أخبار عاجلة

الرهانات الثقافية فـي التجربة النقدية

محمد الداهي*

يجمع محمد برادة بين مجالات مختلفة ( النقد، والقصة القصيرة، والرواية، والترجمة) تعكس في مجملها- شخصية مثقف كرس حياته الأدبية والثقافية لترسيخ قيم جمالية جديدة، والسعي إلى تحديث بنيات المجتمع ودمقْرطة مؤسساته. ليس محمد برادة في عداد المثقفين الذين تقوقعوا في أبراجهم العاجية لمعاينة ما يجري في الواقع من عل أو تمترسوا في خنادقهم مدججين بمسلمات إيديولوجية متعالية، وإنما هو من طينة من انخرط قلبا وقالبا في خضم الصراع الإيديولوجي والثقافي لزرع بذور ثقافة مضادة تسعف على تحقيق مجتمع متحرر وعادل، وتشعر الفرد بمواطنته وإنسانيته وكرامته في منأى عن أشكال الضيم والجور التي كبلت حريته، وكبحت قدراته على الخلق والإبداع.
ويكفي أن نستحضر- من بين أشياء كثيرة- محطات ومسالك مضيئة تشهد على ما اضطلع به محمد برادة من أدوار ريادية وجهود مضنية لاستنبات القيم الحداثية في الثقافة العربية، والدفاع عن قيمة الحرية وجدواها في تقدم الشعوب العربية ورقيها1.
أ-انخرط محمد برادة – منذ حداثة سنه- في العمل السياسي النضالي من أجل تعزيز دور الديمقراطية في تحديث البنيات الاجتماعية والثقافية وتطويرها، والدفاع عن الجماهير العريضة التواقة إلى الخلاص من براثن الاستغلال والتسلط الطبقيين، ومناصرة القضايا العادلة في المعمور، وفي طليعتها حق الشعب الفلسطيني في استرجاع أراضيه المغتصبة وإقامة دولته المستقلة.
ب-نهض محمد برادة- رغم كثرة العراقيل والمضايقات- بدور كبير في جعل اتحاد كتاب المغرب منذ تأسيسه سنة 1961 منبرا لجميع الاتجاهات الفكرية والإبداعية، ومجالا لممارسة الحوار الديمقراطي ودعم الثقافة الوطنية. ولقد استطاع محمد برادة -خلال الفترة التي انتخب فيها رئيسا للاتحاد ما بين عامي 1976 و 1983- أن يحقق مكتسبات كثيرة كان لها دور كبير في إسماع صوت المثقفين على تعدد مشاربهم وتباينها، وتوسيع إشعاع الأدب المغربي على المستوى العربي، وترسيخ ممارسات ثقافية جديدة، وضمان استقلالية الاتحاد دون تحيز لأية وصاية حزبية أو رسمية.
ج- أدرك محمد برادة –بعد أن راكم تجربة محترمة في العمليْن السياسي والثقافي-أن الرواية هي أداة لمقاومة لغة الخشب، ومواجهة أشكال الرقابة وقيودها، والتوغل في تضاريس الذات، واستيعاب ما عاشته من مغامرات وأدته من أدوار بحثا عن التوازن والطمأنينة المفتقدين.
د-سعى محمد برادة- صحبة ثلة من المثقفين المتنورين- إلى التبشير بأدب وثقافة جديدين. وفي هذا الصدد، يعود إليه الفضل في فتح منافذ على الغرب (وخاصة الثقافة الفرنسية) لمواكبة تحولاتها الكبرى ذات صلة بالحداثة الثقافية والنقد الجديد، وفي حفْز الكتاب العرب على ابتكار أشكال أدبية جديدة تسعفهم على التعبير عن القضايا التي تستأثر باهتمامهم، وإعادة النظر في المسلمات والمطلقات والأحكام المسبقة.
لا يُفهم التصور النقدي عند محمد برادة إلا في علاقته بالسياق الثقافي العام الذي حفزه على اتخاذ النقد وسيلة ثقافية لإرساء دعامات الكتابة المضادة وأركان الثقافة الحداثية، وإشاعة قيم جمالية جديدة. وما يثير- في تجربته النقدية- هو غناها وتنوعها، وقدرتها على مواكبة الإصدارات العربية الجديدة، واستمرارها على الوتيرة نفسها التي تتسم بالعمق والنضارة والجدة. لقد ظل – ما ينيف على خمسة عقود من الزمن- مثابرا على تتبع الإصدارات الإبداعية العربية ومواكبتها ونقدها للفت انتباه القراء إلى ميزاتها الفنية.
سنلقي نظرة على عملين من أعماله الرائدة 2 لأخذ فكرة مجملة عن تجربته النقدية في تفاعل وتلاقح مع النسق الثقافي، وبيان الخلفيات المعرفية التي تحكمت فيها.
– 1المصالحة الممكنة بين النقد والروية:
سبق للقراء المتخصصين أن اطلعوا على المقالات والدراسات التي يحتويها كتاب «أسئلة الرواية أسئلة النقد» متفرقة في أهم الملاحق والمجلات العربية خلال الفترة المتراوحة بين عامي 1980 و 1993. وما زاد من نكهتها وجدد نسغها هو جمعها في كتاب مُصدَّر بمقدمة توضح علاقة صاحبه بالرواية والنقد الروائي، وانخراطه في زحمة الأسئلة المشروعة بحثا عن إنتاج معرفة مسعفة على بلورة الهوية الثقافية واستيعاب المتخيل الاجتماعي. وبحكم اهتمامه بالرواية كتابة ونقدا خلال سنوات عديدة، كان من الممكن أن يصدر أكثر من مؤلف نقدي يودع فيه خبراته النقدية الثرَّة التي نهل من معينها الطلبة والباحثون لإعداد أبحاثهم وأطروحاتهم الجامعية. لكن لأسباب ومبررات متعددة -تأتي في مقدمتها انشغالاته بالترجمة والتأطير والصحافة، وتحمله مسؤوليات لدعم المجتمع المدني وتقويته- كان يؤثر أن يظل قارئا متتبعا للإصدارات المتميزة، ويتريث فيما ينشره من نقد، مكتفيا بجعله منطلقا لدروسه الجامعية حتى يتسنى له- من خلال ردود فعل الطلبة ومشاركتهم- أن يعمق تصوراته النقدية، ويكيفها وفق التوقعات والأغراض المنشودة. وما يسترعي الانتباه في دراساته ومقالاته أنها تتوخى التواصل مع شريحة واسعة من القراء المتخصصين لحفْزهم أكثر على قراءة الأعمال والاستمتاع بعوالمها التخيلية. وهكذا اتخذ النقد وسيلة لخلق المصالحة بين الناقد والنص، وإنتاج معرفة تسعف على إثارة الأسئلة والحوار وتبادل التجارب.
خصص محمد برادة القسم الأول من الكتاب لإثارة أسئلة تهم علاقة الرواية بالنقد، والتعدد اللغوي، وآفاق تطور الرواية العربية. وما يجمع بين مختلف هذه القضايا هو زحزحةُ مفاهيم التقعيد والمعيارية والاختزال الناجمة عن حشر النصوص في خانات التنظير الاستيتيقي للشكل التاريخي المُعقْلن، وفتحُ الطريق أمام احتمالات أخرى لاستكشاف المجهول واستحداث أشكال وطرائق جديدة متماشية مع تغير نمط العيش وتبدل مفهوم الأدب. ومما أثاره محمد برادة سؤال الخانة الفارغة التي تبين أن جنس الرواية وجد قبل أن يتحقق بقرون عديدة، وعندما ملئت هذه الخانة أصبحت الرواية هي الشكل/ السؤال الذي يتوسل به الإنسان- في مغامراته- اللامتناهية بحثا عن التوازن المتوهم، واستعادة القيم الأصيلة، وتحقيق التلاؤم الممكن بين أفعال الروح ومطالبها. ثم بين أن علاقة الرواية بالنقد ملتبسة وصراعية، بحجة أن النقد لم يستطع أن يتذرع بلغة واصفة قادرة على الإلمام بخصوصية الرواية، والقبض على جوهر الأسئلة الجديدة المثارة في ثناياها. وفي المقابل، لا يتوفر الروائيون على كتابات نظرية تسند إستراتجيتهم وآفاق عملهم. ويعزو برادة التباس حوار النقد والرواية إلى طبيعة المرحلة التاريخية التي مر منها العالم العربي بعد هزيمة 1967، ونجم عنها انهيار كثير من اليقينيات والأجوبة الجاهزة، وانحسار الحداثة المراهنة على تفكيك البنيات التقليدية. وفي هذا الصدد، يرى محمد برادة أن سؤال الثقافة العربية هو-بامتياز-سؤال الرواية بوصفها أداة معرفية، ومدخلا إلى الديمقراطية الثقافية. ومن المظاهر الشكلية التي استرعت اهتمام الكتاب والنقاد على حد سواء، ظاهرة التعدد اللغوي التي ما فتئت تؤدي دورا في تغيير مفهوم الأدب وحمولاته الإيديولوجية، وفي تنويع بنيات النص وتضاريسه اللغوية ورؤياته للعالم. وهي ظاهرة كانت موجودة منذ بداية هذا القرن، لكن ما يلفت النظر هو بروزها وكثافتها النسبية منذ مطلع السبعينات مقرونة بسياق نقدي يسعى إلى استيعابها وتثمينها. وفي هذا السياق تعتبر رواية «زينب» لمحمد حسين هيكل (1913) من أولى الراويات التي استثمرت البعد اللغوي، وتحررت من النبرة الوعظية الأخلاقية، وبذلك احتفظت بريادتها وراهنيتها ضمن سيرورة الرواية العربية. وإبان الخمسينات، وفي ظروف مغايرة للسياق الذي صدرت فيه «زينب»، ظهرت روايات-تباعا-تحتفي بالتعدد اللغوي (على نحو» الأرض» لعبد الرحمن الشرقاوي، وأعمال يحيى حقي ونجيب محفوظ ويوسف إدريس)، ثم عرفت في العقد الموالي نموا في الكم وتنوعا في الكيف، ونخص بالذكر أعمال الطيب صالح، وأميل حبيبي ، وغائبة طعمة فرمان ، وفؤاد التركلي ، وهاني الراهب ، وعبد الله العروي ، وصنع الله إبراهيم، وغالب هلسا..الخ. «لم تعد اللغة في مثل هذه النصوص جاهزة خارج النص أو شاشة تحجب التبدلات والإسهامات المستعصية على التبليغ ، وإنما هي جزء من التجربة التي تعاش بين الأشياء والكلمات ، وجزء من مغامرة الكتابة التي لا تتحقق إلا بإعادة صنع اللغة والنفخ فيها لبعث الروح في الأمشاج والشذرات والنتف المستمدة من التذكرات والأحلام والقراءات والمسموعات من ذاكرة النسيان»3. ومن بين العوامل التي لعبت دورا في تخصيب ظاهرة التعدد اللغوي، وبيان أهميتها في إثراء النص، نذكر دور الخطاب النقدي الذي استفاد من سيميائية ميخائيل باختين، ثم اهتمام الروائيين والنقاد بالجوانب التخييلية المستمدة من التراث والأدب الشعبي والمحكيات الشفهية، وذلك سعيا إلى تجديد الشكل واستثمار مكونات المتخيل الجماعي الرحب
استشرف محمد برادة آفاق مستقبل الرواية العربية من منطلق تحليلي نقدي يتراوح بين مساءلة حصيلة الإنجازات وبين إبراز الإمكانات المحتملة في ترابط مع الإكراهات السوسيولوجية والتحولات الفنية. وبعد تشريح واقع الرواية العربية، وضبط أهم الإشكاليات والقضايا التي تستأثر باهتمام الروائيين المعاصرين، حدد بعض السمات البارزة التي يمكن أن ترتكز عليها الرواية العربية مستقبلا. ومن ضمنها الاعتماد على خطاب جديد لاستيعاب التحولات بطرق علمية، والاحتفاء بالديمقراطية بوصفها شرطا لازما لمواجهة الحقائق المصطنعة، وإتاحة لكل الأصوات الإيديولوجية فرصة التعبير عن مواقفها من الوجود على حد سواء، وارتياد مجالات الواقع والتاريخ بمفهومهما الواسع والعميق، وتجريب أشكال حكائية جديدة، وتوظيف الحوارية لتمثيل مظاهر الصراع الأيديولوجي، وأنماط الوعي في المجتمع.» وهذا التوقع «الإيجابي»لمستقبل الرواية العربية مرتبط – كما أوضحنا – بالمحددات الاجتماعية- الثقافية والسياسية التي ستتحكم في مستقبل الأمة العربية. إننا نفترض إن تجارب الحبوط وتبديد القوى والإمكانات ، ستؤدي إلى بروز وعي عربي يضطلع بمسؤوليات في تصحيح مسيرتنا الثقافية والحضارية»4.
درس محمد برادة في القسم الثاني إحدى عشرة رواية موزعة على أقطار عربية مختلفة، ومتفاوتة في مستوياتها الفنية وبناءاتها السردية، ومتباعدة في فترات إنتاجها، ومؤطرة وفق مقامات تاريخية واجتماعية تتسم بالتقاطع والاختلاف. ويمكن أن نجمل القضايا التي استأثرت باهتمامه فيما يلي:
أ-ركز أساسا على الروايات التي ظهرت في عقدي الثمانينات والتسعينات، لأنه خلال هذه الفترة تزايد الاهتمام بكتابة الرواية ونقدها. ونزع الروائيون والنقاد على حد سواء إلى تجديد الشكل واستيحاء تجارب حكائية متنوعة، ووعوا أهمية تكسير أحادية الصوت وبلورة الهوية الثقافية. وما يدل على حصول تطور في سيرورة الرواية هو تنويع طرائق الكتابة، ونقض الواقعية الملتصقة بضجيج الإيديولوجيات وصخب الواقع، والانزياح عن النموذج التقليدي لجعل العمل أكثر قدرة على استيعاب ما يحفل به الواقع العربي من ذخيرة حكائية ورموز وخرافات واستيهامات، وعلى استثمار حكائية كتب التاريخ والقصص الشعبية والتوليفات الصحفية والسينمائية. وبمراهنة الروائيين إبان هذه الفترة على التحديث، أصبحت البنيات السردية لأعمالهم مجدولة ومعقدة تتطلب من القارئ مزيدا من الصبر حتى لا يتطير منها. لهذا استهدف برادة- في المقام الأول- خلق مؤانسة وألفة بين هذه الفئة من الأعمال والقراء، حرصا على استمتاعهم بأجوائها وفتق مغاليقها، واستجلاء ما تنماز به من خصوصيات وأبعاد جمالية، وتبين الجهد المبذول في الكتابة والبناء، وإبراز أن التجريب ليس مقصودا لذاته، بل تتحكم فيه مقاصد وأغراض لتطوير الشكل الروائي وتحريره من الرتابة والاجترار. وما يجعل نقد برادة ممتعا هو التخفيف من وطأة المفاهيم الغلقة، والإتيان بالأمثلة والشواهد الملائمة، والاعتماد على لغة مسترسلة في شعريتها ووهجها وألقها ونضارتها وجزالتها، والقدرة على تسخير ترسانة مفاهيمية تسعف على تفكيك بنيات النص والنفاذ بسلاسة إلى أعماقه لاستيعاب مضمراته وهواجسه التجريبية ومواقفه من الوجود.
ب- يسترسل القارئ في قراءة كل دراسة على حدة كما لو كان يسير على طريق سواء، لا تفاجئه المنعرجات والوُهْدان. ومرد ذلك إلى قدرة محمد برادة على إفراغها في سبيكة متلاحمة ومتراصة، وتطويع المعرفة الأكاديمية للتحاور مع فئات عريضة من القراء المتخصصين. وعندما نعاود قراءة الدراسات والمقالات المجموعة في الكتاب-الذي نحن بصدد قراءته-نعاين تذويب مناهج متعددة وصهرها في بوتقة متراصة ومتماسكة. ومما توخاه برادة هو جعل العدة النقدية في خدمة النص ومتحاورة معه، وليست متعالية عليه، أو ممارسة عليه عنفا بروكستيا5. وقد أملت عليه مقامات النشر وطقوسه أن يضع في الحسبان مخاطبة دائرة واسعة من القراء المتخصصين، لذا ركز-في المقام الأول-على الكشف عن البنية الدالة للنص. ويعتبر هذه المرحلة من التحليل عتبة أساسية لتقريب القراء من فضاءات النص الهيباء، وإسعافهم على اختراق مسالكها التَّيْهاء وإرشادهم إلى فهم معانيها وإعادة بنائها. ونظرا لصولة برادة وجولته في النقد الروائي، فقد تمتع بالقدرة على التوليف المنهجي وتشبيك منهجين فأكثر لإضاءة النص من زوايا متعددة.
ج ـ فمن خلال المفاهيم التي شغلها محمد برادة يتضح أنه اعتمد مناهج متعددة ( التحليل الموضوعاتي، والسرديات، وسيميائية باختين، والبنيوية التكوينية ). ولم يكتف بنقلها على عواهنها بل يطوعها ويكيفها حتى تتلاءم مع خصوصيات المتن. وتوخى -من هذا الصنيع-بيان أن الممارسة النقدية ليست اجترار المفاهيم والتقوقع في شرنقات نظرية، بل هي محاورة النص لتقييمه وتأويله، والمراهنة على إنتاج معرفة لإفادة القارئ وحفزه على قراءته بمتعة وكَلَف، وربطه بمجموعة من الأسئلة الثقافية التي تهم الذات والمجتمع والتاريخ، وتسعف على مقارنته بنصوص أخرى للتوقف عند المتشابه والمختلف.
دـ ما يجمع بين نصوص المتن هو وعي أصحابها بأهمية التعدد اللغوي وملاءمته. وهذا ما جعل برادة يعطي لهذه الظاهرة اللغوية أهمية كبيرة. فالتعدد اللغوي ليس لعبة لفظية مجردة، بل هو تعميق الأفق اللساني وتنويعه، وتشخيص أدبي للعوالم الإيديولوجية والصراعات الاجتماعية. وركز عليها برادة لبيان إمكاناتها في توسيع المتخيل، وتغيير الشكل وتجديده، وتشخيص الرؤيات للعالم المتضاربة والمتصارعة، ورصد متغيرات المتخيل الجماعي، وإنعاش روح مبادرة فحص الواقع وإعادة تشكيله على نحو يجلي التنوع الثقافي، ويبدد الصوت الأحادي المهيمن، ويعيد الاعتبار إلى الأصوات المقهورة والمهمشة، ويكشف عن هموم الذات ورغباتها المكبوتة وأحاسيسها المغفية.

2 – المراهنة على القراءة التأويلية:
تكمن ميزة كتاب «فضاءات روائية» في تقديم صورة عن رهانات النقد المغربي خلال فترة زمنية معينة، وإبراز خلفياته المعرفية وعلاقته بالنقد الأدبي الحديث، وإسهاماته في إنتاج معرفة تسعف على بلورة الهوية الثقافية واستيعاب أسئلة العصر وتمثلها. وتتوزع محتويات كتاب «فضاءات روائية» على محورين: أحدهما يثير أسئلة نظرية حول الأفق الروائي، وثانيهما يحاور ويحلل متنا تخييليا يمتد من سنة 1978 ( الطبعة الأولى لرواية «اليتيم» لبعد الله العروي) إلى سنة 2002 (« خفق الأجنحة « لمحمد عزالدين التازي).
ما يجمع بين الدراسات النظرية هو تعاملها مع الرواية بوصفها أفقا مفتوحا على مختلف الأشكال وسجلات اللغة ومستوياتها، ومسعفا على توليد أسئلة عن ماهية الكتابة والتخييل وتداول النص في سياقات سيوسيو-ثقافية مختلفة.
أضاء محمد برادة الأفق الروائي بمعالجة جملة من القضايا نجملها فيما يلي:
1 – تعزز « زمن الرواية» بتحقق إنجازات نصية تكشف عن إمكانات أخرى في السرد والوصف والتخييل، وبقدرة الروائيين على توليد المعرفة، ومنافسة أشكال التخييل الجماهيري في استكشاف مجهول النفس البشرية، واقتراح البدائل للعيش الكريم.
2 – أكدت الرواية حضورها نتيجة تجريب تقنيات تخييلية جديدة، وتطوير أدواتها وأشكالها، والتحرر من القوالب الإيديولوجية الجاهزة.
3 – يسعف جرد موضوعات الرواية على رصد التحولات الاجتماعية والسياسية، وتجديد المتخيل الاجتماعي، وفهم القضايا التي تستأثر باهتمام الإنسان، وتحفزه -كما يرى الروائي الأمريكي إيدايك-على « مهمة التحريك النقدي والإبقاء على جذوة الثورة الفلسفية لمواجهة قرن جديد» 6.
4 – يشخص الروائي-بوعي وقصد7-اللغة لتفريد الشخصيات وتمييزها حسب انتماءاتها الاجتماعية والسياسية والجهوية، ومجابهة اللغة الواحدة والآمرة، ورصد عوائق التحديث، وزعزعة الأجوبة الجاهزة والمنغلقة.
انكبت القراءة التأويلية على نصوص تخييلية متباينة في تجنيسها(الرواية، والسيرة الذاتية، والقصة القصيرة)، أصدرها كتاب ينتمون إلى أقطار مختلفة، ويتباينون في أعمارهم وطرائقهم الفنية. أغلبها مكتوب باللغة العربية باستثناء نص واحد (أولاد الأزقة الضيقة لعبد الحق سرحان). ويتكون المتن التخييلي من أحد وعشرين نصا، تشغل ضمنها النصوص المغربية نسبة47.61 % في حين لم تتعد في كتاب أسئلة الرواية أسئلة النقد نسبة 9.09%. وقد دعم محمد برادة دراساته النظرية بأمثلة من الرواية العربية والعالمية، وهو ما يدل على سعة اطلاعه، وتنوع مصادره وخلفياتها المعرفية. وبما أنه يتوجه إلى دائرة واسعة من القراء فقد اعتمد طريقة تتدرج من البسيط إلى المركب، ومن البنية المحايثة إلى بنية أوسع منها. وتتكون هذه الطريقة من عتبتين:
أ- يقدم محمد برادة- في العتبة الأولى- نظرة مجملة عن العمل ويعيد تجنيسه وتركيب محتوياته الحكائية. ثم يعيد بناء معانيه باستخلاص الموضوعات الدالة، وإبراز البرامج السردية للشخصيات وتطلعاتها الإيديولوجية.
ب-عندما يتنقل محمد برادة إلى العتبة الثانية، يتوغل في بنية النص لإبراز ما يتميز به من سمات جمالية وفنية. ونظرا لطبيعة العلاقة الملتبسة بين اللغة الواصفة والموصوف، فقد عمد محمد برادة إلى خلخلة جملة من المفاهيم (الانعكاس، والواقعية، والالتزام) لأنها أصبحت عاجزة عن ملامسة كينونة النص وخصوصية الكتابة الأدبية. واستبدالها بمفاهيم جديدة أملتها الإبدالات المعرفية والنقدية الجديدة ( على نحو التمثيل، والتمثيل المضاد، ولغة الكشف، وشعرية المجهول، وترميز الواقع، والتذويت والحوارية). وفي ضوء عمليتي التحليل والتفكيك يصنف محمد برادة العمل ضمن اتجاه فني أو نمط روائي، أو يبين مكانته ضمن إنتاجات صاحبه أو ضمن سيرورة الرواية العربية.
تستمد معظم التحاليل نسغها من الشعرية بمختلف اتجاهاتها ومشاربها. لا يستند إليها محمد برادة لضبط القوانين والسمات التي تشترك فيها طبقة من النصوص الروائية، وإنما يستثمر مفاهيمها لإبراز خصوصية النص، وإصدار تأويلات تنسجم وطبيعته ووظيفته. وهذا ما يبين أن محمد برادة يحافظ على سلطته النقدية التي تسعفه على بلورة القراءة التأويلية. وهي قراءة تحرص على « خلق المسافة النقدية» مع الموضوع، وتحترس من « سجن النص في معنى أحادي أو في دلالة ثابتة» أو» إخضاعه لنوايا صاحبه».8
وبالجملة، تتسم الممارسة النقدية في كتاب فضاءات مستقبلية بالسمات الآتية:
ا- لم يثقل محمد برادة التحليل بالمصطلحات والاستشهادات تجنبا للتشويش على القراء، وحرصا على استدراجهم لإقامة التواصل مع النصوص الروائية، والاستمتاع بعوالمها التخييلية.
ب-حرص على ممارسة النقد متفاديا الآراء المسبقة أو الانطباعية، ومحدثا قطيعة مع النقد الإيديولوجي الذي يؤكد حقائق وأحكاما جاهزة، وهو ما يحول دون ملامسة الجوانب الفنية في النص، وتعرُّف كينونته، والإنصات إلى نبضاته.
ج- يعد محمد برادة من المدافعين عن الحداثة النقدية التي تستمد نسغها من الحداثة الثقافية.. لا يمكن للأفق الروائي أن يتجدد، ويستوعب قيما جديدة إلا بنبذ أساليب التحكم والوصاية، وإرساء حرية التعبير والإبداع.» وأظن أن الرواية العربية تستطيع، مستقبلا، أن تدعم مسيرة تجديد المتخيل الاجتماعي، وبلورة القيم التي تنقل مرجعية الصراع الاجتماعي وقوانينه وقراراته من السماء إلى الأرض»9.

الاستنتاجات العامة:
مما تقدم، يتبين أن التصور النقدي لمحمد برادة يستند إلى خلفية ثقافية. هي التي تؤطره وتحدد موقعه داخل المشهد الثقافي العربي. ويمكن أن نجمل عناصره فيما يلي:
أ- الحداثة: يراهن محمد برادة- في إطار دفاعه عن الحداثة الثقافية- على دور الرواية بوصفها أداة لتجاوز وظيفتي الدعاية والتبرير الإيديولوجيين، ونقد التصورات المغلوطة، وتمثيل رموز المتخيل الشعبي وعناصره، واستيحاء كل ما يمت إلى الصراع والتجابه وتعدد الرؤى بصلة. إن الرواية-عموما-تضطلع بدور مزدوج « لانتقاد القديم والسائد وابتداع الأشكال والصيغ والأسئلة التي تحفز المخيلة والإرادة لتشييد الجديد»10. وفي هذا الصدد، أعاد محمد برادة الاعتبار إلى الرواية التي كانت إلى حد قريب تعتبر رديفا للتسلية والمتعة، وأعطاها المنزلة المستحقة لمساءلة الإيديولوجية المهيمنة، واستيعاب الأصوات المتصارعة في المجتمع، واستحداث أشكال وصيغ جديدة، والتغلغل في نفسية الشخصيات ورصد آلامها وآمالها. إن اضطلاع الرواية- في نظر محمد برادة- بالإسهام في تشكيل معالم الحداثة رهين بإزاحة كل أشكال الرقابة والمنع والمصادرة التي تكبح الخيال وتعيد إنتاج البنيات الاجتماعية والثقافية السائدة. ولهذا تكتسي الديمقراطية – في تصوره- مكانة خاصة لكونها تضمن حرية التعبير والتنوع الثقافي، وتحفز على استكشاف الأصقاع المجهولة داخل المجتمع العربي، وتنمي لدى الفرد الوعي بكرامته ومواطنته.
ب- التعددية: يركز محمد برادة -في تحليلاته-على مفهوم التعددية لقياس مدى انزياح المجتمع العربي عن مظاهر الامتثالية والتكريس والتبرير. وفي هذا الإطار قارب محمد برادة روايات عربية يعي أصحابها دور اللغة في التقاط تحولات العالم العربي، وتشخيص الأصوات والعلاقات بطريقة أدبية. لقد انتقلت الرواية من «كتابة المغامرة» إلى «مغامرة الكتابة» لتجريب تقنيات جديدة تمكن من استيعاب التعدد الثقافي وأوجه الصراع الاجتماعي والإيديولوجي. وهذا ما اقتضى من الناقد محمد برادة الاستفادة من تحليلات ميخائيل باختين لبلورة لغة واصفة (على نحو الحوارية، والتمثيل الأدبي للغة، وتعدد الأصوات، والتعدد اللغوي..) تسعف على تبيُّن التضاريس اللغوية في الرواية العربية، واستجلاء خلفياتها الإيديولوجية، ورصد الطفرات التي حققتها مع مر الزمن.
ج- تغير مفهوم الأدب: حتم تبدل العالم في كل المجالات تغير مفهوم الأدب و وظيفته داخل المجتمع. وهكذا انتقل الأدب من الجمعي إلى الذاتي، وغدا-أكثر من أي وقت مضى-مطبوعا بالتذري (Atomisation) وسط عالم يخضع للتقنين والمراقبة، وأصبح ينزع إلى التحرر من التبعية الإيديولوجية. ولم تعمل هذه البواعث إلا على تعزيز دور الرواية داخل المجتمع بحكم اتساع بنياتها لاستيعاب مختلف الصراعات الإيديولوجية والتناقضات الاجتماعية، وقدرتها على مناهضة الخطاب الرسمي، واستنطاق مكنون الذات وأغوارها، وبلورة لغة أخرى « لغة الكشف والبوح والحوار لتحريك مخيلة القارئ ووجدانه وفتح كوة وسط سديم اليأس والعجز والاستقالة.»11.
د- إشاعة قيم جمالية جديدة: عندما بوأ محمد برادة الرواية العربية المكانة التي تستحقها بعد جهود متواصلة، تغيرت نظرة العرب إليها، إذ أصبحوا يتعاملون معها بوصفها أداة إبداعية ومعرفية لإعادة إنتاج الواقع ومساءلة الإيديولوجيات السائدة، وتطوير القدرات التواصلية والمنهجية والثقافية للقراء. وهذا ما شجع على ارتفاع نسبة نشرها وقراءتها من جهة، وإدراجها في المقررات الدراسية من جهة ثانية. لقد حتم هذا التغير في الذهنية العربية الانفتاح على ثقافة الآخر والاستفادة من تجاربه. وما يميز تجربة محمد برادة-في هذا الخضم العام-هو تعامله مع الرواية باعتبارها أداة لدمقْرطة الثقافة، ونبذ كل ما يمت إلى أشكال التسلط والاستبداد والمصادرة بصلة. وهذا ما جعل تحليلاته لا تركز على الجانب التقني فقط، وإنما تهدف أيضا إلى إشاعة قيم جمالية جديدة قوامها الحوارية، والتعدد اللغوي والثقافي، وشعرية المجهول، والحقائق الملتبسة والمتعددة، ولغة الكشف والبوح، وحرية التعبير، والأصوات والرؤيات المتعددة، وديمقراطية الثقافة وتيسير سبل ولوجها.

شاهد أيضاً

ورش إبداعية تحت القصف

وجدي الأهدل * يولد الإنسان موهوباً بالفطرة، ولكن هذه الموهبة في حاجة إلى الصقل كالسيف …