أخبار عاجلة

الشيخ سعيد بن خلفان الخليلي رائد الشعر الصوفي في عمان

إن دراسة اللغة عند شاعر معين, تكشف للباحث حقيقة تعامل ذلك الشاعر مع القواعد اللغوية وكيفية الاستفادة منها. فإذا كان الشاعر متمكنا من الثروة اللغوية التي يمتلكها فلا غبار عليه في طرق التعامل معها: لأنه تعامل شخص لديه الخبرة اللغوية الكافية, فيوظف تلك الخبرة حسب رغبته وفي الحدود التي تفرضها الضرورة الشعرية, أما إذا كان الشاعر ممن لديه زعزعة في الثقة وتخوف من استخدام اللغة, فلابد حينها من الانتباه التام من قبل الباحث أوالناقد حين يدرس شعره من الناحية اللغوية والموسيقية لما للغة من تأثير قوي على الإيقاع الموسيقي، فإذا كانت اللغة سليمة صحيحة سليمة الايقاع . أما إذا كانت اللغة مما يعتريها الضعف فإن الإيقاع يشعرنا بالخلل الموسيقي وعدم الاتزان . وليس شرطا أن يكون استخدام الشاعر للغة على حسب قواعد اللغة والنحو والصرف مادام متمكنا من لغته, بل يفترض في الشاعر أن يثبت قدرته اللغوية في الخروج على تلك القواعد والإعراض عن المألوف في اللغة ليؤكد قدرته في استخدام اللغة للأغراض الشعرية المختلفة, فله أن يقدم ويؤخر، وأن يحذف, وأن يغاير في التراكيب اللغوية في الجملة, وأن يكرر، وذلك كله يقاس بمدى انفعاله وحدة مشاعره التي تعكس طبيعة تعامله مع اللغة. وبذلك تكتسب لغة الشاعر في قصيدته تميزا يبتعد بها عن المألوف في القواعد اللغوية ذلك أن "طبيعة الشعر تفهم من خلال تكونها من ألفاظ بنيت على نسق معين فاكتسبت بهذا التنظيم البنائي صفتها وحيويتها وشخصيتها حيث أن هذا التنظيم المعين للألفاظ أكسبها علاقات ودلالات جديدة "(1)

وبمقدار تعامل الشاعر مع اللغة يكون تميزه, وهذا التعامل يكشف عن امتلاك الشاعر لزمام اللغة وحصيلة الثروة اللغوية في معجمه الشعري. ويكشف عن انفعالاته المؤثرة في المتلقين عن طريق استخدامه للغة والألفاظ المعبرة ليجعلهم يعايشون تجربته وانفعالاته بالصورة الشعرية التي عبر فيها عن طريق اللغة, فاللغة وسيلة التصوير والتعبير لدى الشاعر "إن الصورة الشعرية قد تنقل الينا انفعال الشاعر (تجر بته الشعورية ) ولكنها كذلك قد تنقل الينا الفكرة التي انفعل بها الشاعر. وليست الصورة التي يكونها خيال الشاعر إلا وسيلة من وسائله في استخدام اللغة على نحو يضمن به انتقال مشاعره الينا على نحو مؤتر"(2) فاللغة بذلك هي أداة التعبير عن المشاعر والانفعالات, يلجأ اليها الشاعر والأديب بأسلوب فني يختلف عن استخدام الشخص العادي لها في التعبير عن مشاعره . فهي إذا مقياس التمايز والتفرد بينهما ويختلف استخدام اللغة بين الشعراء، ففي الوقت الذي نتفاعل مع قصيدة معينة وتأسرنا بألفاظها الرقيقة ولغتها العذبة, نجد أنفسنا ننفر من قصيدة أخرى لبرود ألفاظها ورتابة لغتها.

ودراسة اللغة في شعر الخليلي تتوزع الى دراسة لغة التصوف في شعره وأهم ما يميزها من ظواهر لغوية, ثم دراسة لغة الانفعال وأبرز الأساليب التي تكشف عن الانفعالات التي طفت على الخليلي فعبر عنها في شعره . وكذلك دراسة بناء الجمل أو الترا كيب اللغوية التي يعمد اليها الخليلي والتي تكشف عن خبرته اللغوية في بناء الجمل .

وأخيرا تعمد هذه الدراسة الى دراسة دلالة الألفاظ في النص على المعنى الشعري الذي يقصده الشاعر.

أولا: لغة التصوف:

إن الريادة التي شغلها الخليلي في شعر الزهد والتصوف في عصره, جعلت من شعره هذا معجما صوفيا اشتمل على العديد من الألفاظ والمصطلحات الصوفية التي يمكن أن تمثل معينا زاخرا لدراسة لغة التصوف عنده, كما اشتمل شعره على بعض الظواهر اللغوية الناتجة من عمق الاتصال بروافد الثقافة الصوفية واكسبته أحيانا لونا يميل الى التعقيد اللفظي وهي سمة ارتبطت بالشعر الصوفي, إضافة الى تأثره بأحد أبرز شعراء الصوفية وأعلاهها وهو "ابن الفارض " فكان لتأثره هذا أن اكسب شعره مسحة صوفية فارضية .

ومن الظواهر اللغوية التي تميز بها شعره الصوف ما يلي:

 ( أ ) مصطلحات الصوفية وألفاظهم .

 (ب ) الضمائر وحروف الجر.

 (ج ) النداء.

 ( د) أسماء الإشارة .

(أ) مصطلحاث الصوفية وألفاظهم:

زخر شعر الزهد والتصوف عند الخليلي بالعديد من ألفاظ الصوفية ومعانيهم, كألفاظ الحب الإلهي والشوق والسكر الروحي والكشف والظهور, والغيبة والحضور والفصل والوصل, وتحتوي تلك الألفاظ على الدلالات الرمزية التي انطوى عليها تكرار كل لفظ من تلك الألفاظ وما يخفيه الشاعر من معنى خفي يخالف المعنى الظاهر للفظ ؟ ذاك أن تكرار لفظة معينة وترددها في شعر شاعر معين, يجعل المتلقى يتساءل: عن سبب ذلك التكرار ماا لذي يهدف اليه الشاعر من خلاله ؟ ليدرك المتلقي بعد ذلك التساؤل حقيقة التكرار ويسعى الى كشف ما وراءه من معنى من خلال السياق الشعري الذي ورد فيه اللفظ, فلا يكتفي بسطحية اللفظ وانما يحاول أن يسبر الأغرار ويفجر ما اشتمل عليه اللفظ من مشاعر وانفعالات آثر الشاعر أن يغلفها بغلاف اللفظ المكرر.

ولكل تجربة شعرية ما يميزها عن غيرها من التجارب سواء من حيث انعكاس صدى التجربة في نفس الشاعر وبالتالي في نفس المتلقي، أو من حيث إن لها ألفاظا خاصة باعتبارها تجربة خاصة لا تلتقي مع التجارب الأخرى إلا في حدود معينة, "إذ أن كل تجربة صوفية هى تجربة خاصة وصاحبها هو نسيج وحده"(3).

 والتعبير عن التجربة الصوفية خاصة ملي ء بالألفاظ والرموز التي تطوى في داخلها مكامن انفعالات الصوف ومشاعره, فيسلك في لغته الشعرية طريقا يجعله يبتدع في توليد المعاني الداخلية لأن اللغة عملية إبداعية, فيمنحها إطارا رمزيا يغلف المعنى الذي يقصده بحيث توحي تلك الرموز الى ما تنطوي اليه تلميحا لا تصريحا، وهذا ما يكسب لغته تميزا وتفردا. فترد بذلك التجربة الشعرية على المتلقين, ليفهمها العارفون بحقيقة ورود تلك الألفاظ, ويأخذها على المعنى الظاهر أولئك الذين لا تطرأ على بالهم حقيقة التجربة الصوفية  الخاصة.

وبذلك تكون الرموز الصوفية للدخول الى التجربة الصوفية والكشف عما يقف وراء اللفظ من معان خفية, وحقائق صوفية بختة, أما المصطلجات الصوفية فهي ما اصطلح عليه الصوفيون وتعارفوا عليه فيما بينهم, إذ تحمل تلك المصطلحات معاني بختة شأنها شأن المصطلحات العلمية, وقد ظهرت معاجم صوفية وضعت خصيما لرصد المصطلحات المجردة التي يتداولها المتصوفة في كتاباتهم النثرية والشعرية, فأصبح ذلك المصطلح مفهوما ثابتا جامدا يتداولونه كقالب يصبونه في تجاربهم دون أن يستمد من تلك التجربة معنى جديدا يخالف مهناه الأصلي, ودون أن يختلف مفهومه من تجربة الى أخرى، فهو يدور في الإطار نفسه الذي وضع له . في حين أن الرمز يكتسب معنى جديدا من خلال تنقله من تجربة الى أخرى ويدل على دلالة معينة في تجربة ثم يأتي بدلالة أخرى في تجربة ثانية وهكذا، فتتبدى بذلك حقيقة الرمز الصوفي من خلال ما يكشفه اللفظ من دلالات نفسية تغاير الدلالات اللغوية التي وضع اللفظ ها. وتلك الدلالات النفسية هي ما تجيش به نفس الصوفي من معان يخشى التصريح بها، فيغلفها بغلاف المعنى اللغوي وهو بذلك الغلاف يكسبها قيمة أعلى لما تشتمل عليه من معان خارجية وداخلية تكشف عن قدرة الشاعر الصوف في توظيف الألفاظ لتؤدي دلالات رمزية, وبذلك يكون الفارق بين الرمزية الصوفية والمصطلح "يكون الأولى اسلوبا وطريقة في التعبير لها فنيتها وجما ليتها وديناميكيتها، في حين أن الاصطلاحات مشاعر وأحوال صوفية جامدة مضغوطة, أو لنقل حالة سكونية, لا تتفجر حيويتها ونشاطها الا من خلال الاسلوب الرمزي الصوفي"(4).

فالمصطلح هو العضو المبتور من النص والذي يمثل حالة جامدة من الانفعالات اكتسب تعريفا محددا، فإذا دخل في السياق الشعري اكتسب معنى الرمز وأصبح يتفاوت من تجربة الى أخرى ويكتسب في كل تجربة معنى خاصا يرمي اليه الصوف, فالألفاظ الصوفية تبدأ مصطلحات ثم تتحول الى رموز يفهم حقيقتها الصوفي الخبير بما يحلق وراء الرمز من معان خفية . فمثلا مصطلح السكر، الحب, الشوق والغيبة والكثير من هذه المصطلحات ته رفت عليها معاجم الصوفية وألفاظهم وتحدد مفهومها الثابت فيها، فإذا دخل في النص الشعري وتفاعل مع التجربة الصوفية فإنه يخرج من إطاره الثابت في المعجم ليحلق في آفاق التجربة الصوفية مكتسبا بذلك معنى خاصا بالشاعر بعيدا عن المعنى الذي وضع له في المعجم, معنى يكشف عن خبايا الشاعر والانفعالات التي منحها الشاعر الإطار الرمزي للتعبير عنها ويصبح اللفظ رمزا لشي ء يتوق الصوفي الى التصريح عنا، ولكنه يؤثر التلميح بالرهن وعدم الكشف عنه, لأسباب ترجع اليه والى بيئته التي عاش فيها، منها: التخوف من إلحاق الأذى والاضطهاد إذا تم التصريح بمعانيهم الصوفية مثلما حدث لغيرهم من الصوفية السابقين فيؤثرون حينها الإشارات والرموز التي تبعدهم عن الأذى، ويكون الرمز حينها ملاذا يلجأون اليه دون أن ينالهم مكروه فيعبرون بحرية كاملة في إطار ذلك الرمز.

وفي هذا الجانب, يبرز سؤال ملح: اذا كأن الحال كذلك عند الصوفيين الذين آثروا استخدام الرمز خوفا من واقعهم المرير الذي عاشوا فيه, فما الأسباب التي جعلت الخليلي يعمد إلى استخدام الرمز مع أنه شغل في عصره وظائف ريادية قد تعينه على التعبير عن معانيه الداخلية دون أن يناله الأذى ودون أن يتعرض للاضطهاد السياسي والاجتماعي فهو قاض وعلامة محقق ورجل سياسة واجتماع ؟

إن تلك المناصب القيادية في إمامة عزان بن قيس التي ارتقى اليها الخليلي تؤهله لأداء ما يريد قوله دون أن يتعرض لتهمة في الدين مثلما لحقت الصوفيين من قبله, ولكنه آثر استخدام الرمز مجاراة وتأثرا بالسابقين, وليبعد عن نفسه تهمة استغلاله للمناصب القيادية ليقول ما يريده ويتخفى وراءها، فكان الرمز خير معين له في تجربته الصوفية, وليس استخدامه للرمز تقليدا ومجاراة للصوفية الذين سبقوه, وانما لرغبته في إكساب معانيه الصوفية ومشاعره الوجدانية التي تغذي الجانب الروحي لديه سمة الرمزية, وليكون أكثر حرية في الأداء دون رقيب أو محاسب أو مسائل له عن معانيه الظاهرة فكان الرمز هو الملاذ الذي يبعده عن أعين الرقباء وألسنة الحاسدين الذين يتربصون به الدوائر ويتحينون الفرص للإيقاع به, وخاصة أنه شغل تلك المناصب في الدولة وفرص الاطاحة به واردة ويسهل الطعن فيها.

ولا يخفى علينا أن استخدامه للرمز كان رغبة في السير على نهج الأسبقين من الصوفية لا تقليدا أعمى وانما محاولة للوصول الى مراتبهم والترقي الى منازلهم وبيان قدرته الإبداعية في استخدامه للرمز مثلما استخدموه, فهي قدرة لا يتأتى اليها أحد إلا بعد ممارسة ومران وخبرة ودراية بجوانب الاستخدام الرمزي للمعني الصوفي الذي يقصده الشاعر، مع مراعاة أن الرمز عند الخليلي لم يكن كالرمز عند ابن الفارض فالفرق واضح إذ لم يتعمق الخليلي فيه تعمق الصوفية القداس والألفاظ الصوفية التي استمدت دلالات رمزية في شعر الخليلي كثيرة تخرج من معناها اللغوي الأصلي الى معنى نفسي يعبر عن دلالات نفسية وانفعالات وجدانية قوية, تقاس هذه الانفعالات بمقدار ورود اللفظ مكررا أو متواليا في النص الشعري، أو بقدرته على أدائه في السياق واتصاله بالتراكيب اللغوية فيه أداء صادرا عن أعمق أعماق الشاعر وانفعالاته المتدفقة التي تعكس حقيقة التجربة الصوفية من تلك الألفاظ:

ألفاط الخمر والسكر والكأس والشراب التي تعبر عن معنى  الإلهي:

وضعت هذه الألفاظ في أصلها اللغوي المتعارف عليه لأداء معنى الخمر التي تذهب بالعقل وتفقد المرء توازنه وشعوره, فلا يدرك ما يفعل, وتصل به حدا الى الهذيان وفقدان الوعي، وكما هو معروف فإن هذه الألفاظ قد شاعت في شعر الخمر والنسيب والغزل . واستمدها الصوفيون لتعبر عن شدة هيامهم وشوقهم الى نيل القرب من الله عز وجل, وهذا الشوق والهيام ناتج من عاطفة الحب الإلهي التي ميزت الصوفية وارتبطت بهم ارتباطا وثيقا، فعبروا عن هذه العاطفة بألفاظ ودلالات أخذت من الخمر والكأس والشراب والسكر رموزا واطارا خارجيا يحتوي على معان نفسية ودلالات انفعالية وجدانية عارفة تستولي على الصوفي وتستحوذ على مشاعره فتظهرها في إطار رمزي لا يكاد يدرك كنهه المرء أو المتلقي إلا بعد دراسة وتمحيص ومعرفة بحقيقة السكر الصوفي والهيام الروحي.

فحين يقول الخليلي مستمدا من معنى السكر والخمر والشراب والكأس رموزا صوفية تحمل في داخلها حقيقة التجربة التي عاشها بانفعالاته الروحية النابهة من أعماقه الممتلئة بحبه الإلهي وشوقه للقائه وتطلعا المستمر الى رضوانه ليصل الى قمة الانفعال ونشرته العارمة حين يصل الى غايته يظل في سكر حتى يفيق من نشرته, يقول:

فثابت عقلي منك لي أحسن العزا

                              وطائش عقلي عش بدهشة سكران

فالخليلي يعقد موازنة بين اتزان العقل وثبات الجوارح, وبين فقده له وطيش أعماله وتصرفاته, ورجوع الصوفي الى مرحلة الاتزان العقلي بعد نشرته الروحية التي تمت عن اتصاله الوثيق بالله عز وجل التي أكسبته دهشة وانبهارا (بدهشة سكران ) وهي الدهشة الناتجة من غليان القلب والحواس عند ذكر المحبوب, حيث يشتعل القلب لهفة وشوقا تفقده اتزانه العقلي فيتحرك يمينا وشمالا دون أن يستوعب أو يدرك ما يحدث له, فهو شأنه شأن من ملأ جوفه بالخمر ففاضت نشرته الى العقل وأفقدته توازنه, والسكر هنا ليس سكرا بالمفهوم المتعارف, وانما هو سكر روحي وجداني، وهذه الدهشة الروحية أذهبت عقله وجعلته طائشا.

ويقول:

وقد غض طرفا من حياء وهيبة

                        بدهشة قلب في تزلزل أركان

 تكامل منه ذله وانكساره

                  إمارة تعظيم لبرزة سلطان

 فأدمعه تجري بلوعة وجده

                     فيالك بحرا سال من حر نيران

 فيصمته حينا حياء وهيبة

                 وتنطقه أخرى ارتياحة نشوان

فالأبيات مليئة بمعاني الحب والشوق والهيام (حياء وهيبة, دهشة قلب, ذله وانكساره, فأدمعه تجري بلوعة وجده, فيصمته, حياء وهيبة, أرتياحة نشوان ) والمحك الأساسي في هذه الأبيات هي (ارتياحة نشوان ) والتي تتصل بمعنى الخمر والسكر لدرجة تصل الى النشوة القوية التي تولد في قلبه الأمان والارتياح وارتياحة النشوان تجعل من الصوفي أكثر قدرة على التعبير عن مشاعره وانفعالاته الروحية والافصاح المباشر عن نشرته بخلاف ما لو كان في مرحلة إدراك كلي إذ يتلبسه الخوف والحياء والهيبة عن النطق والافصاح, واقتران الراحة بالنشوة الروحية التي تفيض بها نفس الصوفي وقد امتلأت بحب آتو تجعله أكثر اطمئنانا لقربه القوي من خالقه فلا يتردد حينها عن التصريح بما ينتابا من شعور وعاطفة جياشة تملأ روحه نشوة وفرحة لذلك القرب .

ويقول كذلك:

إذا ماكشفت الستر عن  لبس لبسة

                             بنفس تصل أعلى مقام لأخوان

وتغنى عن الأكوان في كل حضرة

                          صحوت بها في كل غيبة سكران

 فقم في فناها بالعبادة فانيا

                              بمعنى به تبقى إذا غوض الفاني

حين يدخل الصوفي الحضرة الإلهية, ويكون توجهه مباشر لا لا يمنعه مانع ولا يخرجه عن حضرته حتى يتعمق في اتصاله بربه, فإن تلك الحضرة الإلهية تبعده عن ادراك واقعه, وما حوله فيفنى ويغيب من سكره حتى يصل الى مرحلة الصحو، وهي المرحلة الأخيرة من مقامات الوجد والتي تتدرج من الذهول ثم الحيرة ثم السكر، وهي مرحلة الغليان الوجداني، وأخيرا مرحلة الصحو أي العودة من جديد الى ترتيب الصوفي لأفعاله واتزان سلوكه . (غيبة سكران ) هي خيبة تتلبس الصوفي فتجعله لا يميز الأشياء التي حوله وان كان لا يغيب عن الأشياء ذاتها فهي بارزة أمامه لكنه لا يميزها لغلبة وجود الحق وهي غلبة تسقطه عن تمييز ما يؤلمه وما يلذه, فهو عاجز في هذه الغيبة الروحية الناتجة من السكر الصوفي بالذات الالهية عن التمييز والإدراك وغيبة السكران ليست غيبة طويلة وانما هي تشبه الغفلة أو الغفوة التي يعقبها صحو تبعده عن الفناء وتقربه من التمييز.

يقول أيضا:

سقاني بها الخمر صوفا رشا

                       سباني له ناظر أدعج

 فيالك من خمرة حللت

                  الى السكر إذ لم تكن تمزج

فقلبي من شربها طائش

               ولكن الى الشرب منه حرج

جلت لي في الكأس شمس الضحى

                      وستر الأجنة ستنسج

فالأبيات زاخرة بالألفاظ المعبرة عن درجة السكر الروحي، إذ في معناها اللغوي الأصلي تشير الى الخمرة والكأس التي تعارف عليها شعراء الخمر والنسيب (سقاني، الخمر، صرفا رشا، سباني، ناظر أدعج, خمرة حللت, فقلبي، شربها طائش, الشرب, الكأس, جلت لي, شمس الضحى) وهي كلها ألفاظ وضعت في أصلها لمعان بعيدة عن المعنى الصوفي, إذ يكفي للمرء أن يقرأ الأبيات السابقة ليقطع بالقول إنها قيلت في شعر الخمر دون أن يخطر بباله أنه شعر صوفي مليء بألفاظ السكر والخمرة والهيام الروحي التي تعبر عن عاطفة الحب الإلهي.

فالحمر والشراب في مفهوم الصوفية يخالف مع ما اعتاده المعنى اللغوي، فالخمرة ليست مما يدير الرأس ويثقل حواس الصوفي, ويفقده اتزانه ويذهب بعقله وبصير ته, وانما هي تنشيط للحواس وايقاظ للشعور والوجدان, وتفتح للقلب والعقل آفاقا رحبة للتأمل في الكون ومخلوقاته, وفهم حقائقه, وكشف أسراره, فهي ليست كالخمرة المسكرة للعقل والحواس, وانما هي خمرة (حللت الى السكر) ولفظ (الكأس ) يستخدمه الصوفي كرمز أو وسيلة يتم عن طريقها الوصول الى النشوة الروحية, فيتم إفراغ الخمرة الروحية من الكأس, فهو الجسر الذي يصل بين الصحو والغيبة وبين السكر والاتزان . وقد عبر الخليلي عن صفاء الخمرة في الكأس بأن جلت له (شمس الضحى) مع أن الوقت كان ظلاما وخيم السواد وقد نسج الليل خيوطه وفي وسط تلك العتمة بدت الخمرة, مشرقة بصفائها ورونقها الذي يسلب الأنظار والعقول والإتيان بلفظ الكأس لبيان حالة الوجد العارمة التي انتابت الصوفي بعد نشرته الروحية, فالخمرة والكأس لها التأثير القوي الغلاب على طباع النفوس فتنتزعهم من حالتهم لتخرجهم الى حالة الوجد والهذيان .

ألفاط اشوق والوجد والهوى:

تبرزالفاط الشوق والوجد والهوى في شعر الخليي بروزا يخالف ما وضعت له تلك الالفاظ من معان لغوية, فهي لا تعبر عن عاطفة الحب الانساني الذي يجمع بين شخصين يتوق كل منهما الى الآخر، والى تحقيق الاتصال في حياتهما فهو حب روحي يتوجه من أسفل الى أعلى، من طبيعة بشرية الى مرتبة الحب الإلهي.

يقول الخليلي:

بالذوق أهل الشوق تعرفه فذق

           واشرب والا فاسأل المتصوفة

فعبارة (أهل الشوق ) توحي بأن ذلك الشوق قد اختص أهل طائفة عرفت به, وهم المتصوفة, إذ جاء تصريح الشاعر لذلك (فاسأل المتصوفة /، والشوق هو شدة التلهف والوله الى القرب من المحبوب ونيل رضاه .

ويقول:

يشوقها من لاعج الشوق مزعج

               ويزعجها إبراق وجد وأشجان

يصف الخليلي في البيت حالة النفس التي آثرت العناء والتعب على الراحة والاستقرار في سبيل الوصول الى مقامات السالكين والتنقل بين تلك المقامات لتبلغ مقام الرضا، وتنال القرب لتشفي شوقها وتروي غليليها من الحب الإلهي الذي ملأ عليها حياتها، فسعت بإرادتها متحملة المشاق يقودها الشوق الذي يلهج في أحشائها ويجعلها, في قلق ووجد وأشجان حتى تبلغ مرادها، فلا راحة لها حتى تنال ما تسعي اليه ولا يشفى شوقها إلا الوصول الى غايتها من بلوغ أعلى مقام للسالكين العابدين .

فالنفس في حالة وجد، والوجد هو ما يهبه الله عز وجل لباطن المرء من حالة الحزن أو الفرح فتتلون بها نفسه, وينعكس على مظهره الخارجي فيبرز ذلك على سلوكه وانفعاله حتى تستقر نفسه وتهدأ،ولا يحدث ذلك الاستقرار الا بعد مجاهدة يتم بها بلوغ المراد.

ويقول في نفس المعنى:

وترتاح منك الروح للوصل واللقا

                     بقلب من الوجد المبرح ملآن

 فهام بحب محام في بحر ذكره

                  ولم يدو وجدان اصطبار وسلوان

 ويقول كذلك:

الشوق والتوق هما قائدي

                  وملبسي من حلل العفر

ويقول:

تجرد أخي عن حظوظ الهوى

                  عسى من حضيض الثري تعرج

وذق من شراب الهوى نغبة

من الحب من كأسه تملج

ففي الأبيات دعوة الى التجرد من الماديات, ومجاهدة النفس الى ترك الأهواء الدنيوية ليرتقي الى معارج السمو والرفعة, ويدعوه الى التذوق من شراب الهوى، والهوى هنا لا يعني ميل النفس الى الأهواء والملذات الدنيوية, وانما يعني الدخول في تجربة الحب الالهي والشرب من كأس المحبة التي تنعقد بين العبد وربه عن طريق مزاولة العبادات والدخول في الخلوات الصوفية, وهنا جعل الخليلي الهوى شرابا في كأس يتناوله الصوفي ويتجرع منه جرعات يتذوق من خلالها طعم الحب الإلهي ليسري ذلك الشراب في وجدانه, ويملج في شرايينه .

لفظ الفقر:

يتردد لفظ الفقر في شعر الخليلي مؤديا المعنى المغاير للمعني اللغوي الذي تعارف عليه الناس, فليس الفقر هو التجرد من الماديات الدنيوية التي يقابلها ألفني بالمال والجاه والسلطان وانما الفقر في مفهوم الصوفية "معناه الحاجة, والحاجة الى آتو على الحقيقة, بمعنى أن يشعر رغم ماله وجاهه بحاجته وبعجزه وفقره الى الله سبحانه وتعالى, فإذا احتاج الى غيره لم يعد فقيرا، فشرط الفقر هو حاجة العبد الى الله تعالى على الدوام لأنه ليس هناك غني إلا لله سبحانه وتعالى .(5)

فالنقر رمز الى حاجة العبد لخالقه وهي حاجة دائمة لا تنقطع ولا يمكن أن يشعر الصوفي بغناه عن خالقه واكتمال حاجته . والى ذلك يشير الخليلي:

لم أر إذ فكرت في أمري

                    قضية اعجب من فقري

تهت على دهري به فاستمع

                        عجائبا أبرزها شعري

مال دينار ولا درهم

                 ولي كنوزالدر والتبر

وليس لي بلغة يوم وكم

               قد أطعم الجائع من يسري

فالفقر عنده ليس فقرا ماديا، وانما فقر معنوي وهي الحاجة الى انه عز وجل, فهو بذلك رمز الى الحاجة الماسة الى القرب من ان والشعور بالأمان والطمأنينة .

ويقول كذلك:

ما المال ما الثروة ما تلكم الأ حجار من جزع ومن شذر

ما الملك ما السلطان ما تلكم السطوة عند النهي والامر.

فالخليلي هنا يسخر ممن يدعي الملك والمال والسلطة, ويقول بأنها لا تساوي شيئا مقارنة بالملك الإلهي فهو الفني وما سواه مهما اكتسى مظاهر الغنى والجاه والملك, فهذه كلها ماديات زائلة, وليس هناك ملك أو سلطان إلا من قامت له سلطنة الفقر والحاجة اليه و(سلطنة الفقر) رمز لحاجة البشرية الى الخالق عز وجل, وهو فقر يقوي من صلة العباد بخالقهم ومداومة طاعته وأداء الفرائض والقيام بالواجبات,وبهذه الأمور لا يتوصل الى الشعور بالغنى وانما يشعر بفقره يزداد كلما ازداد قربا واتصالا بخالقه فهو يطمع الى المزيد ويسعى الى نيل رضاه وتشتد حاجته اليه باستمرار.

ويكشف الصوفي عن حاجته الملحة الى خالقه ورغبته الدائمة في الاقتراب منه, ببروز بعض الظواهر الروحية والجسدية كالبكاء وطول السهر وتحمل المشاق ومجاهدة النفس بالبعد عن الأهواء والماديات, كل ذلك يكشف عن فقره وحاجته في تأكيد قربه واتصاله بربه . يقول الخليلي:

يا موقفا يدلك من موقف

                      لبست فيه حلل الفخر

لم أر فيه ملكا فير من

                       قامت له سلطتة الفقر

فالفقر في البيت يحمل معنى رمزيا لحاجة العبد الى خالقه حاجة دائبة تسبقها دلائل معنوية كالبكاء والافتقار الى كل ما يتطلع اليه, برغم ما حوله من مال وجاه وسلطان, فكل ذلك لا يفنيه عن حاجته الروحية الى خالقه, والفقر كذلك طريق الى القرب من الخالق ومقام من مقامات السالكين, فلكي ينال العبد مبتغاه وقربه فإن الفقر والافتقار والذل والخضوع للخالق سمة من سمات الصوفي العابد، يقول:

وحال ذلي بشعار البكا

                 يشهد لى بالفقر والضر

 وبذلك ينتقل الفقر من معناه اللغوي المتعلق بالماديات الى معنى رمزي يتصل بالحاجة الروحية والقرب الوجداني من الخالق والذي عن طريقه باعتباره مقاما من مقامات الصوفية يتم التوصل الى قمة التصوف ويسلك فيه الصوفي طريقه الذي طالما سعى اليه ويبلغ غايته .

ويقول كذلك في الفقر:

 فإن شئت وصلا فكن واقفا

                  على الباب فالباب لا يرتج

وقم بافتقار وذل وقل

              فقير على بابكم أعرج

فمهما أنعم الله على عبده من النعم والعطايا، فهولا يزال فقيرا الى رحمته, طالبا قربه يداوم على دعائه ليقضي حاجته ويشفي ظمأ نفسه الى الاتصال والتطلع اليه, والتأمل في عظمة الصنع التي وهبها في مخلوقاته .

أما المصطلحات الصوفية التي شاعت في شعر الخليلي مما تردد في كتابات الصوفيين, مثل الكشف والظهور، والحضور والغيبة, والفصل والوصل والاستتار والتجلي, فهي مما تعارف الصوفيون على معناها، ووردت في أشعارهم مؤدية معنى اصطلحوا عليه واتفقوا في أداء معناه,

فقير لما أسديت من كل نعمة

                شكور لما أوليت غير جحود

 دعاك ولا يرجو سواك لفقره

                  وأنت الذي تدعي لكل شديد

 (ب) الضمائر وحرف الحر:

تكثر هذه السمة في الشعر الصوفي الذي يأخذ الطابع الفلسفي، إذ يصبح فيه الشاعر كأنه فيلسوف يدور حول فكرة يريد التعبير عنها فتطو ألفاظه وأساليبه في التعبير مجاراة لبلوغ عقله الى مستوى لا يفهمه الإنسان العادي بعقله البسيط فتظهر نتيجة لذلك سمة التعقيد اللفظي التي يستدل من خلالها على هذا اللون من الشعر الصوفي "كثرة حروف الجر وكثرة الضمائر وهى كثرة لافتة للنظر الى ضرب من التعقيد اللفظي (6)

ولعل الغاية التي يسعى اليها الشاعر الصوفي من وراء استخدامه الضمائر وحروف الجر بكثرة لافتة, هي أن يبعد انتباه القاريء المتلقي عن المعنى الذي يقصد اليه ويلهيه بالالتفات الى ضرب من التعقيد اللفظي حتى لا يعني بالبحث عما وراء اللفظ من معنى صوفي لا يريد الشاعر الإفصاح عنه, فيعمد الى التعقيد بكثرة الضمائر والحروف وهو استخدام ينم عن خبرة لغوية واسعة, فحين يتطلب المعنى تعقيدا يلجأ الى التعقيد ويلجأ الى الافصاح والسهولة في الأداء حين يكون المعنى سهلا لا ينطوي على الرمز الصوفي أو المعنى الغامض .

وبذلك يكون هدفه من استخدام الضمائر وحروف الجر هو الايهام وأن يجعل القاريء تائها بين التعقيد اللفظي والمعنى الذي ينطوي عليه اللفظ المعقد، وهذه السمة نجدها في شعر الخليلي الذي يصعب في بعضه تحليل المعنى وايجاد المنفذ الذي يساعد القاريء على إهمال المعنى في القصيدة, وتتضح هذه السمة وضوحا يلفت النظر في أبياته التي يقول فيها داعيا الى إهمال شأن النفس وملذاتها لمن أراد أن يسلك طريق العابدين وتتوالى بعد ذلك الضمائر وحروف الجر، ويقول:

دع النفس لا تنظر اليها تلفتا

                    وكن خارجا عنها بنفرة شنآن

 وقم بهم عنها اليهم ولا تقم

                  اليهم بها تحظي لديهم بتكلان

 فمن بهم فيهم لهم قام موشكا

                        لهم جذبوه روم وصل وقربان

ويقول أيضا متبعا فيما يمكن أن يسمى أسلوب المناطقة أو أهل الفلسفة والمنطق, وهو أسلوب يعجز الدارس عن تحليله إلا لمن تعمق في التصوف وخبر طريقه وجالس أهله:

وخلفهم إياه منه كرامة

                  وأشهدهم إياه منه تكرما

وكان لهم عنه فكانوا له به

                وقام بهم عنهم اليهم مكلما

 فمد عرفوه لم يروموا تعرفا

                 الى غيره والغير ثم تعدما

ويقول كذلك في هذه الظاهرة اللغوية بأسلوب يجعل المتلقي لا يستسيغ المعنى لأنه لا يستطيع الوصول اليه بل أحيانا ينفره من مواصلة البحث عن المعنى، فيترك المعنى وينشغل بمحاولة إيجاد تفسير لتوالي الضمائر وحروف الجر كأن يقول:

أنى ترى فيمن يرى من لم يكن

                     عرش ولا فرش له مستنكفه

من كان في كل المكان وماله

                    أبدا مكان كان فيه مزلفه

 من لا يري أجفانه أيرى الذي

                 أدنى له من عينه إذ أزلفه

ويقول أيضا مبرزا قوة تمكنه من اللغة واستخدامها في المواضع المناسبة لها والتي لا يرغب أن يفصح عن المعنى الصوفي الذي يسعى الي التعبير عنه:

وأمري حميد باتباعي لأحمد

               فمن نوره علمي وحكمي وبرهاني

علي أسوة فيه وفيها نهايتي

             اليها بها عن غيرها هي تنهاني

وبذلك تكون هذه الظاهرة اللغوية من التعقيد اللفظي وسيلة تلهى المتلقي وتبعده عن محاولة الكشف عن المعاني الصوفية التي لا يرغب الشاعر أن يكشف النقاب عنها، فيلبسها ثوب الإكثار من الضمائر وحروف الجر ليشغل القاريء في محاولة إيجاد تفسير له واعادة الضمائر الى متعلقاتها وحروف الجر الى ما يتصل بها. وهذه في حد ذاتها براعة لغوية تضاف الى رصيد الخليلي اللغوي.

 (جـ) النداء:

إن حقيقة التجربة الصوفية هي أن يتوجه الصوفي بكل جوارحه توجها خالص النية الى ربه تعالى يناجيه في خلواته ويبتهل ويتضرع تضرعا مليئا بالخشية والذلة والانكسار يطلب مغفرته ويرجو ثوابه الجزيل .

والصوفي في موقفه بين يدي خالقه, يناديه بأسمائه الحسنى وبعبارات الجلالة والتعظيم والهيبة, ويكرر نداءه حتى يشعر بقربه ودنوه من الحضرة الإلهية, وهو في ندائه تفيض عيناه بالدمع ويعتلي ء قلبه خوفا وجزعا لعظمة الموقف وبعد أن يشعر بذلك الاقتراب وبأنه لم تعد هناك حواجز مادية أو معنوية تفصل بين العبد وخالقه, حينها يصف حالته ويطرح مسألته بين يدي مولاه ورازقه فهو الكاشف للضر والرافع للهم والكرب والمرض, وهو الذي يمد بالنصرة والفوز على الأعداء، فيكون بذلك أسلوب النداء ظاهرة لغوية تميز شعر التصوف والزهد، لاسيما إن الإكثار منه يشعر الصوفي والمتلقي بقربهما الشديد ومناجاتهما لخالقهما الذي لا يفصل بينه وبينهم حدود ولا حواجز.

وفي نداء الصوفي لخالقه فإنه بذلك يشكف عن حالته الروحية, ويبين حقيقة نفسه الداخلية, فلا يصطنع الموقف, بل يخاطب خالقه بروح صافية نقية لا يشربها نفاق أو كذب, وكأن الصوفي في موقفه هذا يشاهد ربه ويقترب أمامه فيزداد شوقه اليه ويزداد نداؤه .ابتهاله "فإن النداء يكثر في أساليب الكشف والمشاهدة وما يستلزمه ذلك الأسلوب من الخطاب وكأن الصوفي يشاهد الذات, . الإلهية امامه فيناديها نداء المواجهة ».(7)

يقول الخليلي مناديا ربه:

 رجوتك مولاي في خشيتي

                       فحقق رجائي بما يبهج

دعوتك دعوة مستصرخ

                      ونار الغضا في الحشا تلعج

لأمر عظيم أرجيك يا

                كريما الى بابه أدلج

فالنداء هنا يفيض لوعة وخشية لدرجة أن أداة النداء حذفت لرغبته في الا يشعر الصوفي بوجود حاجز مادي بين ندائه وبين خالقه, ويكون توجهه اليه مباشرا فيزيده ذلك طمأنينة وهدوءا في الانفعال (رجوتك مولاي) وموقف الصوفي في الأبيات موقف يحمل على الإشفاق والتفاعل معه, إذ أنه يتوجه الى ربه مستصرخا من شدة ما أصابه, فكأن النيران تقطع أحشاءه وتلهبه شوقا الى الله بأن يفرج كربته (دعوتك دعوة مستصرخ ).

وفي البيت الأخير تكرر النداء (أرجيك يا كريما) فقد استوعب حقيقة الموقف بعد أن طلب حاجته وكشف عن ضألته, فاستوجب أن يخاطب خالقه بأداة نداء (يا كريما) ليرجع بعدها الى موقفه العادي الذي كان فيه قبل أن يقترب اقترابا شديدا من الذات الإلهية .

ويقول في موقف آخر ملي ء بالتذلل والخشوع:

واذا عنيت بفاقة وخصاصة

                       عرج عل باب الكريم المفضل

مولاي إني قاصد لك وافد

                       لموارد من جودك المسترسل

 عاينت بحر الجود منك فجئت كي

                       أحظي بما أرضى به من منهل

أشهد تني فيض الندى ففرقت من

                       طامى الجدى في قعر بحر أسفل

فالنداء (مولاي إني قاصد لك وافد) جاء مشتملا على معنى يفيد الدوام والاستمرار في التوجه بالنداء إضافة الى العزيمة الصادقة والنية الخالصة في الدعاء عن طريق استخدامه اسم الفاعل (قاصد، وافد) فالصوفي هنا قد توجه بالنداء رغبة في نيل الرزق من الرازق الكريم .وكما أشر.ت فإن أداة النداء هنا حذفت لإحساس الصوفي بقربه الشديد من خالقه فلا داعي بأن يناديه بأداة نداء (يا مولاي) مع أنها تستخدم في نداء القريب والبعيد على السواء.

ويستمر في ندائه معددا أحواله وبيان توبته الخالصة لوجه آتو تعالى, طالبا استغاثته وتداركه باللطف وأن يمن عليه بواسع رحمته وغفرانه, يقول .

إلهي تداركني بلطف وأغنني

                      بواسع رزق من نداك عتيد

فمهما ترد شيئا يكن بمقال كن

                   فهلا بكن تقضي بأوسع جود

وفي الأخير يرجو من ربه أن يستجيب دعاءه الذي طالما ردده في خلواته وتوجه به اليه توجها صادقا لوجهه:

إلهي استجب دعوى اليك بعثتها

                           وقد طال ترجيعي بها ونشيدي

 عقود ثناء قد أجدت نظامها

                      وان كنت للأشعار غير مجيد

قصدت بها باب المليك ولم تزل

                           الى بابه الامال خبر وفود

جاء النداء (الهي استجب …)فيه رجاء لاستجابة دعواه التي اكثر من ترديدها في خلوته بينه وبين

نفسه,وفي رفع الصوت عاليا مبتهلا اليه طالبا اجابة دعوته فهي مازالت قاصدة وجهه تفد الى باب باستمرار .

والنداء في لغة التصوف ضرورة ملحة إذ انه أساس الخلوة والدعاء القائم بين الصوفي وخالقة,

فكيف له ان يناجيه ويبتهل اليه طالبا حاجته دون ان يعمد الي اسلوب النداء سواء بذكر الإدارة آو

بحذفها فليس ذلك مهما,وانما المهم طريقة التضرع وإبداء الخضوع والذلة في ندائه لخالقه ويغفر له سيئاته وذنوبه .

دــ اسم الاشارة:

لعل هذه الطاهرة اللغوية تشبه ما قصد اليه الخليلي في الاكثار من الضمائر وحروف الجر وما نتج عنها من التعقيد اللفظي فالشاعر اراد ان يوهم الملتقي ويبعده عن المعنى الصوفي الذي يقصده فعمد الى اسماء الاشارة لدرجة لافتة للنظر وجعل الملتقي منشغلا بها بعيدا عن البحث عما وراء ذلك من معنى صوفي.

وسعيد بن خلفان ـــ وهو الشاعر الصوفي ـــ لديه من المعاني الصوفية  الشيء الكثير مما لا يحب التصريح به والافصاح عنه في شعره,لذلك يعمد الى ما قد يشغل الملتقي ويبعد ذهنه عن المعنى الصوفي في مأمن من ان تطوله يد القاريء او الملتقي,فيسلم المعنى حينئذ ويصل الشاعر الى مراده.

وقد لا نجد لاسماء الاشارة في شعره تحليلا فنيا يعود الى متعلق يفسر وجوده ولكن الشاعر استخدمه لتأدية غرض داخلي في نفسه وهو اخفاء المعنى وراءه .

يقول:

ان قلت رؤيته مخالفة لذا

                      قم هات بالبرهان حتى نعرفه

او قلت قال الله هذا ناظر

                      شرفا وذاك وراء حجاب اوقفه

فأقول هذا القول فهمه امرؤ

                     من أهله قد ذاق منه قرقفه

فتوالي أسماء الإشارة (مخالفة لذا، هذا ناظر، ذاك وراء حجاب, هذا القول ) يقصد من وراثها معاني صوفية في ذهنه ويفهم القصد منها من تعمق في أذهان الصوفية وعرف حقيقة ما يقصد اليه حين يستخدم لفظا معينا. بعضها يفهم من سياق النص والآخر يعود الى معنى في ذهن الصوفي الشاعر.

ويقول أيضا:

وحل لهم رمزا وكنزا مكتما

                     من السر قد كان الرحيق المختما

 وقال له هذا المقام وهذه

                الخيام وذا باب المليك وذا الحمى

فمالي فيما بعد ذلك صعد

                ولا موعد من بعد ذلك ألزما

فالشاعر حين أشار الى أن الصوفية قد باعوا أنفسهم لخالقهم ووهبوا أرواحهم في سبيل الوصول الى رضا آتو تعالى عليهم, وتحملوا مشات المجاهدات ومقامات الصوفية, فإنه بذلك قد وضحت أمام أعينهم مسالك الطريق, فلا حاجة للإضافة فقد حلل لهم بذلك كنزا، كان مكتما ومليئا0بالأسرار التي لم يطلع عليها أحد من قبل فهي (الرحيق المحتم ) وبالرغم من ذلك التحليل والكشف إلا أن الخليلي لجأ الى اسم الإشارة فذكر في البيت أربعة أسماء للإشارة متتالية فكأنه بذلك قد أغلق على السر من جديد ولم يكشف لهم شيئا، وما ذلك إلا إلهاء لمتلقين من الاستمرار في البحث عن الأسرار التي وهبت للصوفية فكانت أسماء الإشارة هي المنفذ و المنقذ للشاعر بحيث تجعل المتلقين ينشغلون بها في حين يهرب الشاعر عن الإفصاح أكثر (هذا المقام, هذه الخيام, ذا باب المليك, ذا الحمى).

ويقول كذلك:

وقمت أصلي, للزكاة مؤديا

                وصمت ولي في الحج أشرف قربانا

بذلك في الإسلام قال نبينا

                 وما دون هذا غير شرك وكفران

 ولكن وراء هذا المقام ترافعا

                      وللإيمان والإحسان أيضا مقامان

فالأولى (بذلك ) تعود الى القيام بأركان الإسلام من صلاة وصوم وزكاة وحج وتوحيد. والثانية (ما دون هذا) أي أداء تلك الأركان, ثم (وراء هذا المقام ) محددة بإضافتها الى المقام (مقام الإسلام )، فهنا التحديد جاء واضحا إلا أن المأخذ هو توالي أسماء الإشارة لغاية في نفس الشاعر.

إذن, يحلو للمتصوفة من الشعراء خاصة استخدام التلميحات وأسماء الإشارة عن أن يفصحوا عن معانيهم الصوفية اذ يحبذون الإشارة ليتصرفوا في المعنى كما يحلو لهم ويؤدونه بالطريقة التي يرونها ملائمة للمعني، وفوق ذلك حتى يبعدوا المتلقين عن البحث, وبالتالي طرح المزيد من التساؤلات إذا ما أدوا المعنى بظاهر اللفظ وصرحوا به فإنهم لن يسلموا وبذلك فأتت الإشارة خير وسيلة لإخفاء المعنى شأنها شأن الضمائر وحروف الجر.

ثائيا: لغة الانفعال في شعر سعيد من خلفان .

إن الهدف الأسمى الذي يسعى اليه كل شاعر في قصيدته, هو أن ينقل الينا تجربته الفنية بأصدق وأبلغ تعبير في نفوس المتلقين ويجعلهم يعايشون هذه التجربة, وان اختلفت درجة انفعالهم بها عن درجة انفعاله, فالذي شهد التجربة وعاش دقائقها وتفاصيلها ورأى صداها في نفسه يختلف عمن سمع بها ولم يدرك حقيقة موقفه منها.

وتقاس شاعرية الشاعر في نقل تجربته بمقدار تمكنه من لغته الشعرية في التأثير على انفعالات ومشاعر المتلقين بحيث يشاركونه تلك التجربة فيشعرون بالسعادة الغامرة اذا كانت التجربة توحي بالفرح والسرور، وتنهمر دموعهم حزنا وأسفا إذا كان الموقف حزينا يبعث على تقليب الذكريات الحزينة في نفوس المتلقين . وكم من قصيدة شعرية رسخت في أذهان المتلقين فيهللون ويكبرون لمجرد سماعهم من خلال ترديدها على ألستنهم, وكم من قصيدة عفى عليها الزمن فلا تكاد تذكر، وهذا كله راجع الى اللغة الشعرية المعبرة عن انفعال الشاعر وقدرته على امتلاك زمام لغته في التعبير عن تجاربه ومواقفه المؤثرة والتي أسهمت في ميلاد القصيدة . . فاللغة "هي أداة الفن الشعري ووسيلة إبرازه, واللغة تمثل دورا رئيسيا في نقل التجربة الشعورية الإنسانية وتوصيلها، وبقار ما يكون الشاعر على مستوى إجادة اللغة والثروة اللغوية وبقار ما يملك من حاسة لغوية دقيقة تجعله يقف على الألفاظ الموحية الضرورية بل المناسبة لعمله الشعري، يكون بإمكانه خلق الجو الإيمائي، معبرا عن التجربة الشعورية, بلغة شعرية تجعل المتلقى يعيش المعادلة الشعرية نفسها التي كابدها الشاعر اثناء عملية الإبداع الفني" (8)

وحقيقة الشعر قبل كل شي ء هو تعبير انفعالي وجداني لموقف دهين كان له أقوى الأثر في نفس الشاعر والا لما دعاه الى ميلاد قصيدة تعبر عن مشاعره وتخاطب مشاعر المتلقين لتقيس درجة انفعالهم الظاهري مقارنة بانفعاله الداخلي والخارجي، لأن الشاعر ليس مطلوبا منه أن يتعمق في أغوار الآخرين ليعرف مشاعرهم ولكن يكتفي بردة الفعل الظاهر أمامه فقط وأدمن المقرر الثابت أن الشعر فن جميل ينشأ عن الناحية الوجدانية للنفس الانسانية, فيعبر بلغته الكلامية الموسيقية عن أنواع الانفعال والعواطف . والانفعال قوة وجدانية تسيطر على النفس وتصحبها تغيرات جثمانية ظاهرة وأخرى عقلية باطنة واضطرابات عصبية من الممكن أن يلحظها الانسان في نفسه وفي غيره, في أحوال الغضب والرضا والفرح والحزن, والتفاؤل والتشاؤم . والفزع والهدوء".(9)

وبذلك تكون اللغة هي الوسيلة التي يعتمدها الشاعر في التعبير الانفعالي وايصاله الى المتلقين: فهي الأداة التي يتحكم من خلالها في تحديد وقياس درجات الانفعال الوجداني مع العلم أن اللغة عاجزة عن التعبير الدقيق للانفعال وتحديده مثلما ينفعل به المرء وتظهر دلائله على وجهه وباقي أجزاء الجسم, إلا أن ذلك العجز في اللغة قد تفعليه وتستره مهارة الشاعر وقدرته على حسن اختياره للألفاظ من الثروة اللغوية التي تمثل معجمه اللغوي، ومن ثم توظيف هذه الألفاظ توظيفا يكسبها مرونة وقدرة على تصوير درجات الانفعال وبيان مقياسها .ومهارة الشاعر هذه تتأتى له من خلال إلمامه بقدرة كل لفظ من الألفاظ على الأداء اللغوي ومعرفته بالجوانب الدلالية للفظة قبل أن يوظفها لتلائم التركيب الدلالي في السياق, حتى يتم التوافق بين دلالة اللفظ من الناحية النحوية والمعجمية ومن ثم الدلالة السياقية .. والتركيب في النص الشعري ليصل من خلال ذلك كله الى بيان الحالة الشعورية والانفعالية التي ألمت به في تعبير فني أخاذ متفاعل معه نفوس المتلقين وينبغي الانغفل عن أن الصدق الفني في الأداء يسبق تلك المهارة اللغوية التي يتسلح بها الشاعر، فالتجربة الشعرية التي لامست شغاف قلوبهم ووجدت مكانها في نفوسهم تمت عن طريق الصدق في تصوير التجربة, وذلك الصدق الفني يعود الى نجاحات متعاقبة, فالعاطفة المصطنعة لا تجد في نفوس الآخرين قبولا ولا انفعالا بل يظهر نفورهم منها لمجرد سماعهم لأن الصدق لم يأخذ طريقه الى تلك التجربة . كما أن الصدق يقود الشاعر الى السمو بعواطفه ومشاعره فيتخذ من المواضيع الإنسانية الجادة موضوعا لأدائه الفني، وبذلك يكتب النجاح لتجاربه لأن تلك التجارب هي التي تجعله يسمو بانفعاله بتجاربه الى درجات الإشراق وقمة التوهج وعلى مدى ذلك الانفعال تكون قوة التعبير وجودته . (10)

وتتضح لغة الانفعال في الشعر من خلال الأساليب التي يستخدمها الشاعر لبيان انفعاله أو تأثره بموقف معين, كأن يتعجب من أمر لاسيما أن الاعجاب بالشيء أو التعجب منه أسبق انفعالا الى النفس فيستخدم المتعجب ألفاظا تبين درجة ذلك التعجب والانفعال . كذلك في أسلوب النداء فالشاعر حين يكون في درجة انفعال شديد كالغضب مثلا فإنه يستخدم صيغة معينة للنداء تختلف عن الانفعال العادي ويختلف نداؤه في الاستغاثة والندبة عنه في نداء الأسف والحسرة والندم . وكذلك الشأن في أسلوب الشرط فحين يشترط المرء في حالة الانفعال الشديد يتطلب الموقف حينها قوة وحسما في تركيب الأسلوب الشرطي، أما إذا كان الموقف هادئا مما لا يبعث على الانفعال سواء لدى الشاعر أو المتلقي فإن الشرط يرد حينها فاترا لا قيمة انفعالية يعبر عنها لأنه أساسا لم يقم على الانفعال .

وكلما كانت الأساليب المستخدمة في تحديد درجات الانفعال قوية رنانة تولد لدى المتلقي إحساسا قويا بالانفعال وتهزه من أعماقه, كلما كانت اللغة الشعرية قادرة على تصوير تلك الانفعالات والمشاعر الناتجة من تمكن الشاعر وعظمة استخدامه تلك الأساليب الانفعالية وتزداد عظمة استخدام هذه الأساليب الانفعالية بقدرة اللغة عل الاختزال, ومعنى الاختزال أن يغفل الشاعر أدوات التعجب والنداء وأدوات الشرط ليس إغفالا عن قصد وانما عن قوة الانفعال بحيث يجعله ينادي دون ادوات نداء، ويتعجب تعجبا سماعيا نابعا من عمق الانفعال الداخلي مما جعله يغفل استخدام أفعال التعجب التي ألفها المرء (في مقام التعجب . فأدى ذلك الاختزال في لغة الانفعال الى الخروج على المألوف, وهنا تبرز قدرة الشاعر الحقيقية في كسر حاجز الألفة والعادة التي سار عليها الجميع, فليس لأمثالهم قيمة شعرية تميزهم وتفردهم, ولكن الخروج على المألوف هو الذي يجعل من التجربة الشعرية مناط اهتمام النقاد واللغويين والباحثين في مجالات الأدب واللغة فيدرسون ذلك الخروج وجوانبه المتنوعة وتزداد بذلك أهمية تلك التجربة المتفردة, وبالتالي تزداد مكانة صاحبها ويعلو صيته .

والذي أقصد اليه هنا في الخروج على المألوف هو في نظام الجملة وتركيبها اللغوي لأداء الأسلوب المعين, فالشعراء يتفاوتون في أساليب تركيبهم للجملة الشعرية تفاوتا يكسب بعضهم تميزا وتفردا ويفقد بعضهم اهتماما بتجربتهم الشعرية, فيولي النقاد والباحثون عنها مدبرين لا يعيرونها اهتماما، ولا يقفون عندها لخلوها من التفرد ولأنها لم تأت بجديد لا من حيث التجربة ولا من حيث بناء الجمل في النص "إن بناء الجملة هو الذي يظهر عبقرية الشاعر، ويكشف تفرده وامتيازه . وكم من الكلمات المفردة تستخدم عند عدد من الشعر:ء ولكنها في بعض الشعر تكون متلألئة مشعة لأنها صادفت بناء دقيقا وموضعا سليما، وتكون هي نفسها في بعضه الآخر قاتمة منطفئة لأنها لم تصادف بناءها، ولا موقعها الملائم, فليست القيمة في المفردات من حيث هي، ولكنها في بناء الجملة ونظم التركيب ". (11)

وفي هذا الجانب من دراسة اللغة في شعر ا لخليلي, سأتناول بعض الأساليب التي كان للانفعال فيها تأثير ووقع على النفس, من خلال تحليل الموقف الشعري الذي دعا الى ذلك الأسلوب

الانفعال المعين فأكسب الموقف الأسلوب قيمة انفعالية تفرد بها.

 (أ) أسلوب التعجب:

إن قيمة أسلوب التعجب في لغة الخليلي الانفعالية قد اكتسبت مكانتها من خلال اختزاله لأساليب التعجب (ما أفعل – أفعل به ) إذ الملاحظ أن شعره خلا منها واكتفى بإيراد التعجب السماعي وهو أكثر قدرة في التعبير عن حدة الانفعال وقوته .

والخليلي يتعجب من كثرة مصائب الدهر ونوائبه, ويتعجب أسفا وحسرة, ويتعجب نداء واستغاثة ويتعجب فخرا وزهوا ويتعجب سخرية وتهكما.

فتراه يقول

الله أكبر يالشيخ زمخشر

ته بين أرباب العلى بالمعرفة

فلإنت بدر في سماء بلاغة

لا مطمع لمعارض أن يخسفه

يتعجب الخليلي من غزارة علم الشيخ الزمخشري لاسيما في "الكشاف " الذي فصل فيه القول بنفي رؤية الخالق كما وكيفا. ويتفاعل الخليلي مع الموقف مستخدما صيغة (الله أكبر) للتعجب النابع من انفعال داخلي قوي يشعر بالسعادة والغبطة لوجود عالم كالزمخشري تناول تلك القضية ورد عليها الرد القاطع وأكد ذلك الانفعال الإتيان بحرف النداء بعد صيغة التعجب (الله أكبر، يا لشيخ زمخشر) تشجيعا وافتخارا. إضافة الى الإتيان بصفة فعل أمر (ته ) أي دعوة الى الافتخار، وتفاخر بنفسك بين أهل المعارف والعلوم فأنت قد فقتهم علما ومعرفة فحق لك أن تفخر بنفسك, وليس ذلك غرورا وتعاليا وانما هو حق لك . فالانفعال الناتج من الشعور بالفرحة والانتصار على أصحاب الدعاوي الباطلة هو انفعال نابع من القلب المليء بحب العلم والمعرفة فطبيعي أن يفخر ويتعجب من عالم مثله ملك حب العلم وسخر حياته له ولخدمته . ويقول في مقام آخر:

وقد غض طرفا من حياء وهيبة

بدهشة قلب في تزلزل أركان

تكامل منه ذلك وانكساره

إمارة تعظيم لبرزة سلطان

فأدمعه تجري بلوعة وجده

فيالك بحرا سال من حر نيران

حين يصف الخليلي الصوفي الذي امتلأ قلبه شوقا الى لقاء الخالق تعالى, فهو دائم الشوق لا يشفي غليله منه كثرة الذكر والدعاء، هائم في حب من أحب, من سلب منه روحه وعقله وقلبه يتوق الى وصله, ففي كل وقت يذكره في يومه وفي صبحه وليله يتلون بكل صيغ التلوين وغايته الكبرى أن يعرج الى خالقه وحبيبه العلي القدير. وبدت العلامات الجسمية بعد أن أنهكته العلامات الروحية فأصبح دائم البكاء، كثير الحياء والهيبة كثير الذل والانكسار في وقوفه يناجي خالقه وكأنه يقف بين يدي حاكم في حضرته, كل ذلك قد ملأ الخليلي تعجبا وألما مما يعانيه ذلك الصوفي ولكن تلك المعاناة هي مما يحبذها لأنها الوسيلة الى بلوغ الغاية والوصول الى الحبيب, فيتعجب الخليلي من غزارة دموع الصوفي فكأنها البحر الذي تضطرب في أحشائه النيران فتتدفق أمواجه متتالية معبرة عن ذلك الاضطراب, وكأن دموعه بركان تفجر بالنيران المحرقة واستخدم الخليلي صيغة (فيالك بحرا سال من حر نيران ) للتعجب من غزارة الدموع وهو تعجب يوحي بالألم الداخلي الذي يفتت قلبه, ألما نابعا من قوة الشوق والحب والهيام, وهو بالإضافة الى التعجب يشمل كذلك نداء في صيغة تعجب ينادي البحر وهو الدمع الغزير المتدفق الذي سال من شدة نيران الشوق الملتهبة في الأحشاء.

ويستخدم الخليلي صيغة التعجب (فيالك ) في مقام الألم والحسرة التي تستولي عل قلبه وتملأه حزنا وشكوى، فنجده يتعجب من الدهر من كثرة نوائبه ومصائبه التي أشجت قلبه وقضت مضعجه فيناديه متعجبا منه بقوله:

فيالك دهرا قد شجتني خطوبة

به عصفت للجور نكباء زعزع

وبذلك تكون صيغة (فيالك ) التي يستخدمها الخليلي في التعجب موحية بالألم والحزن والحسرة, فهي تقال في مقام الشكوى والشعور بالألم .

وكذلك يستخدم الخليلي صيغة النداء التعجبي في مقام الأسف والحسرة الذي يوحي بالسخرية والتهكم عل الأعداء يقول:

من واجه القوم للقياهم

فقل له يا ضيعة العمر

ومن تولى عنهم مدبرا

                رد الى الموقف بالقسر

ومن تعاطى بهم فتكة

            لا يرم بالسهم ولا الفهر

فالأعداء الذين قدموا لقتال المسلمين لاسيما إذا كانوا من أنفسهم, فهم الفاقدون لأنفسهم لأنهم هم الذين قدموا للقتال وطلبوه, فأعمارهم مفقودة ضائعة, والخليلي متيقن من نتيجة الحرب لذلك استخدام أسلوب النداء التعجبي (فقل له يا ضيعة العمر) ساخرا منهم ومتهكما بفقدهم أرواحهم, ومهما حاولوا الفرار فإنهم سيردون الى الموقف وساحة الحرب بالقوة الى أن يتم القضاء عليهم وقتلهم بذلك يكونون قد فقدوا أعمارهم وأرواحهم .

ويفتخر الخليلي بنفسه متعجبا من فصاحة لسانه في قول الشعر الذي لا يفوقا فيه أحد ولا تفاخره الأوس والخز رج, فكل شعره يفوق شعرهم, ولا أحد من الشعراء يجاوبه في فصاحته وبلاغته, لأن مدحه وقوله الشعر ليس لأجل المال والجاه أو المطالب الدنيوية وانما هو مدح لأهل الحمد والثناء الى المولى القدير الذي لا يرجو منه مالا أو عطاء وانما يرجو المغفرة والفوز بنعيم الآخرة, فقد عرج بمدحه الى السماء يقول:

بمدحهم تهت فخرا علي

                 أناس لدى غيرهم لو هجوا

ترشح شعري بأنوارهم

                   حلي كمال به يبلج

فقمت أنادي لمن شأنه

                    لغيرهم الشعر يستنسج

أيا شاعر الدار ويك استمع

                  عجائب في مدحهم تنسج

لساني بأمداحهم طيب

                    ومدحك غيرهم يسمج

واني ضليع لدى بابهم

               وأنت الى غيرهم تعرج

فاستخدام صيغة (أيا شاعر الدار ويك استمع ) فيه دعوة الى الاستماع الى عجائب شعره التي نسجها في مدح أهل الثناء والحمد والدعوة الى التعجب من تلك العجائب التي ترشح بها شعره, فلسانه بمدحهم طيب وما سواه لا طعم فيه ولا ذوق فهو سمج, كما أنه ضليع قادر على الوقوف ببابه في حين أن غيره يعرج الى أبواب الملوك يستجدي العطايا والهبات فكأنه وقوف ذليل لا يملك عزة نفسه ولا يحافظ على ماء وجهه .

وبذلك تفاوت أسلوب التعجب في استخدام الصيغ الملائمة بحسب الموقف الانفعالي الذي يكون فيه مقام الشعر وبحسب طبيعة الشاعر الانفعالية .

 (ب) أسلوب النداء:

ويتنوع كذلك المقام الانفعالي في أسلوب النداء فأحيانا يأتي النداء مليئا بانفعال قوي متدفق في موقف الحرب, فيه يستنجد الخليل طالبا الاستغاثة من الله عز وجل أن يخلصه من هذه الحرب وأن يشن حربا على الأعداء ويمزق أسرارهم ويحطم قلاعهم وحصونهم, كذلك نجد الانفعال قويا في موقف يدافع فيه عن الدين الإسلامي فلا هوادة فيه ولا مهادنة بل لا بد من القطع في الأمر، فيكون النداء ناتجا عن انفعال في إلزام وأمر بالتنفيذ وغيره من المواقف الانفعالية التي تحدد صيغة النداء.

فيقول في الاستغاثة طالبا العون والامداد بالنصر من الله تعالى:

فيا رب عجل منك للدين نصرة

                     يقوم بها ليث من الناس أشجع

 يجر اليهم بحر جيش عرمرم

                    لديه شتيت الأكرمين تجمعوا

خميس ولو أن الجبال تعرضت

                        له كاد من صخرها يتقلع

فهو يتوجه الى الله عز وجل مستغيثا طالبا نجدته وامداده بالنصرة, ويرجوه أن يعجل بإرسال النصر عل يد فارس من الشجعان يقود جيشا عظيما ضخما مكونا من الأكرمين الذين تفرقوا في الأرض فتجمعوا في هذا الجيش, وذلك الأمر في الأبيات ما هو إلا على سبيل الرجاء والاستغاثة وليس على سبيل الإلزام, والاستغاثة ترد من الأدنى الى الأعلى, من الإنسان الى خالقه .

وتزداد حدة الانفعال الداخلي في هذا الموقف الذي يقول فيه:

فيا غارة الله أغضبي وخيوله ار

                     كبي ومراضيه أنعمي بورود

ومني على الأعداء منك بزورة

                     تريحهم من كفرهم بلحود

 ويا رب مزق كل سور وخندق

                    عليهم وحصن شامخ ووصيا

إذ ترتفع نغمة الاستغاثة والنداء المختلطة بالدعوة الى الغضب وشن الإغارة للإطاحة بالأعداء وهي دعوة نابهة من الغيرة على الدين وهي غيرة شديدة قوية لمن أخلص فيته في سبيل الله والدفاع عن الدين الاسلامي، فجاء نداء الاستغاثة قويا مليئا بالروح الثورية, فكانت صيغة النداء (فيا غارة آت ) ومقترنة بالدعوة الى الجهاد (أغضبي، خيوله اركبي، مراضيه انعمى بورود، مني على الأعداء)، يتوالى النداء مرة أخرى واذا كان في هذه المرة قد اقترن النداء بـ (غارة الله ) فإنه في المرة الثانية قد جاء متصلا (يا رب ) صريحا ومباشرا، وان ارتبط كذلك بالدعوة الى التمزيق لشعور الخليلي بأن أولئك الأعداء قد أثاروا الرعب في قلوب المسلمين ومزقوا أحشاءهم واعراضهم بكثرة ما عاثوا في الأرض فسادا وظلما، فيدعو الله أن يمزق شملهم ويفرق صفوفهم وأن يدب في قلوبهم الرعب مثلما فعلوا بهم (مزق, فأمكر بهم, واذقهم عواقب مكر، شرد بهم, لا تبق ديار) إذ تتوالى الدعوات لكثرة ما احتواه قلبه من ألم وحسرة لشدة ما أصابهم, وهذه الدعوات ليست إلا تفريغا مما احتبس في قلبه فلا يشعر بتواليها على لسانه إلا بقدر ما يخفف حدتها من قلبه .

وتقل حدة الانفعال في المواقف الدينية التي تتطلب هدوءا ليتمكن الشاعر من الإفهام وايضاح الرأي للمتلقين,ولأن هذه المواقف تتطلب قدرة على الإقناع,وهذا الأخير لا يتم عن طريق الانفعال الشديد والقوي وانما بحاجة الى هدوء واتزان عقلي وروحي. ففي موقف إبداء الرأي في قضية نفي رؤية الله تعالى, يوجه الخليلي نداءه الى أولئك القائلين, وهو نداء تشيع فيه نغمة الهدوء لأنه بحاجة الى وسائل إقناع وهي مسألة تتطلب تفكيرا وترويا قبل أن يتوجه بإبداء موقفه يقول:

 يا من يقول برؤية المولى الذي

                    قد جل عن ابصارنا المتكلفه

 مهلا هديت دع المراء على الهوى

                   واخلع بهيمي الصفات المتلفه

وألبس صفات مقدس ملكية

                 تكسى من الأنوار أصفى ملحفه

فالخليلي ينادي أولئك القائلين من غير أن يحدد الأشخاص المتوجه اليهم بالنداء (يا من يقول ..لا وكأنه بهذه الصيغة يترفن عنهم فلا يجعل نفسه في مستوى القائلين برؤية آتو تعالى, بل هو يسمو عنهم بتنزيهه لله تعالى عن إمكانية الرؤية فكيف له أن يتساوى معهم ؟ لذلك نجده يناديهم بالنكرة غير المقصودة فيعمم نداءه ولا يخصصه الى فئة أو طائفة معينة .

كما ينادي الخليلي الصوفي الراغب في سلوك طريق العابدين نداء هادئا لا قوة فيه ولا حدة انفعال, بل يوحى بسعة الصدر لأن الموقف يتطلب التوجيه والإرشاد واسداء النصائح وهي مسألة تحتاج الى الشعور بالأمان والطمأنينة, لاسيما أن الموضوع المطروح لتقديم النصائح فيه هو موضوع التصوف والسفر الروحي الذي يسعى اليه الصوفي في مجاهداته . لذلك لابد أن تمتليء نفسية الشاعر بالسكينة وهدرءالانفعال فالموقف لا يتطلب قوة وحدة يقول:

فيا قاصدا فيها سلوكا له استمع

             مقالي إصغاء لنطقي وألحاني

 دع النفس لا تنظر اليها تلفتا

              وكن خارجا عنها بنفرة شنآن

فالدعوة هنا ليست موجهة الى شخص بعينه وإنما هي موجهة لمن أراد أن يسلك طريق المقامات, لذلك جاء النداء بصيغة النكرة غير المقصودة (فيا قاصدا) وفيه مخاطبة بالرفق واللين والهوادة (استمع مقالي اصغاء .., دع النفس, لا تنظر اليها تلفتا.وكن خارجا) وهي كلها توجيهات وأوامر على سبيل النصائح وتوجيه الرأي الصائب .

ويختلف الموقف هنا عن المواقف السابقة, فهنا النداء جاء بصيغة العلم المفرد لكنه مع ذلك يحمل معنى السخرية, إذ لشدة ما أصاب الناس من ظلم وفساد جنته أيديهم بسبب ابتعادهم عن مباديء، الدين وتعاليمه والقيام بفرائضه وواجباته, فإن الخليلي هنا يوجه نداءه الى عمان ويدعوها الى التباهي والافتخار بأن ما حل بها إنما هو بفعل أهلها فلها أن تفخر فخر الغالب المنتصر والمترفع زي الكبرياء والتعالي فلها الحق أن تفخر يقول:

بذلك تيهي يا عمان فإنما

                   بأهليك تيه غالب وترفع

وبذلك فإن النداء تتفاوت فيه درجات الانفعال بحسب تفاوت الموقف الذي يستدعي النداء فيه, فهناك المواقف المليئة بروح الغضب والثورة, وهناك المواقف التي تشيع فيها النغمة الهادئة الرزينة التي لا تحتاج الى حدة وقوة في الانفعال, وهناك نداء يشعر فيه الشاعر بالترفع والكبرياء وآخر يسخر فيه من المنادي ويشعره بالتهكم . وبمقدار تفاوت أساليب النداء تكون مكانة الشاعر وتفرده بين أبناء جيله من الشعراء في استخدامه للنداء في لغة الانفعال وتوظيفه لها الى جانب الأساليب الأخرى.

 (ج) أسلوب الشرط:

الشرط في أغلب الأحوال ينتج عن انفعال وجداني قوي، يصدر عن المرء في حالة أن يربط بين القيام بأمر وما يترتب على ذلك القيام فإذا حدث الأول أدى الى نتيجة معينة . والمرء بصفة عامة لا يلجأ الى الشرط إلا إذا تطلب الأمر قوة وحزما ويكون المرء في حالة تردد بين أن يقوم والا يقوم, حينها يأتي الشرط قاطعا الأمر وجازما بالنتائج .

ولغة الانفعال في الشرط عند الخليلي تنم عن المواقف القوية التي استدعته لاسيما في مواقف الدين والدعوة الى العلم وبيان أهمية العقل, كما يستخدم الشرط في التهديد والوعيد في الحرب ليشعر المعارضين, بقوتهم وصلابة رأيهم فنواه يقول في ضرورة الأخذ بالعقل والاستناد الى آرائه وعدم الإعراض عن شاهد العقل:

واذا اطرحت العقل خلفك معرضا

                عن شاهد العقل الذي لن تخلفه

 فعديم نور العلم غير مخاطب

                إذ قد تشبه بالحمير الموكفه

إذ يشير الخليلي مخاطبا أنا في حالة ترك أمر العقل والإعراض عنه وعن شواهده فإن المرء حينها لا تفيد معه لغة العلم والمتعلمين فمخاطبته بهذه اللغة لن تجدي معه, إذ أنه في تلك الحالة (قد تشبه بالحمير الموكفه ) فالذين ألغوا عقولهم كالحمير لا ينفع معهم الكلام .

وتزداد حدة الانفعال وتطو في إبراز شأن العلم, فالعلم الذي ينفع صاحبه هو ما كان يهديه الى الحق وترك هم الدنيا وملذاتها والتوجه الى نعيم الآخرة وثوابها الجزيل . فالخليلي يخاطب المسلم الصوفي بلغة قوية نابهة من حرصه الشديد عليه, فهو المعلم والخطيب الذي تهمه مصلحة تلاميذه وأهل مجتمعه يقول:

وان شئت عز العلم فالعلم عزة

                لباس لبوس الذل لله مسلما

وان كنت تبغي العز والجاه في الدنا

                فدع عنك داعي العلم وارحل مسلما

فالخليلي في البيت الأول يأتي بأسلوب الشرط المكون من أداة الشرط والفعل وجوابه في الشطر الأول من البيت كاملا، وذلك يدل على أن لغة الانفعال لديه كانت قوية صبها في شطر واحد اذ لم يتمالك نفسه لكي يصل الى البيت كاملا.

أما في البيت الثاني فقد جاء فيه أسلوب الشرط متوزعا على أجزاء البيت دلالة على هدوء حدة الانفعال عما كانت عليه وذلك الهدوء جاء نتيجة أنه أراد أن يفسر أكثر (وان كنت تبغي العز

والجاه في الدنا) فقد جاء بتفصيل أكثر لتمسك المسلم بالدنيا وما فيها من عز وجاه, وأورد نتيجة ذلك التمسك في الشطر الثاني (فدع عنك داعي العلم وارحل مسلما) فهو جواب يوحي بالترك الفوري والسريع لمجلس العلم والقائم بأمره بين المسلمين ويلزمه بالرحيل دون مناقشة, وصيفة جواب الشرط جاءت موحية بنغمة القوة والإلزام التام (فدع عنك ) (وأرحل مسلما). وقد اقترنت الفاء في جواب الشرط لأن الجملة جاءت طلبية إنشائية في كلا الموضعين (فالعلم عزة -فدع عنك ).

ويتطلب مقام الحرب لغة التهديد والوعيد التي توضح قوة الانفعال وحدة المشاعر، فتعلو صيحاته وتتغير نغمته الصوتية التي شاعت في الأبيات السابقة فهنا المقام تغير فهو مقام حرب وينبغي أن تلائمه لغة خاصة به تشيع فيها القوة والعنف كما تشيع على ساحة الحرب الضرب والطعن, يقول

اقول لكل ذي عقل ولب

                ودين في ربا الاخلاص نامي

واهل عمان ادعوهم جميعا

                وكل موحد بطل همام

الى نصر الاله وان يكونوا

                متى يدعون أنصار الامام

وان لم يسمعوا قولى ويرعوا

               فسوف يرون عاقبة الملام

فهو في خطابه القوي لأهل عمان الذين انقسموا الى طائفتين هناوية وغافرية, يدعوهم الى الاتحاد تحت راية الامام, ثم يعمد الى اسلوب الشرط (وان لم يسمعوا..) فإنهم سوف يرون مالا يسرهم (سوف يرون عاقبة الملام ) وهذا تهديد وانذار بالعاقبة, لا يفيد فيها اللوم ولا الندم, ولكن إذا حدث وأطاعوا النصيحة فإنهم سوف يسلمون من العذاب ويلقون بالتحية والسلام, يقول:

وان تبتم الى المولى وابتم

                تلقوا بالتحية والسلام

فأسلوب الشرط يتطلب قوة وانفعالا يتوافق مع الموقف الذي حتم على الشاعر أن يشترط فيه, وهو بذلك الشرط يكون قد قضى في الأمر وقطع التفاوض فيه .

ثالثا . ظواهر لغوية في  شعره .

إن تحليل بناء الجملة تحليلا لفريا، هو في حقيقة الأمر تحليل النص المكون من عدد من المفردات اللغوية التي تتآلف فيما بينها في تركيب يتميز بالصحة النحوية والجمال اللغوي ليؤدي في النهاية المعنى الشعري.

ولذلك فإن الباحث اللغوي حين يكون بصدد دراسة لغوية لنص من النصوص الشعرية ترده لا يهتم بدراسة المفردات اللغوية منفردة عن التركيب الذي وردت فيه, وأنما يأخذ التركيب اللغوي ككل ويبدأ في تحليله تحليلا لا يفقد اللفظ فيه حيويته ولا يفصله عن التركيب, وانما يحلله في إطار المعنى الذي يؤديه ويخدم السياق الشعري. فالكلمة المفردة لا قيمة لها بدون السياق ولا يمكن أن تعد معيارا لبراعة الشاعر اللغوية, فهي كلمة مجردة تؤدي معنى ثابتا ودلالة معجمية واحدة أما حين تنضم الى غيرها في سياق معين فإنها تكتسب دلالة سياقية جديدة وهنا يتفاضل الشعراء في استخدامهم للكلمة المفردة "إن الشاعر لا يتعامل مع المفردات من حيث كونها مفردات, ولكنه يتعامل مع تراكيب تقوم فيها المفردات بوظائف تكتسب بها معاني جديدة لم تكن متوافرة لها من قبل . فالكلمة في التركيب غيرها مجردة مفردة ".(12)

من هنا فإن الشاعر حين يهم بولادة قصيدة أو نص شعري فإنه تتوارد المفردات اللغوية في ذهنه الواحدة تلو الأخرى فيقوم بعملية الاختيار لما يلائم معناه الشعري من ألفاظ تؤدي دلالات لغوية معينة يكسبها معاني جديدة في السياق, وبعد أن يتم الاختيار ويحصل على قائمة طويلة من المفردات يبدأ بعملية التشكيل والتنظيم لتلك المفردات, لتنظم في سلك تركيبي معين يختاره لها الشاعر لتؤدي الغاية الدلالية التي يسعى اليها فتتكون من خلال ذلك عدد من التراكيب في الأبيات ومن ثم في القصيدة كلها. "عندما يعمد المبدع الى تكوين جملة لغوية يقوم بعمليتين متكاملتين, في الأولى يجري اختيارا في مفردات مخزونه اللغوي، وفي الثانية يجري عملية تنظيم لما تم اختياره بحيث يتلاءم هذا التنظيم مع النسق الذي يدور فيه الكلام". (13)

وتنبغي الإشارة الى أن هذه العملية تحدث في ذهن المبدع أو الشاعر بطريقة لاشعورية, إذ أنه من غير المتوقع لمن ملك موهبة الشعر والشاعرية أن يتعمد العزلة لمجرد أن يعد لقصيدة جديدة لم تولد بعد، فيضع قائمة من المفردات ويحاول أن يجمع تلك المفردات في تراكيب معينة حتى يصل الى المعنى وبعدها يقول قصيدته تلك, أظن أن هذه عملية يقوم بها من يدعي الشاعرية وليس له مكان فيها، إذ كيف لشاعر مبدع امتلك موهبة الشعر وتفجرت قريحته بأعذب المعاني الشعرية وأرقها أن يقوم بعمليتين بطريقة متعمدة.

 وأعود لأقول إن الكلمة المفردة حين تنتظم مع غيرها من المفردات في سياق لغوي، فإنها بذلك تكون قد انتقلت من دلالتها المعجمية التي ولدت معها الى دلالة سياقية جديدة, انتظمت مع غيرها فأخذت دلالة نحوية في تركيب نحوي معين من خلال التفاعل بين العلاقات النحوية والعلاقات الدلالية وبين المفردات ووظائفها في التركيب اللغوي، فأي لفظ مفرد " لا تتحدد دلالته إلا في السياق اللغوي من خلال علاقاته النحوية بعناصر جملته ومن خلال سياقه في النص كذلك "(14) ويتساوى في ذلك الاسم والفعل والحرف فلك

شاهد أيضاً

مارسيل إيميه «عابر الجدران»

عاش في مدينة مونمارتر، في الطابق الثالث من البناية رقم 75 مكرر الكائنة بشارع دورشان …