أخبار عاجلة

الشعر الشعبي العماني قضايا اللغة و إشكالات الهوية

تحاول القصيدة العامية أن تقدم صورة واقعية لتفاصيل حياة شاعرها اليومية، تطلعاته، أحلامه، همه، فرحه،حزنه، قلقه الوجودي ورؤيته تجاه الكون والحياة. ما يميز القصيدة العامية من غيرها من صنوف الكتابة الإبداعية أنها ترجمة حقيقية فيما يفكر فيه شاعرها من همٍ يومي، فهي غير منفصلة عن لغة التفكير، فهي تستمد وجودها من لغة الحديث التي نمارس بها وجودنا الحياتي، فلا توجد تلك القطيعة الكبيرة بين ما نفكر به وما نمارسه من فعل يومي حياتي وبين ما نكتب، فالفكرة تنزل من خانة التفكير الى الورقة مباشرة فهي ليست بحاجة الى تلك الترجمة اللغوية الكبيرة التي تفصل بين لغتين، بين عامية نفكر بها ونمارس بها  حياتنا، وبين فصحى نكتب بها، فنحن ندرك المسافة الكبيرة التي تقطعها صنوف الكتابة الأخرى في محاولتها لترجمة تفاصيل الحياة بين لغة يومية معاشة وبين كتابة ادبية ترتفع درجات كبيرة عن لغة الحديث اليومي .تحاول القصيدة العامية أن تقدم صورة واقعية لتفاصيل حياة شاعرها اليومية، تطلعاته، أحلامه، همه، فرحه،حزنه، قلقه الوجودي ورؤيته تجاه الكون والحياة. ما يميز القصيدة العامية من غيرها من صنوف الكتابة الإبداعية أنها ترجمة حقيقية فيما يفكر فيه شاعرها من همٍ يومي، فهي غير منفصلة عن لغة التفكير، فهي تستمد وجودها من لغة الحديث التي نمارس بها وجودنا الحياتي، فلا توجد تلك القطيعة الكبيرة بين ما نفكر به وما نمارسه من فعل يومي حياتي وبين ما نكتب، فالفكرة تنزل من خانة التفكير الى الورقة مباشرة فهي ليست بحاجة الى تلك الترجمة اللغوية الكبيرة التي تفصل بين لغتين، بين عامية نفكر بها ونمارس بها  حياتنا، وبين فصحى نكتب بها، فنحن ندرك المسافة الكبيرة التي تقطعها صنوف الكتابة الأخرى في محاولتها لترجمة تفاصيل الحياة بين لغة يومية معاشة وبين كتابة ادبية ترتفع درجات كبيرة عن لغة الحديث اليومي .ورغم ما نلحظه من تطور لغوي وكتابي في لغة القصيدة العامية الحديثة التي اصبحت تتجاوز اللغة التقليدية بمراحل إلا ان هذا التطور يرافقه أيضا تطور ملحوظ في لغة الحديث اليومي او ما يمكن ان نطلق عليها اصطلاحا وتجاوزا ( اللغة المحكية)، فهو تطور مشترك يذهب بالتوازي في اتجاه واحد، فالتطور الذي يحدث في اللغة المحكية يلقي بظلاله هو الآخر على القصيدة العامية  التي تستمد وجودها وبقاءها منها. فالتطور الذي يطرأ على اللغة العامية بالإمكان ملاحظته بسهولة فالتعليم والقراءة والتكنولوجيا، كل هذا  ترك أثره في اللغة العامية أو لغة الحديث اليومي. واذا أردنا أن نسهب أكثر فنقول أن هناك عاميات وليست عامية واحدة وهي تتفاوت درجاتها، فلسكان السواحل عاميتهم ولسكان الجبل عاميتهم ولسكان الصحراء عاميتهم وإذا اردنا أن نتوسع أكثر ونخرج من حدود الإقليم الواحد ونذهب أبعد من ذلك فبإمكاننا أن نلحظ التقارب الذي يحدث بين عاميات أو لهجات الوطن العربي والحدود الكلامية التي نلحظ ذوبانها إلى جانب تكوّن لغة وسطى بين هذه العاميات رغم اختلاف أقاليمها وثقافاتها ولكن ما نلحظه أن الزمن يعود بنا الى تجربة لغوية سابقة، فرغم تعدد اللهجات العربية قديما إلا أن ذلك لم يمنع من نشوء لغة عربية وسطى تتعارف عليها العرب، لغة تكتب بها خطبها وأشعارها اطلق عليها لاحقا باللغة العربية الفصحى. ونشوء هذه اللغة العربية الفصحى لم يمنع من وجود لهجات عربية تعيش وتتجاور مع اللغة الرسمية، فالشاعر العربي الذي يكتب قصيدته باللغة العربية الفصحى كان يمارس حياته اليومية بلهجة قومه الذين يعيش بينهم مدركا حجم الفجوة بين ما يكتب وبين ما يتحدث به من لغة .وإذ كنا يمكن أن نلحظ هذا التلاقح والتعارف والتجاور بين لهجات القطر العربي الكبير فما بالك بلهجات الإقليم الواحد التي هي أشد تجاورا وتعارفا وتأثرا وتأثيرا.تتوسل هذه الدراسة القصيدة العامية العمانية أو كما تسمى عرفا ( القصيدة الشعبية ) كنموذج للقصيدة العامية التي تستحق أن توضع تحت مبضع التشريح متناولة عوامل التأثير والتأثر التي طرأت على مسيرة كتابتها، محاولة إلقاء بعض الإضاءات عليها نقديا وجماليا وإثارة بعض الأفكار حولها وعلى خط سيرها الكتابي، وسأحاول هنا أن أرصدها رصدا انطباعيا متناولا بعض الأفكار التي تثار عنها وحولها، وما هذه الورقة إلا بداية لفتح باب الحديث بشكل علمي عن القصيدة العامية العمانية و التفكير عنها وحولها بصوت مسموع متجاوزين أحاديث الغرف المغلقة التي لم تستطع أفكارها تجاوز عتبات أبوابها .الشعر الشعبي العماني واشكالية التسميةتختلف مسميات الشعر العامي طبقا لإختلاف ثقافات الأمكنة في الوطن العربي الكبير، واختلاف التسميات هذه اختلافات قديمة تعود لعصور التوثيق الأولى للشعر العامي في العصر العباسي وما جاء بعده، فنجد أنه ينتشر هذا الشعر في حواضر بغداد على أيدي شعراء كبار كصفي الدين الحلي وغيره ويطلق عليه “شعر  عامي” ومن أشكاله ” الدوبيت” و” الزجل” بينما أرخ له ابن خلدون في مقدمته بأسماء مختلفة: “الشعر البدوي”، “القيسي”، ” الحوراني ” عند أهل المشرق و” الأصمعيات ” عند أهل المغرب العربي، وحديثا نجد تسميات أخرى كـ : ” شعبي” في عمان و” نبطي” في بعض مناطق الجزيرة العربية و” حميني” في اليمن ” وعامي ” في دول مثل دول الشام ومصر و” حسّاني” في موريتانيا والصحراء الغربية .إن اختلاف هذه التسميات تقدم لنا فهما أولياً على أن إطلاق التسميات على الآداب المكتوبة باللغة العامية إنما تنطلق من ثقافة المكان، فالأدب الشعبي أو العامي مرتبط ارتباطا وثيقا بجغرافية المكان ومكوناته الثقافية فتأتي التسمية على ضوء مقدمات ثقافية ومعرفية وتاريخية واجتماعية . وكما ان الشعر العربي قديما ارتبط باللحن والغناء كمثل الحداء والأراجيز والأهازيج فقد سلكت هذه الآداب العامية الخط ذاته وربما توسعت فيه أكثر فنحن نرى ان الشعر العامي ارتبط بالغناء والتطريب ارتباطا وثيقا ولم يأت  بمعزل عنه. و في عمان ارتبط ( الشعر الشعبي ) بالفنون المغناة وصار لا يقدم إلا من خلالها وهذا الارتباط يثير إشكاليات كثيرة إلا أنه كان الوسيلة الوحيدة والمتاحة لتقديم هذا الفن القولي . فارتباط الشعر بالفنون المغناة ترك أثره حتى على التسمية فظهرت تسميات من قبيل” فنون الشعر الشعبي ” أو ” شعر الفنون ” ، رغم أن الغناء والشعر هما فنان مختلفان وكل فن مستقل بذاته، وما ” الرزحة ” و” الهبوت” ” والميدان ” سوى فنون غنائية يدخل فيها الشعر كمكون من مكونات هذا الفن الغنائي الذي يحضر فيه المغنون وتحضر فيه أدوات الإيقاع إلى جانب الأسلحة الحربية التي تشكل جزءا من الرقص المصاحب لهذه الفنون أظف الى ذلك ارتباطه بطقوس إجتماعية معينة . إن فنون شعر البادية كـ (الطارق، والونة، والهمبل) هي الأقرب الى الشعر الصرف لخلوها من الآلات الموسيقية المصاحبة على عكس الفنون الحضرية . وهنا تظهر إشكالية كبيرة في كون أن الأصل في الشعر أنه فن مستقل بذاته، فالشاعر ليس مغنيا ولا راقصا، والشعر يكتب بمعزل عن كل هذه الفنون المغناة وليس كل شاعر بالضرورة هو شاعر غنائي وعليه أن يحضر فنون الرقص والغناء، فالقصيدة حالة خاصة لها مقدماتها النفسية والشعورية، لكن الذي حدث تاريخيا واجتماعيا ان ارتبط الشعر الشعبي بالفنون المغناة فهو شعر يرتجل ليغنى، والإرتجال هذا أدخل الشعر أيضا في أشكالات فنية سواء في العروض أو في القافية فنجد انه تكثر الكسور الوزنية والعروضية في هذه الارتجالات الى جانب  الكثير من التجاوزات الفنية في قوافي نهايات الأشطر، وذلك لأن المحاورة تتطلب الارتجال السريع التي تجعل الشاعر يغفل عن بعض الفنيات الأساسية في الكتابة الشعرية إلى جانب أن الأبيات لا تخضع للمراجعة والتنقيح وكل هذا يحتاج الى صفاء ذهن والى سعة لا تتيحها اللحظة.  قد يقول قائل أن الكثير من فنون الشعر العامي لا يمكن إخضاعها لتفاعيل العروض الخليلي إنما  تعتمد على اللحن الغنائي والذي له إيقاعه وموسيقاه الخاص الذي لا يمكن قياسه على الشعر الفصيح وتفاعيله، وهذا رأي نحترمه ويحتاج الى المزيد من البحث للوصول إلى نتيجة واضحة حوله، لكن ما نلحظه فعلا أن الكثير من قصائد الشعر الشعبي الموروث تسير على التفاعيل الخليلية مع بعض الخروج أحيانا عنها وعدم الالتزام بها وقد يكون مرد هذا أيضا لتدخل الرواة وتصرفهم في الكثير من القصائد والمساجلات، ولكنها بشكل عام هي ظاهرة لا يمكن تجاوزها أو تجاهلها حتى صارت ديدنا وعادة حتى عند ما يكتب من شعر حديث في الفنون الشعبية، وقد قرأنا وما زلنا نقرأ الكثير من قصائد الفنون الشعبية تسلك هذا المسلك الى الآن، فالتجاوزات والخروج عن البحر الشعري ما زالت شائعة فيما يكتب من شعر الفنون الشعبية .والذي يظهر لدي أن شاعر الفنون يكتب قصيدته وفق إيقاعٍ لحنيٍ معين فمتى ما وافقت اللحن عد ذلك شعراً سليما عندهم، ومتى ما خرجت عليه عدّ ذلك نشازا، فأذن شاعر الفنون تدربت على ألحان بعينها، فشاعر الفنون يكاد لا يدرك التفعيلات أو التقسميات العروضية، إنما ميزان الشعر لديه هو اللحن، والذي يؤكد هذا ان شاعر الفنون يسمى البحر الشعري (لحن)، ونحن نعرف مدى قدرة اللحن أو الغناء على إخفاء التجاوزات أو الكسور الوزنية، على عكس الشاعر العامي الحديث الذي تدربت أذنه على الشعر العربي الموزون وهنا يدخل التعليم والقراءة والإطلاع كمكون رئيسي في إكساب الشاعر الحساسية الوزنية  حيث أصبح الميزان الشعري شي آخر غير اللحن .وسأسوق هنا مثالا على هذه التجاوزات الفنية من خلال المساجلة التالية بين حافظ المسكري والشاعر محمد بن جمعة الغيلاني :حافظ :صلوا على نبي  يستاهل  صلاة               حرز وطلاسم عن عيون الجاهلة هيشن تكونوا يو أمة رسول الله               عساكم  فــْ  راحةْ  ونعمةْ  كاملةمحمد :صلاة محمد عد جريات المياه                 على الذي نال السحاب وظللهلولا محمد ما طاع العبد مولاه                 ولا سبّح الباري كتابه وهللهمن خلال قراءة الأبيات السابقة نكتشف أن الأبيات مكتوبة على بحر الرَجَز (مستفعلن) وهذا البحر هو البحر الشائع في كتابة مساجلات فن الرزحة وقد ياتي كاملا (اللال العود) أو مجزؤءاً (الهمبل، قصافيات ، العازي)  وهو بحر شائع في فنون قولية أخرى كالتغرود والهبوت والطارق وغيرها من الفنون العربية العامية لكون هذا البحر هو البحر الأسهل للارتجال والغناء إذ كان العرب قديما يرتجلون عليه أراجيزهم في ساحات الوغى والقتال وسمي قديما حمار الشعراء لسهولة الكتابة عليه .في المحاورة السابقة التي يبتدئ فيها الشاعر حافظ بن محمد المسكري، نلاحظ أنه ابتدأ كعادة شعراء المساجلة بالصلاة على النبي وابتدأ بجملة (صلوا على) والتي تساوي صوتيا تفعيلة ( مستفعلن ) فهو ابتداء عروضي سليم، ثم يواصل جملته ( نبيّ يستاهل صلاة ) وبتشديد الياء في كلمة ( نبيّ ) نقدّرها بـ ( متفعلن مستفعلان ) فتكون كالتالي :صلـ لوا عـ لى / نَـ بي يـ  يسْـ/ تا هل  صـ لا ة    مستفعلن        / متفعلن       / مستفعلان فيتضح لدينا البحر هنا بسهولة وهو بحر الرّجز (مستفعلن مستفعلن مستفعلن )، وعلى ضوئه نبني تتبعنا لبقية أبيات القصيدة :حر زوْ طـ لا / سم عن عـ يو/ نلـ جا هـ لهمستفعلن       / مستفعلن      / مستفعلنثم ننتقل الى البيت الذي يليه لنلاحظ الخروج الوزني بعد جملة ( هيشن تكونوا يو ) والتي تاتي مساوية لتفيعلة ( مستفعلن مستفـ )، تم تتوقف التفعيلة هنا لأن الشاعر دخل في جملة ( أمة رسول الله ) التي تكسر البحر الشعري وتخل بالنسق الصوتي للقافية، فالشاعر لم يكمل التفعيلة إكمالا صوتيا سليما كما في البيت الذي سبقه، فالقصيدة العمودية تستلزم الانظباط الوزني الواحد والتام حتى نهاية القصيدة، وبما أن وزن الصدر من بداية القصيدة جاء على ( مستفعلن مستفعلن مستفعلان ) فوجب الالتزام به حتى نهاية المساجلة والخروج عنه كسر عروضي بيّن، إلى جانب ذلك فهنالك خلل كبير في النسق الصوتي للقافية فكلمة ( صلاة ) ليست من الوزن الصوتي لكلمة ( الله ) في عبارة ( رسول الله ) وكلمة ( الله ) لا تستقيم وزنيا مع تفعيلة ( مستفعلان ) اي تفعيلة العروض . فكلمة ( صلاة ) التي أتت في نهاية الشطر الأول من البيت الأول تتفق معها وزنيا مفردات من قبيل ( دواه، عطاه، كماه، حواه، رواه، عصاه) أما كلمة ( الله ) فهي ليست من الوزن ذاته الذي يتفق ومطلع قصيدة المحاورة فهذا يعدّ خللا في القافية .وإذا انتقلنا الى محمد بن جمعة الغيلاني الذي يرد على حافظ المسكري في هذه المساجلة نجد الغيلاني يقع في نفس الاشكال الوزني الذي وقع فيه المسكري، فالخلل الوزني يبدو واضحا في شطري الصدر على التوالي، الى جانب ان الشطر الأول من البيت الثاني ينتهي بقافية / كلمة ( مولاه ) والتي تختلف عن قافية / كلمة ( مياه ) فيقع في نفس اشكال القافية  :صلاة مْحمد عد جريات المياه    لولا محمد ما طاع العبد مولاهلكننا نفاجأ أن شطري العَجُز سلِيمان عَروضيا ووزنيا وإيقاعيا على عكس شطري الصدر اللذين يظهر فيهما الخلل الوزني، وتستمر المساجلة على هذا النحو من الالتزام العروضي والتقفية الى الخروج عنه كما بينّا سابقا حتى نهاية المحاورة .و مثل هذه التجاوزات الفنية كثيرة لدرجة انك تخرج بإنطباع ان قصائد الفنون الشعبية او الموروث لا تكتب الا بهذه الطريقة وان هذه التجاوزات أمر طبيعي في هذا الفن الشعري.إن كل مرحلة اجتماعية وتاريخية تستدعي احتياجاتها وضرورياتها وما ارتباط الشعر في مرحلة سابقة بالفنون المغناة الا ارتباط زمني واجتماعي تتطلبه المرحلة ورغم أن هذه الفنون ما زالت تمارس الى الآن ولها شعراؤها وعشاقها ومريدوها إلا أن شعراء الجيل الجديد قد فكوا هذا الإرتباط وأعادو الشعر إلى أصله الأول فحرروه من ارتباطه بالغناء فأصبحو يكتبون شعرا ليقرأ لا ليغنى وأصبحت الصحف والدواوين الشعرية هي حلقات التواصل بين الشاعر والقراء وليس ساحات الفنون الشعبية .و في الأصل أن الشعر الشعبي العماني هو شعر مكتوب بالدارجة العمانية – مع اختلاف تنوع اللهجات- فهو شعر ينتمي إلى الشعب الى همومهم وقضاياهم وأحلامهم، واللغة المحكية هي الأرضية التي ينطلق منها هذا الشكل الكتابي، فهو شعر شعبي ينتمي الى فنون القول العامية، وهنا أود أن أفرق بينه وبين الشعر النبطي الذي يكتب في بعض مناطق الجزيرة العربية، فلا يمكن اجتثاث أي اصطلاح من سياقه الثقافي والمكاني وإطلاقه على اي فن كتابي آخر لا ينتمي لنفس البيئة ولا الى المكون الثقافي، فالشعر النبطي والشعر الشعبي المكتوب في عمان هما فنان ينتميان إلى فنون القول العامي لكنهما فنانان مختلفان نشأة وتكوينا ولغة، فلا يمكن ان تطلق تسمية الشعر النبطي على الشعر العامي أو الشعبي المكتوب في عمان، فالشعر النبطي له فنونه ولغته الخاصة ونشأته التاريخية التي تختلف تمام الاختلاف عن الشعر الشعبي العماني وقد وصف الباحث الكويتي ابراهيم الخالدي ( في ندوة الشعر الشعبي العماني ) الشعر الشعبي العماني بأنه شعر عامي يختلف تمام الاختلاف عن الشعر النبطي المكتوب في بعض مناطق الجزيرة العربية، وهنا أود أن ألفت النظر الى إشكالية أصطلاحية كبيرة وقعت بها بعض الكتب التي وثقت للشعر الشعبي العماني، فنجد في مقدمة ديوان ( من أغاريد البحر والبادية ) للشاعر محمد بن جمعة الغيلاني، نجد في مقدمة هذا العمل يوصف هذا الشعر بأنه شعر نبطي، وفي ديوان ( حداء الساري) للشاعر راشد بن سلوم المصلحي(سويري) نقرأ : ” وسويري الشاعر العماني (النبطي) الشعبي”، وهذا خطأ توثيقي كبير، فليس كل شعر شعبي او عامي هو بالضرورة شعر نبطي، نعم جميعها تنتمي للأدب العامي لكنها ليست جميعا من جنس كلامي وثقافي وجغرافي واحد، فلغة الشعر النبطي تختلف تمام الاختلاف عن لغة الشعر الشعبي المكتوب في عمان او الشعر العامي المكتوب في البحرين مثلا، فالشعر النبطي كما يورد  د.سعد الصويان في عمله الضخم (الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص) هو شعر مكتوب بلغة ( سكان وسط الجزيرة العربية ومنطقة نجد)، وهو تطور طبيعي للشعر البدوي الذي أرخ له ابن خلدون في مقدمته والذي يعود في أصوله الأولى الى قبيلة بني هلال في تغريبتهم. وقد توسع الباحث والشاعر طلال السعيد في هذه النقطة وأفرد لها بابا في كتابه ( الشعر النبطي :أصوله-فنونه-تطوره) أسماه ( الفرق بين الشعر النبطي والشعر الشعبي ) فيقول : ( الشعر النبطي ليس هو الشعر الشعبي .. فالشعر الشعبي هو تلك القصائد التي تنظم بلهجة أهل البلد أنفسهم والتي يتخاطبون بها وتميزهم عن غيرهم .. لذا وجب التفريق بين النبطي والشعبي لوجود فرق شاسع بينهما علما بأنهما يجتمعان بأن كليهما عامي) انتهى. بتصرف.القطيعة اللغوية بين اللهجة المحكية والقصيدة العامية الحديثةهل توجد فجوة لغوية  كلامية بين القصيدة الشعبية العمانية الموروثة وبين القصيدة العامية الحديثة ؟ أو لأكون اكثر دقة، ما مدى حجم المسافة بين اللغة المحكية اليومية وبين القصيدة العامية المكتوبة ؟!يقرر أكثر الباحثين والمشتغلين في الأدب العامي أن الشعر الشعبي العماني أنطلق من اللهجة المحكية ومن تفاصيل الحياة اليومية ونستطيع أن نلمس هذا من خلال قراءتنا للكثير من الموروث الشعري العماني، فهو كلام محكي مكتوب بلغة شعرية موزونة، وهذه الحالة نستطيع تلمسها أيضا في الآداب العامية الأخرى كاللبنانية والمصرية والعراقية والسعودية والكويتية، فهو شعر يرتفع قليلا عن الكلام اليومي العادي لكنه يستمد جذوره وأرضيته منه كما يستمد قاموسه الكلامي من مفردات وتراكيب وأمثال إلى جانب النطق الحرفي والمناطقي للمفردة فيسهل الإستدلال به عاميا كما يسهل تعريفه والتعرف إليه .إن أحد الاتهامات التي توجه للقصيدة الشعبية العمانية الحديثة هو انفصالها وانقطاعها عن الجذور وأن هناك فجوة لغوية كبيرة بين اللغة اليومية المحكية وبين لغة القصيدة الحديثة، كما تتهم انها تفتقد الى لهجة ولكنة ورائحة المكان أو كما سماها احدهم ( الطعم العماني للشعر الشعبي الحديث ) فهناك ( قطيعة واضحة بين مدرسة عامر بن سليمان الشعيبي وسويري وغيرهما وبين الشعر الشعبي الحالي بشكله المعاصر ).ما يقرره الرأي السابق أن القصيدة العامية الحديثة يجب أن تكون تطورا طبيعيا للشعر الشعبي الموروث والذي يتكئ على اللهجة اليومية المحكية ويكون تطوره انطلاقا من اللغة المحكية متساوقا مع تطورها اللغوي  كما هو الحال عند اللهجة العامية اللبنانية او المصرية او السعودية أو العراقية التي لا نجد تلك الفجوة الكلامية الكبيرة بين اللغة المحكية والقصيدة المكتوبة كما انه يمكن الاستدلال على الانتماء الجغرافي والمكاني للقصيدة من خلال لغتها ومن خلال طريقة نطق مفرداتها فتحاً وتسكيناً (طعماً ورائحةً) لا لياً وتكلفاً نزولاً عند لهجة لغوية وافدة من خلال أغنية أو وسيط إعلامي خارجي او سطوة إعلامية تكرس ( شعراءها وبحورهم ولهجتها ومفرداتها وحتى صورها الشعرية ) بل انطلاقا من المكون اللغوي والتراثي الذاتي نحو فضاءات تحديثية وتجريبية تحمل رائحة المكان وهويته .
كما يذهب أصحاب هذه الرأي أيضا إلى القول ان القصيدة الشعبية العمانية الحديثة هي شكل كتابي وافد لغة وقاموسا وصياغة وانها تنتمي الى القصيدة النبطية ( الوافدة ) أكثر من انتمائها الى القصيدة الشعبية العمانية .و نحن إذا أردنا أن نأخذ نماذج للمقارنة  بين هذين الشكلين (الكلاسيكي والحديث ) لأدركنا بكل سهولة الفرق اللغوي الكبير بين اللغتين، فنقرأ للشاعر محمد بن عبدالله الهاشمي ( وهو من شعراء الفنون التقليدية ) :رحبت بالطارش وزهبت الفَرِش                                   من عادتي للضيف قلبي أفرشه ثم نقرأ لشاعر حديث كـ فيصل بن سعيد العلوي :هنا الجلاد والموعد .. حكايات العنب والتوتهنا كان الزمن يعبر حياتي ضفةٍ .. ضفهْ و نقرأ لـ شاعر آخر من شعراء الفنون الشعبية كـ مسلم بن سيف العامري :يكفي سقم حالي ويكفيني نغص                                  والآدمي بونه زمانه ينغّصهثم نقرا لأحمد السعدي :أعقد مراجيحي الخجلى على شعرك والريح  مشطٍ  تسافر  فيه  ألوانيهكذا ندرك البعد الزمني واللغوي والثقافي بين كل تجربتين سواء على صعيد القاموس اللغوي لكل من المرحلتين الشعريتين وكذلك على مستوى روح كل تجربة، فالمقدمات الثقافية لكل تجربة تختلف عن الأخرى .و الحقيقة التي لا يمكن انكارها أنه لو أردنا تتبع اي تجربة شعرية حديثة لأدركنا أن ليس هناك شعر يأتي هكذا منبت من أصله، فكل تجربة لاحقة إنما هي استمرار لمرحلة سابقة، وكل مرحلة لاحقة إنما تستمد وجودها وشرعيتها من عصرها لا من عصر غيرها وكما أن لكل تجربة سابقة مدخلاتها الثقافية والاجتماعية فكذلك لكل تجربة لاحقه مدخلاتها التي تختلف عن سابقتها، وكما إن كل تجربة لاحقة لا يمكن عزلها عن مؤثراتها ومكوناتها الخارجية التي يفرضها زمنها، فقد مرت التجارب السابقة بما يشبه هذه المؤثرات أيضا حتى اخذت شكلها النهائي الذي تعودنا عليه. ونحن ندرك التاريخ البحري الكبير للتجربة العمانية والذي ألقى بظلاله على الكثير  من عادات المجتمع وفنونه وثقافته حتى شكل الصيغة النهائية التي نراها عليه الآن، ولو فككنا الكثير من مكونات الثقافة العمانية  لأستطعنا ارجاع الكثير من العادات والمسميات والفنون الى أصولها الأولى غير العمانية وما الفنون الغنائية العمانية عن ذلك ببعيد .وبالعودة الى البحث عن الجذور الأولى للقصيدة الشعبية العمانية الحديثة سنجد أن فرصة التعليم والقراءة والانفتاح على الثقافات الجديدة إلى جانب المقررات الأدبية في المناهج المدرسية هو ما مهد لظهور شكل شعري جديد يختلف عن الشكل الشعري السائد والمتوارث، وهذا ما جعل الشاعر الشعبي الحديث يبتكر لغة شعرية جديدة تمزج بين خلفيته الشعبية وثقافته الجديدة، فتلقيه لقصائد المحفوظات في المناهج الدراسية وأقصد بها قصائد الشعر العربي جعل عقليته تتفتح على ثقافة معرفية جديدة، ثقافة تختلف عن ثقافة الفنون الشعبية المغناة، فأصبح يكتب قصيدته بعيدا عن ساحات الفنون والغناء واصبح أكثر أدراكا واصحبت أذنه أكثر حساسية للبحور الشعرية، وهي تكاد تكون ثقافة عربية عامة، إذ خرجت القصيدة العامية العربية فيه من طور المشافهة والغناء الى طور التوثيق والكتابة واصبحت القصيدة تكتب لتقرأ لا لتغنى وبذلك تشكلت لغة شعرية جديدة تتكئ على الثقافة العربية الفصحى أكثر من اتكائها على الثقافة الشعبية وصار الشاعر العامي الحديث يقرأ للمتنبي وابو فراس الحمداني ونزار قباني فألقت هذه الثقافة الحديثة بظلالها على ما يكتب من شعر عامي إذ غذت لغته الشعرية وشكلت لديه قاموسا شعريا جديدا، كما ساهمت الأغنية العربية من مصر والسعودية والبحرين والكويت ولبنان وسوريا في ردم الهوة الثقافية بين الأقطار فنشأت لغة وسط تردم ايضا الهوة القائمة بين اللهجات . وفي وسط هذا الحراك الثقافي ظهرت القصيدة العمانية معلنة ولادة لغة شعرية جديدة مؤثرة ومتاثرة  بما حولها، ونحن نكاد نلمس هذا التأثر واضحا من الدواوين الشعرية الأولى التي صدرت في بداية التسعينات أو نهاية الثمانينات إذ نلمس تأثرها بالقصيدة العربية الفصحى وبالدواوين الشعرية القادمة من الخليج الى جانب لغة الأغنية سواء القادمة من الخليج أم من الوطن العربي . وفي  جانب الشكل المعماري للقصيدة، لم يعد الشاعر الحديث يطرح الأشكال الشعرية المتوارثة وأقصد بها قصائد الفنون الشعبية بل صار أقرب الى القصيدة الفصحى منه إلى قصائد الفنون الشعبية المغناة، فنجد أن أكثر قصائد البدايات تكتب (مصرعة) كحال التصريع في القصيدة العمودية الفصحى فنقرأ لـ ربيع بن سالم العلوي من ديوان ( صدى الأمس ) الذي صدر في عام 1988 :
فـي عـيون الـليل أشوفك و السحر        في قمر سهران في كف القدرفـي الـكواكـب والـمجـرات الكبيرة                                لا بـعدتـي وغـاب طيفك يا بدر ونقرأ أيضا لـ محفوظ الفارسي من ديوانه ( جدايل موج ) الذي صدر في 1992 :صوتك جدايل موج وخدودك شفق                                ودمعة رسايل شوق ممزوج ْبعبقوسحرك على الأنسام يضفي للقلوب ..                             سحر .. وبيان السحر في سود الحدقكما نقرأ لـ محمد علي بهوان في ديوانه ( بريد الذكريات ) والذي يعود لنفس الفترة تقريبا :دثريني في شتا  ليلي الطويل                          بالأمل مرسوم في حلمي الجميلو احمليني بين جنحان الأماني                          ريحيني  من  عنا  همي  الثقيلففي هذه التجارب الشعرية ثمة لغة شعرية جديدة تحافظ على عاميتها كلغة، ولكنها عامية جديدة تبتكر هويتها ولغتها الشعرية الجديدة طبقا لمدخلاتها الثقافية الجديدة أيضا، فهي لا تخلو أحيانا من تأثر (ببعض) مفردات الشعر النبطي القادمة من الخليج أو بلغة الأغنية العابرة لحدود الوطن العربي وهو تاثر قليل نسبيا (و طبيعي أيضا) ولكنها على الجانب الآخر لم تنزع ثوبها وهويتها إنما هضمته ووعته وتجاوزته تجاوزا طبيعا نحو مرحلة كتابية تبتكر هويتها، وهذا الذي جعل الكثير من شعراء الفنون التقليدية يظن أن هذا الشعر الذي يختلف لغة وأسلوبا عن ما يكتبون من شعر جعلهم يظنون أن هذا الشعر هو شعرا ( نبطيا ) وافدا والحقيقة انه هو غير ذلك وإنما هو شعر شعبي عماني حديث. فنقرأ لـ محفوظ هذه الأبيات التي تختصر الهوية الجديدة للقصيدة العمانية الحديثة  :أصنع سفن أصنع سفن: غنية وكوتية وبدن           بحار وصبوعي ذهب وينك يا طواش الذهبنجار وكفوفي اصبرت للريح وطهوف الزمن                سام في صنعة يدي يا سامعي سحر وعجبو نقرأ لـ بهوان :تهيّد يا ونيسي خفف الساعي                                   تمهل   شوف  أولها  وتاليهامناجاة العيون الدعج لوساعي                                 مرض قلبي عجز غيره يداويهانشل مركب غرامي فيهن شراعي                           وتاه  بموجها  ضيع  مراسيهاغياب التنوع .. وسيادة اللهجة الواحدة هل تعاني القصيدة الشعبية  من سيادة اللهجة الواحدة ؟! لماذا يصنف الشعر العامي على أنه شعر بدوي اللغة ؟! لماذا تغيب اللهجات المختلفة سواء الحضرية أو غيرها عن مشهد القصيدة الشعبية ؟! لماذا يتكلف شعراء المناطق الحضرية أو الجبلية أو الساحلية أثناء قراءة القصيدة الشعبية فيضطر أحدهم إلى تغيير لهجته أو ليّ لسانه أثناء قراءة القصيدة الشعبية ؟!كل هذه الأسئلة تحضر في بالي وأنا أحاول أن أجمّع أفكاري في محاولة جادة لتوضيح الصورة عن لغة قراءة القصيدة الشعبية .الحقيقة أن هنالك لهجة وطريقة نطق واحدة تم التعارف عليها في قراءة القصيدة الشعبية وهذه اللهجة قد تتوافق وبعض اللهجات وقد تختلف عن بعض اللهجات مما يجعل شاعرها يتكلف هذه اللهجة التي تم التواضع والتعارف عليها والتي سأسميها تجاوزا ( اللهجة البدوية ). رغم أن هذه اللهجة التي أعني ليست مقصورة على البدو فهناك من سكان السواحل ومن سكان المدن الحضرية من يتحدث بها لكنها عرفا تعرف على انها لهجة أو لكنة بدوية حتى وان تحدث بها بعض السكان الحضر في بعض الأماكن .إن البيئة العمانية تزخر بتنوع جغرافي وبتعدد لساني كبير، فاللهجات في الولاية الواحدة تتعدد وتتباين ناهيك عن اللهجات في المحافظة الواحدة .. ناهيك عن تعددها في الوطن الواحد الكبير .و اللهجة التي أعني هنا هي النبرة واللكنة البدوية في قراءة المفردات والكلمات في البيت الشعري الواحد، وأعني بالتحديد نطق حرف (القاف) جيماً قاهرية أو جيما يمانية كما تسمى أحيانا أي جيما غير معطشة، فمثلا ما يحدث عند قراءة جملة ( ما قلت لك ) تنطق هكذا ( ما جلت لك ) فتنطق القاف جيما، إلى جانب أن بعض الكلمات التي يفترض أن يفتح أو يسكّن اولها  عند النطق يغلب عليها الكسر فمثلا كلمة (يَدي) تنطق (يِدي) بالكسر و(غَريم الشوق) تنطق (غِريم الشوج ) و( يْضيق ) تنطق ( يِضيج ) وكلمة مثل ( قَمر ) تنطق ( جُمر ) بضم القاف وهكذا ..و هنا لا اعتراض على وجود هذه اللهجة كمكون من مكونات اللسان العماني ولا اعتراض على فطرة أصحابها في الحديث او النطق بها، لكن .. إن الوطن العماني يزخر بتعدد لساني ولهجوي كبير والذي يحدث أنه تغيب كل هذه الطاقات اللسانية واللغوية والصوتية لصالح لسان واحد ولهجة واحدة تكاد تتسيد -أو تسيدت- أثناء قراءة القصيدة الشعبية فنجد أن الشاعر من ظفار او من الرستاق أو من مسقط او من الداخلية أو من عبري يقرأ قصيدته بلهجة بدوية محدثا قطيعة لغوية وثقافية واجتماعية بين ما يتحدث بها من لغة ولهجة يومية وبين ما يقرأ بها قصيدته الشعبية حتى لكأنك أمام شخص آخر يتحول 90 درجة من لهجة إلى أخرى لا ينتمي لها ثقافيا ولا جغرافيا.و إذا أردنا أن نتتبع جذور المشكلة أكثر لوجدنا أن الإعلام هو الموثر الرئيسي في خلق هذه الظاهرة وبالتحديد الإعلام القادم من الخارج الذي ساهم في إقصاء الكثير من اللهجات الصوتية . فقد أصل هذا الإعلام وبالتحديد الذي سوّق للقصيدة النبطية القادمة من الخليج على أن هذه القصيدة (الشعبية أو النبطية او العامية) إنما هي قصيدة بدوية المنبت والأصل وانها مرتبطة بالصحراء والخيمة والناقة ( وهذا ما نشاهده في برامج الشعر الشعبي التلفزيونية من تعمد هذه البرامج تأكيد هذه الصورة ) وأنها لا تقرأ إلا بهذه الطريقة وإنما كل ( حضري ) أو كل ( غير بدوي ) إنما هو دخيل على هذا النوع من الكتابة العامية ويلزم ليّ لسانه الحضري ليتناسب واللهجة البدوية التي تكتب بها هذه القصيدة !و البداوة في حقيقتها إنما هي طريق حياة أكثر منها لكنة أو لهجة أو طريقة نطق لمفردة، فليس من الحقيقة أن أسمي من يركب السيارة ويستخدم الهاتف النقال ويعيش في فلة فارهة بأنه بدوي لمجرد أنه يتحدث بلهجة بدوية .و الذي ندركه تاريخيا أن الشعر العامي أو الشعبي نشأ في الحواضر قبل البوادي فهو شعر حضري قبل أن يكون شعرا بدويا. وفي الوقت الذي كانت فيه الحواضر تنشط بكتابة الآداب العامية كانت البوادي لا تزال على سليقتها العربية الأولى حيث لم يدخل اليها اللحن ولم تتسرب اليها العاميات بعد بل ان البوادي كتبت الشعر العامي متأخرا عن الحواضر، حيث كانت هذه البوادي هي المعين الذي ينهل منه علماء اللغة العربية ومؤرخوها .و ليس ببعيد عنا إذا أردنا تتبع فنون الشعر العماني الشهيرة كـ ( الرزحة، والميدان، والدان دان وغيرها ..) التي هي فنون حضرية نشات في الحواضر والسواحل ولم تنشأ في البوادي .المصادر :1 –  ايضاح الطريقة للفنون العريقة جـ 1 – خميس المويتي، الناشر وزارة التراث والثقافة2 – في اللهجات العربية – إبراهيم أنيس، مكتبة الأنجلو المصرية3 – بريد الذكريات- محمد بهوان – دار جريدة عمان للصحافة والنشر4 – جدايل الموج- محفوظ الفارسي – المطابع العالمية روي5 –  أرق – فيصل العلوي –الناشر وزارة التراث والثقافة6 –  طواف – أحمد السعدي – الناشر وزارة التراث والثقافة7 –  الشعر النبطي ذائقة الشعب وسلطة النص – سعد الصويان –دار الساقي8 –  الشعر النبطي:أصوله-فنونه-تطوره – طلال السعيد – مكتبة ذات السلاسل9 –  من أغاريد البحر والبادية- محمد بن جمعة الغيلاني- ت : سالم بن محمد الغيلاني-مطابع جريدة عمان للطباعة والنشر،الطبعة410 –  صدى الأمس – ربيع بن سالم العلوي – نسخة اليكترونية –موقع السلطنة الأدبي11 –  اوزان وبحور الشعر الشعبي – مقال – علي الحارثي – ملحق شرفات16فبراير2016م12 – هوية اللاهوية –مقال-حميد البلوشي-ملحق المجلس7 مارس 2010م13 – حداء الساري- راشد بن سلوم (سويري)-ت:محمد المسروري-المطابع العالمية روي


طاهر العميري*

شاهد أيضاً

قراءة فـي «ثلاثية» مي التلمساني الروائية

لماذا يذهب الكاتب إلى الماضي ولماذا هذا الحنين إلى طاعة مستعصية، لم تعد تمتلك شهوتها …