السسْتم..

بدأت الحكاية، هكذا… كيف لي أن أصنع حكاية، أول الصباح، والنهار بدايته عجينة في يد الخبْاز. كيف لي أن أقود السرد، وأجعل الحكي يتبعني. للحكاية ألف وجه وعليّ أن اجمع شتاتها. الضّب محور الحدث، شخصية آدمية سارت كنيته مسْرى الأمثال. يحق لي وأنا صانع الحكاية أن أتصرف بدميته بالكيفية التي أشاء، فحياته في النص بيدي. أنتم تشبهون الضّب في المسير والمصير، تظهرون وتختبئون مثله، ثعالب ماكرة. هنا، لا أحد يطالبني بمسؤولية قانونية، لأن الأمر، حتى الآن، يتحرك فوق أرضية ترميزية. وحتى لا يصبح النص به سارد عليم كالديكتاتور الضّب لا بدّ أن أصنع ساردا آخر، أظهره وأخْفيه كالسنجاب. تذكروا، كما يقال القلم بيدي وأنا صانع شخصيته وستتبعونني حتى رزّ الباب، لندخل عبر عتبته لنقرأ تساْكنات الحقيقة بالخيال.
هنا، خطر ببالي، أين، أموْقع نفسي في ألْعاب الكلام هذه. حدثتني نفسي أن أتسلّل إلى معمار النص كشاهد ماكر، يتوارى خلف كل هذه الفوضى المخْتلقة من أجل ترميم هلامية الحكاية وانثيالها في كلمات مقْبولة، تقنع القارئ بصحة ما أقول. ففي نسخة النص قبيل التبيّض، كانت هناك شخصية رابعة، كنت قد ادخرتها لتداولية الأدوار التافهة. لكنني لدواعٍ فنية وجدت أن الشخصيات المخاتلة تكفي لتدمير هناءة النص وتعْفيّر التراب على الجميع في الوجه والقفا. كما أنني في قناعة نفسي أن حكاية كهذه لا تتحمل أكثر من تلك الشخصيات. كان من الممكن أن يكون الضّب سيد الموقف بامتياز. فهو شخصية مثلكم تماما من لحم ودم، وَهْمُ هي براءتكم أيضا. يعتقد في سريرته أن لديه قدرة اللصوص وقدرة الرسل في ذات الوقت، لو منح الفرصة، بالصمت عنه في تمدّد يديه ورجليه في ميراث الله على الأرض. وحتى يكون النص مقْنعا فإن شخصية السارد الوحيد، قد ولّى وهي لا تناسب النص المفتوح وزمنه. لا تأخذكم العاطفة على العجالة التي جبلتم عليها بأن نص الحياة، فيه أكثر من شخصية. مع أن زمنكم هو زمن القائد المُعلّم، المعجونين بشخصيته وطينته.
فالكلمات والحروف تصنع الكتب، والكتب لا تقرأ، وتستطيع أن تقول ما تقول. هكذا هي الكتب. لكن القابض العليم، بموازاة السارد العليم موجود في الحياة التي أنتم تعيشون. لم يكن بالإمكان تحريك تلك الشخصيات على أرض الواقع، فالحاسوب أراحنا في تموْضِعها في بطنه الافتراضي. ذلك أن الأرض ممالك وحوزات، والضّب وإن الْتحف ثوب كنْيته، كان يعرف اللعبة أكثر مني ومنكم. وحتى لا يقع صيدا ثمينا بأيديهم لو أمسكوا به وتاه في متاهات لا يعلمها إلا الله، سيقول الآخرون. عاش الضّب، مات الضّب. ثم ماذا ؟ بعد ذلك، كل شيء سيصبح عاديا بعد فترة وجيزة. وحتى تصبح القصة جاذبة للقراءة، ليس أمامكم، إلا تتبع معاناة وحياة شخوصها وامتدادات ذلك الألم. هنا، قد اُقْنع به نفسي وأنا أقرأها، أي القصة، في جريدة اليوم التالي، بأن فيها بعضاً من رائحة الحياة، ذلك كي تصلوا معي إلى السطر الأخير. لذا، نأيتُ بنفسي عن شبهات ما تريد أن تقوله تلك الشخصيات، بتجنب أحادية المعنى إلى تعدده. ذلك إدراك، من الضّب، بتقمص شخصيات البهلوان الْملتبسة، حتى لو ذهب قوله إلى أقصى معانيه في التجديف والقول الحارق. سيُقال فليذهب الضّب إلى الجحيم. ما لنا به معرفة، فهو شخصية من خيال. هو قد هيأ نفسه، لمثل هذه الحالات، حالات الاعتراف، بفمه المليء بالكلمات، بأن «السسْتم عندكم هكذا».
هنا، ستميل أوراق الحكاية قبل تساقطها لصالح الضّب. فهو يتحرك على أرض زلقة كغيره، لكنه يمتلك كاريزما شخصية تتمسْرح بين الميتافيزيقيا والفيزيقا، وأحيانا، يحاول أن يكون خارجهما أصلا، نكرة لا وجود له. لعبة الوجود الصعبة وغير المفهومة أحيانا. هيأت له أن يكون متعدداً، كتعدد الحياة، التي يعيشها. فنجده فرعونا في مكان، وقديسا في مكان آخر. وثمة أمكنة يكون فيها شاعرا وكاتبا وصانع كذب وملكا أكثر من الملك. تشوهات الحياة أدخلته منازل الوحوش وقادته، الطرق الملتوية، إلى تبدلات شخصيته، من الحكاية إلى جسد الدنيا، نارا أحيانا، وحطبا في أكثر الأحايين. لم تكن الحياة بالنسبة له، غير رقصة الشمس، في وداع الغروب.


طالب المعمري

شاهد أيضاً

اللّوز المرّ

في سديم لجة الصباح الباكر، عندما كانت الديكة تستيقظ، وتدفع بنداءاتها المتعالية بقايا خيوط الظلام، …