صدور العدد السادس والثمانون من مجلة نزوى

الشعر العُماني.. أسئلة الراهن والمستقبل تقصير الإعلام وضعف التحقيق ومقص الرقيب ظلم شعراء عُمانيين كبارا

ترى أين يتموضع رصيد الشعر العُماني اليوم بمختلف أشكاله، في الحيز المحلي والعربي أيضا؟ وهل ينصفه النقد والمراجعات الصحفية محليا وعربيا؟ هل تتعايش أشكال كتابة الشعر المختلفة من القصيدة الكلاسيكية إلى القصيدة الحديثة بالإضافة للقصيدة الشعبية، منسجمة مع بعضها البعض ومستفيدة من الاختلاف فيما بينها، أم أنها لا تزال تطرح سؤال الإلغاء والتصادم فيما بينها. وأيضا لنتحدث عن منابع الشاعر العُماني من أين ترتوي، هل مما ترك لنا الأسلاف أم من حاضر اللحظة العابرة؟ هل يترجم الشاعر العُماني بيئته ومفرداتها أم يستعير أساليب جربتها من قبله أسماء خالدة في الشعر العالمي؟ وكيف يمكن للشاعر أن يقبض على تلك الشعرة الرفيعة جدا بين «محليته» بالغة الخصوصية، والنزعة الكونية التي تسكنه وتقض مضجعه. هل أغلقت «الذاتية» النص الشعري اليوم، فرفعته عن عوام الناس، وخلع الشاعر بُردة «المنبرية”، بينما كان السرد بأشكاله الجديدة والحيوية ينزل إلى الحياة ويتحدث إلى الناس ويعبر عن تعقيدات المجتمعات.. لنقل السؤال بطريقة أخرى: التجربة الشعرية العُمانية هل تؤسس لتفاعل جدلي بين الذات وتحولات المجتمع أم أنّ الشاعر ينأى (عن قصد) بنفسه عن كل هذا ويشعر أنه ليس من مهام الشاعر أصلا ؟ هل تخلى الشاعر اليوم عن فكرة انتظار عفاريت وشياطين الكتابة، وبدأ ينتصر «للصنعة» التي تعقب الدفقة الشعورية الأولى؟ أم لا يزال مسكونا بشياطينه الأولى؟ لنقل السؤال بطريقة أخرى: بنية القصيدة هل يتم التفاعل معها كإبداع مُقدس وخالص لا مساس فيه، أم أنها مشروع «الصنعة» والنحت المستمر، كما هو حال الحوليات والمعلقات من قبل؟ وهل تصنع المؤسسات الثقافية في عُمان شعراء عبر اتاحة فرص السفر والمشاركة في المهرجانات، ولننتهي إلى هذا السؤال: ما الذي ينقص الشاعر العُماني اليوم، ما الذي ينقصُ القصيدة؟
هكذا بدأت ندوة الشعر والتي جاءت بعد ندوة الرواية مباشرة، وتناولت عددا من الأسئلة والمحاور الهامّة، وحملت عنوان «الشعر العُماني.. أسئلة الراهن والمستقبل”، وقد أثرى النقاش عدد من الشعراء والنقاد العمانيين.
وعرجت الندوة أيضا على مقتطفات من حوار نشر في العدد 78 من مجلة نزوى، ضمن ملف احتفى بالشاعر بول شاؤول، والذي قال لنا فيه: «الشعر بدون هدف، من الذات إلى الذات. من الموت إلى الموت. الشعر لا يمشي، بينما الرواية تتحرك. والرواية اليوم هي المهددة بالموت وليس الشعر لأنّها وقعت في الاستهلاك. الشعر في عزلته العالية، والرواية في حضورها الجماهيري المنخفض مع بعض من الاستثناءات. وما أنقذ الشعر أنّ الناس ليست بحاجة إليه، لذا فهو ليس مضطرا لأن يتنازل لأحد”.
العمودي هو المسيطر
بدأت الندوة محورها العام بسؤال: أين يتموضع رصيد الشعر العُماني اليوم بمختلف أشكاله، في الحيز المحلي والعربي أيضا؟ فكان أن بدأ الكاتب أحمد الفلاحي بقوله: نحن نخطئ كثيرا عندما نضع الرواية أو السرد في موضع المقارنة مع الشعر. الرواية بجملة الأحداث والفضول الذي تثيره، مقابل الشعر الذي قال عنه البحتري، «والشعر لُمح تكفي إشارته”. الشعر بقي على مدى قرون، من مثل شعر المتنبي الذي شغل الناس بين غالبية مؤيدة وقلة مُعارضة، وقد قال الشيخ محمود شاكر: هنالك ما يقربُ من ألف كتاب كُتب عن المتنبي، وربما كُتب عنه أكثر مما كتب عن النبي محمد (ص). فهذا هو الشعر الذي يخلقُ الدهشة. وأضاف الفلاحي قائلا: الأغلبية العظمى من العرب سواء في مصر أو العراق أو بلاد الشام لا يتقبلون بفطرتهم إلا الشعر الذي به جزء من الايقاع العمودي، أو التفعيلة التي اكتسح بها محمود درويش الوطن العربي، وفي عُمان نفس النظرة أيضا لا تزال القصيدة العمودية هي المسيطرة على الساحة مع استثناءات قليلة وحسب. والأذن العربية تعشقُ الايقاع. وهذا ما يميز الشعر. رغم أن الشعر قد تجاوز هذا في أشكاله الأخرى إلا أنّه وفي حقيقة الأمر لا يزال محصورا ضمن ذائقة جمهور نخبوي”.
وتساءلت هدى حمد قائلة: ظهر ناقد من مثل جابر عصفور ليقول بأن الزمن زمن الرواية، فأجابت فاطمة الشيدي مؤكدة: بل إنّه قال أيضا الرواية أصبحت ديوان العرب. أريد أن أعلق بأنه كما تصنع شركات الكمبيوتر الفيروسات فهي أيضا تصنع مضادات لهذه الفيروسات. شركات الأدوية تصنع الأمراض ومن ثم تصنع الأدوية. وتبتزنا. دور النشر صدّرت هذه الفكرة وأقنعتنا بها وبدأنا نقتنع كجمهور وأصبح الشاعر يتجه تحت تأثير هذا التصدير لكي يكتب الرواية.
وظيفة الشعر
الشاعرة عائشة السيفي شاركتنا بقولها: أنا أتساءل.. هل ينبغي أن يكون للشعر محل ومكان وأن يعكس واقعا ما. هل نثقل كاهل الشعر بتوقعات ذات سقف عالٍ. أشعر أنّ من واجب الشعر أن يكون له -على سبيل المثال- أثر القهوة. أعني يكفي أنها تُعدل مزاجك بعد يوم صعب، ويكفي أن يُطبطب عليك الشعر في لحظات اللاطمأنينة.
وتتساءل هدى حمد: أنتِ يا عائشة تنبهين إلى نقطة مهمة جدا حول الخلاف الدائم على وظيفة الشعر. يُقال أنّ الشعر كان يتعالق أكثر مع حياة الناس ولكنه الآن انسحب نحو الذاتية. الشعر الكلاسيكي أعطى دلالات كثيرة حول الحروب وواقع المرأة والأوضاع الاجتماعية ومقاييس الجمال ومواضيع أخرى.. بينما شعر اليوم ينسحب إلى الذات وينكفئ على اليومي والعابر؟
فترد الشاعرة والناقدة فاطمة الشيدي قائلة: لم يكن الشعر في يوم من الأيام يُعنى بالمجتمع عناية مقصودة. كان الشاعر يكتب من خلال ذاته كما هو حاله اليوم، يكتب ما يعنيه وما يعيشه. ولكن التحول ليس في الشاعر وإنما في المتلقي. المتلقي لم يكن لديه جهاز اعلامي ضخم، مرئي ومسموع ومقروء كما هو الحال اليوم وليس لديه أي وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي كما هو الحال اليوم. المتلقي كان يذهب للشعر ولا ينتظر الشعر. التغير في المتلقي. منذ أمرؤ القيس وطرفة بن العبد وغيرهم. كانوا شعراء ذاتيين وكانت الذاتية هي التي تحكم الشعر وتجعله حقيقيا. نعم هنالك نزعة القبيلة ولكن هذه النزعة كان يُنظر لها نقديا بدونية ولا تحتسب فنية غالبا. والسؤال: من بقي لنا من الشعراء. بقي لنا أصحاب النزعة الذاتية. حتى شعراء الحكمة كانت الحكمة أصيلة فيهم ولا تريد أن تجبر الآخر على تبنيها، ولكن الايمان يبدأ من تبني الشاعر للشيء وإيمانه به. عندما يكون الشاعر مؤمنا بالشعر يصل الشعر للآخرين، وتخلي الشعراء عن الايمان بالشعر هو الذي صنع الإرباك.
ولذا عندما سُئل أبو تمام: «لماذا تقول ما لا يفهم، فقال ولماذا لا تفهم ما يُقال”. المتلقي يأتي إليّ وهذه سلعتنا. لم يكن الشعر يوما من الايام زادا. كان حالة متعالية جدا. ولذا ينبغي أن لا نرصد مقارنات بين السرد والشعر، لأن الشعر حالة عالية جدا وليست حالة بروجماتية نفعية. الشعر لا يسد فراغا. أتفق مع عائشة، ليكن الشعر كما هو تناول فنجان قهوة. ليكن نوعا من اللذة. وتابعت فاطمة الشيدي قائلة: الشعر المنبري، كان شعرا سياسيا متملقا مدائحيا جاذبا أو جالبا للمال. الشاعر المنبري كان شاعرا متسولا، إلا من كان يفعل ذلك من نزعة ايمانية بالشيء، كقصائد أبي تمام في الحروب وقصائد المتنبي. أعني لديهم الإيمان بالفكرة. إيمان المتنبي بأبي فراس الحمداني جعله يكتب شعرا قويا فرغم منبريته كان صادقا وحقيقيا. وعلينا أن نتأكد لم يقدر الشعر ولا الجمهور الشعر المنبري وشعراء السلطة إلى اليوم.
العلاقة بالمتلقي
شاركنا الكاتب والناقد جاسم الطارشي قائلا: مسألة الخطاب الشعري خطاب انشقاقي. لو كان الشعراء القُدامى من مثل المتنبي وامرؤ القيس وشعراء المعلقات يفهمهم الناس آنذاك، فلماذا وضعت المدونات النقدية، ولماذا ارتبط الشعر بالسحر والالهام والشياطين. محمود درويش على سبيل المثال كان ذكيا وكان يحافظ على المتلقي. حتى المنبرية كان يُصر عليها ليس من باب الوقوع في المنبرية العادية وإنما من أجل تطوير المتلقي وبالتالي تطوير تجربته. فهنالك نص في مجموعة «لماذا تركت الحصان وحيدا”، كان بذرة للمجموعة اللاحقة وهي «سرير الغريبة”. استطاع درويش من رموزه المتكررة أن يُطور متلقيه ويجعله مستعدا لخيبة التلقي. يجب أن يُصاب المتلقي بخيبة مفادها أن التجربة قد تغيرت، وهو يراهن على المتلقي الذي يستطيع أن يتفاعل مع التجربة الجديدة. درويش يُطور قارئه ويرفعه لمستويات جمالية من دون أن ينفصل عنه. في المجاميع الأخرى بدأ يتخفف من مسألة ضبابية النص مع المحافظة على الغموض وعلاقته بالشعر.
تساءلت هدى حمد: ما تقوله أنت عن محمود درويش واهتمامه بالمتلقي، يتنافى مع فكرة فاطمة الشيدي أنّ الشاعر لا ينزل إلى القارئ وعلى القارئ أن يفهم ما يقول الشاعر؟ ويجيب الطارشي قائلا: نعم كان درويش معنيا بالمتلقي ولكن من دون التضحية بالشعر وما به من جمال.
وترد فاطمة الشيدي قائلة: درويش شاعر عظيم وأسس لنفسه مدرسة كبيرة جدا وهي مدرسة الأرض وحب الوطن. إلى أن أصبح له جمهور فلسطيني وعربي يُلاحقه من بلد إلى بلد. لكنه لم يكن يستجدي المتلقي يوما.
قاطعها جاسم الطارشي قائلا: أنا لا أتحدث عن استجداء ولو رجعت إلى حوارات درويش وأنا قرأتُ له أربعين حوارا تقريبا. يُصرُّ على مسألة المتلقي. بل إن القارئ موجود والقارئ هاجسه أيضا. وأؤكد من جديد أنّه لم يفعل ذلك على حساب جماليات النص الشعري.
نزعة الشعر ليست محلية
انتقل الشاعر ابراهيم سعيد إلى موضوع آخر قائلا: عندما سمعتُ كلمة الشعر العُماني، شعرتُ وكأننا لا زلنا لم نخرج بعد مما يطلق عليه بين قوسين «بالخصوصية العمانية”. وفسّر أحمد الفلاحي الأمر قائلا: المقصود الشعر في عُمان، والأمر كما هو حال الشعر في اليمن أو الشعر في العراق. وتابع ابراهيم سعيد قائلا: لدينا شعراء طوال التاريخ العُماني أسسوا لمشهد تستطيع أن تعود إليه في أي لحظة. وقد ظلموا كثيرا بسبب أنّه أسيئ إعادة طباعة دواوينهم وتحقيقها. الشاعر الغشري واسمه سعيد بن محمد بن راشد بن بشير الخليلي الخروصي، وقد نشرت عنه مجلة نزوى مادة من قبل. والشاعر أبو بكر الستالي، شاعر بني نبهان عُمان، وهو أحمد بن سعيد الخروصي. حقق ديوانه: عز الدين التنوخي، صدر عن وزارة التراث والثقافة. للأسف الشديد عدة دواوين أعيدت طباعتها، وقد تعامل المحقق معها على أنها مجرد وظيفة يأخذ عليها أجرا. في ديوان الستالي للأسف هوامش وكلام مؤذ وأخطاء فادحة، وبدا الديوان وكأنه دليل اتهام بأنّ الشاعر لا يعرف صنعته ويُكسر الأبيات. شاعر بمكانة الستالي، هو من الاجملُ قولا وتجريبا منذ أكثر من 500 سنة.
وأضاف إبراهيم سعيد قائلا: النزعة في الشعر عُمومية أكثر منها نزعة محلية ذات خصوصية محلية. الشعر في كل زمن له نجوم معينة تتسيد المشهد الشعري ثم في زمن لاحق تصعد أسماء أخرى وهكذا. هنالك تجربة نزار قباني، و تجربة محمود درويش وهو ابن تجربة نزار قباني وقد صعد بها، ففتح لنا اجواء معاصرة.
الشعر في أي عصر من عصوره هو هكذا .. زهير بن ابي سلمى . المتنبي . شعر الزجل. الشعر الشعبي اليوم في عمان ينال شعبية كبيرة أيضا.
ابراهيم سعيد: نحن في زمن يعتني كثيرا بالمستهلك ويُراعي أيضا ذوق المستهلك. القيم السوقية أو الرأسمالية تدخل لتحكم الذوق وتقولب الشعر لصالح آليات الشراء والبيع.
وحول خصوصية البيئة العمانية قال الفلاحي: الخصوصية موجودة فالشاعر العُماني لن يتحدث عن أشجار تنمو في الهند. بل عن السمر والغاف الذي يعرف. وتختلف معه فاطمة الشيدي قائلة: في البداية كان الشاعر العُماني متأثرا بالشعر العربي من جهة ومتعاليا على المفردات العمانية. حسن المطروشي مثلا لديه ما يمثل هذا الطابع الذي نتحدث عنه الآن من الذهاب للمفردة العُمانية بجمال وتوظيف. وتقول عائشة السيفي: حمود سعود الذي يكتب نصا مفتوحا مشتقا من البيئة العمانية والحواري. النص الذي يكتبه مدهش ويستحضر البيئة العمانية بشكل سلس فهو يكتب أقرب لشكل النص المفتوح. ويتابع جاسم الطارشي فكرة السيفية قائلا: واشتغال زهران القاسمي في سيرة الحجر، وروايته القناص معبأة بالتفاصيل العمانية. كل شغله الشعري ورواياته معنية بالتفاصيل الصغيرة العُمانية.
وتقول هدى حمد: نصل إلى أنّ المحلية لم تُغلق النص. فتذهب الشيدية لتأكيد ذلك: نعم المحلية هي جواز عالمي لكل من يتشبث بهويته وينطلق منها.
العلامات الفارقة:
ويعيدنا ابراهيم سعيد مجددا للمتنبي، فهو من وجهة نظره شاعر لا يتكرر في حياته وفي مماته، قائلا: لن يولد شاعر آخر يصل إلى هذا المستوى، نحن الآن نتكلم عن ما يقارب 800 سنة تقريبا، آلاف من الشعراء حاولوا تحطيم وتكسير المتنبي ولم يتمكنوا.
بينما تجد فاطمة الشيدي أنّ العلامات الفارقة في الشعر تظهر في فترات مختلفة من الزمن: على مر تاريخ الشعر كانت هنالك علامات فارقة ولو تتبعنا العلامات فهي تبدأ من امرؤ القيس، المتنبي، أبو العلاء المعري، أمل دنقل، محمود درويش.. هم علامات فارقة وبنفس المستوى. ما فعله درويش في دواوينه الأربعة الأخيرة اختصر العصر الحديث كاملا. أنا أحب نزار قباني، ولكني لا استطيع أن أدخله ضمن العلامات الفارقة في الشعر . وأجابها ابراهيم سعيد: محمود درويش لو قدر له أن يحذف دواوينه السابقة، لما كان ما هو عليه في دواوينه الأخيرة بالتأكيد.
وقد وجد مدير تحرير مجلة نزوى والذي شارك في ادارة الجلسة، طالب المعمري أنّ الفكرة التي تحدث عنها ابراهيم سعيد خطيرة، حول أنّ المتنبي لا يمكن تكسيره، وهي نظرة تحد من رؤية الشعراء للعالم إلا من خلال شكل وشاعر بعينه، وقد قال: هذه كارثة عربية بالمناسبة.
الشعبي يتبرأ من هويته
وتحدث الشاعر الشعبي، طاهر العميري عن واقع الشعر الشعبي في عُمان، مؤكدا أنّه يقع في نفس الاشكالية التي وقع فيها الشعر الفصيح. فالتباسط الذي طال الشعر الشعبي أضر بالشعر أكثر مما أفاده. ويعقب ابراهيم سعيد: الناس مأسورة ومسحورة بالشعر الشعبي. أنا غير معني بمن هو الأفضل في الانواع الشعرية، ذلك يضر الكتابة أصلا. وهذا يدعوني لأن أتذكر ما ذكره الاستاذ أحمد الفلاحي حول نخبوية قصيدة النثر، لأقول: أنا لا اصطف في الشعر. تجد أي شاب من الشارع يحفظ عن ظهر بيت قصيدة شعبية أو حتى قصيدة كاملة. سواء أكان سائق تاكسي أو كن نساء تقليديات، يذهلونك حقا بمحفوظاتهم. وأضاف العميري: ولكن حدث نوع من الاستسهال، وكثر المدائحي منه. وكُثر من الشعراء الشعبيين تحولوا إلى درجة عالية من الانبهار بالمنبرية والإعلام ولغة المال. المسابقات أضرت بهوية الشعر العُماني، فهو ينهض على اللهجات الشعبية. وتجد الشاعر يلبس صوتا غير صوته ولا يجرؤ على أن ينقل ثقافته الخاصة بل يستعير شكلا خطابيا وصوتيا وهوية أخرى لا تخصه.
هدى حمد : برأيك لماذا يتبرأ الشاعر العُماني من لهجته الخاصة والجميلة. هل الدراما شوهت اللهجة وجعلتها مادة للتندر والسخرية أم بسبب الإعلام؟
طاهر العميري: لو رجعنا لتاريخ الشعر الشعبي العُماني، حافظ بن محمد المسكري، والشاعر راشد بن سلوم المصلحي الملقب بـالسويري. تجد في قصائدهما خصوصية الحلّة والمنطقة. أنا ابن مسقط اقرأ مفردات لها دلالات مكانية وأنا لا أعرفها. القصيدة الشعبية العُمانية، كانت تؤرخ للكثير من الأحداث وأسماء الأماكن واللهجة المحكية، كما توثق اللهجة الدارجة آنذاك. والآن نجد فجوة كبيرة بين القصيدة الشعبية الحديثة اللي تكتب الآن والقصيدة الشعبية القديمة. في السابق كان الشاعر أكثر تشبثا بالمكان وحضور اللهجة على طبيعتها المحكية والآن نجد ثمة اصطناع متعمد.
قالت هدى حمد: أظن أن اللهجة تتطور ولذا من الطبيعي أن تندثر كلمات وتظهر كلمات جديدة فهذا أمر طبيعي. اللهجة تتطور وتنمو. ولكن لنعد لموضوع «التبرؤ» من اللهجة. رغم أن شاعرا صعيديا بلهجة مُغلقة علينا قد يمتعنا بإحساس مُتفرد.
قالت فاطمة الشيدي: كنتُ في الأردن واكتشفت أن «البوسطة» في أغنية فيروز «على هدير البوسطة» تعني الحافلة، وقد دهشتُ حقا. وتعلق هدى حمد: إلى وقت قريب كنتُ أظن أنّ البوسطة هي القارب الصغير الذي يهدر في البحر. وقال طاهر العميري: القصيدة الجيدة، نحفظها ونحبها وتدفعنا لأن نبحث عن المعنى. المحلية لم تكن عائقا يوما ما. وتقول فاطمة الشيدي: المشكلة الشاعر العُماني ليس هشا وليس بسيطا أو بدون جذور، لكي يشعر بهذا الحذر مع لهجته. ويعود طاهر العميري ليقول: هذه الثقافة الاستهلاكية ولغة المال والمسابقات جعلت الشاعر الشعبي يشعر وكأنه ممثل أو فنان، وفكرة الشاعر النجم الذي يسوق لها الإعلام أضرت بالشعر حقا.
وقد سبق وأن سأل جاسم الطارشي شاعرا شعبيا وجده يتحدث ويقول الشعر بغير لهجته ويتكلف فيه، فسأله: لماذا لا تتحدث بلهجتك، فقال له «هذا ما تريده الساحة”. وتابع الطارشي قائلا: أريد أن أقول أيضا أن الشعر الشعبي ذهب إلى الكتابة وابتعد عن الشفاهية. الشعر الشعبي قائم على الشفاهية. مثلا الشاعر فيصل الفارسي، ذكر مصطلحات البحر من مثل السفينة و”الهوري» وغيرها. وبعد هذا النص الجميل الذي صفق له الناس كثيرا رغم أنه شعر مسابقات أتى بصورة أخرى تشير إلى تراكيب عجيبة تفاعلت لجنة التحكيم سلبا معها. ولذا أشعر بضرورة دراسة ما يسمى بإكراهات الكتابة.
مجموعة «تتسع حدقة على آخر مداها» لحمود الحجري، تجعلني أتساءل: هل هذا عنوان شعبي! المسألة تحتاج إلى دراسة أكاديمية، أعني: لماذا تأثرت القصيدة الشعبية بالوعي الكتابي الموجود في القصيدة الفصيحة، من قبيل: «ممتلئ بروح المغامر”. وتبرر فاطمة الشيدي الأمر قائلة: عندما لا تكون ظاهرة وإنما حالة فردية فالأمر مبرر. حمود الحجري.. من هم أصدقاؤه؟ سماء عيسى وكُتاب قصيدة النثر ولذا يبدو لي الأمر طبيعيا. الفلاحي: في السعودية، تحديدا في نهاية الستينيات التقيتُ بحفيد المطوع. وكان يحفظ شيئا من شعر جده. فاقترحتُ عليه توثيقه. فقمنا بجمعه وطباعته وقامت وزارة التراث والثقافة بإعادة طبعه عدّة مرات من دون أن تفكر بتصحيحه. وللأسف الشديد نتيجة لعدم إدراكي الكافي وقعت أخطاء فادحة. هنالك على سبيل المثال خطأ فادح في العنوان. كان اسم القصيدة «رد الجواب”، والطباع كتبها: «رد الجعاب”، وإلى هذه اللحظة لم يُصحح هذا الخطأ. وكل قصيدة فيها ما يقرب من عشرين خطأ .
ويعقب أحمد الفلاحي قائلا: هنالك شعراء كبار لديهم جمهور صغير. وهنالك شاعر مثل قباني ودرويش لا يوجد مكان يتسع لجمهورهم. يأخذون إلى مكان يتسع لملعب كرة القدم أحيانا. الشاعر الجيد يفرض نفسه مثل المتنبي بعد ألف سنة لا يزال يفرض نفسه كشاعر قوي. الشعر الشعبي أيضا كالفصيح، بليغه بليغ ومتوسطه متوسط والأدنى أدنى وهكذا. كنت أناقش شاعرا شعبيا قلتُ له: هذا الكلام ليس كلامنا. فرد عليّ ممازحا: لو قلت كلامي لما فهمني غير أبي وأمي. وهذا الكلام غير صحيح. لكن القنوات الفضائية التي أصبحت تدخل كل البيوت تأثر بها الشباب كثيرا. لهجتنا تحتاج الى دعم. بالمقابل لدينا شعراء يمتحون من الصور المحلية العُمانية وترتقي أشعارهم لمستوى الجمهور. لكل بلد خصوصيته وعلينا أن لا ننكرها أبدا.
التفاصيل الصغيرة تجمعنا
تُعيدنا فاطمة الشيدي مرّة أخرى إلى الخصوصية في موضوع القصيدة الفصيحة: بداية القصيدة الفصيحة وخصوصا قصيدة النثر أحدثت مشكلة أو ارتباكا كبيرا. فالجميع تربى على أشعار نزار قباني ومحمود درويش والماغوط ولهذا جاءت قصيدة النثر وهي تتحدث عن شجر الزيزفون، والبرتقال، فجاءت قصيدة النثر العُمانية أيضا لتتأثر وتتحدث عن ذاك الريف الساحر الخرافي الذي لم تعرفه إلا في مسلسلات الكرتون. بينما أهملت مفرداتنا الحقيقية من مثل «القيض» «الصحراء”، ولهذا تحديدا أنا اعتبر أنّ سيف الرحبي تفرد بهذا من دون غيره من شعراء عُمان، لأنه وظّف الخصوصية العُمانية بفنية عالية لصالح نص لا يأسره المكان. النص قوي منطلق وعالمي ولكن بخصوصية كونية. «الصحراء، القيض، المغايبة، السحر، الفرصاد”، ولهذا فهو أسطر المكان كما هو حال الجبل الأخضر . وفي اللحظة التي نشعر أن المفردة أصيلة في شعر سيف الرحبي، نشعر بأن هنالك شعراء يتعمدون حشو النص بمفردات مقحمة.
وتجد عائشة السيفي أنّ «الخصوصية» التي نحن في صدد الحديث عنها الآن مختلف عليها أصلا. على سبيل المثال عندما يقول محمود درويش «لا شيء يوجعني في سريري سوى الكون”، أنا متأكدة أن هذا الشعور ينتاب أي واحد منا في لحظة ما. تفاصيل درويش تشبه تفاصيلنا. التفاصيل الصغيرة التي ينطلق منها الشعر هي التي تجمعنا. بينما فكرة القضايا الكبرى لم تعد مطروحة. فالقضايا العربية الجماهيرية الكبرى ليست هي من تجمع الشعر. وليست الهتافات العربية القومية التي أخرجها الأب الشاعر ومن قبله جده من السودان إلى مصر إلى المغرب العربي إلى عُمان. ما يجمع شاعرا عمانيا بشاعر مغربي مثلا.. لم يعد أكثر من تفاصيل صغيرة.
وتعود فاطمة الشيدي مجددا لاختلافها مع جاسم الطارشي حول علاقة درويش بالمتلقي قائلة: قال درويش في مرحلة ما: «لو خيرتُ لحذفتُ من شعري كل ما سبق”، ولهذا يمكن أن أقول أيضا، وإجابة على سؤال: «لماذا انحسر دور الشعر”، أجيب على ذلك بقولي: لأن المتلقي العربي مُتلق سياسي، وأيضا وبين قوسين المتلقي العربي «جبان» يريد أن يكون الشاعر كل شيء، أن يكون شهيدا وخروفا يُذبح على مدارج حريته.
ويؤكد أحمد الفلاحي مضيفا: علينا ونحن نتحدث عن الشعر أن لا نُغيب القصيدة العمودية وهي القصيدة الطاغية والكبيرة. علينا أن لا نغيب شعراء من قبيل الشيخ أبو مسلم، وأن لا نغيب الشيخ عبدالله بن علي الخليلي، والشيخ هلال السيابي. ويحضرني شاعرنا الذي فاز مؤخرا بجائزة شاعر الرسول جمال الملا وهو لا يزال شابا صغيرا. عُمان ولادة والقصيدة بشكلها التقليدي تفرض نفسها بقوة، وتنتعش في نفوس شباب صغار على مقاعد الجامعة.
النقد ينتظر تشكل «الظواهر»
تتساءل هدى حمد: هل أنصف النقد والمراجعات الصحفية محليا وعربيا الشعر العُماني؟ فأجاب الفلاحي: النقد لا يزال في مراحله الأولى باستثناء أسماء قليلة. كلما كثر الانتاج كلما انتبه النقد له واعتنى به. تقول هدى حمد: ولكن هنالك الآن نتاج جيد من الشعر. رد الفلاحي: هنالك تحسن نعم. ولكن لا نزال بحاجة لزمن أطول. شاركتنا الشاعرة عائشة السيفي بقولها: لكي يضع النقد أقدامه على الأرض يتطلب الأمر جمهورا حاضرا. فالنقد لا تتشكل ملامحه إذا لم يكن هنالك جمهور يقرأ.
وتعلق فاطمة الشيدي: النقد حالة «ظواهرية». لا أذهب إلى النقد إلا بعد أن تتشكل لديّ ظاهرة. لدينا قراءات قوية وأصيلة في الشعر وليس لدينا قراءات قوية وأصيلة في السرد مثلا. قراءات الرواية عابرة في النص غالبا. الظاهرة تحتاج إلى مائة عام لكي يكتب عنها. أعني لا بد من تراكم وعي، تراكم خبرة، تراكم نصوص أيضا. لاستخرج صورة المرأة مثلا وصورة المجتمع في الشعر. النقد عليه أن يبقى بعيدا وأن ينظر من الخارج، وبعد أن تتحقق هذه المسافة ويتحقق تراكم الكم يستطيع أن يأتي النقد ليليق بالشعر.
تقول هدى حمد: بعيدا عن الظواهر التي تحتاج لمائة عام. لماذا لا تكون هنالك مراجعات نقدية مستمرة للأعمال التي تصدر هنا أو هناك، تنوه على الأقل إلى هذا العمل وتتبع ثيماته وأسلوب الشاعر؟
فتجيب فاطمة الشيدي: الديوان الأول يشكل عتبة أولى. بعد ثلاثة أو أربعة دواوين وبعد تجربة قوية يمكن أن يكتب شيء ما. هنالك أسماء تنشر ديوانا واحدا وتختفي. وتجد هدى حمد أنّ النقد لا ينبغي أن يُراهن على التراكم الكمي وحسب لكي يُفعل أدواته. هنالك من الشعراء من تركوا دواوين قليلة وربما ديوانا واحدا ولكنه ديوان مؤثر وحقيقي. وحول ذلك يقول جاسم الطارشي: حتى الناقد ليس ساحرا أو مشعوذا لكي يفك طلاسم. على الناقد أن يحصل على الاشارات المتعلقة بتجربة الشعراء ليتمكن من تفكيكها والكتابة عنها. ويؤكد طالب المعمري: أنّ الشعر العُماني لا يجد التفاتة كافية من القراءات والمتابعات إلا من رحم ربي من بعض الأصدقاء الذين يحتفون بأصدقائهم المقربين. فتجيب فاطمة الشيدي: لا يمكن أن نعقد مقارنة بين ما يطبع مثلا في مصر أو لبنان وبين ما يُطبع في عُمان. ويقول الفلاحي: شاعر من مثل أبو مسلم البهلاني، لو نسأل عنه في الوطن العربي، نجد أن لا أحد يعرف عنه شيئا لأنه عاش في عُمان، ولو عاش في دمشق أو بيروت لكان شاعرا معروفا. وتعقب هدى حمد: أنت تتكلم الآن عن المركزية وعن الهامش. ويجد جاسم الطارشي أنّ هذا الكلام يزيد المشكلة تعقيدا وهو يختلف مع ما ذهب إليه الفلاحي قائلا: «هنالك تلق للشعر العُماني في الخارج. هنالك متابعة. الشعر حالة انسانية ومخترق للحدود».
وتجد هدى حمد العلاقة بالكتابة أثناء الكتابة تختلف كثيرا عن العلاقة مع الكتابة ما أن تتحول إلى اصدار أي «سلعة»، وتسأل: كيف ينظر الشاعر للتسويق؟ فيقول أحمد الفلاحي: الكتاب الذي يصدر في عُمان من يقرأ عنه؟ العمانيون وحسب، ولكن عندما يصدر في بيروت، فإن شريحة القراء تزيد أولا وثانيا والأهم يحظى بالتوزيع الجيد عبر المشاركة في معارض الكتاب.
تعود هدى حمد مجددا للمركزية قائلة: الناقد العربي يغازل كاتبا خليجيا لكي يتمكن من النشر في صحف ومجلات خليجية، ويحصل أن يكتب ما لا يمت للنقد بصلة. ويدافع الفلاحي عن فكرية الهامش والمركزية قائلا: لم تعد كما كانت عليه في السابق. هنالك تحولات. ويرى طالب المعمري أنّ التسويق أمر مهم وكتاب الغرب حتى الكبار منهم يستخدمون هذا الأسلوب. ولكن في الوطن العربي لا تزال «الشللية» تُسيطر على الوضع. ويؤكد الفلاحي على أنّ الشعر العُماني في ماضيه وفي حاضره لا يقل شأنا عن الشعر العربي. وفيه القوي والبسيط. كما هو حال الشعر العربي. وتقول هدى حمد: نحن هنا لسنا بصدد تقييم الشعر العُماني الآن، ولكننا نقول أنّه لا يصل للآخر ربما بالطريقة المثلى.
لا نملكُ إعلاما
«لا نملكُ إعلاما» هذا ما صرّح به أحمد الفلاحي وتابع قائلا: وهذا الكلام ليس بجديد. إعلامنا لا يعكس حياتنا منذ أكثر من عشرين سنة . أتذكر أننا ذات مرّة كنا في ولاية هيماء في زيارة خاصة مجموعة من الاصدقاء واستضافنا الوالي. وكنا في الاستراحة، فاذا بقناة دبي تبث حلقة عن حصن جبرين، ورغم أن الداعي كان ينتظرنا للجلوس إلى مائدة الغداء، إلا أننا جلسنا لنكمل متابعة ذلك الفيلم الوثائقي الذي لم نستطع تركه. دهشنا وأُخذنا تماما. المذيع الذي يتحدث عن تفاصيل التفاصيل بعمق شديد وتصوير مبهر. وعندما عدتُ اتصلتُ بالوزير السابق وقلتُ له أرجو أن تطلب من قناة دبي هذه الحلقة الخاصة عن حصن جبرين. وأضاف: نحن نعرف قناة عُمان من لبس المصر والدشداشة وليس من شيء آخر. بينما أعلام عُمان وشعراؤها المُهمون جدا، من مثل الستالي والنبهاني وغيرهم لا نعرف عنهم شيئا.
وأضاف الفلاحي: جاء في بداية السبعينات مدرس مصري مهتم بالشعر اسمه علي عبدالخالق، وكان يدرس في سمائل ونتيجة احتكاكه بالشعراء السمائليين، اشتغل على رسالة الماجستير عن الشعر العُماني، صدر لاحقا في كتاب عن دار المعارف في القاهرة . بينما خصص دراسته في الدكتوراة كلها عن تجربة الستالي، الذي عاش في القرن الخامس الهجري، أي قبل ألف سنة. وهو شاعر قوي جدا، قوي البنية الشعرية، قوي اللغة، قوي الصورة والوصف، وهذا يعد من اسهام عُمان في الشعر العربي عموما. لكن للأسف الشديد الإعلام المرئي والمسموع لم يُظهر بعد هذه الكنوز المُخبأة.
وتساءل طالب المعمري: عن حالة الالتباس التي يعيشها الشاعر العُماني، إن كانت تعود لالتباس الحالة المجتمعية ونظرته للشعر، أم ترجع لأنّ العُماني لا يزال مشتتا بين ماضيه وحاضره وأين يتموضع.
فيجيب الفلاحي قائلا: لا يزال الشعر العُماني يفرض قوته. هذا الشاب جمال الملا على سبيل المثال كان في منافسة مع ثمان مائة شاعر من كل الدول العربية هذا يعطي دلالة قوية، وهنالك العديد من المسابقات الأخرى التي يتميزون بها. وتذهب فاطمة الشيدي لتأكيد الاهتمام بالشعر العُماني قائلة: أنا كنتُ في وزارة التربية، عندما جاءنا باحثان هنديان يريدان أن يكتبا عن الشعر العُماني، لأن مشرفهم كان يعيش في عُمان فوجههم هذا التوجه. وقد قمنا بمساعدته فعلا. فيهز أحمد الفلاحي رأسه مضيفا: وهذا دليل على أنّ الوافد إلينا عندما يطلع على ما لدينا فهو يعجبُ به ويلتفت لأسلوب شعرائنا.
«يتموضع الشعر العُماني في قلوب الناس التي ستظل تحبه وتحافظ عليه» هكذا قال ابراهيم سعيد وأضاف: الستالي مات منذ ألف عام ولكن لا يزال حيا في قلوبنا. الشعر ليس له علاقة بالإعلام. حدث ذات مرة أن هوجمت لكوني شاعرا مغمورا. ما أقصده الرصيد الحقيقي للشاعر ليس له علاقة بالإعلام. واختلف مع أحمد الفلاحي: حول أنّ مكان الشاعر يحدد قيمتهم. هنالك شعراء لم يظهروا أبدا، فهل يُقلل هذا من شعريتهم. مع جيل أحمد شوقي ظهر العديد من الشعراء ولكن لم يعرفوا كما عرف شوقي.
هدى حمد: إذا أنت تقول أنّ البقاء ليس له علاقة بنجومية الإعلام، وأنّ الإعلام ساهم في ظهور من هم أقل جودة شعرية. فاطمة الشيدي: لا .. البقاء للشعر الأفضل والأجمل دائما.
ومن وجهة نظر عائشة السيفي، المسألة يُنظر لها بطريقة تكاملية. الشاعر ليس بحالة الشعر الذي يكتبه وإنما بحالة الحضور العامة. على سبيل المثال الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي . هنالك شعراء فلسطينيون أجمل منه بما في ذلك والده. بينما الناس تتحدث عن تميم. فاطمة الشيدي: ممكن أن نستخدم هنا كلمة الشاعر الظاهرة أو الشاعر الفقاعة أيضا. هدى حمد: هل يعني هذا أن هنالك أسماء في الشعر لم ينصفها التاريخ مثلا؟ ترد فاطمة الشيدي: لم ينصفها التاريخ كيف ؟ لنأخذ على سبيل المثال امرئ القيس ولنوازنه بالصعاليك من الشعراء مثلا الشنفرى وتأبط شرا وغيرهم. التاريخ أنصف الجميع ولكن إنصاف من نوع مختلف. الانصاف مختلف ومن جنس العمل. الشاعر الخباز الذي مات على الأرصفة.. هذا لم ينصفه التاريخ كما حدث مثلا مع الجواهري، ولكنه ظل شاعر الهامش. كلمة الانصاف من جنس العمل. إذا كنت تريد الانصاف والفرقعة الإعلامية كما هو حال تميم البرغوثي ستحصل عليه. ولكن مريد البرغوثي سيبقى يمثل القيمة الشعرية.
تعايش الأشكال:
وتساءل جاسم الطارشي: هل التعايش يعني الندية؟ هل القصيدة العمودية اليوم بنفس مستوى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر، وأعني من الناحية الفنية. التعايش يفترض نوع الندية بين الأشكال من وجهة نظري.
ويؤكد مجددا الفلاحي بأنّ القصيدة في عُمان لا تزال هي القصيدة العمودية. وقد تطور شكل الشعر العُماني بمقدار، ولكنه أيضا ليس كحال بيروت. قصيدة التفعيلية التي بدأت من عبدالله الطائي، وهذا لا يمنع أن أقول يوجد في عُمان شعراء كبار لقصيدة النثر من مثل سيف الرحبي وزاهر الغافري وغيرهم. ويتابع الفلاحي قائلا: من جهة التعايش بين الأشكال يوجد تعايش إلا مع البعض الذين يرفضون الآخر مطلقا.
وقالت هدى حمد: هنالك من يتهم القصيدة بشكلها الكلاسيكي بأنها غير مجددة. فأجاب الفلاحي: الأمر يحسم هكذا هنالك شاعر عنده موهبة وشاعر غير موهوب في أي شكل من الأشكال. وأردف قائلا: أنا لا اتفق مع هذا الطرح، فالقصيدة العمودية مجددة ومتجددة ولغتها بحسب قدرة الشاعر تستطيع أن تجلب في كل مرة صورة جديدة، بلغة متجاوزة جدا.
وقد لاحظت عائشة السيفي، وجود شباب صغار مغرمين بالشكل الكلاسيكي للقصيدة، من مثل حسام الشيخ ويوسف الكمالي وأحمد الفارسي. وقالت: «صحيح أنهم يكتبون القصيدة بالشكل الكلاسيكي كما يقال ولكن على مستوى الكتابة يتجاوزون الحداثة بكثير”.
وحول هذا تقول فاطمة الشيدي: هنالك اتجاهان، هنالك أشكال شعرية متوازية وموجودة على الساحة وهنالك أيضا بشر يكتبون الشعر. فيما يتعلق بالبشر فهنالك إلغاء وشللية، وهنالك صوت تقليدي يقول نحن لا نعترف بمن جاء بعدنا، وصوت جديد يقول نحن لا نعترف بمن كان قبلنا.
وأردفت قائلة: من خلال تحكيمي فترة طويلة في ملتقيات الشعر للنصوص . وجدتُ أنّ الأكثر شيوعا هو قصيدة التفعيلة. بينما الشعر العمودي ضعيف جدا ويتضاءل عاما بعد عام. قصيدة النثر في الغالب لا حضور لها ويرجع السبب إلى شروط المسابقة أولا (ولا أدري إن كانت قد دخلت الآن أو لا) ومن خلال تعاملي أيضا مع طلبة الجامعة والأكاديميين، أشعر أن قصيدة النثر لا يكتبها الشاعر منذ البداية .. لماذا؟ لأن الطالب يخرج من المدرسة التي تُصور قصيدة النثر على اعتبار أنها شر مبين وهزل وهلوسات مجنونة وشعراء الغفلة كما يقال. لذلك يذهب الطالب للنموذج المطروح، ألا وهو قصيدة التفعيلة أو قصيدة العمودي ومن ثم يذهب إلى الجامعة، فتتعمق لديه هذه المسألة أكثر فأكثر.
بالنسبة لي تعرفتُ على قصيدة التفعيلة وليس النثر في السنة الأخيرة لي بالجامعة. ندرس إلى أحمد شوقي وحسب ومن ثم يقولون لنا: وظهر لاحقا شعر التفعيلة على يد نازك الملائكة وبدر شاكر السياب.. طيب من هم هؤلاء .. فيقولون: ليس مهما أن تعرفوا. هنالك تربية باتجاه القصيدة العمودية ومن ثم قد يكتشف الشاعر قصيدة التفعيلة متأخرا.
وتتابع الشيدية قائلة: من ذهب لقصيدة النثر احتاج إلى وقت طويل لتجاوز الشكل الذي كان يكتب بواسطته، وللدخول في جوهرية الاشتغال. أنا حكّمت الشاعرة الشابة فتحية الصقري عندما كانت تكتب قصيدة التفعيلة . ولكن الآن تكتب قصيدة نثرية فارقة للغاية، وأنا ايضا احتجتُ لوقت طويل لكي اكتب قصيدة النثر.
وتسأل هدى حمد: ألا يبدو الأمر أشبه بالفن التشكيلي، بمعنى أنه ينبغي أن نعي جيدا الرسم الكلاسيكي والمقاسات الدقيقة لكي ننطلق إلى التجريد. فهنالك من يكتب قصيدة النثر بغرض استسهالي؟
وعاد الفلاحي ليختلف مع ما طرحته الشيدية قائلا: أنا رجل كلاسيكي ولا أتفق مع فاطمة. كل فئة مع بعضها صحيح. شعراء العمودي مع بعضهم. وشعراء التفعيلة مع بعضهم والنثر كذلك. ولكن يبقى أن أقول بأنّ الساحة تتسع للجميع.
قالت هدى حمد: التجربة الجيدة ستفرض حضورها وستبقى أيّا كان الشكل الذي تخرج به.
وتجد عائشة السيفي أنّ المسابقات الآن بدأت تصنع نوعا من القولبة، فقصائد التفعيلة تفوز وتكرس. هنالك شكل للقصيدة هو المطلوب والذي يتوافق مع ذوق لجان تحكيم الملتقيات والمنتديات والمهرجانات. ويستمر الفلاحي في تأكيد أنّ الذائقة الشعرية العربية والسليقة لا تزال تميل للقصيدة العمودية. ويمازحنا ابراهيم سعيد مشيرا إلى أن هذا الحوار يكشف حقا عن التعايش بين الأشكال.
الشعر بروحه لا بهيئته
يشير ابراهيم سعيد إلى قول صلاح بو سريف، فعندما نزل القرآن اتهم أنّه شعر. وعندما تذهب للقرآن لا تجد فيه تلك الشروط التي تجعله شعرا من شروط الشعر العمودي. فوصل صلاح بو سريف إلى نتيجة أن العرب كانت تعرف الشعر بروحه أكثر مما تعرفه بهيئته وشكله. وهنالك أدلة أقدم من ذلك. ابراهيم سعيد: الأنماط القديمة في كتابة الشعر لم تكن مُؤطرة في أشكال محددة، على اعتبار أنها الشعر ما عداها ليس كذلك،. الشعر موجود لدى أمم كثيرة. ولدينا ما تبقى من آثار بابل وسومر والفراعنة والحضارات القديمة التي كتبت الشعر. وأنا لا أحب أن أصطف لصالح مدرسة من مدارس الشعر ولكن أقول شعراء النثر كانوا يقفون إلى جوار روح الشعر ويحاولون القبض على جوهره. وأقول على كُتاب القصيدة العمودية أن يخففوا من قلقهم قليلا. فلن يلغي أي شكل شكلا آخر.. لا داعي للتوتر.
ويؤكد طاهر العميري الانقطاع الذي حصل بين القصيدة الشعبية الحديثة والتقليدية هنالك انقطاع بينها وبين القصيدة التقليدية، وقال: هنالك أيضا عدم تقبل في البدايات بين الشعر الشعبي التقليدي والشعبي والحديث بل واستخفاف أيضا، يُطلق أحيانا عبارات استهزائية مثل «بعر الماشية». بعد فترة بدأ يحدث نوع من التقبل خميس المويتي مثلا، كان لا يتقبل قصيدة التفعيلة والآن أصبح يسمعها ويتقبلها. على الجانب الآخر هنالك من يُقلل أيضا من شأن القصيدة التقليدية ويقول أنها طراز قديم، ولكنهم الآن رجعوا يحفظون شعر الميدان ويستمعون إليه بل ويوظفونه في قصائدهم الحديثة. كانت هنالك قطيعة، الشاعر الشعبي مسعود الحمداني في مقاله الأسبوعي يشنُ هجوما قويا ضد القصيدة الكلاسيكية الشعبية وكان هنالك ما يشبه العداء وكل واحد منهم لا يعترف بالثاني. ولكن المسألة خفتت إلى حد ما الآن.
وتوكد عائشة السيفي على وجود التعايش بين الأشكال الشعرية في عُمان مقارنة بالحروب والإقصاء في بلدان أخرى.
فيعود الفلاحي ليقول: العمودي والتفعيلة والنثر أشكال موجودة وكما ذكرت سابقا قصيدة النثر هي للنخبة وحسب. المتلقي ليس في عُمان وحسب وإنما في الوطن العربي يريد أن يسمع الإيقاع.
ويجد طالب المعمري أنّ الدراسات الأكاديمية ضرورية لدرس الذائقة، ولتكريس النظرة الجمالية تجاه الشعر. هنالك اقصاء في مهرجانات الشعر السابقة. أتذكر كان هنالك شخص ينبغي أن يفوز، فارتأت لجنة التحكيم أن تتحايل على الأمر، انتصارا للشكل وليس لقوة القصيدة. ينبغي الانفتاح على الأشكال وأن تعطى الخيارات كاملة.
وتعلق فاطمة الشيدي: أنا والدكتورة جوخة الحارثي وبعض الأكاديميين نراجع الخطة منذ فترة. لا يزال هنالك من ينتصر للشعر القديم، وتاريخ الأدب النقدي التنظيري، وهنالك نسبة مجحفة سردا ونثرا تؤثر القديم على الحديث. المسألة ينبغي أن تبدأ من قناة ذاتية. أما الحالة الرسمية الاكاديمية فطرحها قليل جدا ونادر مهما حاولنا. نحن مجتمعات تركن وتطمئن للقديم وهذه حالة عربية. ويؤكد جاسم الطارشي على فكرة الشيدية: أنا من الناس الذين عانوا كثيرا ، أربع سنوات درستُ في جامعة السلطان قابوس. ولم أعرف ولم أدرس إلا الشعر القديم. فاطمة الشيدي: لا بد أن ندرس القديم لكي نتأسس. ولكن أتفق معك ينبغي أن يدخل الحديث بنسبة معقولة.
ويقول طالب المعمري: قصيدة النثر جاءت عن طريق شعراء كانوا في الخارج. وكانت هنالك فجوة بين العمودي وقصيدة النثر. ثم جاء مجموعة من الشباب لتجْسير الفجوة عبر قصيدة التفعيلة التي أخذت حيزا كبيرا في الشعر العُماني. فاطمة الشيدي : وهذا لا ينفي وجود نسبة جيدة من الأكاديميين في الاتجاه الحديث من مثل د.أحمد يوسف. د. محمد زروق. د.سعيد علوش.
لم يُسجل فضاع منّا
ويعود بنا ابراهيم سعيد مجددا إلى الشعر الشعبي قائلا: أتذكر حمد الخروصي الذي قدّم لنا شعر راشد الحبسي، على اعتبار أنّه أقدم شاعر شعبي . فيداخله أحمد الفلاحي قائلا: ليس لديه سوى أربع أو خمس قصائد. إنّها لا تمثل الشيء الكثير. ويختلف معه ابراهيم سعيد قائلا: لديه شعر يرجع الى عهد اليعاربة. ( أثناء بحثي عن أقدم شاعر عُماني عامي دوِّنت أشعاره بخلاف الشاعر المعروف قطن بن قطن، صادف أن قرأت ديوان الشاعر راشد بن خميس الحبسي.. شعر الحبسي العامّي هو أقدم ما وصلنا من الشعر العامّي العُماني، كما كتب حمد الخروصي). ويجد الفلاحي أنّ الشعر الشعبي العُماني شعر قوي. والتقليد في عُمان أن الشعر الشعبي لا يكتب ولا يحتفى به في دواوين مكتوبة، ولهذا ضاع الكثير منه. ويعلق طاهر العميري: إلى الآن لدينا مشكلة في الكيفية التي يُكتب بها الشعر الشعبي. أعني رسم الكلمات «الإملاء». وتجد فاطمة الشيدي أنّ الشعر الشعبي غير ملتزم بقواعد النحو والصرف كالفصيح. بينما يقول الفلاحي: ولكنه شعر ملتزم بالوزن. فيما يقول ابراهيم سعيد: هنالك قواعد للشعر الشعبي وإن لم تكتب.
أحمد الفلاحي: المشكلة الحقيقية أن الشعبي كما قلنا لم يسجل ولذا ضاع منا.
وتتساءل فاطمة الشيدي: في بداية السبعينيات ظهر التسجيل الصوتي. فلماذا لم يسجل؟
وقال الفلاحي: بدأنا نكتب «ديوان المطوع» في سنة 68 وكنا في السعودية. هذا أول ديوان شعبي يكتب في نهاية الستينات. التقيت بحفيد المطوع كان يحكي الحفيد من الشيوخ ويسرد بعض القصائد. فقلتُ له: لماذا لا يُكتب هذا الكلام فقال: أنا أريد لو كان هنالك من يساعدني. وكان عندي شقة صغيرة، فجلسنا وكتبنا وفي ذلك الوقت كان المسجل متوفر، ولكن لم يكن لدينا القدرة على شرائه. كان يتكلم وأنا أسجل. فوجدتُ الكثير من الأخطاء، يكاد يكون في كل بيت خطأ. لأن الحفيد كان يحفظه من الآخرين ولم يلتق بجده. ورواية عن رواية تنتج العديد من الأخطاء. ويعلق العميري: هنالك من يعيد كتابة بعض الأبيات المكسورة للأسف مرات ومرات.
آباء الشعر العُماني
يجد أحمد الفلاحي أنّ الشعر الفصيح القديم كان لا يلتفت للتفاصيل الصغيرة. يتكلم عن الحروب والأحداث الكبرى ومدح السلاطين أو الاشارة للقبائل. بينما الشعر العامّي القديم في عُمان يلتفت للتفاصيل والأحداث اليومية من مثل السوق والمناداة. مثلا هنالك عادة عُمانية مهمة وعريقة وهي «التبسيل» ولم يشر إليها الشعر الفصيح. وتسأله عائشة السيفي: هل يطلب من الشعر أن يوثق الأحداث؟ ومجددا يختلف ابراهيم سعيد مع الفلاحي قائلا: أنا اختلف معك. هنالك قصائد في الفصيح اعتنت بالتفاصيل الصغيرة. فيرد الفلاحي قائلا: ولكن يبقى شعرا قليلا جدا. هنالك باحث تونسي لديه أربعة أو خمسة مجلدات، توصل لهذا الاستنتاج نتيجة تتبعه ودراسته للشعر العربي.
اندفع جاسم الطارشي بالسؤال: هل للشعر العُماني آباء مؤسسون؟ فقالت هدى حمد: هذا السؤال أخذ نصف الندوة السابقة في الرواية، ولذلك استبعدنا هذا السؤال من ندوة الشعر. في الرواية وصلنا إلى أنّه ليس لدينا آباء في الرواية. قد يكون بلزاك أو غيره. ولا أدري ماذا يقول الشعراء؟
فيقول الفلاحي: «هل غادر الشعراء من متردم”، بمعنى هل هنالك معنى لم يسبق إليه من جاء قبلك. في الصحراء الشاسعة يبحث الشاعر عن طريق يمشي فيه وحده فيجد كل الطرقات مطروقة من قبل. يقول زهير بن أبي سلمى: «ما أرانا نقول إلا مُعارا أو مُعاداً من قولنا مكرورا”، بالتالي الشعر العربي يأخذ من بعضه البعض. وفي الشعر العُماني لدينا كما قلنا من قبل الستالي والنبهاني ومن قبلهم في -تحفة الأعيان- يعتبرها البعض يتيمة الدهر بالنسبة للشعر العماني. هؤلاء هم آباء للشعر الحديث ولا يوجد شك في ذلك.
فاطمة الشيدي: الأبوية هنا تحتمل معنيين. الأبوية هنا بمعنى الأخذ والتعاطي،أو بمعنى الاعتراف التاريخي. فهل اعتبر أنا اليوم كشاعرة على علاقة ما بشعر الستالي مثلا أو الغِشري، هل هما منبعي. ما قبل شعراء السبيعينيات تواصلوا فعلا مع هؤلاء الآباء. تواصل كبير، ولكن شعراء الثمانينيات الذين ولدوا في الستينيات، لم تكن علاقتهم بهم بنفس القوة، ولذلك دخلت قصيدة النثر. ومن ثم عادت إلينا قصيدة التفعيلة. وبالتأكيد آباؤهم هم أدونيس والماغوط. ولذا أقول الأبوية كانت عربية. لقد كان لدينا في عُمان تداخل الأجيال. لا استطيع أن أقول بأن لدى عائشة السيفي آباء من شعراء عُمانيين مثلا. ربما يكون سيف الرحبي. الأبوية في عُمان إذا كانت بمعنى الأخذ والتماس المباشر مع التجربة. فهي قليلة جدا. وإذا كانت الأبوية بمعنى الاحتفاء والانتماء فهي متحققة ومتواجدة طبعا كامتداد تاريخي.
الفلاحي: شعراء الثمانينات قرأوا دواوين الستالي والنبهاني، ودعونا نركز على هاذين الشاعرين، لا يوجد بيت عُماني لا يوجد فيه نسخة من أشعارهما.
وتقول فاطمة الشيدي من خلال تجربتها: أنا لم أعرفهما إلا متأخرا. وكانت بعض الدواوين ممنوعة من مثل ديوان أبو مسلم. والدي كانت لديه مكتبة وكان فيها المتنبي ولم يكن لدينا ديوان أبو مسلم.
وينفي الفلاحي الأمر ويقول: لم يكن الديوان ممنوعا وكان يباع ومنتشر في الداخل وفي الساحل. بعيدا عن كل هذا.. تسأل الشيدية: هل يصلح الستالي ليكون أبا لنا. هل نحفظ قصائده؟ هل سيف الرحبي كان متأثرا به؟ وهذا طبعا لا يلغي الاحترام التاريخي.
ويفرق الطارشي بين التأثر والتناص قائلا: البعض يقرأ درويش فتجد صدى شعره في أشعارهم والصدى ليس في الثيمة وإنما في البنية الايقاعية. وتؤكد الشيدية ما ذهب إليه قائلة: كان لديّ مُشارك في مسابقة وكتب قصيدة لا نختلف على أنّها جميلة ولكني سجلت لها 22 تناصا مع قصائد محمود درويش بما في ذلك العنوان.
ويتابع الطارشي فكرته: المشكلة عندما يتم استعارة بنية النص، وليس الاكتفاء بالمفردات. قال الفلاحي: كان هنالك شاعر يكتب عن البرتقال والتفاح والزيتون. كان يقرأ درويش ويقرأ نزار قباني فانصبت في ذهنه هذه الصور. ولديّ مقابلة مع محمود درويش في مجلة الدوحة، يقول فيها بالحرف الواحد: « كلنا خرجنا من عباءة نزار قباني”. جيل الخمسينات والستينات. ثم شق كل منا طريقه الخاص. وتضيف الشيدية: وقال أيضا «احتجتُ وقتا طويلا لأخرج من هذه العباءة”. وعلّق المعمري قائلا: ولذلك ربما استفادت جماعة مجلة شعر من الظاهرة الصوتية والجمالية لشعر نزار قباني في عملية الترويج للظاهرة الشعرية الحديثة. فترد الشيدية: للأسف الصورة الجاهزة عن نزار قباني، بأنه شاعر المرأة والغزل وشاعر بسيط.
ويستعيد الفلاحي مقالا كتبه منذ زمن: لو مرّ إنسان في الطريق ووجد كلمات نزار بدون اسم، لتمكن من التعرف عليه. لأنّه يمتلك كيمياء لغة خاصة. أسس لغة خاصة. وتقول فاطمة الشيدي: لا ننكر لدى نزار قباني قصائد ساذجة وبسيطة ولكن هذا لم يكن ليؤثر على القصائد الجيدة. وبالفعل أي شاب صغير يكتب الآن، تكاد تلمح نزار قباني في أشعاره، ولذا فانا اعتبره رسول الشعر. وقال طاهر العميري: كما أنّ محمود درويش خلق له مقلدين، هنالك في الشعر الشعبي أيضا استنساخ وتكرار وتفصل القصيدة على ذوق لجنة التحكيم أحيانا. فالمسابقات الثقافية ساهمت في تكريس وتصدير ذوق يتشكل وفق النصوص التي تفوز.
وجد الفلاحي ذات مرّة قصيدة نزار قباني الدمشقية وهو صغير، وكانت منشورة في جريدة ويتذكر ذلك المقطع: «فرشتُ فوقَ ثراكِ الطاهـرِ الهدبـا، فيا دمشـقُ لماذا نبـدأ العتبـا؟ حبيبتي أنـتِ فاستلقي كأغنيـةٍ، على ذراعي، ولا تستوضحي السببا”. قال لنا الفلاحي: كنتُ انقلها لدفتري فاستوقفتني كلمة «كأغنية”، فقلتُ هذا خطأ مطبعي. لقد قصد أن يقول «كغانية”. فكيف تجلس الاغنية في فوق ذراعه. والمسألة ترجع بالتأكيد لثقافتي آنذاك ونوع الشعر الذي تعودتُ أن اقرأه. لاحقا هضمتُ الأمر وعرفت أنّ لنزار صور خاصة به. ويجد طالب المعمري أن بعض الصور استعارها نزار قباني من الشعراء الفرنسيين ومنهم رينيه شار وبول ايلوار. لكن الفلاحي ظل ينفي الأمر.
شيطان الكتابة والصنعة:
وحول سؤالنا عن موضوع الموهبة والصنعة قال ابراهيم سعيد: الشاعر العراقي بلند الحيدري قال بأنّ 70 % من الشعر يعتمد على الصنعة و 30% يعتمد على الموهبة، وذلك نقلا من شاعر انجليزي. ولكن من وجهة نظري أنّ تلك اللحظة وتلك الدفقة يتجلى فيها كل شيء ولا نعود قادرين على التمييز. ربما في البدايات يتمكن الشاعر من التفريق بين الدفقة الأولى والصنعة التي تليها، ولكن بتطور التجربة والدربة تلتحم هذه الأشياء ببعضها. لأن الشاعر هنا يبحث عن شيء آخر غير ارضاء المتلقين. يبحث عن المستحيل ولا يضع أمامه إلا الشعر كغاية.
وتساءلت هدى حمد، إن كان الوعي يضر القصيدة: عندما يتطور وعيك وأدواتك ووعيك بالنقد هل يضر الشعر؟
يجد ابراهيم سعيد أنّ القصيدة أنماط، والمتلقي أنماط . هنالك شاعر يحب أن تكون قصيدته ثقيلة وشاعر يحبها خفيفة. كما كان يحدث بين مناصري البحتري ومناصري أبي تمام. وأنا لا استطيع أن أعطي حكم قيمة على طريقة الاشتغال وإنما على الشعر نفسه.
وتتحدث عائشة السيفي عن تجربتها الشخصية فتقول: أنا لم أقرأ كثيرا عن شياطين الكتابة. ما أعرفه أنا هي اللحظة الشعرية وحسب. لحظة التمزق تلك والقلق، والمسارعة في التقاط الصور الفنية التي تهاجم الشاعر وتتداعى عليه. واذا لم يفعل فإنها تذهب. لأنها لحظة في غاية الأنانية حقا. أنا اتحدث أيضا من موقعي كوني أُم، والشعر يجعلني في مواقف حادة جدا. فقد تأتي اللحظة الشعرية وأنا محاطة بأطفالي، فأبحث عن أقرب ملاذ لألتقط فيه قطع «المونوبولي» المختلفة لأخرج بشيء من تلك العاصفة الذهنية المجنونة لتركيب نص خاص.
بعدها يتطلب منك الأمر الاختلاء بنصك لتقبض عليه. فتشعر أنك خرجت من ذاتك، لتبدأ لاحقا مهمة الكائن الواعي فيك. أنا حتى في اللحظات التي قبل النشر يمكن أن أغير وأبدل في قصائدي. أما أثناء اللحظة الشعرية فأنا استجيب لها وحسب. علينا أن ندرك أنّ النص الجيد لن يخرج عندما يذهب أحدنا إلى المقهى مثلا ويقول في نفسه الآن سأكتب نصا جيدا. الشعر يكتب في لحظة اللاوعي. لحظة الانهمار تلك.. انهمار السياقات اللغوية والصور الفنية.
هذا الكلام الذي قالته عائشة سمعه الفلاحي من الشاعر عبدالله الخليلي وهو شاعر كبير في عُمان. ولديه مُقابلة طويلة جدا معه، وموجودة في مكتبته، قال الفلاحي: كنتُ أسأله كيف يأتيك الشعر. فقال: احيانا أكون نائما قبيل الفجر وكأن حية او عقربا لدغتني فأقوم بسرعة. افتح النور وأبحث عن أي ورقة واكتب دفقتي الشعرية الأولى. مما يعني أنه لا يكتب برغبته هو ، وإنما متى يشاء الشعر أن يأتيه. ومن ثم يُعدل ويصلح فيه. ويتابع الفلاحي قائلا: الشيح هلال السيابي أيضا هو شاعر كبير في الشعر العمودي. لديه قصيدة مقصورة عمرها أربعون سنة. يقول لي الآن بدأ يُصلح فيها، وهي قصيدة طويلة جدا، وقد غير فيها الكثير الكثير.. وهذه هي الصناعة.
ويجد طاهر العميري أهمية أن لا نقلل من قيمة الاشتغال الذي يأتي بعد الدفقة الشعورية الأولى والدليل أن شكل القصيدة يختلف كثيرا عمّا كانت عليه في النسخة الأولى.
وتميل فاطمة الشيدي لهدم المفاهيم كما تقول: كلمة صنعة وصناعة تعني خلقا من شيء، والشعر مخلوق من اللاشيء. ولذا كلمة صناعة مرفوضة وبشكل نهائي. ولهذا كل شعراء الصنعة عبر التاريخ كانوا مرفوضين شعريا من أهل الإبداع ومن النقاد أيضا. حتى أبو تمام وشعراء المعلقات لا يقال يصنعون قصائدهم وإنما يُقال يراجعون قصائدهم. أو ينقحونها. وأبو هلال العسكري كتَبَ عن الصناعة، وكان في موقع الذم لها أيضا. والعقاد وهو أشهر صانع شعر مع احترامنا لنقده، لم يحظ شعره باهتمام كبير. الشعر ليس صنعة. الشعر ابداع . للأسف كلمة صنعة أصبحت ظاهرة موجودة «صف لكلمات ومعان معينة”، بينما الشاعر الجيد يُعرف. فيسألها جاسم الطارشي: وإذا قلنا الاشتغال الذي يأتي بعد الدفقة؟ أليست مهارة أيضا.
فتجيبه الشيدية: التغيير يأتي في الشكل وليس في جوهر العمل. الأمر أشبه بالحمل بالنسبة لي. ذلك الثقل الذي أشعر به. والاكتئاب وعدم الرغبة في التحدث إلى أحد ما، أو الرغبة في البكاء. وإذا حصل البكاء فمعنى ذلك أنه انتهى مشروع كتابة القصيدة. وكأن القصيدة تنهمر بوصفها حالة شعورية. مُتصاعدة جدا. التعديل ضروري أيضا. والسؤال هل تكرر الماغوط مثلا.. لم يحدث، لأنه ليس شاعر صنعة. الشعراء الذين شكلوا علامات فارقة، هم قلة وهو الذين كتبوا من الإلهام، وأرفض جملة وتفصيلا كلمة صنعة.
فيقول الفلاحي: لا يمكن لأحد مهما بلغت قوته وعظمته أن يكتب بيتين من الشعر إن لم يكن بداخله شاعر حقيقي.
ويفرق جاسم الطارشي بين القصيدة والشعر قائلا: كاتب القصيدة يسعى لاصطياد الشعر، بينما الشاعر يصطاد الشعر بشباك القصيدة. فهدف الشاعر كما قال ابراهيم سعيد أن يصل إلى الشعر. محمود درويش قال: » كُلَّما غابَ عنك الغيابْ تورَّطتَ في عُزْلَة الآلهةْ/ فكن ذاتَ موضوعك التائهةْ و موضوع ذاتكَ/ كُنْ حاضراً في الغيابْ يَجِدُ الوقتَ للسُخْرِيَةْ » فالتقاط هذه اللحظة الجوهرية تختلف من شاعر إلى آخر. وتختلف من خبرة شاعر إلى آخر. محمود درويش لا يكتب إلا في النهار ولديه طقسه الخاص ، والقصيدة قد تأتي وقد لا تأتي، ولكنه يحاول أن يستدرجها إليه. وتؤكد فاطمة الشيدي: ولن تأتي .. لن تأتي. ويختلف الطارشي جذريا مع فاطمة الشيدي حول أنّ الشعر يخلق من اللاشيء قائلا: لا اعتقد بأن هنالك شيئا يمكن أن يخلق من اللاشيء. فتجيبه الشيدية: كلمة الإبداع تعني أن تأتي بشيء على غير مثال.
ويقول جاسم الطارشي: أحيانا الانجرار وراء هذه اللحظة وتقديسها أعني لحظة «اللاوعي» تُفلتُ القصيدة من يد الشاعر. وقد تؤدي إلى ظهور نص هُلامي وبدون بناء. نحن قد نختلف على المسمى.. لا بأس.. ولكن نؤكد على أهمية وحقيقة الاشتغال بعد كتابة العمل.
ويؤكد المعمري ما ذهب إليه الطارشي: هنالك صنعة صغيرة تُجَوّد النص. وهنالك صنعة كبيرة تُشَوِّه النص. أعني ألا نتفق مع أولئك الذين يُولٍّدون نصوصهم من دواوين وقواميس الآخرين ويكتبون على غرارها.
ما ينقص الشعر والشاعر:
وحول ما ينقصُ الشعر والشاعر العُماني قالت فاطمة الشيدي: ما ينقص الشاعر اليوم هو الحرية. الحرية كلمة قد تبدو هُلامية وقد تكون داخلية قبل أن تكون خارجية. الشاعر هو كما يقول نيكوس كازانتزاكيس: «لا أطمع في شيء.. لا أخاف من شيء.. أنا حر”. ما ينقص الشاعر أن يكون لا يريد من مؤسسة ولا من جريدة ولا من ناقد ولا من مجلة ولا من ظهور ولا من سلطة. كان سيوران ورامبو وغيرهم من الشعراء يهربون من الشهرة. يهربون إلى أماكن لا يُعرفون فيها، بينما لدينا يبحثون عن الشهرة بمرضية.
بينما يجد ابراهيم سعيد أنّه لا ينقص الشاعر شيء، كلماته وخياله يكفيه. لا ينقصه شيء ليتم قصيدته. وهو ليس محتاج إلى مؤسسات أو مشاركة في مهرجانات.. ربما السفر وحسب كتجربة تضيف له شيئا ما.
ويجد طالب المعمري أن الحرية تلعب دورا مهما في الكتابة فيقول: قلة الحرية تضْطر الكاتب لأن يلف ويدور، بل قد تؤدي للي عنق الشعر.
ويرد ابراهيم سعيد: على الشاعر أن يقول ما يشعر به في لحظته وأن لا يفكر بمسألة الحرية وعدمها.
فيقول طالب المعمري: هنالك قصائد تمنع بسبب عنوان أو مقطع صغير أو تأويل في غير محله.
فيجيب ابراهيم سعيد: في اللحظة التي أراد الفرزدق أن يهجو الحجاج هجاه. وبقي غير قادر على الظهور لسنوات عديدة. فتعلق هدى حمد: إذن هنالك ضريبة دفعها الفرزدق، أعني حريته. هل يستطيع كل شاعر أن يؤدي هذه الضرائب؟ ويصر ابراهيم سعيد على رأيه قائلا: في اللحظة المناسبة الشاعر يكون حقيقيا ويفعلها. وتشير فاطمة الشيدي إلى أنّ الرقيب مُتعدد، ويصل حتى لوسائل التواصل الاجتماعي. بينما تقول عائشة السيفي: الشاعر يحتاج لأن يكون مُطمئنا. ويحصل أن يقتطع مقطعا من النص ويمرر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك للإمعان في إيذاء الشاعر أو الشاعرة. فيمر الشعر بين من له علاقة بالشعر ومن ليس له علاقة. وهذا يؤذي كثيرا الشاعر المرتبط بأسرته ومجتمعه. وتضرب فاطمة الشيدي مثالا قائلة: كما حدث في رواية الرولة والضجيج الكبير حولها، شعرتُ أني على موعد مع مأدبة حمراء، ومن ثم لم أجد أكثر من سطر واحد من أصل 150 صفحة. وتتابع عائشة السيفي: لذا يصل الكاتب لأن يُفكر هل يستحق هذا السطر أو ذلك المقطع كل هذا الضجيج. وهل التنازل عن نشره أصلا هو الخيار الأفضل ؟
ويجد طاهر العميري أنّ الشاعر الشعبي ينقصه الايمان بقصيدته. فالقصيدة الشعبية تحولت إلى مال وشهرة وهنالك نقص على مستوى النشر، لقد فقد الشاعر الرغبة بتوثيق أشعارهم. ليس لديهم قلق الاصدار. ربما يكون الشاعر حمود الحجري هو الشاعر الذي يحمل همّ التوثيق. ويجد جاسم الطارشي أنّ ما ينقص الشاعر هو أن يكون الشعر مشروع حياة. وترى هدى حمد أنّ الموضوع بالنسبة للمرأة موضوع معقد أكثر. فالمجتمع يتعامل مع الكتابة على أنّها ترف مقابل مسؤولياتها الأخرى مع العائلة والأولاد. وتؤكد عائشة السيفي على ذلك قائلة: الشاعرات وبعد فترة للأسف ينسحبن بسبب المسؤوليات الجديدة التي تنضاف لحياتهن.
ويؤكد الفلاحي على مبدأ الحرية مجددا ويذكر لنا قصة الشيخ عبدالله الخليلي الشاعر الأكبر. ففي سنة 81 ، كتب قصيدة عنوانها «الاستقالة» ، وقدمها في قاعة ممتلئة بالحضور. فاجأنا بالقصيدة حقا وكان موضوعها الاستقالة من الشعر. قرأ الخليلي النص ثم عاتبناه. فقال لنا هنالك بيتان لم أقرأهما. فطلبنا منه احضارهما ووعدناه بالنشر في مجلة الغدير آنذاك. وكتب كثيرون لمطالبته بعدم التخلي أو الاستقالة من الشعر. البيتان هما: «والدهر يطلبُ إما مادحا ملقا أو مطربا يتغنى بالهوى فوه. وما عدا ذين إما ذو حساسية أو ذو جفاء جفا مغناه أهلوه”.
أمّا قصة الاستقالة فترجع حادثة حدثت بعد طبعه ديوانه في القاهرة في السبعينيات. عندما وصل الديوان إلى عُمان، كان هنالك مجال في الديوان اسمه «القوميات”، فأمروا باقتطاع تلك الصفحات من كل النسخ التي يقدر عددها بألفي نسخة. فظهر الديوان مشوها. فتفاجأ الشيخ الخليلي وتساءل لماذا حدث ذلك لديوانه فقيل تلك القصائد فيها «حساسية”، وأصلا هو لا يعرف معنى كلمة «حساسية» بذلك المعنى المقصود. لذا فأنا أقول الحرية ضرورية ليتنفس الشعر والشعراء. ويؤكد طاهر العميري على أهمية أن يكون الشعر مشروع حياة. كما أكد جاسم الطارشي على أهمية أن يعتني الشاعر ببناء نصه. وذهب ابراهيم سعيد لأهمية التركيز على ماهية الشعر أكثر من أشكاله المختلفة. وتضيف فاطمة الشيدي: ينبغي للعالم كله أن يتجاوز الشعر إلى الشعرية التي تدخل في كل التفاصيل، في الفن وفي الحياة وفي البناء وفي اللبس. فالأجمل أن تتحقق شعرية العالم، لكي يصبح أكثر جمالا ونقاء. وتمنت عائشة السيفي أن ينجو الشعر من خطابات الكراهية والاصطفافات السياسية وأن يواصل سيره بسلاسة. ويجد الفلاحي شاعر عُمان يُشكل ظاهرة قوية ومعبرة عن انسان عمان. ونتفاءل بأجيال جديدة تشق الطريق.


أدارت الندوة وأعدتها للنشر: هدى حمد