أخبار عاجلة

الروم في شعر أبي فراس أسما بعض الشخصيات البيزنطية في قصيدة الشاعر العربي ” أبو فراس” (القرن العاشر)

أحيانا ما يكون لبعض الشعراء العرب فائدة عظيمة بالنسبة لمؤرخي الحروب العربية البيزنطية. في القرن العاشر. ذاك حال المتنبي وأبي فراس، شاعرين من المقربين من الأمير الحمداني سيف الدولة، وقد لفتا انتباه فاسيليف بالفعل.

في كتاب ما زال بطور الإعداد، عن سيف الدولة وأسرة الحمدانيين، اعتزم دراسة الشعراء العرب، حيث إن أبياتهم تقدم لنا معلومات ذات طابع تاريخي يتعلق بتلك الفترة. وسوف يشغل أبو فراس مكانا هاما في هذه الدراسة، حيث كان من أبناء عمومة الأمير سيف ولعب دورا نشيطا في العديد من الفروات وسقط أسيرا للبيزنطيين من عام 962/ 351هـ الى عام 966/ 355هـ وأقام لمدة طويلة بسجون القسطنطينية. سوف أقتصر اليوم على فحص بضعة أبيات من إحدى قصائده، تتضمن إشارات لعدد من الشخصيات البيزنطية البارزة التي يشرب أسماءها أحيانا بعض الغموض.

في الواقع، إن قصورا كبيرا يشرب تحقيق نصوص أبي فراس، فلم يحظ بعناية كتلك التي بذلتها كوكبة من الرواة والمعلقين من عشاق المتنبي. المخطوطات والطبعات بالية، وفي القصيدة المعنية، تعرضت أسماء الأعلام للتحريف منذ زمن بعيد، إذ ان الثعلبي، المتوفى عام 1037/ 429 هـ والذي وضع ايوانا لشعر القرن العاشر، عندما نسخ هذه المقطوعة الشعرية قد تعمد أن ينحى جانبا من بين ما نحى، جميع الأبيات التي وردت بها أسماء الأعلام التي تعنينا. كذلك لم يلق دفوجاك ؟ Dvorak إليها بالا في دراسته عن أبي فراس. في كتاب ضم مجموعة من النصوص المرتبطة بسيف الدولة، أعدت نشر هذه المقطوعة وأضفت اليها تعليقا،إلا إنني أبديت تحفظا على أسماء الأعلام التي تحتاج استيثاقا مكتفيا بالاشارة في الهامش الى الأسماء التي بدت قراءتها بعيدة عن كل شك، مثل قرقواس Corcuas،تزيمسكس  Tzimiscesوبلنطس Balantes.

ربما فقدت كل أمل في فك طلاسم بعض الأسماء، لولا العون الذي بذله لي الأستاذ ن. أدونتس، صاحب ما نعرف من جميل الدراسات الأرمنية البيزنطية والذي تفضل بتوقيع هذا المقال معي. على أننا سوف نرى أن جميع المصاعب لم ترتفع بعد رغم جهودنا.

وضعت المقطوعة المذكورة بالقسطنطينية نفسها على الأرجح، بمناسبة جدل يبدو أنه وقع بين الشاعر الأسير والدومستيك (سليل الملوك ) Domestique. أي الامبراطور نقفور فوقس Nicephore Phocas حول فضل الروم والعرب. طبقا لما يشير اليه التمهيد للقصيدة، يبدو أن نقفور قد قال لأبي فراس متهكما إن العرب ليسوا أهل حرب، بل أهل قلم. ويبدو أن الحمداني العزيز قد هب يدفع الاهانة ورد على الامبراطور بجسارة أن أسياف العرب لا أقلامهم هي التي أنجزت غزوات قومه المظفرة.

أعلن أبو فراس جهيرا علو شأن العرب على غيرهم واستشهد على انتصارات قومه وفضلهم، بعدة شخصيات بيزنطية، وبخاصة أقارب الامبراطور ممن خبروا الشجاعة العربية وذاقوا مر كأسها.

ربما لم يقع الأمر تماما على النحو الذي توحي به مقدمة المقطوعة. على أن القصيدة لا تبدو وكأنها مجرد وليد للخيال. تعود المقدمة في مختلف الصور التي اتخذتها، في المخطوطات والطبعات المتعددة الى عالم النحو ابن خالويا، صديق الشاعر وجامع ديوانه وراويته، وهي تظهر أن القصيدة صدى لمناقشة حقيقية وأنها لابد قد وضعت بعد اللقاء بينما لم يزل أبو فراس مصطليا بنار الثورة. كذلك الأمر بالنسبة لقصيدة أخرى حفظت ذكرى جدل لاهوتي بين نفس الشخصيتين.

فيما يلي نورد ترجمة لبعض من الأبيات التي يستشهد فيها أبو فراس بزهرة فرسان بيزنطة ليقنع نقفور بشططه، وهي تتضمن أسماء حاولت مع الأستاذ أدونتس أن أرفع حجاب التباسها. تبدأ المقطوعة بهذه الكلمات.

أتزعم ياضخم اللغاديد أننا

ونحن أسود الحرب، لانعرف الحربا

ومن أهم ما يلي ذلك، إشارات واضحة لموقعات "لوقان " Lykos في عام 950/ 339هـ، و "مرعش" في عام 953/ 342هـ و"الحدث " في عام 954/343هـ. ثم يمضي الشاعر على هذا النحو:

البيت 8: فسل " بردسا " عنا أباك وصهره

وسل ال "بردالس" أغظمكم خطبا

9: وسل "قرقواسا والشميشق " أخاه

وسل سبطة " البطريق" أثبتكم قلبا ( يعني يوحنا تزيمسكس)

10: وسلصيدكم ال "الملاعين" أهل بيت ملينوس إننا

نبهنا بيض الهند عزهم نهبا

11: وسل ال "بهرا " وال" بلنطس"

وسل ال "سنوال" الحجاحجة الغلبا

12: وسل " بالبطرطيس" العساكر كلها

وسل "بالمنسطرياطس" الروم والعربا

13: ألست سيوفنا التي تقفيهم أسرا وقتلا

… الخ
تعليق

البيت الثامن: أشرت في هوامش عديدة، الى أن صهر براس فوقس Bardas Phocas هو تلك الشخصية الغامضة المسمدة أوهـ(ـغـ)ـرم أو أجورغ أو "تودس " ("مرديس " أو "مردوس ") الأعور، والذي تحدث عنه المؤرخون العرب مرارا وقع في الأسر في موقعة الحدث، عام 954/343هـ، وكذلك وقع ابنه،وهو ابنه من ابنة براس، أخت نقفور فوقس أما تواس وصيفها المختلفة فأصلها تيودورس. وأما الاسم الآخر فيظل لغزا وكلا الاسمين يبدو مجهولا لمؤرخي العصر البيزنطي.

كما لم يعرف التاريخ البيزنطي أيضا شخصية تدعي "بردليس " أو "برداليس ". على أنه من المحتمل،، ان افترضنا وقوع تحريف للاسم الأصلي، أن تكون هذه الكلمة تصحيفا لبزدليس بستيلس، بستيلاس. بهذا نصل الى اسم واحد من أشجع قواد بيزنطة، قائد حامية الثراقسيين Thracesiens الذي لقي حتفه ابان الحملة على كريت،إثر مغامرة رواها ليون دياكر بالتفصيل الشديد. اشترك نقفور بستيلاس في حروب عديدة وسقط أسيرا في يد العرب،عدة مرات، لكن دائما ما تمكن من الهرب. وتشهد له بالجسارة آثار جراح عديدة.كلف بستيلاس بالتسلل الى داخل جزيرة كريت، ونهبت قواته ناحية غنية ثم أثقلت بالغنائم وثقلت من الثمالة واذا بالعرب تباغتها. قتل جواد بستيلاس وهو على صهوته، فسقط وذبح على يد أرتال من الأعداء (العرب ). إن أهمية هذه الشخصية ونهايتها المؤسفة تناسب الموقف الذي يشير اليه أبو فراس مناسبة تامة.

البيت التاسع: قرقواس الشميشق و(تزمسكس ) أخاه: تبعا للمخطوط الذي اعتمدناه، نكون بصدد تيوفيل Theophile أخي قرقواس الشهير Corcuas وقائد حامية كلديا Chaldia الذي حمل كذلك على الأرجح، اسم تزمسكس، الذي اشتهر به حفيده: يوحنا تزمسكس. يقول المؤرخ الأرمني أزوليك Asolik أيضا إن يوحنا تزمسكس هو حفيد تزمسكس، في حين أن المؤرخين البيزنطيين لا يعرفون جد يوحنا تزمسكس إلا باسم تيوفيل.

البيت العاشر: في موقعة مرعش عام 953/ 342هـ، قتل ليون ملينوس، لعون ابن الملاعين، سليل عائلة حليفة لآل فوقس، وهي عائلة يعرفها المؤرخون اليونان والعرب جيدا. كما هزم ملينوس أخر أمام العرب، عام 963/ 352هـ.

البيت الحادي عشر: بهرام، بلا أدنى شك، هو إسحق بن بهرام الذي يذكره يحيى وهو الذي استولى على انطاكية مع ميخائيل برتزس وكان واحدا من قتلة نقفور فوقس، عام 969. هو أحد مؤيدي براس سكليرس عام 976وسدرنوس Cedrenus.

عرف المؤرخون العرب شخصيتين باسم بلنطس، قتل أحدهما وأسر الآخر عام 956/ 345هـ. ويصادفنا أحدهما بين قتلة نقفور فوقس.

من هي الشخصية المختفية خلف هذا الاسم الغامض:

سنول (سنول ) أو شنوان ؟ ليس من المستبعد أن نكون هنا بصدد تصحيف لما نويل Manuel (كتب منول بدلا من سنويل، الاملاء المعتاد في العربية ). وبالفعل هناك ما نويل في الحقبة التي تعنينا، يعرفه المؤرخون جيدا، لقي مصرعه في صقلية عام 965/ 354هـ.

من المعروف أن الاشتباكات بعد توقفها لفترة ما في صقلية، قد استؤنفت عام 962/ 351_، وأن المسلمين استولوا على تا ورمين ثم ضربوا الحصار على رامتا Rametta، آخر معاقل البيزنطيين القوية، في أقصى الشمال الشرقي للجزيرة، في أغسطس عام 962/ 352هـ، بقيادة الحسن بن عمار، ابن عم أمير صقلية. أثناء تلك الأحداث، اعتلى نقفور فوقس العرش واعتزم أن يضرب ضربة قوية في صقلية، فأرسل حملة هائلة قوامها أربعون ألف رجل، بقيادة الخصى فقيطس Nicetas، قائدا للأسطول، وما نويل فوقس ابن ليون أخي براس فوقس، ابن عم الامبراطور مباشرة،قائدا للجيوش البرية.

وصل الأسطول الى ميسين Messine واحتلها في أكتوبر 964، ثم أبحر بمحاذاة الساحل واستولى على عدة مدن هامة، بينما انطلق ما نويل برا لنجدة رامتا. وغير بعيد عن هذا الموقع اشتبك مع الحسن بن عمار،الذي ترك حامية للمراقبة أمام المدينة وتقدم لملاقاة ما نويل. انتصر ما نويل في باديء الأمر، لكن العرب استجمعوا رباط جأشهم وحملوا على الفرسان البيزنطيين فشنتوهم. حوصر ما نويل بين طغمة من الأعداء (العرب ) وسقط مع جواده وذبح. كان مصرعه إيزانا بهزيمة نكراء: قتل أكثر من عشرة آلاف بيزنطي. تمكن عدد قليل جدا من الفرار. بعد ذلك ببضعة أشهر، في مايو 965، سقطت رامتا (في أيدي العرب ). من ناحية أخرى، دمر أسطول فقيطس عن آخره أمام أسطول أمير صقلية، أحمد بن الحسن، في موقعة المضيق. وأسر فقيطس وأرسل سجينا للمهدية، في إفريقيا.

هكذا نرى مدى أهمية هذه الهزيمة، التي عادلت انتصارات نقفور فوقس على جبهة الشرق، الى حد كبير، كان الجيش العربي مكونا من المشاة أساسا واستطاع الجنود الأفا رقة البسطاء أن يشتتوا أزهى فرق فرسان ما نويل عندما ذاع خبر هذه الكارثة، شعر نقفور بألم عميق، كما أخبرنا ليون دياكر.

ليس إذن بمستغرب أن يستدعي أبو نواس أمام نقفور ذكرى هذه الفاجعة المريرة، التي أصابت الامبراطور في ابن عمه نفسه وأفنت جيشا رائعا.

ربما اعترض معترض على هذا التشخيص،بأن أبا فراس في سجنه، لم يكن بوسعه أن يقف على حادثة ما نويل البعيدة. إلا إننا نعرف أن شاعرنا كان يتمتع في محبسه بحرية كبيرة نسبيا. لقد كان لابد أن يقيم بمسكن خصص له في أحد ملاحق القصر الكبير وكان مسموحا له باستقبال الزائرين، وبالتالي يستطيع أن يطلع على الأخبار بسهولة.

البيت الثاني عشر: البطر سيس والتنويعات على املائها، يمكن أن تعود بالابدال، عبر صيغة مصحفة: برطسيس ؟ Burutsis الى (ميخائيل ) برطزيس Bourtzes وهو اسم فاتح انطاكية، فيما بعد، عام 919. أما عن جهلنا بكل شيء عنه في الحقبة التي تشغلنا رغم قربها من حقبة (فتح انطاكية ) وعن إصرار المؤرخ يحيى بن سعيد على تسميته بـ"برجى"، فلا يمثلان حائلا كافيا (لاضعاف أطروحتنا).

أما عن الشخصية المذكورة في الشطر الثاني، فنتذكر أن حرفي الياء والنون يختلطان على المرء بسهولة في الكتابة العربية. ومن هنا نرى في الصيغة المختزلة مسطرناطس اسم بطل شقي، لحادثة وقعت عام 965 وهو مناسطريوطس Monasteriotes. يحكي لنا سدرنوس Cedrenus أن نقفور فوقس شغل بمحاصرة موبسويست Mopsueste اوشفل أخوه ليون بمحاصرة تدرس Tarse، فأرسل ليون سرية بقيادة مناسطريوطس لإحضار المؤن والعلف. تفوقت هذه القوة لجمع العشب ولم تتخذ الحيطة الكافية، فهاجمها أهل تدرس في جنح الليل إذ خرجوا فجأة وأبادوا معظمها. كان مناسطريوطس بين القتلى. فيما عدا هذه الحادثة فتلك الشخصية مجهولة تماما. لكن يبدو أنه كان قائدا هاما بجيش ليون فوقس. على كل حال، ما دام قد جاء ذكره في أبيات أبي فراس على قدم المساواة مع عدد من الأشراف ومادام الشاعر قد استحسن تذكير نقفور فوقس بتلك الحادثة، فلابد أنه كان للمسألة دوى وأن مناسطريوطس كان من عائلة ذات شأن.

ينتهي هنا استعراض مشاهير أبطال الحروب العربية البيزنطية في القرن العاشر الذين استشهد بهم أبو فراس عل عظمة العرب الحربية، خلال حركة أسلوبية تقليدية خالية من الابتكار. إن في هذا العد ما يعطي لقصيدة أبي فراس ملامحها المميزة وما يجعلها تحتل مكانا خاصا في ديران الشاعر بل وفي الشعر العربي كله. الا أن هذا العدد هو أيضا السبب في أن القصيدة وصلتنا مشوهة. كانت القصيدة من شعر المناسبات وتضمنت إشارات لوقائع بعينها، لم يقف عل بعضها إلا الأقربون للشاعر، لذلك لم يكن ليقدر لها إلا أهمية محدودة بزمن إنشائها. كان من الطبيعي أن يسقطها الجيل التالي في غياهب النسيان. وأسماء الأ علام غير المألوفة الغريبة بالنسبة للعرب.

لم تكن لتفلت من تحريفات عديدة لا يمكن تجنبها، أدت ولاشك ال انصراف غير قاريء عن أبي فراس.

 
 
 
الروم في شعر أبي فراس أسما بعض الشخصيات
البيزنطية
في قصيدة الشاعر العربي " أبو فراس" (القرن العاشر)
ن. أدونتس وم كانار
ترجمة: وليد الخشاب (كاتب من مصر)

شاهد أيضاً

طــرنيـــــــب

دفع الباب بقدمه وتقدم إلى الغرفة شبه المفرغة إلا من شخير رتيب يتصاعد من الرجل …