا جدواه متّصلا بدلالة الوجهة والاتّجاه ، وحقيقة فإنّ الانتظام الطبيعي لتوالي الحروف والوحدات اللّغوية المشكلة منها يقتضي نسقا تراتبيا ينتظم فيه العنصر التالي لاحقا بالعنصر الذي سبقه ، وهذا لوحده كفيل بأن يولّد عناية بتراتبية الموادّ اللّغوية ، فاللّغة حين تتملّك متعاطيها تفرض عليه طبيعة تلازمية تصيره كالمأسور لا يستطيع الفكاك من جاذبية تداعيها في اللّسان والسمع معا .
إنّ الاحتكام إلى سلطة النسق في الكلام المتّسق اتّساقا فنيا أمر واقعي تصدّقه طبيعة المنطق فالكلام يزدحم في صدر المتكلم وبحبوحة نفسه قبل أن يجد سبيله للانتظام وفق خصائص تركيبية نظمية قد لا يأتي العقل أي الوعي على تشخيص حقيقتها الروحية.
تمتلك الصيغة الإنشائية إحكامها البنائي من خلال الترابط الوظيفي للمكونات اللّغوية وتناتج الفضل بين كلمه وحصوله من مجموعها عبر العناصر والوحدات(38) يستطيع التلازم النسقي المحتكم إلى المبررات الإيقاعية الدقيقة التواجد أن يولّد خصوصية بنية الخطاب ومن ثمّة أسلوبيته ، نرى هذا على أنّه نفسه الذي قال به الجاحظ حين فضل بنية النثر المبدوء على القصدية النثرية على شعرية الشعر المترجم ولعلّ تبريره في ذلك عائد إلى مدى ترابط الكلم وتلاؤمه وتلاحم أجزائه.(39)
ومن جانب آخر تنبّه عبدالقاهر الجرجاني إلى قيمة تموضع الكلمة أي محلها من السياق في إنتاج القيم النظمية بحيث تكون إصابة توقيع محلها مسهما في إضفاء البهجة والإيناس على المادة اللّغوية ، ويكون جميع هذا بحيث(… ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ، ثمّ تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر…)(40).
يسدي حسن التموقع النسقي قيمة جمالية تتشخّص ، وتبرز إلى درجة من الإتقان كأنّها مادة وزنية تعرف بالسلامة أو الانكسار ، لذلك ألحقنا القيم الأسلوبية بقيم التوقيع والتوزيع بناء على ما يستلزمه إتقان صناعة الأساليب لذلك السبب ربط عبدالقاهر فاعليتها البنائية بمردود نفسي انفعالي يتجسّد في الشعور الغامر احتفالا  بإصابة تلك المقادير التوقيعية الخاصة جدّا(41) .
يتركز عمل الحسّ باستخبار الموادّ اللّغوية في مجالها النفسي الانفعالي قبل أن تخرج إلى حيّز الصوت والإشارة، فالتقديرات البنائية هي التي يعدّلها إخراجيا وتمنحها الوضعية الأسلوبية المستساغة لسانيا وسماعيا، ولذلك يعتبر (البناء الأسلوبي لأي نص هو في الحقيقة نتاج تتابع عناصر مميزة تتقابل فيه مع عناصر غير مميزة…)(42). هذا وقد يعني بالعناصر المميزة الموسومة والمعلَّمة وغير المميزة بالعناصر غير الموسومة في النّصّ .
لقد اتجه  عبدالقاهر الجرجاني إلى التأكيد على التحام عناصر الخطاب وتشابكها في الكشف عن مزيتها الأسلوبية في الطرح السابق مستندا إلى الذائقة اللّغوية والنّظر العميق لمكونات النص الإيقاعية فهي سلوك قرائي فنّي لا يهتدي إلى إتقانه سوى حسّ فني قمين بذلك.
 أسلوبية السياق:
يفضٌل عبدالقاهر الجرجاني غيره من البلاغيين العرب في كونه تناول أثر السياق في إنتاج الأسلبة وإخراج الكلام إلى معان خاصة جدا التي يفرضها السياق باعتباره الضابط الدلالي لحركة المعنى43، و قد أعطى عبدالقاهر السياق وظيفية فاعلة لاّئقة به حين قال:(44) (… أن ليس كلامنا فيما يفهم من لفظتين مفردتين نحو قعد وجلس ولكن فيما فهم من مجموع كلام ومجموع كلام آخر).
يسدي تفاعل المتجاورات اللّفظية فائدة بلاغية تتولد خلال مواضع الكلم وتتكشف ، فمثلما تتفاعل أصوات الحروف ، تتوافى الأساليب والعبارات ، مثل اللّغة في ذلك مثل مجرى الماء يحتفر الالتواءات ويفترع السبل والسياقات.
تذوب كلّ من نحوية اللّغة وصرفيتها ومعجميتها  منصهرة ضمن قاعدة التناتج الأسلوبي من خلال القوانين الإيقاعية التي يحدسها الحسّ الفنّي المنشئ لمختلف البلاغات . فالعمل في دقائق الموادّ اللّغوية متروك لفطنة الحسّ باعتباره قادرا على التغلغل إلى مكامن تلك الموادّ وتقدير مقتضياتها الانفعالية المشكلة في نهاية المطاف لجمالية الموقف التعبيريّ، لأن السياق الأسلوبي يمثل . الملمح الخاص والبصمة التي تميز كل كاتب أو أديب عن الآخر، ويظهر هذا السياق  في النصوص الشعرية أو النثرية، ويتميز بخصوصية الخلق الفني، والطاقات السياقية واللغوية والصوتية والدلالية الخاصة التي تمثل انحرافا فنيا)(45).
لعلّنا لا نغالي إن نحن قلنا : إنّ اللّغة العربية مهيّأة طبيعيا لاحتمال إنتاج السياقات الأسلوبية في توليد المعاني ، وذلك راجع إلى كونها غنية بالموادّ الصوتية والصرفية والنحوية وهي مجتمعة متآزرة تجعل الحسّ يستعين بالصنوف اللّسانية السماعية ، فالقاعدة النحوية ذاتها في اللّغة العربية تتمتّع بسياسة وكياسة ورياضة تجعل المادة اللّغوية تلين وتعذب مماشية مع متطلبات الانتظام الفني للأساليب التعبيرية، (فالظاهرة لا يمكن أن تفهم منعزلة ، وإنّما تفهم فقط بدراسة تشاكلاتها وتأثيراتها وعلاقاتها المتبادلة ، ويساعد على جعل بناء العمل كله متماسكا ويمدّنا بقراءة مترابطة للكلّ ).(46)
يمضي عبدالقاهر(47) في منهاج  المشاكلة  بين صناعة النسيج وبين نساجة الأساليب اللّغوية قائلا: (واعلم أنّ من الكلام ما أنت ترى المزية في نظمه والحسن كالاجزاء من الصبغ تتلاحق وينضمّ بعضها إلى بعض حتى تكثر في العين فأنت لذلك لا تكبر شأن صاحبه ولا تقضي له بالحذق والأستاذية وسعة الذرع وشدّة المنّة حتى تستوفي القطعة وتأتي على عدّة أبيات …).
انطلاقا من هذه المقاربات النقدية لمساهمة السياق في تشخيص الوظيفة الأسلوبية يتبيّن لنا أنّ الاستطالة في الكلام باعتدال ورصانة مولّدة للأسلبة ، وبالعكس من ذلك فإنّ تقاصر الكلام وتقطّعه غير مفيد في الموضوع ولا هو ذو جدوى ، فالاستطالة في الحديث أو الكتابة بشرط الاعتدال في ذلك تلهم الحسّ النشاط في تقدير الأبنية ، وبث أصناف التلاوين السياقية ، (.. فالكلمة الواحدة لا تشجو ولا تحزن ولا تتملّك قلب السامع ، وإنّما ذلك فيما طال من الكلام ، وأمتع سامعيه بعذوبة مستمعه ورقّة حواشيه )(48).
وربّما لهذه الحاجة السياقية التي تقتضيها بناء الأساليب اللغوية ارتبط جمال الشعر بالاعتدال بين الإطالة والتقصير بما توفر للحسّ نشاط مجاذبة الكلام ، وكذلك ربّما يكون لذات السبب اشترطوا في التقصيد ألاّ يقلّ عن سبعة أو عشرة أبيات ، يقولون بهذا بما يمكن أن يفهم منه أنّ الحس اللّغوي بكلّ مستتبعاته النشاطية من لسان وسماع وتصور وتخييل لا يستوي على جادّة الارتجال إلاّ إذا توافر الحيّز القابل لحمل متطلبات التكرار والتفاضل ، والتفريع والتشقيق  هي مستلزمات بنائية يستعين فيها المنشئ بآليات ترقيم فصول الكلام ، يبلغ بنا هذا التداول لعلاقة الكمّ اللّفظي بمسوّغات إنتاج السياقات الأسلوبية مبلغ القول: إنّ (… الكلام المتقطّع الأجزاء المنبتر التراكيب غير ملذوذ ، ولا مستحلى…).(49)
يشترط اللّغويون العرب المبدأ الجملي شرطا حاسما لدخول الكلام في اعتبار الكلام ، فالجملة الواحدة قابلة لحمل التوقيعات الدلالية لذلك نرى الشعر الحرّ أي شعر التفعيلة معتمدا هذا النمط في الاستعمال اللّغوي فالنطق بالحرف الواحد مثلما هي الأفعال المصرفة إلى الأمر من مثل وعى ووقى يمج النطق بها مصرفة إلى مفرد المذكر: قِ ، عِ  فهذا القدر من النطق لا يعذب ولا يرقّ فاللّسان يكد لحدّته وتقاصر مادّته اللسانية ، والأذن تشمئزّ بسماعه نظرا لحدّة صكّه لها ، لذلك فإنّ أعدل الأبنية الثلاثي باعتباره يسمح بحرية مراوحة اللّسان ابتداء وتوسّطا وتقفية أو إعرابا(50).
تمتلك اللّفظة قيمتها السياقية من خلال إتقان الحسّ لتوقيع حيّزها ضمن انتظام الكمية المعجمية الموظّفة في الخطاب ، (… وهل قالوا : لفظة متمكّنة ومقبولة وفي خلافة : قلقة ونابية ومستكرهة إلاّ وغرضهم أن يعبّروا بالتمكّن عن حسن الاتّفاق بين هذه وتلك من جهة معناها وبالقلق وبالتنبؤ عن سوء التلاؤم ، وأنّ الأولى لم تلِق بالثانية في معناها وأنّ السابقة لم تصلح أن تكون لفقا للتالية في مؤدّاها…).(51) 
يبدو لنا بعد استخلاص السياقات التفكيرية لعبدالقاهر الجرجاني أنّه يركّز كثيرا على علاقة الكلمة بكلمة أخرى مجاورة من جهة المعنى ، حيث يعتبر هذا أهم جانب في بحث عبدالقاهر من خلال إلحاحه الشديد على فكرة العلاقات التي تنطوي على حركة إبداع مستمرة في اللّغة ترجع إلى موقع الكلمة من السياق وعلاقاتها به .(52)
يأخذ السياق معنى النفس التعبيريّ أو المحطّة التعبيرية المتميّزة بخصوصيتها الأسلوبية ، يطغى هذا الامتياز اللغوي حتى يكون مدعاة إلى تعدّد السياقات الأسلوبية ( … وهذا ما يفسّر كيف تكتسب الوحدة اللّغوية تأثيرها الأسلوبي أو تفقده بحسب محلّها من السياق ، ويفسّر الاختلاف في السياقات كيف أنّ كلّ تجاوز للقاعدة في الاستعمال العادي ليس حتما حدثا أسلوبيا ، وكيف أنّ كلّ تأثير أسلوبي ليس بالضرورة خروجا عن القاعدة أو عدولا عن النمط في التعبير …) (53).
ترقى الوظيفة السياقية للأساليب التعبيرية إلى درجة أن تضحى معلما بنائيا يمكن اعتماده علامة لتمييز المحطات التعبيرية في الخطاب الأدبي، حيث تصبح فيه العينات اللّغوية السياقية التي تنطوي عليها الوحدات اللّغوية قابلة للمعاينة والتشخيص واستزادة لتفسير المؤثرات السياقية على الظاهرة الأسلوبية .
وقد يبدو من الاعتباط اعتداد بعض الكتاب بمخالفة الأنماط التعبيرية التقليدية ، والخروج على قواعد اللّغة تمحّلا وتطلبا للأسلبة فالأسلوب ينبني على تلبية المنشئ لشروط اللّغة التي يرتقبها القارئ الفطن(54).
وإذا جئنا إلى استثمار الرأي السابق وجب علينا الإبقاء على مصداقية لغة الشعر وأهليتها لاستنتاج الأساليب أكثر من غيرها من النماذج الأدبية الأخرى ، وليس ذلك واقعا إلاّ لكون لغة هذا الفنّ مؤجّجة في طبعها محمولة على جملة من المحفّزات البنائية كالوزن والإيقاع والتصوير والتخييل تكون هذه بمثابة المناسبات البنائية الداعية لاستجلاب المستجدّات البلاغية ، لاحتوائها على تراكيب سياقية خاصة جدا، فهناك من  يعتبر السياق (…عاملا مهما في تحديد محتوى القضية لإمارات معينة من نقوش الكلام في مناسبات مختلفة من النّطق)55 .
معنى هذا أنّ حقيقة النشاط الأسلوبي أكثر ما يكون في الارتجالات لا المكتوبات ، لأنّ فعل التدوين من طبيعته أن يضعف قوى الارتجال ، ويشتّت الحسّ ويثنيه عن مطالب الإنشاء . 
يعتقد بعض النقاد أن السياق الأسلوبي يظهر في النصوص الشعرية والنثرية أكثر منه في اللّغة العادية نظرا لما يتطلبه الشعر والنثر الفني من قوة النسج وجدارة البناء وقوّة التوارد الدلالي ، لذلك يرى إلى السياق الأسلوبي على أنّه طاقة إبداعية وإنتاجية مؤهلة لاستنتاج وابتكار التراكيب اللّغوية الجديدة .(56)
السياق الأسلوبي لدى ريفاتر:
يعتبر ريفاتر في نظر هنريش بليث(57) الممثل الألمع للأسلوبية السياقية ، وهذا حينما  أشار ريفاتر إلى المفارقة الناتجة عن إدراك عنصر نصّي متوقّع متبوع بعنصر غير متوقّع ، فالأول غير الموسوم وهو السياق الأصغر ، والثاني الموسوم وهو السياق الأكبر حيث يقتضي العمل ضمن استجابة الطبع البلاغي لدى ريفاتر لمجاذبة الفائدة الأسلوبية التي رأينا ذاتها لدى عبدالقاهر، قائلا أي ريفاتر(58) بأسلوبية السياق: Contexte stylistique والسياق الأسلوبي في نظره ليس مركبا لأنّه لا يعتمد على سياق من الأفعال التي تحدّ من وضع عدّة مفاهيم لمصطلح واحد ، وإنّما يرتكز السياق الأسلوبي على الجانب اللساني من خلال تلك الوحدة التي تفصل المعنى عن الآخر من تموقعه الرئيسي في التركيب ، فالقيمة الأسلوبية للسياق تكمن في نظام العلاقات الموجودة بين الوحدات اللسانية بحيث لا يكون أي أثر أسلوبي إلاّ من خلال ما ينتجه تركيب الوحدات ، ويقول ريفاتر بأسلوب ٌآخر 🙁 السياق الأسلوبي هو تلك المقابلات الوظيفية في اللّغة والتي تؤسّس بنية لغوية محتملة)(59).
يرى ريفاتر أن القارئ يستفيد من السياق الأسلوبي الذي يحتكم إلى مجموعة من الأساليب الممدّة القارئ بموجة من المعاني ، تلك المعاني يمكن أن تكون جديدة يكتشفها القارئ ولا يتصورها المؤلّف.(60)  ، لأنّ البنية الدلالية في نظره لا تكون خفية أو ضمنية في النّصّ ، بل تكون ظاهرة ومتجلية في الوقائع الأسلوبية (61) ، وبهذا الانضباط البنائي الذي تسديه الأسلبة للقيم التعبيرية يبدو النسق الأسلوبي طبيعة امتيازية ترتفع بالظاهرة اللّغوية من مستوياتها البسيطة إلى ما هو متميز وأرقى. 
إن الظاهرة الأسلوبية من هذا المنظور هي طبيعة إيقاعية تتجاوز المكونات البنائية الأخرى للغة ، لتدخل مستويات من التعامل الفني الجمالي الخادم لتشخيص الخصوصية الإبداعية ، وإذا فالأدب شعره أو نثره لا يمكن أن يحوز درجات الإبداع التي يتلهّف المتلقون إلى مطالعتها في فصول الإبداع الأدبي إلاّ بعد أن يتجرّأ الأديب في تبني الخصوصيات التشكيلية للغة الخطاب الأدبي .
يرى ريفاتر أنه لا يمكن لأيّ عنصر من عناصر النصّ أن يشكّل بنية ما لم يكن هذا العنصر موضوع انتقاء يفرضه على إدراك القارئ (62)، لهذا تتجلى القيم الأسلوبية بمثابة البنية الإيقاعية المستهدفة، فالأسلوب من حيث غوايته الفنية التي يشيعها في مقروئية الخطاب يرتدّ مطلبا بنائيا يتقصّده المنشئون، ويتحرى لذته اللّسانية السماعية المتلقون.
وبإزاء التوجيهات الأسلوبية المتّضحة معالمها في الخطاب يقوم القارئ باستحداث معاني جديدة حيث يعيد (… تشكيل جزئيات النّصّ من خلال عملية القراءة فتراه يحلّل ويوازن ويقارن بينها ، ممّا يكسبها أبعادا جديدة ودلالات لم تكن من قبل …).(63)
وحقيقة فإنّ استنتاج المعاني شركة بين الناس تستجيب لطالبها وتتكشّف لمن أوتي من القراءة أدوات استنهاضها من أكوان الخطاب ، فالمستويات التفهمية يهدي بعضها إلى بعض وفق نسق ارتقائي يكون المعنى النحوي هو المبدأ والمنطلق تقوم عليه الدلالة الأولية البسيطة لتنهض بعد ذلك المستويات الدلالية التأويلية من خلال استقراء مختلف الأدوات اللّغوية التي هي متممات الكلام وتفاضله تفريعا وتشعيبا وحذفا وتلويحا المفيدة جميعها الإحالة على المستويات الدلالية الداخلة في اعتبار معنى المعنى وهو مجال ينفتح إلى ما لا نهاية حدد منتهاه البلاغيون العرب بالإعجاز.(64)  
أسلوبية التّضادّ :
لكل موقف تعبيري مستلزمات نظمية هي التي تحدّد طبيعة التعالق بين الوحدات اللّغوية وهي التي عادة ما يُلْجَأُ إليها في تبرير الأثر الأسلوبي للكلام ، هذا المبرّر لابدّ من أن يتوافر على نسق انتظامي أقرّه البلاغيون العرب القدامى والأسلوبيون الغربيون كذلك ، فهذا أبو حيان التوحيدي يسميه : السياقة (65)، والناس عادة ما يعترفون بسلطة النظام التتابعي للألفاظ متجاذبة متداعية فيقولون : استدعاه سياق الحديث ، وكأنّه قوى غلاّبة تفرض نفسها على المتكلم فلا يستطيع دفعها عن أن تحتلّ موضعا بين مترادفات الكلام والسياق فعلا قوة تعمل على تحريك تركيب الكلام لتناتج الدلالات.
إنّ ما هو ثابت في الطبيعة والأعراف أنّ النشاط الحسي مرهون بكيفيات إعماله في تتبع المتناقضات والتعامل معها (66)، فإنّ طبيعة الحسّ البشري ألاّ يمضي على سنن واحد ، ولا تأسره طريقة ثابتة يصحّ هذا ويثبت حتى كأنّه لم يُخلق لهذا الإكراه ، ولم يفطم على هذا الاحتباس في نشاطه التفاعلي ،  والنفس تنزاع  إلى المتضادات فطريا حيث (تكمن جماليات المقابلة في خلق نوع من المفاجأة أو الغرابة أو كبير السعادة بأن يأتي الشاعر بحركة مغايرة ينتقل فيها من موقف إلى موقف آخر مضادّ ممّا يخلق نوعا من التوتّر والنشاط فينبثق عن ذلك دلالة واسعة ويفتح آفاق الإيحاء والخيال…).(67)
وكذلك نحسب أن كلّ حركة حيوية قائمة على طبيعة تموّجية تستمدّ قوّتها من تفاعل الحركة مع السكون ، والانبساط مع الانقباض فبتعادل متواليات الانبساط والانقباض ، والحركة والسكون تتمّ الوظيفة الحسية وتستوفي شروطها النفسية ( فإنّ للنّفوس في تقارن المتماثلات وتشافعها والمتشابهات والمتضادات وما جرى مجراها تحريكا وإيلاعا بالانفعال إلى مقتضى الكلام ، لأنّ تناصر الحسن في الُمستحسَنَين المتماثلين والمتشابهين أمكن من النفس موقعا من سنوح ذلك لها في شيء واحد … فلذلك كان موقع المعاني المتقابلات من النفس عجيبا).(68)
لم يهمل عبدالقاهر(69) وظيفة بناء السياق الضدّي من حيث ارتآها عبارة عن نقل الكلام في معناه (… عن صورة إلى صورة من غير أن تغيّر من لفظه شيئا ، أو تحوّل كلمة عن مكانها إلى مكان آخر وهو الذي وسّع مجال التّأويل والتفسير حتى صاروا يتأوّلون في الكلام الواحد تأويلين أو أكثر ، ويفسّرون البيت الواحد عدّة تفاسير …) .
بلغ عبدالقاهر(70) بمزية بنية التضاد إلى أن قال: (.. فإنّ الأشياء تزداد بيانا بالأضداد …) ، ونرى أنّ هذا المبدأ راسخ في قاعدة الانفعال البلاغي ثابت لأنّ مبدأ الاستعارة قائم على الموازنة بين طرفين أحدهما أقوى وأسلم وأنجع من الآخر لذلك فالاستعارة تكاد تزيد على معادلة : إلحاق ناقص بتامّ ، لذلك واستجابة لهذا المطلب البنائي الطبيعي (… فكما يحسن تألّف الحروف المتفاوتة كذلك يحسن تتابع الأحوال المتغايرة على اعتدال وقرب لا على إيغال في البعد )(71) .
إن من وظائف الحسّ التعامل مع الأمور الشائكة المعقدّة والتركيب الأسلوبي بكل زخمه التنويعي مندرج ضمن عمل الحسّ لأنّ (… ما هو أكثر تركيبا فالحسّ أقوى على إثباته… )(72).
        يظهر لنا هذا المستوى العالي من القراءة النقدية التي تمتّع بها النقد الأدبي على عهد عبدالقاهر أنّ كلّ خطاب مرهون بتداولين أحدهما تطوّعي قائم على الفهم والقراءة والتخريج والآخر تقليدي متحفّظ لا يكاد يرى أكثر من رؤية ولا يستوثق بغير قناعة متوارثة والأوّل تداولي منفتح على الكياسة والرياضة وسياسة المقال وأمّا الآخر فإمّا هو مصوّب أو مخطئ. 
لعلّ الذي هو راسخ في الأعراف اللّغوية أنّ الكلام يتفاضل عبر تشعباته السياقية عن طريق اقتراح الحسّ للمتمّمات اللّفظية ، وعن طريق تشعيب أشباه الجمل والمعطوفات ، حيث تنهض الزيادات اللّفظية على جنبات العبارة فتكون فيها نواة المسند والمسند إليه بمثابة الدعامة المركزية الحاملة لمختلف التفريعات الأسلوبية ، لذلك نعتقد أن السياق هو ضرب من الأوزان مشاكل له باعتباره داخلا في تقدير حساب الغريزة يمكن وصفه بالصحة أو بالفساد أو بالسلاسة والتعقيد ، لذلك فإنّ صحة الطبع والدربة الحسية على إصابة المقادير التعبيرية الفنية تعتمد ويلجأ إليها قبل غيرها من قواعد اللّغة والأنماط المكرسة .(73)
يعتبر توجيه الألفاظ واتّباع مقتضياتها الجرسية المراعية لتناغم مخارج الأصوات قيمة بنائية يستعان بها في عملية التلويح بالمعاني ومختلف الدلالات ، حيث رأى البلاغيون العرب وفق منظور المشاكلة بين الثوب والكلام من حيث طبيعة تركب كلّ منهما (…  والثوب اسم يقع على أشياء بها صار ثوبا لأنّه نُسج بعد أن غُزل ، فسداته لا تكفي دون لحمته ، ولحمته لا تكفي دون سداته ، ثمّ تأليفه كنسجه ، وبلاغته كقصارته ، ورقّة سلكه كرقّة لفظه ، وغلظ غزله ككثافة حروفه ، ومجموع هذا كلّه ثوب ، ولكن بعد تقدمة كلّ ما يحتاج إليه فيه ).(74)
        يقول عبدالقاهر في موضوع تخيّر مواقع الكلام:(75) (… ولا تزال ترى شعرا يروقك مسمعه ، ويلطف لديك موقعه ، تم تنظر فتجد سبب أن راقك ولطف عندك أن قدم فيه شيئا وحول اللفظ من مكان إلى مكان ) .
      والأدب نفسه ، خاصّة الشّعر منه ، لطالما ارتبط بالفروسية وما تستلزمه من شجاعة وحماسة ، وركوب السياقات الأسلوبية يراها البلاغيون ضربا من إتقان ترويض الفرس فكلاهما: الفرس والأسلوب متطلب لرياضة تعتمد تحسّس التسيير وكذلك العرب تدّعي تكليم خيلها والفهم عنها بشيء من الخوارق ، فالأديب المنشئ للقيم الأسلوبية ينخرط في مجاذبة السياقات التعبيرية عن طريق صناعة المناقلات الحِسان يعينه على إتقان ذلك ضرب من الانخراط في مناقلة فصول الخطاب توقيعا للفصل والوصل بما يشبه مناقلة الفرس والتصرّف في مشيه تسارعا وتباطؤا وإنّ كليهما يهدي إلى شعور غامر بالدهشة والجمال ، هذا المبدأ راسخ في القرآن الكريم.
         يمنح تموقع الكلمة ضمن سياقها التركيبي جملة الدلالات المتناسبة إيقاعيا مع نسقها القرائي المناسب لمحلها من الكلام ، فإذا ما أحسن إنزالها استوفت المنزلة البلاغية التي تستحقّ ، وأنزلت في موطنها الصحيح أي الطريقة التي تسند فيها الكلمة إلى غيرها وقولنا مكانها الصحيح ليس تقييما معياريا يغلق مجالات تفاعلاتها الدلالية بل هو إقرار عن حسن التوظيف لا غير يؤهّلها لامتلاك مشروعية القراءة المجازية  لذلك قارب عبدالقاهر هذا المبدأ من حيث قدّر (… أنّك ترى الكلمة تروقك وتؤنسك في موضع ثمّ تراها بعينها تثقل عليك وتوحشك في موضع آخر…)(76)  .
  تمثل المعاني نشاطا تخيليا يبرع كلّ قارئ في استنهاضه ، وكذلك فإنّ في السياقات التعبيرية فجوات دلالية ينتهزها القارئ من أجل توظيف لغة موازية للغة الخطاب المرجعية ، والأدبية الناجحة الناجعة هي التي تستطيع أن تساير هذه الشروط القرائية (واعلم أنّ مثل واضع الكلام مثل من يأخذ قطعا من الذّهب أو الفضّة فيه والأحكام فيذيب بعضها في بعض حتى تصير قطعة واحدة ، وذلك أنّك إذا قلت: ضرب زيد عمرا يوم الجمعة ضربا شديدا تأديبا له فإنّك تحصل من مجموع هذا الكلم  كلها على مفهوم هو معنى واحد لا عدّة معان ، كما يتوهّمه الناس وذلك لأنّك لم تأت بهذه الكلم لتفيده أنفس معانيه ، وإنّما جئت بها لتفيده وجوه التعلّق التي بين الفعل الذي هو ضرب وبين ما عمل التي هي محصول التعلّق …)(77)
           يعمل السياق على تشخيص الهوية الأسلوبية حيث تغدو مستقاة من الجوّ البلاغي العامّ للخطاب فالمزية الفنية للوحدات اللّغوية لا تظهر إلاّ ضمن طبيعة انحياشها إلى كلية ملفوظ الخطاب.
        تتّفق الاستعدادات الحسية المطلقة على ضرورة توظيف التناقضات توثيقا للنسق الأسلوبي العامّ  (كالتنافر الذي من شأنه  أن يبرز انسجام المجموع …).(78)
     يتناغم تفكير ميكائيل ريفاتر مع تفكير عبدالقاهر الجرجاني في موضوع الإشارة إلى أهمية السياق الأسلوبي بناء على ما تستوجبه الوظيفة السياقية من آليات الكشف عن الخصائص الأسلوبية أو وقائعها.
         ومداخلة لموضوع السياق الأسلوبي فقد عرفه ريفاتر(79) على أنّه نموذج  مهدّم أو مكسّر عن طريق عنصر غير متوقع مولّد لإيقاع المفاجأة التي تعتبر غير منتهية التوجّه حسب رأيه ، فالأسلوب في نظره لا يحدّد في توالي أوجه الصور البلاغية ولا الإجراءات ، ولم يحدّد باعتباره تضاريس مستمرّة بما يعني أنّ البنية الأسلوبية للنّص هي توالي العناصر المعلِّمة نظير العناصر غير المعلِّمة بالقياس إلى سياق مضادّ له ، فكلّ إجراء أسلوبي يفهم من وجهة نظر ريفاتر(80) من خلال السياق وضدّه .
       يقوم السياق  بدور مهم في تبيين المعنى،فهو يضطلع بمعرفة الملابسات الفنية التي تحيط بالنص ،بدء بمكونات النص المتمثلة في الكلمة وما يحيط بها من علاقات تربطها بالكلمات المجاورة لها وفق قرائن دلالية مرورا إلى الجملة وما تحتويه على عناصر تركيبية متتابعة تشترك جميعها في إنتاج المعنى ( … فكلّ ظاهرة أسلوبية لها سياق يتضمّن تقابلا ، والتحليل الأسلوبي يهتمّ بدراسة ما هو في علاقة تقابل مع السياق أي في تقابل العناصر التي ينتج عنها الحدث الأسلوبي مع بقية عناصر السياق ، فالسياق يحتوي على مقابلة ، والمقابلة تنتج التّأثير الأسلوبي)(81) . 
      وبالنّظر إلى أهمية توظيف البنية الضدية أي الخلافية تنشيطا للفاعلية السياقية فإنّ ثمّة من رأى أن المقابلة السياقية تعني (… استعمال لفظين يتضادان في أبعاد الدلالة ، وليس بضدّين في الوضع اللّغوي ).(82)
        يقتضي بثّ إيقاع المفاجأة توظيف العناصر المضادة :Elements contrastants (83): تقديما وتأخيرا وحذفا وإضمار وإظهارا لأنّها جميعها مؤدية وظيفة تأثيرية فالحسّ بتعرّضه لسلسلة هزاتها الطارئة المتوالية ينشط طائلا ما يرافقها من سلوكات تأويلية تشرع انطلاقا من تلك الفاعلية بذل مقترحات بنائية مختلفة للغة الخطاب ، فالنصّ يخترق الذات اختراقا كفيلا بإنتاج الدلالة غير المنتظرة .(84) 
 
وكان جاكبسون(85) قد أشار إلى القيمة الإيقاعية لبلاغة اللاّمتوقّع حيث يسهم الإخفاء والمفاجأة والذّهول في إنتاج المفعول الفنّي ، والقارئ يسعى دائما إلى مطالعة الأسلوب المفاجئ فيصدم بما هو غير متوقّع أو بما يعرف بالانتظار المحبط . 
       يعمد القاريء إلى كشف التأثيرات الأسلوبية من خلال التبعيدات الموظفة في الخطاب(86) ، فردود أفعال القارئ تتباين من شخص إلى آخر فقد تكون بالإيجاب أو بالسلب .(87)
      وحسب تقدير عبد السلام المسدي(88) فإنّ قيمة كلّ خاصية أسلوبية تتناسب مع حدّة المفاجأة التي يوجدها التناسب الطردي ، بحيث تكون تقنية الإخفاء وظيفة استقرائية منتجة للتوقعات ، فكلما كانت غير متوقعة كان وقعها شديد التأثير على المتقبل .
       يرتدّ عنصر المفاجأة ، بعد إتقان إيرادها ضمن سياق التعبير ، عاملا مساعدا على بثّ عنصر التوقّع الذي هو بمثابة الإجراء الأسلوبي المعتمد في الدراسات الأسلوبية (89) ، لذلك فإنّ المؤسلب للتعابير يلجأ ضمنيا إلى إتقان لعبة الإخفاء الدلالي الموثق بقرينة الإبانة عن حل لغز الاستعارات . 
          نستطيع القول عن تلك الفاعلية التوقيعية التي يحدثها عنصر المفاجأة : إنّها بمثابة المساهمة التنقيحية السرية الصامتة المنطبع بها الحسّ القارئ حيال أيقونة الخطاب الرسمية،فلا يمكن لبلاغية بنية التضادّ إلاّ أن تكون محورا درسيا تتوافق عليه النظريات البلاغية في كلّ الآداب واللّغات ، وذلك نظرا لما قلنا به أنّ المطالب الإيقاعية الحسية شركة بين الأمم والحضارات الروحية.
       يمكن للوظيفة الضّدّية أن تتجسّد من خلال توظيف المقابلة اللّغوية(90) التي هي عبارة عن إتقان استعمال الصيغ اللّغوية الدقيقة والوحدات والأدوات كأن المؤلّف بالكلمة وضدّها عارية من الأدوات المساعدة ، كما يمكن للشاعر أن يأتي بصورة شعرية مقابل صورة شعرية أخرى تناقضها ، ترتبط طبيعة اختيار الحسّ للأنواع والعينات المذكور بمدى قابلية الحيّز النّظمي لاستيعاب المادّة اللّغوية الموظّفة ، وهنا تبرز لنا أهمية اضطلاع الذّات المنشئة لتقدير حسابات البناء وهو الأمر الذي نراه موكولا لعمل الحساب الغريزي ّ.(91) 
        وإذا كان ريفاتر(92) ذهب إلى تقسيم السياق الأسلوبي إلى ضربين هما : السياق الداّخلي محله داخل الإجراء الأسلوبي  ، والسياق الخارجي المتموقع خارج السياق الأسلوبي ، فإنّه قد عنى بالأوّل وظيفة إنتاج التضادّ ، وأما باالثاني فقد ارتأى في مهمته البلاغية تعديل هذا التضادّ الأوّل ، بحيث يكون هذا التعديل إما تقوية للمعنى أو إضعافا له.
      لقد ارتأى ريفاتر(93) ضربا من الإسناد البلاغي يقوي به المستوى السياقي يتمثّل في السياق الأكبر:     Le macro contexte  . والثاني هو السياق الأصغر :Le micro contexte   والفارق بينهما هو أن الأولّ يمثل مقطع المتغيرات متحققة جميعها داخل النّصّ ، حيث يمثل التشاكل  L’ISomorphisme. متوالية  من المعجمية واقعا حتميا لدى القارئ ويفرض نفسه عليه  ، بينما  يكون التشاكل في السياق الأصغر مدركا بواسطة مقارنة واحدة بين متغيرين فقط (94). 
     يستقر مفهوم التشاكل حسب مفهوم غريماس(95) في ميدان الدلالة البنيوية متعمّما استعماله لاحقا في تحليل الخطاب ، (… بحيث يشير إلى جملة من الوسائل المساهمة في انسجام مقطع خطابي أو رسالة ، ومثل هذا الانسجام القائم على تكرار نفس السمة على امتداد الملفوظات يتعلّق خاصة بالتنظيم الدلالي للخطاب )(96).
ومع هذا فإنّنا نرانا نجتهد بشيء من التمحّل والتطوّع البالغ ببذل جهد البحث عن أسباب الملاءمة بين لغتين هما اللّغة العربية كما توضّحت بلاغة نظمها على يد عبدالقاهر الجرجاني ، إلى جانب النظر إلى اللّغة الفرنسية مثلما درسها ميكائيل ريفاتر غير أنّ صفاء المنهج ، ومصداقية التناول تحتم علينا القول: إنّ لكل لغة مكوناتها الروحية والإيقاعية وحتى وإنّ كنا أنّ الحسّ والإيقاع تجتمع عليه أحاسيس الأمم كلها على اختلاف ألسنتها لأن طريق الحس هو موضع تلاقي طباع البشر فإنّنا نعتقد بأنّ لكل من العربية والفرنسية خصوصياتها البلاغية التي تترك آثارها بينة على مستويات التركيب والأسلوب والنحو وما شاكل هذه من الإجراءات البلاغية الداخلة تحت الاعتبارات اللّسانية السماعية ، ينسحب هذا على الزّمن اللّغوي والقياس النحوي ، والبناء الصرفي التي اعتمدها العقاد في وسْمِه اللّغة العربية باللّغة الشاعرة.(97)
 
 
 
 
مراجع البحث:
1 : عبدالقاهر الجرجاني دلائل الاعجاز دار المعرفة بيروت لبنان 1981  ،ص: 403.408.
2 : ينظر ، نفسه ،ص: 29.
3 :ا نفسه ،ص: 44.
4 : نفسه ،ص: 271
5 : عبد القادر عبّو ، من السياق إلى النسق ، مجلة متون ، العدد:3 نوفمبر سعيدة الجزائر ،2009 ،ص: 25.
6 : الأمدي ، الموازنة ، تحقيق :محمد محي الدين عبد الحميد ’دار المسيرة ص: 125.
7 ينظر      essais de stylistique structurale  presentation et traduction de daniel delas flammarion paris 1971، ص:42
8 : ينظر نفسه،ص: 42.
9 : دلائل الإعجاز ،ص: 200 /201  .
10 : ينظر ، ريفاتر ، المصدر المذكور ، ص:36/61.
11 : عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص: 420.
12 : تامر سّلوم ، نظرية اللّغة والجمال في النقد العربي،ط:1،دار الحوار للنشر والتوزيع،1983 ،ص:170.
13 : ينظر ، دلائل الإعجاز ،ص: 422.
14 ينظر ميكائيل ريفاتر،المصدر المذكور،ص:47                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                  
15  ينظر أمبرتو ايكو  ، التأويل والتأويل المفرط، ترجمة ناصر الحلواني ،مركز الانماء الحضاري حلب سورية ،ص:33
16 مليكة دحامنية هرمنيوطيقا  النص في الفكر الغربي المعاصر منشوراتا اتحاد الكتاب العرب دمشق 2008 ،ص:138
17 : ينظر ، المبرّد ، الكامل في اللّغة والأدب مؤسسة المعارف بيروت لبنان، ص: 359.
18 : فتح الله أحمد سليمان،  مدخل نظري ودراسة تطبيقية، مكتبة الآداب 2004،  ص:22. 
19 ينطر ميكائيل ريفاتر ،ص:49
20 : ينظر ، المصدر نفسه،ص: 37.
21 : ينظر ، ابن رشيق ، العمدة ، ج:1 تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد،ط:5،دار الجيل للنشر والتوزيع، بيروت لبنان،1985،ص: 133.
22 : ينظر ، صلاح فضل ،نظرية البنائية في النقد الأدبي،ط:3 دار الشؤون الثقافية1987،ص: 358
23 : عبدالقاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة في علم البيان دار المعرفة بيروت لبنان،ص: 118.
24 : ينظر ، عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص: 59/79.
25 ينظر ميكائيل ريفاتر، المصدر نفسه: 67
26 : ينظر ، عيار الشعر تحقيق:محمد زغلول سلام،توزيع المعارف الاسكندرية، ص: 55.
27 : الخطيب القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة ط:3،دار الجيل بيروت لبنان 1993،ص: 113/114.
28 : ينظر ،  ميكائيل ريفاتر ، المصدر المذكور ،ص: 31.
29 : ينظر ريفاتر : المصدر المذكور ،ص:42.
30 : ينظر ، نفسه  ، ص: 49/51.
31 ينطر نفسه ،ص:47
32 : صلاح فضل ، علم الأسلوب مبادئه وإجراءاته  ط:3 النادي الثقافي بجدة،ص: 248.
33 : محمد المبارك ، استقبال النصّ عند العرب ط:1، المؤسسة العربية للدراسات والنشر بيروت1999،ص: 88.
34 : ينظر ، ميكائيل ريفاتر ، المصدر السابق ، ص: 46/47.
35 : ينظر ، الخطيب القزويني ، الإيضاح في علوم البلاغة ، ج:1 ، ص:46/47.
36 : ينظر ،هنريش  بليث، البلغة والأسلوبية،نحو نمودج سيميائي لتحليل النص،ترجمة محمد العمري،إفريقيا الشرق،المغرب 1999 ،ص:50.
37 : ينظر ، شوقي ضيف ، البلاغة ، تطوّر وتاريخ ،ط:6 ، دار المنار ، ص:7.
38 : ينظر ، عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص:37.
39 :ينظر ، الجاحظ ، الحيوان ،ج:1 ،تحقيق:يحي السامي،ط:3،دار مكتبة الهلال بيروت لبنان   1990ص: 51.
40 :عبدالقاهر دلائل الاعجاز،ص: 38.
41 : ينظر نفسه ،ص: 39.
42 : فيلي ساندرس ،  نحو نظرية أسلوبية لسانية،ترجمة:خالد محمود جمعة،ط:1،دار الفكر دمشق،2003، ص: 62.
43 ينظر فاطمة الشيدي: المعنى خارج النص، دار نيوني للدراسات والنشر والتوزيع،ص:21
– : عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص:202.44
45 فاطمة الشيدي المعنى خارج النص ،ص: 28
46: تامر سلوم ، المصدر المذكور ،ص: 107.
47 : دلائل الإعجاز ،ص: 70.
48 : ابن جني ، الخصائص ، ج:1تحقيق :محمد علي النجارط:3،عالم الكتب بيروت،1983 ،ص: 27.
49 : حازم القرطاجنّي ، المنهاج ،البلغاء وسراج الأدباء  ،تحقيق:محمد الحبيبب بن خوجة،ط:2،دار الغرب الإسلامي ،بيروت لبنان 1981ص: 65.
50 : ينظر ،ابن جني الخصائص ،ج:1 ،ص: 32.
51 :عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص: 36.
52 : ينظر ، تامر سلوم المصدر المذكور ، ص: 123.
53 : عبد السلام المسدي ، النقد والحداثة ، ط:1 ، دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت لبنان ،1983 ،ص:50.
54 : جيرارجينيت، مدخل لجامع النّصّ  ترجمة :عبدالرحمن أيوب ، ط:2 ،دار توبقال للنشر، الدار البيضاء المغرب، 1986،ص: 35.
55 : جون لاينز ، اللّغة والمعنى والسياق ، ترجمة: عبّاس صادق الوهاب ، ط:1 ، دار الشؤون الثقافية العامّة آفاق عربية العراق ، 1987، ص: 223.
56 : ينظر ، عبدالقاهر عبد الجليل ، الأسلوبية وثلاثية الدوائر البلاغية ،ط:1 دار صفاء للنشر والتوزيع،عمان الأردن ص: 219.
57 : ينظر، البلاغة والأسلوبية ،ص: 60.
58 ينظر، المصدر المذكور ،ص:65
59 نفسه ،ص: 58.
60 : ينظر ، نفسه،ص:60.
61 : ينظر ، نفسه ، ص: 282.
62 : ينظر ،  نفسه ،ص: 280.
63 : مليكة دحامنية ، هرمنيوطيقا النّصّ  الأدبي في الفكر الغربي المعاصر ، منشورات اتّحاد الكتاب العرب دمشق ، 2008، ص:125. 
64 : ينظر ، القزويني ، الإيضاح، ج:1 ،ص:46.
65 : ينظر ، أبو حيان التوحيدي ، الامتاع والمؤانسة،  دار مكتبة الهلال بيروت لبنان ،ج:1 ،ص:138.
66 : ينظر ، ابن جنّي ، الخصائص ،ج:1 ،ص:77.
67 : ابتسام أحمد حمدان ، الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي ، ط:1 ، دار القلم العربي 1997 ،ص: 147.
68 : حازم القرطاجنّي ، منهاج البلغاء وسراج الأدباء ، ص: 44/45.
69 : دلائل الإعجاز ،ص: 286.
70 : أسرار البلاغة  في علم البيان،دار المعرفة بيروت لبنان،ص: 24.
71 : إبن جنّي ، الخصائص ،ج:1 ،ص: 59.
72 : أبو حيان التوحيدي ، الإمتاع والمؤانسة ،ج:2 ،ص: 85.
73 : ينظر ، السابق ،ج:1،ص: 107 .كذا : ابن طباطبا ، عيار الشعر ،ص: 41. 
74 : أبو حيان التوحيدي ، المرجع المذكور ج:1 ،ص: 121
،دلائل الإعجاز ،  ص :8375 
76 : عبدالقاهر الجرجاني ، دلائل الإعجاز ،ص: 38
77 : المصدر السابق  ،ص: 316.
78 : ينظر ، جان ماري جويو ، مسائل فلسفة الفنّ المعاصر نترجمة{ سامي الدروبي،ط:2 دار اليقظة العربية بيروت،1965، ص:82.
79 : ينظر ، المصدر المذكور  ،ص: 65.
80 : ينظر نفسه،ص:66
81 : عبد السلام المسدي ، النقد والحداثة ط:1 دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت لبنان،1983 ص:50.
82 : محمد الهادي الطرابلسي ، خصائص الأسلوب في الشوقيات ، منشورات الجامعة التونسية ، 1981، ص:102.
83 : ينظر ، ريفاتر ، المصدر المذكور ،ص: 67.
84 : رولان بارط ، لذّة النّصّ ، ترجمة: فؤاد صفا ، الحسين سبحان ، ط:1 ، دار توبقال للنشر ، الدار البيضاء المغرب 1988،ص:8.
85 : ينظر ، قضايا الشعرية ، ط:1ترجمة:محمد الولي، ومبارك حنور،دار توبقال لاوالتوزيع 1988ص: 83.
86 : ينظر ، ريفاتر ، المصدر المذكور ،ص: 134.
87 : نفسه ،ص: 65.
88 : ينظر ، النقد والحداثة ، ص: 49.
89 : ينظر ، موسى ربابعة ، جماليات الأسلوب والتلقي ط:1 دار جرير للنشر والتوزيع،2008 ،ص: 102.
90 : ينظر ، نفسه،ص:98.
91 : ينظر ، جان ماري جويو ، مسائل فلسفة الفنّ المعاصرة ،ص: 169.
92 : ينظر ، ريفاتر ، المصدر المذكور ،ص:67.
93 :ينظر ، نفسه ،ص: 73.
94 : ينظر ، نفسه ،ص: 73.
95 : ينظر ، باتريك شارودر ، دومينيك منغنو  معجم تحليل الخطاب ، ترجمة: عبد القادر المهيري ، حمادي صمود ، دار سيناترا المركز الوطني للترجمة تونس 2008 ،ص: 322.
96 : المرجع السابق ،ص: 324.
97 : ينظر ،عباس محمود العقاد ،  اللّغة الشاعرة ،مطبعة الاستقلال الكبرى ، الاسكندرية ،ص:7. 
—————
 
————————————————————
 
—————
 
————————————————————
 
 
 
 
 
 
 
1
 
 
 
 
 
 
               
 

شاهد أيضاً

إدواردو أنطونيو بارّا «الــبــئــــــــر»

الى ماريا إيلينا أيالا،  أرملة كابالييرو، التي حدثتني عن البئر.  إذن، أنتَ هكذا تخاف من …