أخبار عاجلة

الشاعر البوليفي إدواردو ميتري: فلسطيني في نيويورك وعربي في غرناطة

قراءة الشعر تجربة تتحقق عن طريق اللمس، وأيضاً بواسطة الإصغاء للأصوات والإيقاعات، مثلما عبر المشاهدة التشكيلية، وليس البصرية فقط. لهذا السَّبَبِ أصبح اليومَ مُهِمّاً جدا ما كان يعتبرُ إلى حدود فترةٍ ما مُهْملا جدّاً: ويتعلق الأمر هنا بلعبة البياض والسواد أي الكتلة الحبرية للكلماتِ والحروفِ وهي تتدفَّقُ على بياض الصفحة أو فراغها، فالشعر وعبر العين يغزو أعماق الروح من خلال تلقيه كسلسلة من الكتل الحبرية قبل أن يعاود اختراقها بالمعاني التي تتضمنها الجملُ كتراكيبَ وكصُوَرٍ وإيقاعاتٍ، رغم أن الشعر عادة -إن لم نقل دوما- ما يقرَأه المرءُ في صمت، حتى عندما لا يكون موزونا وفق إيقاعات خارجية أو مقفى بحسب التحديدات القديمة، يستمعُ المرءُ إلى الشِّعرُ في صمتٍ، ويتأمله على الصفحة، بصوتٍ يكاد يصيرُ بالنسبة للقارئ مجهولا وهو يتداخل بصوتِ الشَّاعرِ أو حتى القارئ نفسه أحياناً. يقرأ المرء القصيدة بصوت عالٍ أو يستعيدها من الذاكرة عن ظهر قلب، ويحسُّ أن هذا الصوت لا يتملكه كليًا لأنه ليس كلية في ملكه وتحت سطوته، مثلما ليست الأنغام الموسيقية التي يوقعُها عازفُ البيانو ليست له لكنها لا تتحقق إلا بوجوده وبعزفه لها. بين محبي الكتب يوجد قارئ يبدأ الدخول إلى عالم النص بالملامسة، بتحسس الكتاب عبر أصابع اليد، الكتاب الورقي أشبه بجسَدٍ، وهو في ذلك مختلفٌ عما يُسمى راهنا الكتاب الإلكتروني، أو النسخة الإلكترونية التي لا تحقق نفس المتعة، لأن الكتابَ يصيرُ مجرَّدَ ظلٍّ زائفٍ يصعبُ القبض عليه، وهذا قد يحدث تماما لقارئ الأعمال الشعرية -غير الكاملة- (1965-1995) للشاعر البوليفي الفلسطيني الأصل إدواردو ميتري. فالغلافُ شبهُ الكرتوني مِنْ ورقٍ مقوّى قليلا، والأقرب في خشونة ملمسه إلى الجلد نظرا للحُبَيْباتِ المنتشرةِ فيه، والمائل في لونه إلى الأصفر الفاتح، والعنوان بالحبر الأحمر الباهت، واسم الشاعر بالأسود في الأعلى بحروف أصغر قليلا، ثم الرَّسْمُ المائيُّ بلونٍ أسودَ ميَّالٍ إلى الرمادي، أقرب إلى الرَّسم اليابانيِّ وبحبرٍ صيني، يجسدُ صورة قطٍّ في حركةٍ بسيطةٍ واحدة. كل ذلك يوحي لنا بالمتعة التي سنصادفها ونحن ندخل عالم هذا الكتاب الشعري، الذي يوحي لنا بكثافة شعريته من خلال العناية بعتباته الأولى… لكن وأساسا من خلال لغته، إن الصعوبة التي تطرحها اللغة في راهنيتها الشعرية تعزز الفصل بين علم الجمال وبين الأخلاق والسياسة، ويشير جورج ستاينر من حيث المبدأ في مقالته المتنورة المعنونة بـ: «في الصعوبة»، إلى ما يطلق عليه بـ: «الصعوبة التكتيكية». ويحدِّد ستاينر أيضا صعوبتين أخريين، الصعوبة «المحتملة» التي تفرض على القارئ أن يفك شيفرة النص أو أن يبحث عن مرجعياته ذات الصلة، وهي «الأكثر تجليا ووضوحا [… و] الليونة» والصعوبة «الصيغية» التي ترتبط بالانعكاسات وبازدواجيات المعاني في تلقيها النفسي. بهذه الطريقة يجب فقط أن يُوجَّه الانتباه إلى شكل النص الشعري، الذي لا يمكن البتة أن يتم فصله عن المحتوى في القصيدة.
أما بالنسبة للشاعر إدواردو ميتري فقد اختار منذ أولى دواوينه الشعرية، تطوير كتابته الشعرية من خلال كثافة من الرموز والاستعارات حيث أنه ليس نادرا البتة في أزمنة التواصل العالمي الشامل، أن نعثرَ على أشكال متعددة من المقاومة، أمام الصعوبة التي يطرحها فهم واستيعاب الشعر. ومع ذلك، فإن السير على هدى الحضارة الإنسانية، والتنقل بين مسالك ومسارات الغابات الظليلة للاستعارات الشعرية شيء جد عادي، رغم أنه محفوف بكثير من الصعوبات، وقد يذكرنا هذا بحكاية الفلورنسي، الذي كان من باب حظه أنه كان يمتلك حسن فصاحة وسحر كلام مما كان قد مكنه من ولوج ومغادرة عالم الغاب دونما أعطابٍ أو خساراتٍ بسبب قدرته على ابتداع الكلام الجيد مما جعله يصيرُ دليلا لفيرجيليو. ثمة علاقة توازٍ وتناظرٍ رمزية ومتواضعة بين ما ذُكِرَ سالفا وبين الشاعر البوليفي الانتماء، الفلسطيني الأصل إدواردو ميتري، الذي كان لزاما عليه أن يحتضن ميراث وتوجيهات أبيه المهاجر الفلسطيني وأن يتبعها، ويتخذها مصدرا لإلهامه الأدبي: يابا ألبيرتو.
إن القصيدة الغرناطية لميتري قصيدةٌ عميقة المعاني، تكشفُ بجلاءٍ انتماء الشاعر، وتعرف تصعيدا في نبرتها، تستحضِرُ التراثي من خلال الإحالة على ابن سعيد في استعادة تثير الإعجاب حقا، لأن الكلمات التي ينتظرها القارئ في أفقه تبقى في المساحات الفارغة لا تقالُ، وحيث إن الابن يحفز الأب الشَّبَح أو الطيف ليلفت انتباهه إلى فتنة المكان، مرسلا كل علامات الدهشة والتعجب أمام بهاء قصر الحمراء بأبراجه المبهرة التي ترسل نظرة تلتمع على مدى قرون من الزمن.

إدواردو ميتري شاعر في مانهاتن
في أذينة الكتاب أو طيته نقرأ تعريفا بالشاعر: «إدواردو ميتري ولد في أورورو (بوليفيا) في 1943، لما كان بعد طفلا صغيرا انتقلت أسرته إلى كوشابامبا. درس الحقوق في الجامعة الكبرى لسان سيمون في تلك المدينة، وفيما بعد قام بدراسات في الأدب الفرنسي بفرنسا وفي آداب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث نال شهادة الدكتوراه من جامعة بيتسبورغ بأطروحة حول شعر بيثينطي ويدوبرو. عمل مدرسا في جامعة كولومبيا بنيويورك، في كلية دارتموث (هانوفر، ولاية نيوهامبشر) وأيضا في الجامعة الكاثوليكية البوليفية (والتي مقرُّها بكوشابامبا). منذ سنوات يقيم بمانهاتن ويدرس في جامعة سانت جونز، جامايكا نيويورك. منذ سنة 1999 صار عضوا بالأكاديمية البوليفية للغة مراسلا للأكاديمية الملكية للغة الإسبانية، وكتاب الأعمال الشعرية المقدم هنا يشتمل على الأعمال التالية: مسكن 1975، دخان متأججٌ 1976، ميرابيليا 1979، منْذ جسدك 1984، ضوء العودة 1990، خطوط الخريف 1993، طريق من أي جهة 1998، وقد نشرت له دار النشر بريتكستوس دواوينه اللاحقة على سنة 1998 وهي: مظلة مانهاتن 2004، زجاجيات ملونة للذاكرة 2008، عند انقضاء الهنيهة 2009، وبنشرها لهذا العمل تكون بريتيكستوس قد نشرت كل الأعمال الشعرية التي ظهرت حتى الآن…»
فلسطيني من بوليفيا وعربي يرثي غرناطته
تمثل صورة الأب علامة مميزة في شعر إدواردو ميتري وخاصة قصيدته «الحاج والغياب»، التي تحمل الإحالة التالية « الرِّحلةُ اَّلِتي لمْ نَقُمْ بِهَا أنْتَ وَأنَا قَطُّ» يابا ألبيرتو»، يقول الشاعر في الجزء الأخير من هذه القصيدة:
ولكِنَّ اللَّيْلَ يَهْبِطُ وَهَا تُقْرَعُ
الأجْرَاسُ المَسِيحِيَّةُ.
كورٌ سَمَاويٌّ، يَعْبُرُ القمَرُ
فوقَ صَلِيبِ الرَّوْضَةِ.
وهي ذي القصيدةُ-اللقاءُ المُتجَدِّدُ يُشَارِفُ النِّهَايَةِ
لُمَّ ذاتَكَ، يابا، إلى نَوْمَةِ لَحْدِكَ الأرْضِيِّ
فِي وَادِي كُوتشَابَامْبَا،
بيْنَمَا أسْتَشْعِرُ اسْتِشْهَادَ
دَمِكَ الَّذِي يَتَدفَّقُ
في غَزَّةَ وفي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ
وفِي الوَدَاعِ الصَّامِتِ تَغْرُبُ
ولِلمَرَّةِ الأخِيرَةِ
غَرْنَاطَةُ.
(ضوء العودة)
لقد ترسخت غرناطة في ذاكرة الشاعر إدواردو ميتري في اشتباك واضح مع ذكرى والده، ومع تاريخ حاسم في لا شعوره باعتباره شاعرا ترتبط أصوله بالانتماء العربي، وهو انتماء أيضا لتاريخ من الهزائم ومن النكبات، إنها تذكرة بمراحل حاسمة في سيرة حياته المعقدة المرتبطة بالهجرات الشخصية والموروثة. لقد كان اكتشاف الشاعر لغرناطة جرحاً ومحركاً للحنين ولجمرة الماضي، ولذلك صارت قصائده عن هذه المدينة، وهي تعتبر من روائع شعره، من أجمل الشهادات وأعمقها عن لوعة الغياب والاغتراب والإحساس بالانتماء أو اللانتماء إلى المكان، وعن الصدى المستمر الذي يخلفه فينا الزمن بسنواته الموشومة في ماض غادرنا وخلف فينا آثاره من خلال المحكي، إنها مرثية لغرناطة وللأب الراحل والمقيم أبديا في غرناطته: ولذلك يقترن يابا ألبيرتو، بغرناطة في توحُّد لا يلغيه الزمن.
قصيدتان تتوحدان روحا ومعنى في الرثاء، رثاء الأب ورثاء المدينة، تنبعان على الأرجح من جذور هوية إدواردو ميتري الذي هاجرت عائلته من فلسطين إلى بوليفيا سنة 1930. ولد إدواردو ونشأ في أجواء مختلفة لأنه من القادمين الجدد إلى بلد أجنبي وغريب بالكامل، أصبح يشعر منذ فتوته بأنه مهاجرٌ من أمريكا اللاتينية نحو أوروبا، ثم إلى الولايات المتحدة، مثلما كانت أسرته مهاجرة من فلسطين إلى قارة أمريكا اللاتينية، لهذا السبب تعمق في شعره إحساس بالاغتراب وبالمنفى وحنين إلى الانتماء، ولذلك أيضا حاول تصفية حساباته مع الأمكنة ومع الانتماء عبر التجربة الشخصية للنزوح من خلال الذاكرة التخيليّة والشفويّة للرحلة العكسيّة الكبيرة للطاعنين في العمر. لقد كان يَعِدُهُ أبوه منذ كان طفلا بأن يسافرا معا في زمن ما إلى مدينة تمثل رمزا للأصول الأخرى القديمة والعميقة، أكثر عمقا بكثير مما قد يبدو للعابر من الناس، غرناطة العربية الرائعة الخالدة، غرناطة البهاء العربي الآفل، يكتب ميتري المصير، يربط الرحيل بالعودة والتوديعات بالذكرى. ويغذي حنينه وأشواقه باستحضار ذكرى والده وقد مات بالفعل، وهو يشرفُ على مرأى قصر الحمراء، وانحدارات البيازين، وهو ينطق الأسماء العربية في زوايا الشوارع مستمتعا بلذة نطقها وبالانتماء إلى المكان، مطلا أخيرا من ساحة صغيرة عبرها يمكن تأمل القلعة بجدرانها الحمراء، المدهشة والفاتنة دوماً في الخيال أو في الصور. القلعة المشرفة من التلال فوق الهوة، معلقة في أعلى نهر حدرة أمام الستارة التي ترفعها لا سييرا نيفادا بضبابها وبقممها المكسوة بالثلج.
هكذا تصير قصيدة «الحاج والغياب» بنتَ «يابا ألبيرتو» ذاتها: ويصير «يابا ألبيرتو» نهرا من الصور والأسماء النابعة من الخسارات الفادحة وضفة من ضفاف الحداد والغياب، القصيدة كانت تريد أن تلامس الضفة الأخرى، ضفة الرغبة والحلم، وانطلاقا من ذلك تحويل مجرى ذاك النهر الأصلي إلى التحقق الممتع لما هو ممكن وغير مُتَحقِّقٍ. ألم يعرف رينيه شار القصيدة على أنها تحقيق لرغبة بعد زوال رغبة؟ وبهذه الطريقة يُيَسِّرُ حرفيا تحقُّقَ الالتزام الأخلاقي والسياسي اللازم للقصيدة، هذا اللقاء بين خطوط الطول المتفاوتة، وهو شيء ممكن إدراكه وتحقيقه بوضوح في المثال الشعري التالي للشاعر:
المَرْأةُ الَّتِي تَظْهَرُ
عِنْدَ المُنْعَطَفِ فَجْأةً
مِثْلَ مُرَافِقَةِ بُودْلِيرَ.
عَيْنَاهَا مِنْ لُبْنَان تلمَعَانِ
ليْلاً مِثْلَ قِشْرَةِ
التُّمُورِ،
مُلْغِزَتَانِ مِثْلَ الخُطُوطِ
الَّتِي تَرْسُمُهَا الأقْدَارُ
على أوْرَاقِ الكُوكَا.
جَسَدُها رَشِيقٌ،
وخِصْرُهَا دَقِيقٌ،
مِشْيَتُهَا مِشْيَةُ النَّخِيلِ مَعَ الأنْسَامِ،
وشَعْرُهَا فِي الهَوَاءِ
سَوْطٌ وَعَبِيرٌ،
سَاقَاهَا مَدِيدَتَانِ
تُحِسُّهُمَا تحْتَ التنورة الحمراء،
ونَهْدَاهَا مِثْلَ مَوْجَتَيْنِ
مُتَلاطِمَتَيْنِ
على وشْكِ أنْ تَتِيهَا فِي البَحْرِ.

والسُّفْرَةُ التي تُمَدِّدُها نَحْوَ الثَّلْجِ
عَلى طَاولَةِ الحَانَةِ
تحتَ نظْرَةِ مَنْ يَقرَأُ
مَا يُبْدِعُهُ الوَاقِعُ صُدْفَةً.

والقَصِيدَةُ تقولُ ما تَقُولُهُ
حَرْفِيّاً.
فجأة، إلى جنب الصوت الشعري تأتي البهجة مع الفرح، تجلبهما امرأة تعبر قرب المتحدث في القصيدة، وفي الإشارة إلى بودلير يومئ إلى «المتسكع» الذي صار إليه. في وقت يرسم ملامح المدينة المعاصرة كحملٍ مضيء متزامن مع انجرافاتها الأحدث، على الأقل هنا، تحمل هذه السمات الأربعة: أن يكون بوليفيا، وفلسطينيا من أبناء العروبة، في المنفى، في أواخر القرن العشرين. في قصيدة «مظلة مانهاتن»، وهي القصيدة الختامية من الديوان الشعري الذي يحمل نفس العنوان، ويركز فيه الشاعر على مظاهر الجمال التي تنبني على مبدأ مزدوج كونها تحمل معنى الالتزام الوفي والمباشر للحياةِ وللكتابة، من مشهد طبيعي وحضري:
إنها تُمطِرُ في مانهاتن:
أخرِجُ المِحْبَرةَ
والريشة من مظلتي.
أفتحها مثلما يُضاءُ مصباحٌ
ويرتفعُ
صَقرٌ مُقيَّدُ الأجنحة.
أستبقيه مثل زهرة عباد الشمس
ذات بتلات سوداء
فيُعَطِّرُنا هذا التَّنَاظُرُ.
[…] الشَّوَارعُ تنْحَدِرُ، عجوزٌ
حَدقاتُهَا مُزْرقَّةٌ،
نظرَتُها بلا نَظَرٍ،
تتعلقُ بعنقها
حافِظَةُ نُقودٍ مِنْ صَفِيحٍ
تُدَوِّي مِثْلَ جُلْجلٍ.
[…] إلى الشارع الطويل والمترف
مثل جُملةٍ لِبروست
حَمَّامُ الحَشْدِ المُباغتُ
والدُّوارُ المُتنامي
أمام طوفان من الوجوه
دون قوسِ قُزَحِكَ يا أنت.
قصيدة تربط بصور ديوانه المكتوب بباريس ما بين شتاء 1980 وربيع 1981، عقلٌ مشتعلٌ، بُوليفيا دائما في القلب، هنا فقط كان الألم أكبر، وفقاً لآثارِ لأحداث السنة السابقة على هذا التاريخ، مباشرة بعد الانقلاب العسكري المدعوم من مصالح الاستخبارات العسكرية الأرجنتينية، والذي فرض ممارسة التعذيب وقتل الزعيم الاشتراكي مارسيلو كيروغا سانتا كروث:
باريس، شتاء عام 1980
أحبائي من الطيور الغائبة
أحياءٌ مِنْ ثَلْجٍ
أيتها الصَّنَوْبراتُ
الجالسة في صبر
من ظليلِ غرفةٍ
وحتَّى ضوءِ المِصباح
المتوحد
مثل كيسْوَارَا في الهضبة العليا
وهو ينحني على الصفحة
ومنغمرا أيضاً في حنين المنفى، الذي يطفو إيروتيكياً، ويتبدّل في صورة أورفيوس في آخر القصيدة أو عندما يكتب في القصيدة السابقة: «مدخل المترو، ممر/ إلى أطياف إيروس:»، وهذا بدوره ليس سوى انعكاسٍ لهايكو عزرا باوند الشهير، «في محطة المترو»: «بروز هذه الوجوه في الحشد. / بتلات في غصنٍ أسودَ مبتل».
في إحدى قصائد «مظلة مانهاتن»، يعلن الصوت الشعري المُكاشِفُ على كونه يستيقظ في الخامسة صباحًا لكي يكسب خبزه اليومي:
أن أخرجَ إلى الشَّارع، إلى صَفعةِ
البَرْدِ على الوجْهِ
لأجلِ بضعة دروس للإسبانية
مدفوعة الثَّمَن بشكلٍ هزيلٍ مُقتِّرٍ.
قصيدة «في المترو».
هكذا ينحدر المرء إلى العالم التحت-أرضيّ اليوميّ ويَصِلُ، في شخصِ آخرَ أجنبيٍّ، إلى الودِّ المُشْرقِ الذي يقودُ المُسَافرَ التائِه، الآمِنَ فقط داخل القصيدة. هو في مدينة أخرى، حيث يتم الآن اغترابه في المنفى، في مانهاتن، على ضفاف نهر الهدسون أو مدخل المترو، وأتخيل أنه قريبٌ جدّاً من قصيدةٍ يديرُ صُورَها مثل شراراتِ ضوءٍ يعيدُ إبداعها في غرفته الانفرادية المتوحدة، وإن كانت تقترب من الصورة الظلية لسلسلة تشبيهات لوتريامون في «أناشيد مالدورور» قد يكون الأمر مجرد صدفة حتى وإن كان ميتري يستحضره في قصيدته «مظلة مانهاتن» عندما يقول:
ينبلجُ الفجر، لكنهُ لا ينجلي.
أجلس على الطاولة، أشَغِّلُ
آلةَ خياطةِ الكلماتِ
وأخيطُ المطر الذي يسقط
في الخارج وعلى الشاشة
بينما تنفتح على مَهلٍ
مظلة لوتريامون.
من مدينة إلى مدينة، ومن بلاد إلى أخرى، ومن ديوان شعري إلى آخر، يمضي إدواردو ميتري، بلا جلبة وبإصرار على كتابة القصيدة بصوت شاعري متفرد وجدير بكل إعجاب، على مدى سنوات عديدة يحمل أصداء التاريخ والشعر بعبقهما، بل ويحمل أيضا الأصوات الشعرية الأخرى المغايرة والناقدة، مثل صوت فيديريكو غارسيا لوركا في قصائده التي خلدت غرناطة الزمن العربي، إن إدواردو ميتري اليوم واحد من أهم الأصوات الشعرية في أمريكا اللاتينية، صوت فلسطيني عربي أمريكي لاتيني في نيويورك وحنينه وهواه غرناطيان.
عن آل ميتري في بوليفيا
قصة هذه العائلة مليئة بالمفاجآت: هاجر دون إلياس ميتري من فلسطين إلى أورورو، وهناك فتح مخزنا واشترى منجما عَمَّدَهُ باسم زوجته إيلينا. كلاهما كان مسيحيا أرثوذوكسيا فسُمِّيَ المنجمُ سانتا إيلينا. لكنهم لم يجدوا عرق المعدن، فكان على دون إلياس أن يبيع منجم سانتا إيلينا إلى أول من يتقدم بعرض لشرائه؛ ولم يمرَّ شهر واحد حتى وجد المالك الجديد عرقا جيدًا. كان المالك هو المليونير ماوريسيو هوتشيلد، أحد البارونات الثلاثة للقصدير.
هاجر ميتري وعائلته إلى كوتشابامبا حاملين هذه التجربة على كاهلهم، وبنوا بيت في شارع فنزويلا، حجراً على حجرٍ، ولبنةً لبنةً، يُقالُ إنهم حاولوا بناء بيت على صورة البيت الذي كانوا قد تركوه وراءهم في فلسطين، وربما لهذا السبب كان البيت يحتوي على ممراتٍ واسعةٍ والعديد من غرف النوم لإيواء الأسرة الكبيرة. تقول صونيا منصور وهي باحثة في علم التربية، ولدتُ في كوتشابامبا: «كلنا كنا نعيش معا»، «آباءُ أجدادي، وأبناؤهم، بما في ذلك العم ألبيرتو». هي تتحدث عن يابا ألبيرتو الذي وهبه ابنه إدواردو ميتري قصيدة. ألبيرتو ميتري هو شقيق العمة ألثيرا، وهو نفسه الذي تزوج كريمة كانهواتي وكان له معها أربعة أطفال: نصري، وريكاردو، وإدواردو وأنطونيو. «كلنا كنا نعيش في بيت فنزويلا، الذي كان يتوفر على مطبخين، أحدهما كان يخص العمة ألثيرا والآخر يخص العمة كريمة. كانت العمة ألثيرا تهيِّئ حلويات البقلاوة اللذيذة بينما العمة كريمة تعد المحمود (حلوى من الجوز والسميد واللوز) من بين مئات الأطباق. معهم نشأ ابن عمي كاروسو منصور، ابن سالم منصور، وكان أخًا للجميع. «والدتي تدعى لوليتا، فلورا صوريا، هي من فيلا ريفيرو. كانت معجبة جدا وبتعاطف كبير استطاعت أن تدخل العائلة، وأن تصير جزءًا منها وأن تكون شريكا فيها بشكل طبيعي. هي تتحدث العربية أو على الأقل تفهمها، وتعرف المطبخ العربي، فيه تجلت قدرتها على أن تمنح ذاتها. كان والدي كاروسو من أوائل العرب الذين تزوجوا من نساء بوليفيات، وأثاروا بذلك توترا بين العائلتين. لكن هي اغتنت بكلتا الثقافتين تقول سونيا: «هناك في بيتي تعيش الآن العمة ألثيرا».
اسمها هو ألثيرا ميتري ريدي. لم تتزوج أبداً ولم تنجب أطفالا، لكنه سكبت سيل محبتها بدفق على العائلة الكبيرة. «… البيت بناهُ والد جدي إلياس بيديه الاثنتين، تحكي عمتي ألثيرا، صورة مطابقة للبيت الذي كان لديهم في فلسطين، فسيحا، مذهلا مع حديقة وحقول خضار وفواكه، وأماكن لتربية الدجاج، وبساتين للورد والكروم، كان بيتا مريحا للغاية. المائدة المليئة هي الطريقة العربية لإظهار المودة. الوجبات متقنة جدا. لقد تأصلت عائلتي بين الناس في كوتشابامبا، ولكنها لم تفقد العادات العربية. كانت جدتي تتحدث العربية، ولم تستطع التحدث باللغة الإسبانية، ولم يكن لدى الأشخاص الذين يعملون في البيت أيُّ خيارٍ سوى تعلم اللغة العربية. لكنها كانت تمضي كل يوم ثلاثاء الكرنفال، وكانت تجعل نفسها تتبلل، تصير مبللة مرارا وتكررا: يجب أن نحترم عادات هذه الأرض التي احتضنتنا. في أيام الآحاد، بعدُ ما زلنا نجتمع وتطبخ لنا العمة ألثيرا. إذا طبخ شخصٌ آخرُ تغضبُ، فتلك منطقة سيادتها. كل الأشياء بوفرة. إذا قِسْتَ ذاتك، فسوف تحسُّ أنه ينقصك الكثير، وإذا اقتسمت مع الآخرين، ثمة دائماً المزيد»، تقول صونيا.
كم مرة شاركت العمة ألثيرا في تناول الطعام على مائدتها، وكم مرات تلقيت دعوة من إدواردو وأنطونيو ميتري؟ كان إدواردو مدبِّرًا رائعًا للمائدة وللطبخ، كان يقدم الطعام بمحبة، كما لو كان يدعوك إلى القراءة. ثم بعد ذلك يقدمون لك القهوة العربية، حمراء وبحثالتها، كنت أشعل سيجارة، وأبدي تعجبي: «كل هذه الترتيبات من أجل هذا»… ومثل جميع أفراد العائلة تقريبا، ولدت أمُّه (أم إدواردو ميتري) كريمة كانهواتي في بيت لحم. وكريمة تعني عزيزة، حبيبة. كانتْ أرملة شابة بابنين عندما تعرفتْ على ألبيرتو ميتري في كوتشابامبا. تزوجا وولدا أربعة أطفال. «عاشت العمتان معا تقريبا كل حياتهما. في السنوات الأخيرة، تتذكر العمة كريمة فقط طفولتها وتتحدثُ بالعربية. الفتيات اللواتي يعتنين بها تعلمن اللغة العربية للتواصل معها. في سنواتها الأخيرة، كانت عمتي ألثيرا حاضرة بقوة وهي ترافقها، وتسهر عليها بنبل كبير جداً».
هذه المذكرات، هي لإحدى سليلات هذا البيت العربي، تقربنا نسبيا من آل ميتري ومن أجواء الأسرة التي هاجرت من أرض فلسطين لتستقر في بوليفيا دون أن تنسى تلك العلاقة القديمة مع أرض الأجداد، وعاداتهم، وبيتهم الراسخ في الذاكرة، وأطعمتهم ولغتهم وتراثهم وشِعْرِهم أيضاً…
قصائد الشاعر البوليفي إدواردو ميتري
وَجْهٌ بالأبْيَضِ
بِلا تَارِيخٍ يَسْتَحِقُّ الذكرَ
ولا مَكَانٍ مُحَدَّدٍ
حَمِيمِيّاً
يُولَدُ النِّسْيَانُ.
صَامِتاً
مِثْلَ جُثَّةِ نَهْرٍ،
غَرِيبٍ، وحَتْمِيٌّ
مِثْلَ القَدَرِ:
ظِلٌّ كَثِيفٌ،
تِمْثَالٌ جَلِيٌّ،
وَجْهٌ مُتَحَلِّلٌ في مَلامِحَ
بِلا مَعْنى، يُولدُ.
يُولَدُ وفي مَسَاءٍ
ذِي دَهْشَةٍ مُتَأخِّرَةٍ
بلا تهليلٍ ولا صُراخٍ
يَكتَشِفُ أنَّهُ وُلِدَ.
في أيِّ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِي
في أيِّ يَوْمٍ مِنْ أيَّامِي
أضَعْتُكَ

يابا ألبيرتو

الغضب، الغضب ضد موت الضوء
ديلان توماس

I

ألجُ الحَانة الغريبَة
والبعيدَة.
أطلبُ بيرة
وأنتظرُ. أخيراً
أرَاكَ قادِماً
نَحِيفاً مُتَمَهِّلاً
كمَا كُنْتَ،
وكمَا سَوْفَ تَكُونُ دَوْماً.
مُترَدِّداً
مِنَ البَابِ تنظرُ:
عَرَفْتَنِي:
هَا قدِ انْحَدرَ
صَقْرَا
حَاجِبَيْكَ.
أطلُبُ بِيرَةً أخْرَى.
وقدْ صِرْتَ إلى جانبي تتذوقُ
رشْفةً غريبٌ طعمُها عندَك.
بعدئذٍ تتَصَفَّحُ
الجرائدَ الَّتِي حمَلتَها مَعَكَ
تحتَ إبطِكَ
إلى أنْ تصِلَ
إلى الصَّفْحَةَ اليَتِيمَةَ
حيْثُ يَمَّحِي
لِقَاؤُنَا
وتُحْذِقُ بي العُزْلَةُ.

II

حينئذٍ أسْتَوْعِبُ
(وليْسَ يُجْدِي البُكَاءُ، ولا الصُّرَاخُ،
لا التَّمَرُّدُ)
أنَّكَ مُتَّ
وليْسَ ثَمَّةَ طَرِيقَة
سِوَى تَغْيِيرِ
مَسَارِ القَصِيدَةِ
بِاتِّجَاهِ غِيَابِكَ
السَّرْمَدِيِّ.
أوَّاهُ يَابَا ألبِيرْتُو،
يا نُطْفتِي، ويا بَذرَتِي،
يا أسَايَ، ويا نِعْمَتِي،
يا عَبْدِي، ويا خَلِيفَتِي،
يا نَسَبِي إلى مَاركُو أوْرِيليُو،
ويا نسبِي إلى ليثامَا ليمَا،
يا قُرْآنِي، ويا إنْجِيلِي
يا لابرونا، ويا غارْدِيل،
قلْ لِي
الآنَ:
كيفَ أعودُ إلى البَيْتِ؟

أجلسُ إلى المَائِدَةِ
بأيِّ مَلامِحَ،
وبِأيِّ الرَّغَبَاتِ؟
كيْفَ أذهبُ إلى المرْجِ، يابَا،
وألعَبُ لُعْبَةً
إذَا كَانَ مَوْتُكَ قَدْ جَعَلنَا
نِدَاءً نَائِماً؟

III

لا، أنا لا أتَسَاءَلُ، يابا،
عمَّا تفْعلُهُ هناكَ، جدَّ ناءٍ،
جدَّ بعيدٍ،
بالتأكيد تستمرُّ في الجِدال
مع الجدِّ والسَّيِّدِ سَعيدٍ
حول تجارةِ الصُّوفِ،
والارتفاعُ المهولِ للدولار،
والبؤسُ وبَسالةُ الشَّعْبِ،
والعَسَاكرُ المَشْؤُومُون،
ومذبَحَةُ الفلسطينيِّين،
وتشتُّتُ أبنائِكَ،
ورحلةُ غرناطَة الَّتِي لم تَتَحقَّقْ لنَا أبَداً،
طعْمُ الخُوخِ في يَنَاير هذا،
والأشْعارُ التي أكْتُبُها،
باختصار (هكذا بالملموس
هم موتانا)
بالأخصِّ كل ما يتعَلقُ
بِهَذِهِ الحَيَاةِ المُحْزِنَةِ
البَهِيجَةِ
الَّتِي هِيَ حَيَاتُنَا.

IV

أجَل،
يَجِبُ أنْ أعُودَ إلَى البَيْتِ،
إلَى غرفتِكَ، إلى مِرْآتِكَ،
إلى ضَوْءِ الفِنَاءِ
المَلِيءِ بِصَمْتِكَ.
وإلَى أمْسِيَاتِ البرادُو
لأسْمَعكَ فِي ضَرْبَةِ النَّرْدِ
المُحَمَّلَة بِذِكْرَاكَ.
ولكِنْ قبْلَ ذلكَ، قلْ لِي، يَابَا ألبِيرْتُو:
ما الَّذِي كنتَ تبْحَثُ عَنْهُ سِرّاً
بِعُيُونِكَ السَّكْرَى
مِنَ الحَنِينِ؟
أعَنِ الجَمَلِ المُسْتَحِيلِ
فِي بِلادِ اللامَا؟
وأنْتَ مُحَاطٌ بِالجِبَالِ،
أمْ عَنْ صَحْرَاءِ الأصُولِ
وقمَرِهَا؟
الحَاجُّ والغِيَابُ
الرِّحلةُ اَّلِتي لمْ نَقُمْ بِهَا أنْتَ وَأنَا قَطُّ
«يابا ألبيرتو»،
الرِّحْلَةُ الَّتِي لمْ نَقُمْ بِهَا أنْتَ وأنَا قَطُّ
قَدْ مُنِحْتُهَا فِي يَنَايِرَ الحَالِي.
فأصْغِ إلَيَّ إذَنْ، يَابَا ألْبِيرْتُو،
أنْ تَدْخُلَ أخِيراً إلَى غَرْنَاطَةَ
مَغْمُوراً بِالذُّهُولِ أكْثَرَ مِنَ السَّعَادَةِ
لِرُؤْيَةِ كَيْفَ يُرْهَنُ المَصِيرُ ويُطْلِقُ
الرَّحِيلَ وَالحُلُولَ
التَّوْدِيعَاتِ وَالعَوْدَاتِ.
وَلَكِنْ تَعَالَ أنْتَ مَعِي. عُدْ عَلَى أعْقَابِكَ
الصَّمْتَ المُظْلِمَ الَّذِي يَفْصِلُ بَيْنَنَا،
خَمْسَةُ أعْوَامٍ مِنَ المَوْتِ
لَيْسَتْ تُبْعِدُكَ كَثِيراً حَتَّى الآنَ، يَابَا.
تَعَالَ مَعِي
عَلَى الأقلِّ فِي هَذِهِ الكَلِمَاتِ
مِنْ حَاجٍّ يَتِيهُ،
ويُحَقِّقُ رَغْبَتَكَ.
تَأمَّلْ -ليْسَ مِنْ خِلَالِ عَيْنَيْكَ
المَلِيئَتَيْنِ بِالتُّرَابِ
وَلكِنْ مِنْ خِلالِ عَيْنَيَّ،
سْيِيرَّا نِيفَادَا،
ونَهْرَ شَنِيلَ،
والضَّوْءَ النَّائِمَ فِي أبْرَاجٍ وَشُرُفَاتٍ
عَلَى ضِفَافِ حُدُرَّة،
وَفِي طَرِيقِ البَيَّازِين
فلنَمْضِ خُطْوَةً خُطْوَةً،
يَابَا، وَنَحْنُ نُطْلِقُ الأسْمَاءَ:
جِسْرُ القَاضِي،
بُرْجُ قُمَارِش،
وحَمَّامُ الجَوْزَةِ
وَفِي الذَّاكِرَةِ أبْيَاتُ
أبُو جَعْفَرٍ بْنِ سَعِيدٍ:
لا أنْسَ مَا عِشْتُ حَمَّاماً ظَفِرْتُ بِهِ
وَكَانَ عِنْدِي أحْلَى مِنْ جَنْيِ الظَّفَرِ.
وَبَعْدَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ،
فِي مُنْحَدَرِ شَابِيثَ
سَتَشْعُرُ تَمَوُّجَ
العَبِيرِ
المُنبَعِثِ مِنْ بَسَاتِينِ البُيُوتِ
– مِنْ أشْجَارِ الصَّنَوْبَرِ وَالسَّرْوِ.
مَعَ تَوَاصُلِ السَّيْرِ تَتَنَامَى الْجَلَبَة
هُنَا سَاحَةُ أليَتَارِ:
اسْتِمْتَاعٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ،
أقْدَاحُ النَّبِيذِ وَالبِيرَةِ،
واسْتِهْلالاتُ مَرْأى
البَاذِنْجَانِ،
وَالجُمْبُرِي،
وَالمَحَارِ…
فَلتَنْطَلِقْ نَشِطاً، يَابَا،
فَطَعْمُهَا طَعْمُ الانْبِعَاثِ!
ولتُصْغِ، فلتُصْغِ إلى ذلكَ الصَّوْتِ
الجَارِحِ مثلَ سَهْمٍ
فالأنينُ الَّذِي يَحْكي عَنْهُ ليْسَ مِنَ الأنْدِيز؟
ولتُسَجِّلْ، يَابَا، سَجِّلْ
حَرْفِيّاً:
مثلَ قيتارةٍ دونما أوْتارٍ
يبقى الوصلُ مُقِيماً؛
بعضُهم تقتله المَنَاجِمُ،
والبَعْضُ الآخَرُ يأخذُهُ الإِلَهُ.
والآنَ، أسْرِعْ، يابا، اَسْرِعْ!
فالوقتُ لا يعودُ على أعقابِهِ ولا يتَعَثَّرُ
يأخذُ مَعَهُ ضوْءَ هذا النَّهَارِ
والظلُّ يتَسَلَّقُ القُضْبَانَ.
أسْرِعْ، عَبْرَ طَرِيقِ المَاءِ
إلى بابِ زِيَادَة
ثم إلى المَرْقَبِ،
وارْفَعْ صَقْرَيْ حَاجِبَيْكَ
فثَمَّةَ تَجِدُ
اللهُ أكبر!
هنالك! يابا،
ما تَرْغَبُ فِيهِ مِنَ الأعْمَاقِ
قُلْ لِي هَلْ تُبْصِرُهَا!

– هِيَ عَالِيَةٌ وكانت تَلْتَمِعُ!
ولكِنَّ اللَّيْلَ يَهْبِطُ وَهَا تُقْرَعُ
الأجْرَاسُ المَسِيحِيَّةُ.
كورٌ سَمَاويٌّ، يَعْبُرُ القمَرُ
فوقَ صَلِيبِ الرَّوْضَةِ.
وهي ذي القصيدةُ-اللقاءُ المُتجَدِّدُ يُشَارِفُ النِّهَايَةِ
لُمَّ ذاتَكَ، يابا، إلى نَوْمَةِ لَحْدِكَ الأرْضِيِّ
فِي وَادِي كُوتشَابَامْبَا،
بيْنَمَا أسْتَشْعِرُ اسْتِشْهَادَ
دَمِكَ الَّذِي يَتَدفَّقُ
في غَزَّةَ وفي الضِّفَّةِ الغَرْبِيَّةِ
وفِي الوَدَاعِ الصَّامِتِ تَغْرُبُ
ولِلمَرَّةِ الأخِيرَةِ
غَرْنَاطَةُ.

كيف تأتي الحياة
قد حَمَلُوا الوليدَ
في عَامِ خَوْفٍ ودِمَاء.

قد حَمَلُوا الوليدَ إلى كُوتشَابَامْبَا:
ودخلتْ معَهُ البَهْجَة إلى البَيْتِ.
قد حَمَلُوا الوليدَ إلى بَايِيغْرَانْدِي:
فهبَّتِ السَّعَادَةُ عَلى حُقُولِ القصَبِ
هنالك بالتَّحْدِيدِ
صَمْتاً عَلى صَمْتٍ
تعارَفَتِ البَقرَةُ والطِّفْلُ إرْنِيسْتُو.
وتَغَنَّتِ العُيُونُ
الَّتِي رَأتْهُمَا يَتَبَادَلانِ النَّظَرَ
جِدّ صامِتَيْنِ.

مَعَهَا عَبْرَ المَسَافَةِ
مُنْذُ زَمَنٍ تُرَافِقُهُ
دُونَ أنْ تَدْرِي
وأكْثَرَ لَمَّا تَقْذِفُ
الرَّغْبَةُ نَحْوَ بُلْدَانٍ وأنَاسٍ
وَنَظَرَاتٍ أخْرَى
تُلبِسُهُ سِرْبَالَ الغَرِيبِ.
حِينَئذٍ تُرَافِقُهُ
دُونَ أنْ تَعْرِفَهُ،
بِصَوْتِهِ المُسْتَوْحِشِ
مِثْلَ صَوْتِ حُلْمٍ.
هَكَذَا الآنَ بَعِيداً،
مُحَاطاً بِالغَابَاتِ
الَّتِي لا تُسِرُّ لهُ بِشَيْءٍ
(إذْ لمْ يُضَيِّعْ فِيهَا شَيْئاً)
كانَ يَسْمَعُهَا
ويَكْتُبُ:
«الغِيَابُ هُوَ الاسْمُ المُتَأخِّرُ
لِمَا نُحِبُّ،
والمُوسِيقَى
جَسَدُهُ الوَحِيدُ الذِّي مُنِحْنَاهُ.
غْلادِيزْ مُورِينُو:
صَوْتُكِ والكَلِمَاتُ
لا يَنْفَصِلانِ في الصَّمْت».
مُورِيلِيَّةٌ
وأنَا أقْطَعُ فِي صَمْتٍ
شَوَارِعَ مُورِيلْيَا،
وجُرْحُ غِيَابِكَ القَاطِع
بَعْدُ مَا زَالَ مُنْفَتِحاً،
أسَائِلُ نفْسِي مَنْ سَيُسَمُّونَهُ،
وأسْمَاءُ المَوْتَى
شَاغِرَةٌ.
طُيُورٌ يَتِيمَةٌ
بِلا شَجَرَةِ الجَسَدِ،
بِلا تَحْلِيقٍ أكْثَرَ
عَدَا الثَّابِتِ مِنَ الذِّكْرَى
مَنْ سَيُسَمُّونَهُ؟
قُلْ لِي أنْتَ:
مَنْ سَيُسَمِّيهِ الآنَ اسمُكَ
الَّذِي يَئِنُّ فِي قَلْبِنَا،
يا خُورْخِي مَنْصُور؟
العمَّة
إلى ألثيرا ميتري

رَغْمَ الضَّوْضَاءِ الَّتِي يَزْرَعُونَهَا يَوْمِيّاً
عِنْدَ صُعُودِ أو هُبُوطِ الدّرجِ.
رَغْمَ الضَّحَكَاتِ والانْتِحَابَاتِ،
والحميَّات والسُّهْدِ والأعْمَالِ
الَّتِي مَضَوْا في إنْجَازِهَا خِلالَ أعْوَامِنَا،
يَنْمُو أبْنَاءُ الأخِ بِشَكْلٍ لا مَحْسُوسٍ
مِثْلَ الأعْشَابِ.
ذلكَ مَا تكْشِفُهُ فِي يَوْمٍ مَا
تلكَ الهُنَيْهَةُ الَّتِي حِينَ نُنَادِى عَلَيْهِمْ بِالأسْمَاءِ
يُجِيبُونَنَا بِصَوْتٍ نَاضِجٍ،
يَكَادُ يَكُونُ مَجْهُولاً
وَبِنَبْرَةٍ تُوَازِي نَبْرَةَ أصْوَاتِنَا.
حِينَئِذٍ تَلِجُ المَطْبَخَ وَاحِدَةٌ مِنْهُمْ،
تَضَعُ الخُبْزَ فِي الفُرْنِ
وإبْرِيقَ القَهْوَةِ عَلَى المَوْقِدِ
وتَسْتَمِرُّ
فِي التَّفْكِيرِ
بَيْنَمَا فِي الخَارِجِ
تُغَنِّي الطُّيُورُ خَارِجَ تَحْدِيدَاتِ العُمْرٍ.

نَخْلَةٌ

رَشِيقَةً
ومَائِلَةً قَلِيلاً
مِثْلَ صَمْتٍ يَشِفُّ
عَنْ ضَجِيجِ السَّاحَةِ
وَهَمْسِ المَدِّ.
مَغْرُوسَة
أكْثَرَ مِنْ أنْ تَكُونَ فِي الرَّمْلِ
فِي الحُدُودِ الدَّقِيقَةِ
بَيْنَ الحُلْمِ والبَحْرِ
(لا يَعْرِفُ الهَوَاءُ
-وأقَلّ مِنْهُ القَصِيدَةُ-
إنْ كَانَتْ عَلى وشْكِ أنْ تَنَامَ
أو أنْ تَسْتَفِيقَ).
الرِّيحُ
تَجْلِدُهَا: تَتَمَدَّدُ،
دُونَ أنْ تتقدَّمَ خطْوَةً،
تَخْرُجُ لمُراقصَتِهَا.
لكنْ بالكَادِ تَتْرُكُهَا
وَتَعُودُ لِتَغِيبَ
في مُرَاهَقتِهَا الأبَدِيَّةِ.

يَهْبِطُ اللَّيْلُ: تَحْلُمُ
هَلْ بِالنُّجُومِ أمْ بِالحِيتَانِ؟
مِنَ الأعْلَى، تَطْفُو بَقَايَا
نَجْمَةٍ
تُشْبِهُ النَّجمَاتِ.
لكِنْ فِي تِلْكَ الأعَالِي
حَتَّى الأطيارُ لا تَرَاهَا.
-اِهْبِطِي، أيَّتُهَا الصُّوَرُ
هِيَ لا تُغَيِّبُهَا!

أفْضَلُ أنْ تَصْمُتَ وَتَنْظُرَ إلَيْهَا
حَيْثُ هِيَ حَقّاً:
أمَامَ البَحْرِ
فِي الضَّوْءِ
المُنْعَطِفِ
مِثْلَ كَلِمَةٍ
تَمَّ التَّلَفُّظُ بِهَا لِلتَّوِّ.

حَرْفِيّاً
إلى غييرمو سوكري
المَرْأةُ الَّتِي تَظْهَرُ
عِنْدَ المُنْعَطَفِ فَجْأةً
مِثْلَ مُرَافِقَةِ بُودْلِيرَ.
عَيْنَاهَا مِنْ لُبْنَان لامِعَتَانِ،
ليْلاً مِثْلَ قِشْرَةِ
التُّمُورِ،
مُلْغِزَتَانِ مِثْلَ الخُطُوطِ
الَّتِي تَرْسُمُهَا الأقْدَارُ
على أوْرَاقِ الكُوكَا.
جَسَدُها رَشِيقٌ،
وخِصْرُهَا دَقِيقٌ،
مِشْيَتُهَا مِشْيَةُ النَّخِيلِ مَعَ الأنْسَامِ،
وشَعْرُهَا فِي الهَوَاءِ
سَوْطٌ وَعَبِيرٌ،
سَاقَاهَا مَدِيدَتَانِ
تُحِسُّهُمَا تحْتَ التنورة الحمراء،
ونَهْدَاهَا مِثْلَ مَوْجَتَيْنِ
مُتَلاطِمَتَيْنِ
على وشْكِ أنْ تَتِيهَا فِي البَحْرِ.

والسُّفْرَةُ التي تُمَدِّدُها نَحْوَ الثَّلْجِ
عَلى طَاولَةِ الحَانَةِ
تحتَ نظْرَةِ مَنْ يَقرَأُ
مَا يُبْدِعُهُ الوَاقِعُ صُدْفَةً.

والقَصِيدَةُ تقولُ ما تَقُولُهُ
حَرْفِيّاً.

كِيرِيتَارُو

كِيرِيتَارُو هِيَ الآنَ الزَّمَنُ
الَّذِي تَتَجَسَّدُ فِيهِ
أيْضاً أجْسَادُنَا.

خَلْفَنَا الأيَّامُ بِلا صُورَةٍ،
الأبْوَابُ وَالمَرَايَا
والأقْنِعَةُ الخَادِعَةُ
الَّتِي بَدَّدَهَا الغِيَابُ.

تَحْتَ الشَّمْسِ العَمِيقَةِ لِيَنَايِرَ
بُرْجَا الحَمَلِ والقَوْسِ قَدْ عَادَا
لِيَكُونَا لصَالِحِنَا.

وَمَرَّةً أخْرَى تُسَافِرُ السَّعَادَةُ جَنْبَ الضَّوْءِ
الَّذِي يَقْفِزُ مَا بَيْنَ الأحْجَارِ والأشْجَارِ
ويَمْضِي مَعَهَا
لِلِقَاءِ البَحْرِ:
أزْرَق مَفْتُوحٌ عَلَى مِصْرَاعَيْهِ
حَسَبَ قِيَاسِ الرَّغْبَةِ.

النَّعِيمُ تَقْرِيباً
إلى مارثا بياتريس
فِي هَانُوفَر غَسَقُ الشِّتَاءِ هَذَا.
عُرْيُك المُكْتَمِلُ:
جَذْوَةٌ بَيْضَاءُ فِي السَّرِيرِ.
والنَّظْرَةُ الَّتِي تَعُودُ إلَى الاسْتِمْتَاعِ بِهَا
فِي ظُلَيْلِ الرَّغْبَةِ.
وَفِي النَّافِذَةِ
الثَّلْجُ مُنْتَشِرٌ
مِثْلَكَ فِي الحُلْمِ
مُنْذَهِلاً
مِثْلَ عَيْنَيَّ عَلَى الصَّفْحَةِ.
وَبَعِيداً:
صَرْخَةُ الأطْفَالِ
الَّتِي تَنْزَلِقُ عَبْرَ التَّلِّ
وَالصَّمْتُ وَالصَّنَوْبَرَةُ
مَزْرُوعَانِ
مِثْلَ جَسَدٍ وَاحِدٍ
فِي الهُنَا وَالآن
حَيْثُ لا تُفْتَقَدُ إلَّا
الكَلِمَةُ الجَدِيرَةُ
بِكَثِيرٍ مِنَ العَطَاءِ كَثِيرٍ مِنَ النِّعْمَةِ.

وَقْتٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ

سَيَصِيرُونَ غُبَاراً، لكِنْ غُبَاراً عَاشِقاً
فرانسيسكو دي كيبيدو

الدُّنُوُّ غَيْرُ القَابِلِ لِلِاجْتِيَازِ بَيْنَ جَسَدَيْهِمَا.
جِسْرُ النَّظَرَاتِ حَيْثُ يَلْتَقِيَانِ
ويَنْفَصِلانِ.
عَلَى شَفَتَيْهِمَا:
تَذَبْذُبُ كَلِمَاتٍ
أوْ سَكَتَاتٍ
– ليْسَتِ الحُمَّى المُتَمَهِّلَةُ لِلْقُبْلَةِ.
ولا اللَّذَّةُ العَمِيقَةُ
ولا النَّعِيمُ السَّلِسُ
لِلْعُرْيِ المُتَشَابِكِ:
فَقَطْ مُلامَسَةٌ كَهْرَبَائِيَّةٌ
لِلْفَخِذَيْنِ اللَّذَيْنِ يُتَوَقَّعَانِ.

فَقَطْ دَهْشَةُ تَعَرُّفِهِمَا عَلَى ذَاتِهِمَا
فِي زَاوِيَةِ
اللِّقَاءَاتِ المُتَأخِّرَةِ.

وَالحُلْمُ رُبَّمَا فِي أنْ يَتِمَّ تَمَلُّكُهُمَا
بِجَانِبِ
جَسَدٍ آخَرَ نَائِمٍ.

ثُمَّ فَحْمَةُ الرَّغْبَةِ
الَّتِي يَجِبُ أنْ تَتَحَوَّلَ بِلا رَيْبٍ
إلَى حَجَرِ ألْمَاسٍ خَالِصٍ

مُقَابِلَ أنَّهُمَا لمْ يَكُونَا أبَداً
هُمَا الاثْنَانِ الحَطَبَ ذَاتَهُ
الجَذْوَةَ البَلِيلَةَ
فِي سَرِيرِ
هَذِهِ الحَيَاةِ الوَحِيدَةِ.

مِنْ مِينَاءٍ

ذَاكَ القَارِبُ كَانَ شَجَرَةً
والآنَ يَمْحُو عَنْهُ البَحْرُ
الوَرِعُ مَعَ كُلِّ مَوْجَةٍ
ذِكْرَى طَائِرٍ.

هَكَذَا، فِي أعْمَاقِ كُلِّ عَاشِقٍ،
يَمْحُو الزَّمَنُ
الغَائِبَ الأعْزَلَ
بِلا هَمْسٍ وبِلا دَمٍ.

الزَّمَنُ، والحُبُّ ذَاتُهُ
الَّذِي شَرِهاً فِي كَيْنُونَتِهِ
يُغْرِقُ ذَاكِرَتَهُ فِي جِلْدٍ آخَرَ
ويُذبِّحُ جَسَداً في جسَدٍ آخَرَ.

أنْ تَنْسَى هُوَ أنْ تَمُوتَ
وَتُولَدَ مِنْ جَدِيدٍ شَخْصاً آخَرَ.

خاتمة

الرَّائِحَةُ الَّتِي يَتْرُكُهَا
فِي الجِلْدِ الغِيَابُ.

طَعْمُ اِسْمٍ
يُحْرِقُ اللِّسَانَ.

الألَمُ الَّذِي يَبْقَى
فِي المَرْأةِ وَالرَّجُلِ.

والزَّمَنُ الَّذِي يُعَلِّقُ
الفُصُولَ الأرْبَعَة.

مَكْتوبٌ بالأبْيَضِ

يَتَسَاقَطُ هَذَا الثَّلْجُ
مِثْلَمَا يَتَحَدَّثُ أحْيَاناً
الرِّجَالُ والنِّسَاءُ
بِشَكْلٍ مُسْتَمِرٍّ
لِلَحْظَةٍ
يَتَسَاقَطُ الثَّلْجُ لِلْمَرَّةِ الأولَى دَائِماً
مِثْلَمَا يَنْظُرُ أولَئِكَ المُحِبُّونَ إِلَى بَعْضِهِمَا؟

يَتَسَاقَطُ الثَّلْجُ مِثْلَمَا يَحْدُثُ
الشَّيْءُ الحَقِيقِيُّ الوَحِيدُ.

وَيَرْكُضُ الأطْفَالُ لِمُلَامَسَتِهِ
وَخَلْفَهُمُ الكَلِمَاتُ
هَشَّةً مِثْلَ الثَّلْجِ
مُتَعَلِّقَةً
بِنَظْرَةٍ.

كِتَابَةٌ

أنْ تَتْرُكَ لِجَمِيعِ الأقْنِعَةِ أنْ تَسْقُطَ
وَاحِداً تِلْوَ الآخَرِ
حَتَّى العُزْلَةِ العَارِيَةِ
أمَامَ الزَّمَنِ دُونَمَا وَجْهٍ.

أنْ تَبْحَثَ فِي الصَّمْتِ
أيْنَ تَسْكُبُ الكَلِمَاتُ
بَرَاءَتَهَا المُهَانَةَ،
مَيْلَهَا نَحْوَ التَّحَالُفِ.

إثبَاتَ مَلاحَتِهَا البَلِيغَةِ
مِثْلَ النَّارِ وَالمَاءِ.
وَعُبُورَهُمَا مِثْلَ الجِسْرِ
فِي الجَسَدِ وَالرُّوحِ.

جَذْوَةٌ بَلِيلَةٌ

عُرْيُكِ المَكْشُوفُ
كامِلاً
مِثْلَ خُبْزٍ عَلَى الطَّاوِلَةِ.

قُبْلَةً قُبْلَةً،
لَمْسَةً لَمْسَةً، تُذَهَّبُ
شَمْسُ الرَّغْبَةِ.

جَذْوَةٌ تُبَلِّلُ وَتُحْرِقُ،
جَذْوَةٌ تُنَادِي:
لِسَانَكِ.

رُمَاةٌ مُتَهَيِّجُونَ
يُطْلِقُونَ سِهَامَهُمْ
حَوَاسَّهُمُ الخَمْسَ

الأبْيَضُ مَا بَيْنَ سَاقَيْكِ:
فَحْمٌ مِنْ دَمٍ
قَلْبُ النَّارِ المُشْتَعِلَةِ.

خَفْقَةٌ مُزْدَوِجَةٌ وإيقَاعٌ وَحِيدٌ.
مِثْلَ الحَيَاةِ وَالمَوْتِ
فِي البَدْءِ.

حَلَزُونُ الأسْمَاعِ: تَمَوُّجُ
التَّنَهُّداتِ
وَمَدُّ الآهَاتِ
وعِبَارَاتُ آهٍ يَا إلَهِي.

تَضِيعُ النَّظْرَةُ.
يَتَسَايَلُ لُعَابُ المَقَاطِعِ.
تَعْلُو الحَدَقَاتُ
فِي سُقُوطٍ عَالٍ.

ذَاكِرَةُ الدُّوَّارِ:
الشَّكْوى نَحْوَ الدَّاخِلِ
وَعَيْنَاكِ المَفْتُوحَتَانِ
عَمْيَاوَانِ.

أزِيزُ النَّحْلَةِ:
الصَّمْتُ
عَائِداً
دُونَ أنْ يَكُونَ قَدْ غَادَرَ.

أكْتَشِفُكِ بِجَانِبِي
بَعْدُ مَا زِلْتِ مُرْتَعِشَةً
مِثْلَ مَنْ تَمَّ إنْقاذُهَا حَدِيثاً
مِنَ الغَرَقِ
أوْ مِنْ حَرِيقٍ.

وَبِهِمْ مَرَّةً أخْرَى عَطَشٌ
مِنْ تَسْمِيَةِ الشِّفَاهِ:
الوِسَادَةُ وَشَعْرُكِ،
وَجِدَارُ الآجُرِّ،
قِطْعَةٌ مِنْ سَمَاءٍ: قَبَائِلُ
بوِجْهَةٍ مَجْهُولَةٍ.

يَعْبُرُ الهَوَاءُ وقدْ صَارَ سَاكِناً
اسْمَكِ واسْمِي.
قدْ عَادَا ليُذَكِّرَانَا،
لِيُعِيدَا خَلْقَنَا نحْنُ ذَاتُنَا.

فوْقَ الزَّمَنِ الخَالِصِ
أجْسَادُنَا المُمَدَّدَةُ
مَعْرُوضَةٌ فِي الفَرَاغِ،
بِشَكْلٍ كَئِيبٍ تَمَاماً.

الغائبة

تُهَاجِرُ الطُّيُورُ
لَكِنْ تَبْقَى
الشَّجَرَةُ وَالزَّمَنُ.

أحِسُّ أنِّي خَائِفٌ.

ثَمَّةَ خِدَاعٌ كَثِيرٌ
وَضَوْءٌ قليلٌ
فِي الذِّكْرَى.

أحِسُّ أنِّي خَائِفٌ.

أسَفِي، يَا حُبِّي،
أنَّ حُضُورَكِ
مُتَعَلِّقٌ جِدّاً بِجَسَدِكِ.

سُطورُ الخَرِيفِ

إلى أوسكار فيغا

ضَوْءُ الخَرِيفِ السَّائِلُ:
عَلَى قِمَمِ الأشْجَارِ
تَشْرَبُهُ العُيُونُ.

لا يَمُرُّ الصَّيْفُ، لا.
يَشْتَعِلُ، أجَل، وَفِي ألفِ جَمْرَةٍ.
الخَرِيفُ جَذْوَتُهُ البَلِيلَةُ.
مِنَ الأخْضَرِ
إلى الأصْفَرِ
إلى الأحْمَرِ
يَشْتَعِلُ مِثْلَ الكُحُولِ،
مِثْلَ حَيَاةِ رَامْبُو،
مِثْلَ الجَسَدِ
المُتَغَيِّرِ
لِلْهَوَى.

تَمُرُّ الرِّيحُ
كَمَا يَحْدُثُ دَائِماً فِي الخَرِيفِ:
وَهِيَ تَجْعَلُ الأوْرَاقَ تَسْقُطُ.
وَفِي كُلِّ غُصْنٍ تَنْبَثِقُ
شَفَافِيَةُ الشِّتَاءِ.

يَنْظُرُ إليَّ فِي فُضُولٍ
مِنَ الغُصْنِ ذَاتِهِ
السِّنْجَابُ والزّرْزُورُ.

غُرْفَةُ الفُنْدُقِ.
فِي النَّافِذَةِ أيْضاً
الحَسُّون عَابِراً.

دَرْسُ الخَرِيفِ:
التَّمَسُّكُ بِالأرْضِ
أو الانْفِصَالُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؟

أشْجَارٌ عَارِيَةٌ:
الأجْنِحَةُ أوْرَاقٌ
وَالطُّيُورُ ثِمَارٌ.

الأبْيَاتُ الشِّعْرِيَّةُ لِوَانْغْ وِيْ،
أنْتَزِعُ وَاحِداً،
أطْعِمُهُ فيَتَمَاسَكُ جَيِّداً:
خَرِيفٌ قَصِيرٌ: الغَسَقُ.

كَوْكَبَةُ نُجُومٍ.
وَحْدَهُ
القَمَرُ
مَعَ تَوَهُّجٍ مُسْتَعَارٍ.
لَكِنْ لا يَهُمُّ.
قَدْ قَالَ ذَلِكَ
أنْطُونْيُو بُورْشْيَا:
لا أحَدَ -وَلا حَتَّى الشَّمْس –
هِيَ ضَوْءُ ذَاتِهَا.

الشِّتَاءُ عَلَى الأبْوَابِ.
النَّبِيذُ، صَدَاقَةُ
الأصْدِقَاءِ
البَعِيدِينَ أو المَيِّتِينَ.
أقُولُ أسْمَاءَهُمْ:
أسْمَعُ أصْوَاتَهُمْ.

أطْفَالُ الصُّومَالِ.
سَتَبْقَى الصَّفْحَةُ خَرْسَاءَ
وَسَيَبْقَى بَيْتِي مُعْتِماً
إنْ لمْ أقْفِزْ إلَى سَطْرٍ آخَرَ.

شَجَرَةُ الدَّرْدَارِ
صَمْتٌ
شَامِخٌ.

زَوْجَتِي النَّائِمَةُ
تَنْتَفِضُ -جَسَدُهَا قاربٌ-
أهِيَ الرِّيحُ فِي حُلْمِهَا؟

ضَوْءُ المِصْبَاحِ.
القَصِيدَةُ:
شَجَرَةُ الكَلِمَاتِ.
مَعَكِ
سَتَتَحَدَّثُ عَنِ الخَرِيفِ
إنْ أيْقَظَهَا صَوْتُكِ
إنْ لامَسَتْهَا عَيْنَاكِ.

العاشقان
أيتها الليلة الأكثر ودّاً من الفجر
سان خوان دي لا كروث

جَدِيرٌ بِالحُبِّ أكثر مِنَ الفَجْرِ:
اللَّيْلُ فِي النَّافِذَةِ.
فِي الغُرْفَةِ الظُّلَيْلُ
مِثْلَ طَائِرٍ لمْ يَنْتَهِ بَعْدُ
إلَى التَّوَقُّفِ أوِ التَّحْلِيقِ فِي الأعَالِي.
وَهُمَا
عَلَى الشَّرْشَفِ
فِي عِرَاكٍ شَرِسٍ وعَذْبٍ
يَبْحَثَانِ عَنْ مَرْكَزِ
عَمَاهُمَا المُضِيءِ.
هُمَا: جَسَدَانِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ
فِي ارْتِفَاعٍ لاهِثٍ
نَحْوَ الدُّوَّارِ المُتَبَادَلِ
الَّذِي يُكْمِلُهُمَا وَيُمَزِّقُهُمَا.
ثُمَّ الحُلْمُ الَّذِي يَأوِيهِمَا
وَيَحْفَظُ نَظْرَتَيْهِمَا
إلَى أنْ يَقْذِفَ بِهِمَا
سَيْفُ النَّهَارِ مِنْ جَدِيدٍ
إلَى الشَّوَارِعِ المُمْتلِئَةِ
بِوُجُوهٍ فَارِغَةٍ
وأطْفَالٍ جِيَاعٍ.

لكِنَّ الضَّوْءَ الَّذِي يَرَاهُمَا يَبْتَعِدَانِ
يُومِضُ فِي الرِّيحِ.

لأجْلِ وَدَاعٍ

عِنَاقٌ وَكَلِمَاتٌ مُتَقَطِّعَةٌ
سَيَكونُونَ قدْ تَلَفَّظُوا بِالوَدَاعِ اللايُصَدَّقُ.
وَبَيْنَ جَسَدِكِ وَجَسَدِي
سَتَتَدَفَّقُ المَسَافَةُ دُونَ تَوَقُّفٍ.

مِثْلَمَا يُلْتَجَأُ إلَى نَبْتَةٍ سِحْرٍيَّةٍ
لِلشِّفَاءِ مِنْ شُرُورِ الغِيَابِ،
سَوْفَ أكْتُبُ إذَنْ هَذِهِ السُّطُورَ.

وإذَا كَانَ الوَقْتُ الَّذِي يَصِلُ وَيَفْصِلُ،
يُسْلِمُها لِنَظْرَتِكِ يَوْماً،
فاقْرَئِيهَا لكِنْ لا تَلْتَفِتِي خَلْفَكِ.

أيَّتُهَا البَهِيَّةُ الهَنِيَّةُ فِي رَاهِنِكِ،
لا تَقْتَرِفِي خَطَأَ يُورِيدِيسَ.
فأنَا، حِينَمَا سَأذْكُرُ صَوْتَكِ العَذْبَ،
سَأحْرُصُ عَلَى أنْ يَقيِّدُونِي مِثلَ عُولِيسَ.

حُضُورٌ

كَانَتْ تُهْدِي صَمْتَهَا
مِثْلَ كَأسِ مَاءٍ.
وَبَعْدَ شُرْبِهِ
تَنْتَعِشُ الكَلِمَاتُ.

اسْتِهْلالٌ لِلْحَاضِرِ

اِفْتَحْ عَيْنَيْكَ، اسْتَفِقْ.
فَجَنَّةُ الفِرْدَوْسِ هُنَا،
فِي الضَّوْءِ العَابِرِ.

هِيَ ذِي (ليْسَ ثَمَّةَ أخْرَى) هَذِهِ الأرْضُ:
طَاوِلَةٌ لِلِقَاءَاتٍ،
مَهْدٌ لِغِيَابَاتٍ.

جَنَّةُ الفِرْدَوْسِ هُنَا،
فِي الانْتِظَارِ. اِفْتَحْ عَيْنَيْكَ
سَتُفْتَحُ أبْوَابُهَا.

اِسْتَفِقْ. هِيَ ذِي هَا هُنَا.
ليْسَتِ النَّعِيمَ.
هِيَ الحُضُورُ.

لقاءٌ مُتجدِّدٌ
في ذكرى
مارسيلو كيروغا سانتا كروث
دَخَلْتُ الغابَ،
إلَى أعْمَاقِ قَلْبِهِ
مِنْ صَمْتٍ وَضَوْءٍ ثَابِتٍ.

بِصَوْتٍ هَادِئٍ نَطَقْتُ
اسْمَكِ وأسْمَاءً أخْرَى
مِثْلَ الَّذِي يَكْتُبُ فِي الهَوَاءِ
لِذِكْرَى الأشْجَارِ.

لَكِنَّهُ لمْ يُحَرِّكْ أيَّ وَرَقَةٍ
لا الحَوَرُ وَلا السِّنْدِيَانُ.
ولا غُصْناً وَاحِداً حَرَّكَهُ الصَّفْصَافُ.
سَوَاسِيَة فِي اللامُبَالاةِ
عَبَرَ
شُحْرُورٌ وَدُورِيَّان
سُعَدَاءَ فِي تَحْلِيقِهِم.
فَجْأةً
هَزَّتِ الرِّيحُ السَّاحِرَةُ
الغُيُومَ وأوْرَاقَ الشَّجَرِ:
اشْتَعَلَ البَرْقُ
وَدَخَلْتُ المَطَرَ
مَعَكِ وَمَعَ الغَائِبِينَ.

سُونَاتَةٌ

عُيُونٌ تَكْتَشِفُ
صَوْتَ الأشْيَاءِ.

آذَانٌ تُصْغِي
إلَى مَعْبَرِ الوَرُودِ.

الشَّمُّ الَّذِي يُذَوِّبُ كُلَّ شَيْءٍ
فِي شَذا وَاحِدٍ.

اللِّسَانُ الَّذِي يَحِنُّ
إلَى طَعْمٍ آخَرَ.

الغِيَابُ جَسَدٌ
يُعَانِي مِنَ الحَوَاسِّ

الأرْبَعِ الَّتِي تَحْمِلُهُ.
جَسَدٌ بِالكَادِ يَسْتَمْتِعُ.

يَفْتَقِرُ إلَى اللَّمْسِ.
لَدَيْهِ فائضٌ مِنَ الذَّاكِرَةِ.

كَرِيمَة

في مُوَاجَهَةِ العُمْرِ
أنْتِ تَقْطَعِينَ الحَاضِرَ
في الطَّيْبُوبَةِ الخَالِصَة.

كلُّ الأسْمَاءِ
على شَفَتَيْكِ العَادِلَتَينِ
تَوَدُّ أنْ تَحُطَّ.

وفِي عَيْنَيْكِ العَذْبَتَيْنِ
بَعْدُ مَازَالَ مُمْكِناً
رُؤْيَةُ الجَلادِ.

مَطَارَاتٌ

بَيْنَ مُغَادَرَةٍ وَوُصُولٍ
نَحْنُ
وَجْهَا يَانُوسَ.

نَرَى عُيُوناً
تَدْمَعُ (فِي الخَلْفِ
فِي المَسَافَةِ
المُعْتِمَةِ لَيْلاً) وَنَمْضِي

نَحْوَ آخَرِينَ
مُعَلَّقِينَ فِي الفَجْرِ
مِنَ الدَّهْشَةِ الخِصْبَةِ
لِلنَّظْرَةِ.

مِنْطَقَةُ الارْكَابِ

يَضِيقُ المَشْهَدُ
عَلَى حَافَةِ الخَطَوَاتِ.
يَفُوحُ الفَضَاءُ الشَّاسِعُ
بِرَائِحَةِ المَكَانِ.

تُدْعَسُ طَرِيقٌ
مِنْ أضْوَاءٍ وَظِلالٍ
حَيْثُ تَتَشَكَّكُ النَّظْرَةُ
وَتَتَعَثَّرُ الذَّاكِرَةُ.

هِيَ مِنْطَقَةُ الارْكَابِ
فِي مَطَارِ الزَّمَنِ.
كُلُّ جَسَدٍ هُوَ المُسَافِرُ،
وَالمَرْكَبَةُ وَالأمْتِعَةُ.

وَقَدْ كُنَّا نَنْتَظِرُ الإشَارَاتِ،
قَلِقِينَ، دُونَ أنْ نَعْرِفَ
إنْ كَانُوا سَيُنَادُونَ
لِلْقِيَامِ بِالرِّحْلَةِ أوْ إلْغَائِهَا.

أسى

بِاليَدِ عَيْنِهَا
الَّتِي جَرَحَتْكِ،
عَمْيَاءَ مِنَ الغَضَبِ
مِثْلَ رَمْيَةِ حَجَرٍ؛

بِاليَدِ المَقْطُوعَةِ
بِخَدِّكِ،
أنَا الآنَ أدَنِّسُ هَذِهِ الصَّفْحَةَ،
أنْزِفُ هَذِهِ السُّطُورَ.

وَأنَا أرَاكِ نَائِمَةً

السَّاقَانِ مُجْتَمِعَتَانِ،
واليَدَانِ تَكَادُ تَكُونَانِ مَعاً،
وَخَدٌّ مُشْتَعِلٌ،
والآخَرُ مُخَبَّأ فِي دِفْءٍ.

وأنْتِ كُلُّكِ كَامِلَةً، مَلْفُوفَةٌ
فِي مَهْدِ الأحْلامِ،
فِي وَضْعِيَةٍ تَائِبَةٍ
تَتَنَفَّسِينَ، تَعُودِينَ

إلَى الزَّمَنِ بِلا زَمَنٍ
سَابِقٍ عَلَى اسْمِكِ،
عَلَى جُرْحِ الوِلادَةِ،
عَلَى السُّقُوطِ فِي ذَاتِكِ.

يا زَهْرَةٌ وَدِيعَةٌ، تَحَوَّلَتْ
بَذْرَةً، فِي الظَّلامِ،
غَرِيبَةً عَنْ هَذِهِ الحَيَاةِ، تَبْحَثِينَ
عَنْ أخْرَى أقَلَّ دَمَوِيَّةً.

العَدُوُّ

لا أعْرِفُ كَيْفَ أتَعَامَلُ مَعَهُ
دُونَ أنْ يَلْمَسَنِي الآنَ
وَتَرْتَعِشُ يَدِي
وَيَرْتَبِكُ النَّبْضُ.

الأفْضَلُ أنْ أخْتِمَ اسْمَهُ
– أرُقَيَّةً أمْ عَلامَةَ احْتِقَارٍ؟
عَلَى الجَبِينِ العَالِي وَالنَّبِيلِ
لِهَذَا الأبْيَضِ الصَّاخِبِ:

الْخَوْفُ

أرَاهُ دُونَ أنْ أرَاهُ فِي الطُّفُولَةِ،
خَلْفَ دَوِيِّ الرَّعْدِ
فِي الصُّوَرِ الَّتِي يَرْسُمُهَا
فِي بُقَعِ السَّقفِ.

يَرسُمُ دَائِرَةً سَوْدَاءَ
وَيَتْرُكُنَا وَحِيدِينَ فِي الخَارِجِ
بَيْنَمَا يَبْقَى الجَمِيعُ
يَنْظُرُ إلَيْنَا مِنَ الدَّاخِلِ.

بِمَكْرٍ يُحَاصِرُنَا
مِثْلَ الطِّفْلِ الغَرِيبِ
المُخْتَبِئِ وَسَطَ
أرْضٍ بَوَارٍ بِلا بَابٍ.

بِلا نِعْمَةٍ وبِلا إيقَاعٍ يُحَاكِي
خَبْطَةَ جَنَاحِ الغُرَابِ
أوِ الخَطْوَةَ الضَّخْمَةَ والهَادِئَةَ
لِلْعَنْكَبُوتِ.

تُضَاعِفُ المَمَرَّاتِ
فِي سَهْلِ الأحْلامِ
وَتَعْجِنُ حَتَّى الدُّوَّارِ
شَمْعَ التَّحَوُّلِ.

نَظْرَتُهَا تُجَمِّدُ الوُجُوهَ،
تَنْزَعُ المَلامِحَ والحَرَكَاتِ،
وَبِلا خَجَلٍ تُعِيدُ رَسْمَهَا
مِرْآتُهُ الفَاضِحَةَ.

لامَرْئِيٌّ، الحَبْلُ حَوْلَ العُنُقِ،
يَدُهُ تَسْحَبُ وَتُرْخِي،
مِثْلَ الجَلادِ الَّذِي يَلْعَبُ
لُعْبَةَ أنْ أُصَيِّرَكَ حَيّاً أوْ مَيِّتاً.

مُتَخَفِّياً، يَمْضِي طَلِيقاً فِي الشَّوَارِعِ
وَالطُّرُقِ المُخْتَصَرَةِ والسَّاحَاتِ،
حَيْثُ نَتَظَاهَرُ بِأنَّنَا لا نَعْرِفُ بَعْضَنَا،
مُتَوَاطِئِينَ مَعَ تَهْدِيدِهِ.

يَتَمَلَّكُنَا رُوحاً وَجَسَداً،
وَيُحَوِّلُ الكَلِمَاتِ
إلَى كمَّامَةٍ كَاذِبَةٍ
أنْذَلَ مِنَ الصَّمْتِ.

تُحَجِّرُ الفَرَحَ،
وَتَخْتَلِطُ بِالحُبِّ.
وُجُودُهَا الكُلِّيُّ
يُحَاكِي وَجْهَ الإلَهِ.

الثَّمَرَةُ الخَالِيَةُ مِنَ الشَّرِّ
طَعَامُهُ اليَوْمِيُّ.
لا مُتَوَقَّعَةٌ مِثْلَ الحَظِّ
هَبَّةُ فُتُورِ هِمَّتِهِ.

نَحْنُ لنْ نَتَحَكَّمَ أبَداً
فِي نَحْوِهِ الفَاحِشِ،
ولا فِي قَوَاعِدِ تَرْكِيبِهِ الفَاسِدَةِ
المَحْكُومَةِ بِالفَشَلِ.

أجْسَادٌ

ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى مُعْجِزَةِ الجَسَدِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى عُزْلَةِ الرَّغْبَةِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى جَنَّةِ الجَسَدِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى جَحِيمِ الجَسَدِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى سُلْطَانِ الزَّمَنِ (فِي حَالَةِ أبِي
أنَا مُتَأسِّفٌ. بِشَكْلٍ أخَوِيٍّ أنَا مُتَأسِفٌ).
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى عَجْزِ الصَّرْخَةِ
لأنَّ الصَّرْخَةَ لمْ تَعُدْ تُوقِظُهُ
(كَارْلُوس مِيتْرِي، مُنْذُ لَيَالٍ،
كَانَ بِالنِّسْبَةِ لِي ذَلِكَ الجَسَدَ).
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى الغِيَابِ اللَّا يُصَدَّقُ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى الذِّكْرَى النَّازِفَةِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ يُوقِظُنَا
إلَى النِّسْيَانِ المُسْتَدِيمِ.
ثمَّةَ جَسَدٌ لمْ يَعُدْ يُوقِظُنَا

الكُرْسِيُ

الكُرْسِيُ لا يُمَدِّدُ جُذُورَهُ مِثْلَ الدُّولَابِ
هُوَ يَحُطُّ فَقَطْ مِثْلَ العَصَافِيرِ.
الكُرْسِيُ كَانَ طائِراً ذَا جَنَاحٍ مَحْمُولٍ
وَتَحْلِيقٍ خَفِيفٍ (عَلَى الكَتِفَيْنِ يَعْبُرُ
الكُرْسِيُ فِي حَفْلٍ مِثْلَ لقْلاقٍ).
وَمَعَ الرِّيحِ وَالأوْرَاقِ يَصِيرُ بُرْجَ حَمَامٍ.
وَفِي السّهَرَاتِ عَلَى المَيِّتِ لَا أحَدَ يُخفِّفُ أكْثَرَ مِنَ الكُرْسِيِ.
مُتَنَكِّراً فِي قَمِيصٍ
يَنْبَلِجُ فَجْرُ الكُرْسِي.
الرُّتَيْلَاءُ مُنْتَصِبَةٌ فِي ظُلَيْلِ الكُرْسِي.
الكُرْسِيُ يُصَابُ بِمَسٍّ شيطانيٍّ جَنْبَ الطَّاوِلَةِ.
وَمِثْلَ القَصِيدَةِ، الكُرْسِيُ مُقَيَّدٌ بِسُطُورٍ.
الكُرْسِيُ يَسْنِدُ كَاتِبَ هَذِهِ السُّطُورِ.

المائدة

إلى أخواتي
المَائِدَةُ تَحْتَ القَصِيدَةِ فَوْقَ المَائِدَةِ.
لا تَشِبُّ مِثْلَ الكُرْسِيِ الذِي يَطْبُخُ أحْيَاناً.
المائِدَةُ وَدِيعَةٌ مِثْلَ نَعْجَةٍ.
عَلَى المَائِدَةِ يَلْتَقِي التِّينُ وَالسَّمَكُ.
مِثْلَمَا فِي البَدْءِ كَانَتْ أحْضَانُ
الأمِّ وبَعْدَهَا المَائِدَة.
فِي اليَوْمِ تُدَوِّي الأصْوَاتُ مَرَّتَيْنِ
تُنَادِي لِلمَائِدَة.
الخُبْزُ والحِسَاءُ ورغيفُ الذُّرَةِ بالسُّكَّرِ
كَانَ يُمْنَحُ فَوْقَ المَائِدَة.
أنْ يَكْبُرَ المَرْءُ معناهُ أنْ يَتَغَيَّبَ رُوَيْداً رُوَيْداً عَنِ المَائِدَة.
وَمَضَى مِثْلَ نَجْمٍ، أطْفَأ المَائِدَة.

الشَّجَرَةُ

اليَوْمَ أسْقَطُوا الشَّجَرَةَ
الَّتِي رَافَقَتْنَا لِسَنَوَاتٍ عَدِيدَةٍ
بِلا ضَمَّادَةٍ سِوَى غَيْمَةِ
جُرْحِ الفَضَاءِ الأزْرَقِ.

كَلِمَةً كَلِمَةً،
وَوَرَقَةً وَرَقَةً،
أعُودُ لِغَرْسِهَا
فِي حَدِيقَةِ الذَّاكِرَةِ.

لَكِنْ سُدىً.

الرِّيحُ لا تَمُرُّ عَبْرَ أوْرَاقِهَا
أوْ تَمُرُّ دُونَ تَلْمَسَهَا.
لا يُذَهِّبُ الضَّوْءُ أوْرَاقَهَا
ولا تَحُطُّ الطُّيُورُ
فِي أغْصَانِهَا.

الشَّجَرَةُ حَقّاً صُورَةٌ خَالِصَةٌ
بِلا ثِمَارٍ أوْ غِنَاءٍ.

مِثْلَمَا الوَاقِعُ الخَشِنُ
جُوعُ الأحْلامِ
وَعَطَشُ ظِلِّهَا
يُكَابِدُهُ جَسَدِي.

أرْفَعُ عَيْنَيَّ وَأرَى فَقَطْ
اِحْتِرَاقَ الأجْنِحَةِ.
وَفِي الخَلْفِ:
الشَّمْسُ الظَّمْأَى
تَتِيهُ بِلا جُذُورٍ فِي صَحْرَائِهَا.

المِصْبَاحُ

إلى سوزان ميتري

حَتَّى لا أمْشِيَ مُتَحَسِّساً
مِنَ الأفْضَلِ إشْعَالُهَا
هِيَ عَلَى طَاوِلَةِ اللَّيْلِ:
مِظَلَّةُ ضَوْءٍ فِي الظَّلامِ.

لا، لنْ أصِلَ قَطُّ
إلَى أيِّ مَدِينَةٍ لِلتَّوِّ
حَتَّى يُرَحِّبَ بِي
ضِيَاؤُهَا فِي غُرْفَةٍ.

ورَغْمَ أنَّهَا قَدْ تَبْدُو الآنَ
أخْرَى فِي مَانْهَاتِنْ،
فَهِي نَفْسُهَا الَّتِي فِي ظِلِّهَا
كانَتْ تُومِضُ طُفُولَتِي.

رَفِيقَةُ اللَّيْلِ الوَفِيَّةُ،
تَسْكُبُ نَظْرَتَهَا بِانْتِبَاهٍ،
مُضِيئَةً فِي صَمْتٍ
نَهْرَ الكَلِمَاتِ.

وأطْوَافُ الوَرَقِ
الَّتِي تَنْقُلُنِي إلَى إيثَاكَا،
إلَى بَغْدَادَ، إلَى لامَانْشَا،
إلَى مَاجِينَا، وإلَى بَالْبِيك…

كُلَّ لَيْلَةٍ أشْعِلُهَا،
قَلِقاً وَمُسْتَعْجِلاً
مِثْلَ طِفْلٍ كُنْتُ أنْفُخُ
عَلَى شَمَعَاتِ عِيدِ مِيلَادِي.

وَأحْيَاناً، عِنْدَمَا أطْفِئُهَا،
مِثْلَ أوْرَاقِ الشَّجَرَةِ
تَتَبَرْعَمُ أصْوَاتُ
الصَّمْتِ النَّائِيَةِ.

مِظَلَّةُ مَانْهَاتِنْ

إنَّهَا تُمْطِرُ فِي مَانْهَاتِن:
أُخْرِجُ المِحْبَرَةَ
والرِّيشَةَ مِنْ مِظَلَّتِي.

أفْتَحُهَا كَمَا يُضَاءُ مِصْبَاحٌ
وَيَرْتَفِعُ
صَقْرٌ مُقيَّدُ الأجْنِحَةِ.

أسْتَبْقِيهِ مِثْلَ زَهْرَةِ عُبَّادِ الشَّمْسِ
ذَاتِ بَتَلَاتٍ سَوْدَاءَ
فَيُعَطِّرُنَا هَذَا التَّنَاظُرُ.

لِلتَّوِّ نُغَادِرُ
وَنَدْخُلُ
كُونْشِيرْتُو القَيَاثِرِ.

أمَشِي بِهُدُوءٍ، فِي وَسَطٍ،
مُتَسَرْبِلاً بِأهَمِّيَّةٍ
تَنْبُعُ مِنْ رَفَارِفِهِ.

وَمَرْفُوعاً بِثَبَاتٍ
عَلَى سَاقِهَا، إلَى أوْرَاقِهَا الخَفِيفَةِ،
وَعِنْدَ المُرُورِ أتَأمَّلُ:

فِي مَحَطَّةِ الحَافِلاتِ
تَبَخْتُرُ آخَرَ -أبْيَضُ وَأزْرَقُ-
مَا بَيْنَ سِيقَانِ فَتَاةٍ.

وَالزَّوْجُ الَّذِي يَعْبُرُ مُتَعَانِقاً
تَحْتَ سَقْفٍ زَفَافِيٍّ،
حَدِيقَةُ كَاتْرِينْ هِيبْبُورْنْ.

حَدِيقَةُ بْرَايْنْتَ: الجُمَّيْزَاتُ رَشِيقَةٌ
لَكِنِّي لا أصِلُ أوْرَاقَهَا
لأكْتُبَ عَلَيْهَا.

فِي الشَّوَارِعِ المُنْحَدِرَةِ، عَجُوزٌ:
الحَدَقَاتُ المُزْرَقَّةُ،
نَظْرَتُهَا بِلا نَظَرٍ.

وَمُتَدَلِّيَةً مِنَ العُنُقِ
تُدَوِّي حَافِظَةُ النُّقُودِ
مِثْلَ جُلْجُلٍ.

كَنِيسَةُ الثَّالُوثِ:
صَفُّ شَوَاهِدِ القُبُورِ
وَأسْمَاءٍ بِلا أحَدٍ في الأسْفَلِ:

أقْرَأهَا عَلَى مَهَلٍ،
أرْسُمُهَا بِصَوْتٍ خَفِيضٍ
صُورَةً مُحْتَمَلَةً.

مُطَأطَأ الرَّأسِ أسْتَأنِفُ المَسِيرَ:
أرْوِقَةٌ وَوَاجِهَاتُ المَحَلَّاتِ،
مَدْخَلُ المِتْرُو، مَمَرٌّ

نَحْوَ أطْيَافِ إيرُوسَ:
أتَرَدَّدُ لِهُنَيْهَةٍ ثُمَّ ألِجُ
نَفَقَ مِظَلَّتِي.

أخْرُجُ إلَى ضِفَّةِ الهُدْسُون،
أمَدِّدُهُ، تَئِزُّ هَوَائِيَّتُهُ،
ألْتَقِطُ مَحَطَّةَ المَاضِي

وَالأيَّامَ البَعِيدَةَ، تَرْبِيعَاتٍ وَسَنَوَاتٍ،
حَتَّى اللَّيْلَة الأمُومِيَّة
الَّتِي تُضِيئُنِي فَأولَدُ

فِي جَدْوَلِ دَمٍ
يَتَدَفَّقُ وَيُلْقِينِي مُجَدَّداً
نَحْوَ هَذِهِ الضِّفَّةِ لِلهُودْسُون.

إلى الشَّارِعِ الطَّوِيلِ والمُتْرَفِ
مِثْلَ جُمْلَةٍ لِبْرُوسْت
حَمَّامُ الحَشْدِ المُبَاغِتُ

وَالدُّوَّارُ المُتَنَامِي
أمَامَ طُوفَانٍ مِنَ الوُجُوهِ
بِدُونِ قَوْسِ قُزَحِكَ.

يَهْبِطُ اللَّيْلُ لَكِنَّهُ لا يَنْجَلِي.
سَكْرَانُ بِالصُّوَرِ،
أبَاشِرُ العَوْدَةَ.

وَبَغْتَةً مَا بَيْنَ البَارْك وَاللايْتْ هَاوْسَ:
القَمَرُ المُكْتَمِلُ لِمِظَلَّتِهَا،
عُيُونُهَا الشَّمْسِيَّةُ، بَرْقُ

نَظْرَتِهَا البَحْرِيُّ،
الشِّفَاهُ الَّتِي تَنْفَرِجُ
وَهِيَ تَشْتَهِي كَلِمَةً

غَيْرَ مُتلفَّظٍ بِهَا وَالتَّأسِّي
– الزَّائِلِ بِشَكْلٍ مُتَمَاثِلٍ-
لِعَدَمِ اللِّقَاءِ بِهَا مَرَّةً أخْرَى.

أعْبُرُ مَنَارَاتٍ وإشَارَاتِ مُرُورٍ:
المَدِينَةُ الَّتِي تَتْبَعُنِي وَتَسْتَرِقُ النَّظَرَ إلَيّ
بِعُيُونِ أرْجُوسَ.

تُدَوِّي صَفَّارَاتُ الإنْذَارِ، صَرَخَاتُ حَرِيقٍ.
تُطَوِّقُ الشُّرْطَةُ شَجَرَةَ التُّفَّاحِ،
كُنَّا نَتَرَنَّحُ مِنَ الرَّهْبَةِ،

أمْسِكُ نَفْسِي بِمِنْضَدَةِ حَانَةٍ،
أطْلُبُ قَدَحَ النَّبِيذِ،
وأشْرَبُ فِي صِحَّةِ بَقَائِي عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ

والرَّغْبَةِ الصَّعْبَةِ فِي اسْتِمْرَارِ
الهُنُودِ الحُمْرِ، واليَهُودِ والفِلِسْطِينِيِّينَ.
أؤَدِّي فِي سَلامٍ ثُمَّ نُوَاصِلُ

فِي العَرَاءِ: صُنْدُوقٌ مِنَ التُّفَّاحِ
– أفَكِّرُ فِيكِ، فِي حَاجِبَيْكِ،
وَفِي خُوخِ كُوتْشَابَامْبَا.

مِنْ نَافِذَةِ المُسْتَشْفَى
يَرُشُّنَا أنِينٌ
غَامِضٌ مِثْلَ الصَّمْتِ.

أرَفَعُ بَصَرِي فِي الضَّبَابِ:
جِسْرُ كْوِينْزْبُورُو يَلْتَمِسُ
عَلَى غَيْرِ هُدىً ضِفَّتَهُ الأخْرَى.

قَرِيباً، عِنْدَ المُنْعَطَفِ،
هَجْمَةُ الرِّيحِ،
لامَرْئِيَّةٌ، تَتَوَاصَلُ،

وَالمِظَلَّةُ الَّتِي تُصَارِعُ
كَمَا البَطَلَ الأسْطُورِيَّ
عَلَى قِمَمِ المُبَارَزَةِ

يَخْتَنِقُ، يَتَشَنَّجُ،
يَنْهَارُ مِثْلَ صَرِيعٍ
وَهَذِهِ المُقَارَنَةُ تُحْزِنُنِي.

مُجَنْدَلاً أحْمِلُهُ إلَى غُرْفَتِي،
أمْسَحُ دُمُوعَهُ،
أقَوِّمُ أعْضَاءَهُ،

أغْلِقُ جَفْنَهُ الوَحِيدَ
الوَاسِعَ وَالجَمِيلَ
مِثْلَ مَرْقَبِ قَصْرِ الحَمْرَاءِ.

أسْهَرُ فِي الظَّلَامِ عَلَى جُثْمَانِهِ
تُرَافِقُنِي ذَاكِرَةُ
عُكَّازَةِ الجَدِّ.

يَصِلُ مَوْكِبُ المُشَيِّعِينَ،
يَتْرُكُونَ بَاقَةً وَبِطَاقَةً
مَعَ عَزَاءِ مَاغْرِيت.

أنْظُرُ إلَيْهِ نَظْرَةً أخِيرَةً
فَيُحَرِّكُنِي شَبَهُهُ
بِنُسُورِ بِلَادِي.

مُخْتَنِقاً، أغْرَقُ فِي الحُلْمِ،
فَيَبْدُو مِنْ جَدِيدٍ فِي الأعْلَى،
مُتَوَهِّجاً مِثْلَ رَسُولٍ.

يَدِي يَقْظَى وَتَنْحَدِرُ
لمَّا أسْتَشْعِرُ مُرْعَباً
أنَّهُ صَارَ أعْمَى وَأنَا أكْتَعُ.

شَخْصٌ مَا يَنْشجُ خَلْفِي.
أسْتَيْقِظُ: ليْسَ هُنَالِكَ أحَدٌ
إلا الظِّلُّ وأنَا وَحِيداً.

أشَغِّلُ المِذْيَاعَ: إيلْشُوكِييَابُو
يَدْفُنُ أسَراً
وَبُيُوتاً فِي الطِّينِ. –أطْفِئُهَا

يَنْبَلِجُ الفَجْرُ، لَكِنَّهُ لا يَنْجَلِي.
أجْلِسُ عَلَى الطَّاوِلَةِ، أشَغِّلُ
آلَةَ خِيَاطَةِ الكَلِمَاتِ

وَأخِيطُ المَطَرَ الَّذِي يَتَسَاقَطُ
فِي الخَارِجِ وَعَلَى الشَّاشَةِ
بَيْنَمَا تَنْفَتِحُ عَلَى مَهَلٍ

مِظَلَّةُ لُوتْرِيَامُون.

حَنِينٌ

لوْ كَانَتِ الذِّكْرَى مَدِينَةً
وليْسَتْ تِمْثَالاً
وَالغِيَابُ رِسَالَةً
وليْسَ كَاهِلاً
وَهَذِهِ اللَّيْلَةُ ذَاكَ الصَّبَاحَ
وَأمِسْتِرْدَامُ كُوتْشَابَامْبَا
وَهَذِهِ الغُرْفَةُ ذَاكَ الشَّارِعَ
وَهَذَا الظِّلُّ تِلْكَ الأشْجَارَ
وَهَذَا الاسْمُ ذَاكَ الوَجْهَ
وَهَذَا المِصْبَاحُ تِلْكَ النَّظْرَةَ
وَذَاكَ الثَّغْرُ هَذِهِ الصَّفْحَةَ
وَذَاكَ الصَّمْتُ هَذِهِ الكَلِمَات.

مَانْهَاتِنْ تْرَانْسْفِرْ

بَيْنَ الصَّمْتِ وَالضَّجِيجِ
أفْتَحُ نَفَقاً مِنْ كَلِمَاتٍ
مُبَاشَرَةً نَحْوَ كُوتْشَابَامْبَا.
مَعَ مِظَلَّةِ مَانْهَاتِنْ
أعْبُرُ المَسَافَةَ المُمْطِرَةَ،
العَتْمَةَ المَنْجَمِيَّةَ.
بِشَكْلِ مُرْتَجَلٍ
يَنْبَثِقُ رَنِينُ جَرَسٍ:
إنَّهَا كَنِيسَةُ المَيْتَمِ.
يَنْبَلِجُ الصُّبْحُ فِي سَاحَةِ كُولُونَ:
أتَأمَّلُ السُّحُبَ الخَفِيضَةَ،
الجَاكَارَنْدَاتِ المُزْهِرَةَ
زَوْجُ الصَّفْصَافِ فِي البِرْكَةِ.

أقْطَعُ الشَّارِعَ الحَمِيمَ،
أتَعَرَّفُ البَيْتَ،
أجْتَازُ الدَّهْلِيزَ البَارِدَ
وأصْعَدُ المُدَرَّجَاتِ المُشْمِسَةَ.

تُدَوِّي أصْوَاتٌ فِي المَطْبَخِ:
أدْنُو، ألْقِي نَظْرَةً خَاطِفَةً مِنَ النَّافِذَةِ:
هُمَا هُنَالِكَ دَوْماً مَعاً
تَخْبِزَانِ الرَّغِيفَ وَتَتَحَدَّثَانِ
وَفَجْأةً تَتَسَاءَلانِ
مَا الَّذِي سَأكُونُ بِصَدِدِ فِعْلِهِ
أنَا فِي هَذَا الوَقْتِ بِمَانْهَاتِن.

ولد إدواردو ميتري Eduardo Mitre في أورورو، بوليفيا عام 1943. شاعر بوليفي من أصول عربية، درس القانون في جامعة مايور دي سان سيمون في كوتشابامبا وبعد ذلك أنجز دراسات جامعية للأدب الفرنسي في فرنسا ولآداب أمريكا اللاتينية في الولايات المتحدة حيث حصل على الدكتوراه من جامعة بيتسبرغ بعد إنجازه لأطروحة عن شعر بيثنطي ويدوبرو. من دواوينه الشعرية: مَسْكنٌ 1975، دخان حامٍ 1976، من جسدك 1984، ضوء العودة 1990، سطور الخريف 1993، الحاج والغياب: مختارات شعرية 1988، طريق من كل الجهات 1998، مظلة مانهاتن 2004، زجاجيات الذاكرة 2007، عند تبدُّدِ الهنيهة 2009، ترجم أشعاره إلى الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية والبرتغالية. أما أعماله النقدية فتشمل دراساته عن: بيثينطي ويدوبرو والعديد من الأعمال الأخرى. وقد قام بالتدريس في جامعة كولومبيا في نيويورك، في كلية دارتموث (هانوفر، نيو هامبشاير)، وفي الجامعة الكاثوليكية في كوتشابامبا، وهو يدرس حاليا في جامعة القديس يوحنا في نيويورك.


ترجمة وتقديم: خالد الريسوني *

شاهد أيضاً

شرفة المكان

طالب المعمري (على سبيل الوداع) يذبل نهارك و يموت على شرفة المكان جمرة شمس في …