أخبار عاجلة

الرؤيا

… "الشمس لم نطلع "في الطرقات تتدافع الاكتاف " الشمس لم نطلع".. تتقاذف الالسنه العبارة بمزج من المشاعر المتباينة، تنفجر الاسئلة من جاء بهذا الخبر،يريد احدهم على بن ساعد، تعلو بعض الوجوه ابتسامه معبأة بالقلق والخوف "هذا مجنون"، يأتي رجع الصدى "خذا الحكمة من افواه ألمجانين " يتأفف رجل "لكن.. الشمس لم نطلع ".. يجينه أخر "اصلا هذا لو فيه عقل ما يخلي الثياب الجديدة على رأسه، ويلبس دشداشة قديمة ووسخة، لكن صح وين ألشمس".. " يا رجال بمكن تاخرت ".. يتشاقى طفل «يمكن ما حد صحاها من النوم ".. يغضب رجل متلح "استغفر ربك يا قليل ألادب ".

قطعوا الطرقات والسكك الضيقة باتجاه  التقاء الجبال على الطرف الغربي للقرية، على صخرة بنية قاتمة اقتعد علي بن ساعد، باللفافة الكبيرة التي على رأسه، واضعا البطانية التي هي لأخر ميت في القرية، علي بن ساعد الوارث الوحيد للفراش الاخير لاي انسان يموت فى القرية وايضا لملا بسه بلحيته الكثة  المغبرة رأى الجميع ان الدموع غزيرة وان علي بن ساعد لم يكن هو الذي يعرفه الرجال والنساء والصبيان، الرجل الجامد الذي يهمهم اثناء مشيه بكلمات عن القيامة والحياة، وعن شركة الهند الشرقية، لا احد يعرف حتى الآن من اين جاء بهذه الكلمات، مره قال لهم الشيخ ان على بن ساعد عالم، اعترت الدهشة الوجوه،،معقول؟؟!!"، قال لهم ان  علمه هو الذي جننه، اتسعت الاحداق اكثر، ولولا ان الشيخ قال هذا لكذبوه فى الحال.

تحلقوا حول علي  بن ساعد، عين عليه، وإلاخرى تمتد الى الجبل الغربى، الذي تبدأ منه الشمس سفرها اليومي،تكاثرت الأعناق المحدقة فى طرف السماء، والليل فاتح فى سواده، تحولت العيون فجاه الى شبح قادم من بعيد، زاده السواد سوادا، تبينت الجموع صوت خميس، استدارت الوجوه عنه بسخرية كأنها كانت تنتظر شيئا غير هذا الثرثار الذي يدعي المعرفة بكل شيء.

هل اخبرتم الشيخ؟؟!!.

تفجر هذا السؤال بركانافي رؤوس الجميع مندهشين متعجبين اكثر من قضية احتجاب الشمس عن المجي"، انطلق احدهم صوت البيت الكبير يعدو كأنه يحمل بشارة النصر في معركة حاسمة، تدافعت الجموع زرافات ووحدانا،نساء واطفالا، النساء رغم ثرثرتهن تجمعن في حلقة ليست ببعيدة يسترقق حديث الرجال كأنهن ينتظرن معجزة يقوم بها اولئك المشدودون بفحولة ثائرة وصل امام القرية يكاد يتعثر في خطاه لضعف نظره، ارجح رأسه شمالا ويمينا،" هذه ولا شك القيامة "، سر ت قشعريرة في كل الاجساد التي كادت ان تتساقط هلعا، ارتفعت،رويدا رويدا اصوات الاستغفار. وفي هزيع الرعب كأن اصوات بكاء بدأت، تلفظها الصدور، بخفوت في البداية، اندفعت الرغبة اكثر فتعالت الاصوات، يجيل علي بن ساعد النظر فيهم واحدا واحدا، لم يلاحظ احدهم أنه أبتسم، واتسعت ابتسامته، ثم ضحك بقوة،  واستمر يضحك. حينها توقفت اصوات البكاء قليلا، وكل ما في الوجوه يسأله السبب، لعله يعرف سرا ما،" علمه جننه" وربما يدرك لماذا لم تطلع الشمس او ربما يكون السبب علمه،صرخ المطوع امام القرية "تذكروا ذنوبكم واستغفروا ربكم. يوم لا ينفع مال ولا بنون الا من اتي الله بقلب سليم " اقترب احدهم من المطوع..

– اريد ان اتصدق بمالي في سبيل الاخير.

– لا ينفع هذا الآن

– اقترب آخر..

– اريد ان اوجع ما اخذته من اموال واتوب عن الايمان التي حلفتها،

– لا ينفع هذا الآن فات الاوان.

اقتربوا، سأل المطوع ان، وان، وان….

اشتعلت القلوب بفيض نوراني، تفتحت امامها طرق بيضاء،لكن المطوع ارجعها الى بكائية طويلة كامتداد الذنوب والمعاصي.

اقترب شبحان من بعيد، وحين وصلا الى الجمع، تركوا مكانهم  وتحلقوا حول الشيخ ناسين علي بن ساعد وصخرته: وقف الشيخ مبهوتا، تدور عيناه في الفراغ الكبير والواسع، تحركت قدماه باتجاه علي بن ساعد وصخرته  " قلت لكم  ان هذا الكفر الذي يقوله سيأتي لنا بالنقمة ». قال المطوع "لايفيد هذا الآن"، استغفر ربك الآن. رد الشيخ "استغفر الله العلي العظيم اذا كنت اذنبت " ضحك علي بن ساعد بصوت قوي وقال "حاشا لله، انت لم ترتكب ذنبا طول حياتك " غضب الشيخ من لهجته الساخرة، ورفع عصاه. ارتفعت العيون مع العصا مستغربة الموقف، مع ارتفاعها رأت في المساء ضوءا باهتا، ازداد وضوحا، هدأت ثرثرة النساء. والاعناق معلقة تخاف الرؤوس ان يفوتها شيء من اللحظة، مرت الساعات باردة كئيبة، والاعناق مشرئبة الى الفضاء. تجمدت الاعضاء، وحين ارادوا إن يخفضوا من،رؤوسهم، صعب عليهم الامر التهوا مرة أخرى بشهاب يلمع في السماء المطوع لا يرف له طرف يامرهم  بالاستغفار، يستغفرون. ويبكون بصوت يحبسونه في داخلهم. يتقاذف الاطفال بالاحجار، ينسحب علي بن سأعد يجر خطاه، بهدوئه. بعمامته المكومة من آخر ثياب الميتين، بدشداشته المتسخة، يدلف نحو الخاوية على عروشها في صمته العجيب يحفر حدود الرؤية، متناسيا الشيخ الذي مازال بصره معلقا في الفضاء والرجال الذين ينظرون الى فوق ويبكون،والنساء اللاتي لفهن المشهد الحزني: هذه القرية مثلما هي، الطرقات المخضبة بالتراب  والنخيل اشباح سوداء تغازل القمر، وتحلم بالشمس. علي بن ساعد، ترك انتظار. الشمس ألتي لم تطلع، ليدخل في دهاليز الحكمة التي قرأها في الكتب الغيبية، يقرأ في اسفار الرؤية عن قرية يرفع رجالها اعناقهم للسماء، ويجبرون اطفالهم ان يفعلوا ذلك، وحين يدلف غريب اليهم يسخرون من رأسه الذي لا يرتفع الى فوق،لانه مجنون، مثل علي بن ساعد تماما.

 
 
محمد بن سيف الرحبي(قاص من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …