أخبار عاجلة

«السيدة سالمة» Emily Ruete شارع جديد في مدينة هامبورج بألمانيا

زاهر الهنائي*

أقرّت اللجنة المَحلّية في هامبورج بألمانيا Barmbek- Uhlenhorst- Hohenfelde- Dulsberg عن منطقة تَجَمُّع شمال هامبورج في شهر مارس ٢٠١٩ تسمية جزء من شارع Leo-Leitikow باسم إميلي رويته (السيدة سالمة بنت السلطان سعيد بن سلطان ١٨٤٤-١٩٢٤)، تكريمًا وذكرى للسيدة سالمة بنت السلطان سعيد بن سلطان، التي عاشت في مدينة هامبورج، وتحديدا في منطقة أولنهورست بشمال هامبورج، في شقّة تُطلّ على بحيرة ألستر الجميلة في شارع SchoeneAussicht29، وذلك أولّ وصولها إلى ألمانيا عام ١٨٦٧، قبل مغادرتها المدينة سنة ١٨٧٢ لتنتقل بعد ذلك إلى عدّة مدن ألمانية إلى أن استقرّ بها المقام في العاصمة الألمانية برلين. وذلك إثر مقترح قدمه إلى اللجنة عدد من ممثلي حزب الخُضْر die Gruenen والحزب الديمقراطي الاجتماعي SPD عن مدينة هامبورج بتاريخ ١٧/ ٢/ ٢٠١٩، وفي تصريح للمتحدثة باسم حزب الخُضر عن منطقة أولنهورست، كارمن مويلر، تقول فيه: «لقد اخترنا شخصية قويّة ولافتة لتكون اسما لهذا المكان، شخصية لم توقفها آنذاك الحواجز التي وضعت أمامها، إنها تعلّمت الكتابة وأحبّت رجلا من هامبورج وتركت عائلتها لتشاركه الحياة فيها، وبعد الوفاة المبكرة لزوجها توجّب عليها وحدها أن تعول نفسها وأطفالها. وقد قرّبت بكتابها الذي قارنت فيه حياتها في زنجبار بحياتها في ألمانيا ثقافتها للآخرين». وعلّقت عضوة اللجنة المحلية، دانيلا دالهوف، ممثلة حزب الخضر، على المقترح بقولها: «المكان الذي سيسمّى بإميلي رويته (السيدة سالمة) يؤمل منه أن يكون مكانا للتواصل والالتقاء. ونرجو أن يلتقي مختلف البشر هنا، يتحاورون فيما بينهم ويبنون تماما مثلما صنعت إميلي، جسورا بين الثقافات والأجيال». يُشار هنا أيضا إلى وجود نُصب تذكاري في حديقة النساء بمقبرة أولسدورف، التي يقبع فيها ضريح الأميرة، ضمن عدة نساء باعتبارهن نساء مؤثرات وذوات شأن في تاريخ مدينة هامبورج، تم بناء هذا النُّصب في إطار المشروع الأوروبي ٢٠٠٧ الذي عُرف بالعام الأوروبي لتكافؤ الفرص للجميع «Das Europäische Jahr der Chancengleichheit für alle». يُذكر أن السيدة سالمة عاشت في ألمانيا مدة من الزمن تصل إلى ثلاثين سنة تقريبا على فترتين، كانت الفترة الأولى لبقائها في ألمانيا بعد رحيلها من زنجبار سنة ١٨٦٦واستقرارها في ألمانيا حتى سنة ١٨٨٨، عندما قرّرت حينها أن تقوم برحلة ثانية وأخيرة إلى موطنها الأصلي زنجبار، وذلك بعد موت أخيها السلطان برغش بن سعيد، أملا منها في تحقيق صلح بينها وبين أهلها في مسألة حقها في إرث أبيها وأمها، وقد مثّل السلطان برغش عائقا لتحقيقها لمطالبها إبّان حكمه، وحادثةُ رحلتها الأولى إلى زنجبار عام ١٨٨٥، التي تحدثت عنها في الفصل الأخير من مذكراتها الأولى، أظهرت بجلاء ذلك الموقف الصارم للسلطان برغش تجاه أخته في مسألة استرداد مطالبها، وجاءت رحلتها هذه بعد ما يقرب من عشرين عاما من رحيلها عن زنجبار وهي ابنة اثنتين وعشرين سنة، وقد كانت هذه الرحلة بدعم من حكومة المستشار الألماني بسمرك، مستغلا إياها كورقة لعب لتحقيق طموحاته السياسية الاستعمارية في منطقة شرق أفريقيا في ظل التنافس البريطاني الألماني. ثم حاولت سالمة الكرّة مرة أخرى بعد أن نما إلى علمها نبأ وفاة أخيها السلطان برغش سنة ١٨٨٨. وقد تخلّل هذه الفترة الأولى التي قضتها السيدة سالمة في ألمانيا رحلةٌ قصيرة إلى لندن عام ١٨٧٥ للقاء أخيها السلطان برغش، الذي كان يزور إنجلترا في تلك الفترة، محاوَلةً منها لتحقيق مصالحة مع أخيها، ولكن حال الإنجليز بينها وبين لقاء أخيها لأسباب سياسية، فعادت أدراجها إلى ألمانيا. لم تتوقف بعد ذلك محاولاتها لطلب الصلح مع أخيها برغش، فقد بعثت إليه برسالتها العربية المعروفة والمؤرخة سنة ١٨٨٣، والتي نشرتها المترجمة العراقية سالمة صالح المقيمة حاليا في برلين، في ملحق ترجمتها للمذكرات سنة ٢٠٠٢ عن دار منشورات الجمل. وقد اتسمت هذه الترجمة عن سابقتها (ترجمة عبد المجيد القيسي) أنها ترجمة عن الأصل الألماني، إذ استعانت المترجمة بنسخة من المذكرات محفوظة لدى مكتبة الدولة ببرلين. يشار هنا إلى أن أصل هذه الرسالة، التي أرسلتها السيدة سالمة إلى أخيها السلطان برغش عُثر عليها ضمن المجموعة التي تُعرف بأوراق كيرك (Kirk Papers)، والتي تعود إلى السير جون كيرك. إذ يوجد في هذه المجموعة أصل الرسالة باللغة العربية وترجمة ركيكة بالإنجليزية بخط السيدة سالمة نفسها، وترجمة إنجليزية أخرى للسير جون كيرك. وتم نشرها مؤخرا باللغة الألمانية في رواية «Abschied von Sansibar» للروائي السويسري لوكاس هارتمان ٢٠١٣، فقد استثمر لوكاس هارتمان هذه الرسالة بعد أن وضعها على شكل شذرات في مفتتح كل فصل من فصول روايته. يُذكر هنا أن المترجمة المصرية، نيفين فائق، قد ترجمت الرواية إلى العربية ونشرتها منشورات الجمل سنة ٢٠١٨ بعنوان «وداعًا زنجبار».
لم ترجع السيدة سالمة إلى ألمانيا بعد رجوعها من زنجبار في رحلتها الثانية سنة ١٨٨٨، فبعد شعورها باليأس من تحقيق مطالبها وخذلان الحكومة الألمانية لها، استقرت مدة من الوقت في يافا والقدس، ولكنها أقامت بعد ذلك في بيروت معظم وقتها، وذلك من عام ١٨٨٩ وحتى قبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤، عندما قرّرت قضاء فصل حياتها الأخير في ألمانيا، لتموت في مدينة يينا الألمانية عام ١٩٢٤ في بيت ابنتها الصغرى روزاليا، وتدفن في مقبرة العائلة بجوار زوجها هاينريش رويته بمنطقة أولسدورف في هامبورج.
هناك إشارات إلى أن السيدة سالمة عادت في أثناء إقامتها الطويلة في بيروت ويافا والقدس إلى ألمانيا لفترات قصيرة1، هذه الفترة التي لا نعرف عنها سوى القليل من خلال نصها القصير جدًّا الذي وصفت فيه شيئا من عادات وتقاليد المجتمع السوري، وكذلك من خلال بعض المراسلات الودية التي كانت بينها وبين أبنائها وأصدقائها، وذلك بالمقارنة بمدى معرفتنا عن حياتها في زنجبار من خلال مذكراتها الأولى، وعن حياتها في ألمانيا من خلال رسائلها. الجدير بالذكر هنا أن أرشيف مكتبة جامعة لايدن في هولندا لا يزال يحتفظ بهذه الوثائق فيما يُعرف بالمجموعة الخاصة للسيدة سالمة وابنها رودولف سعيد رويته، هذه المجموعة التي تحوي وثائق وصورا ومراسلات خاصة للسيدة سالمة، كما يحوي أرشيفها أيضا متعلقات لابنها سعيد، يشار هنا إلى أن مكتبة جامعة لايدن انتهت من رقمنة هذه الوثائق كلها ٢٠١٩ وأصبحت بذلك متاحة للباحثين والدارسين للاطلاع عليها بصورتها الرقمية!
وقصة وصول هذه الوثائق، أو ما يُعرف حاليا بمكتبة السيدة سالمة، إلى مكتبة جامعة لايدن، تبدأ من المستشرق الهولندي المعروف البروفيسور سنوك هُرخرونيه، الذي ابتدأت معرفته بالسيدة سالمة عندما زار برلين في مارس من عام ١٨٨٧ لتقديم محاضرة في الجمعية الجغرافية حول زيارته إلى مكة، وفي أثناء إقامته في برلين تعرّف على السيدة سالمة التي كانت آنذاك مقيمة في برلين، بعدها توطدت علاقته بالسيدة سالمة وأولادها ولا سيما ابنها سعيد. وفي مراسلة لسعيد في أبريل من عام ١٩٣٢ إلى البروفيسور سنوك هرخرونيه أبدى سعيد رغبته في تحويل مكتبته الشخصية إلى ملك عام. وكان يرى أن أفضل مكان لها هو المعهد الاستشراقي الذي أسّسه البروفيسور سنوك هُرخرونيه عام ١٩٢٧؛ فقد سنحت لسعيد فرصة زيارة هذا المعهد عندما شارك في المؤتمر الثامن عشر للمستشرقين في لايدن سنة ١٩٣١، الذي ألقى فيه ورقة عن تاريخ الدولة البوسعيدية، كانت نواة لكتابه المعروف عن السيد سعيد بن سلطان، الذي ترجمه الدكتور عبد المجيد القيسي إلى العربية. اقترح البروفيسور هرخرونيه على سعيد أن تضاف وثائق والدته السيدة سالمة إلى المكتبة ليكون ذلك ذكرى لها. تم نقل المكتبة من لندن إلى لايدن سنة ١٩٣٧ بعد سنة من وفاة البروفيسور سنوك هرخرونيه. وضعت المكتبة في البداية في غرفة المكتبة ببيت البروفيسور الواقع في شارع رابنبرج ٦١ (Rapenburg 61)، والذي كان مستخدمًا من قبل المعهد الاستشراقي بعد وفاته. وبعد وفاة سعيد عام ١٩٤٦ قام ولده فرنر بإكمال التبرع بإيداع أوسمة أبيه في المكتبة. انتقل مكان معهد الاستشراق من شارع رابنبرج ٦١ إلى شارع Witte Singel، ولهذا ظلّت مكتبة سعيد محفوظة بعض الوقت في أحد مباني المعهد الهولندي للشرق الأوسط في شارع Noordeinde بمدينة لايدن. ثم أعيدت بعد ذلك إلى المعهد الاستشراقي في مكانه الجديد بشارع Witte Singel. وفي نوفمبر من عام ١٩٩٦ تَبرّع معهد الاستشراق بجزء كبير من المواد المتعلقة بالسيدة سالمة وبعض من أرشيف ابنها سعيد وشيء من الكتب المطبوعة لصالح مكتبة جامعة لايدن، وظلّ الجزء الباقي من المكتبة ملكا للمعهد الاستشراقي، ولكن تمّ حفظه في المباني التابعة للمعهد الهولندي للشرق الأوسط NINO. تحتوي مكتبة سعيد في أصلها عندما تبرّع بها لمعهد الاستشراق عام ١٩٣٧ على ٦٥٠ كتابا مطبوعا تتعلق بتاريخ عمان وزنجبار، وأرشيف لسعيد، يضم وثائق ورسائل إلى سياسيين من الشرق الأوسط (لا يزال أغلبها لم ينشر، وتحتوي على أسماء معروفة كتيودر هرتزل وحاييم وايزمان وجمال الحسيني2)، وتحتوي المكتبة المهداة أيضا على بعض القطع الأثرية وجزء من تركة السيدة سالمة وصور ومنحوتات فنية. وتضم تركة السيدة سالمة مخطوطات مذكراتها ورسائل وصورًا ووثائق تتعلق بحياتها الشخصية.

المصادر:
– Donzel (1993): An Arabian Princess Between Two Worlds. Leiden 1993.
– Van de Velde and Vorlijk (2018): Sayyida Salma (Emily Ruete) and Rudolph Said Ruete Archive, University Leiden 2018.
الإنترنت:
– https://gruene-nord.de/userspace/HH/galnord/Bilder/Fraktion/antraege/190225_BUHD_AN_SPD_GRUENE_BenennungPlatzFinkenauquartier.pdf
– https://www.facebook.com/623236327819898/photos/pcb.1895652393911612/1895651143911737/?type=3&theater
1 كانت العودة الأولى لها إلى برلين سنة ١٨٩٠ دون معرفة من صحبها في العودة ولا الغرض منها؛ إذ لا تسعف الوثائق في توضيح ذلك، أما العودة الثانية لها فكانت بصحبة ابنتيها أنتونيا وروزاليا إلى برلين، ولكن غرض الزيارة ظلّ غير معروف أيضا! أما زيارتها الثالثة فكانت لحضور زواج ولدها سعيد، ثم لبثت بعد ذلك في ألمانيا حتى موعد زواج ابنتها الصغرى روزاليا، وكان ذلك في عام ١٩٠١، ورجعت إلى بيروت في يناير ١٩٠٢. كما كانت لها زيارة أخرى إلى برلين عام ١٩٠٧ لزيارة ابنتيها. ويُذكر أيضا أنها في الفترة التي أقامت فيها في بيروت قامت بزيارة ولدها سعيد عندما كان يعمل في القاهرة.
2 يُذكر هنا أن رودلف سعيد رويته نشر كتابا آخر بعنوان: « Politische Korrespondenz und Friedfertige Kriegsaufsaetze 1914-1918»، لا يزال غير مترجم إلى العربية، يحتوي على مراسلاته وتقارير مقابلاته مع مسؤولين ألمان كبار أثناء الحرب العالمية الأولى.

شاهد أيضاً

مارسيل بروست البحث عن الزمن المفقود

نزار سالم* الزمن اسم لقليل الوقت أو كثيره، ووقت الشيء هو الفعل المحدد المرتبط بذلك …