أخبار عاجلة

الصورة عند ابن شيخان

على حسب معادلة جوردان Jurdain  الشهيرة، فإن الفرق بين الشعر والنثر يتلخص فيما يلي:

الشعر = النثر + (أ) + (ب) + (ج)

النثـر = الشعر – (أ) + (ب) + (ج)

والرموز (أ) و (ب) و(ج) هى المميزات الخاصة للإبداع الشعري وهي الوزن والقافية والصورة الشعرية (1).

ويرى الناقد جان كوهين Jan Cohen في كتابه "بنائية اللغة الشعرية " Structure du language    Poetique أن الصورة الشعرية هي العامل الأول في التفريق بين الوظيفة العادية الادراكية Congitive للغة النثر، والوظيفة الانفعالية أو الشعوريه  (emotive ou affective) للغة الشعر (2) ومن هنا فقد أعلن ايزرا باوند (Ezra pound)، "أنه من الأفضل أن يخلق الانسان في حياته صورة واحدة من أن يكتب مؤلفات ضخمة " (3) ومن هنا كانت الصورة ميدان العمل الذي يبرز

مقدرة الشاعر ومدى تمكنه من صنعته (4).

وبالرغم من تضارب تحديد مفهوم المحدثين لمصطلح الصورة الذي لا يعين على التطبيق والتحليل، فإن الذي يبدو أنه أهم العناصر المكونة للصورة الشعرية هو التشبيه والاستعارة والكناية والمجاز المرسل والمجاز العقلي والرمز، ويميل بعض الباحثين الى حصر هذه العناصر في عنصرين هما الاستعارة والتشبيه، باعتبار أن الكناية من الرمز وأن الرمز والتمثيل يدخلان فيهما (5).

والفرق بين الاستعارة والتشبيه هو أن الأولى تقوم على عملية المجاز، أي على عملية انتقال في المعنى من مدلول الى مدلول، أو بتعبير عبد القاهر د،كل كلمة أريد بها غير ما وقعت له في وضع واضعها لملاحظة بين الثاني والأول (6) بينما في التشبيه لا وجود لعملية المجاز هذه، وتبقى كل لفظة من اللفظتين المجموعتين محافظة على معناها الحقيقي، فغاية التشبيه هي بيان التماثل القائم بين الشيئين أو الحقيقتين.

ولقد اهتم ابن شيخان (1866 – 1928م) اهتماما خاصا بالتشبيه كأداة من أدوات التصوير المعبر، وشكله أنواعا تختلف باختلاف الأداء، وأكثر الأدوات التشبيهية انتشارا في ديوانه هي: الكاف ؟ وكأن ؟ ومثل: وكما: مرتبة على حسب عدد مرات ذكرها، والملاحظ أنه أكثر من توظيف الكاف، ومثل في مد حياته وخاصة عندما ينتقل من غرض الى غرض أو عندما يتخلص من الغزل الى المديح، كقوله (7):

احبكم كتيمــــور         يحب الطعن والضربا

وكقوله (8):

ملكت لواء الحسن مثل مليكنا السلطان فيصل العلا ملك اللوا

وأما الاداة (كما) فقد أتت في أغلب الاحيان متقدمته على (فعل) ومن ذك قوله (9):

فمضى يخترق البحر كما         لمع البرق فاجلى الغيهبا

وقوله (10):

لك الفضل الذي عم البرايا        كما عم الحيا جبلا وسهلا

ويكاد ابن شيخان يحصر أداة التشبيه (كأن) على الصور الوصفية التفصيلية، وتراه يعمد الى تكرارها بشكل متلاحق في بدايات الابيات بحيث تعي انطباعا نغميا خاصا، ذلك في مثل

قوله: (11).

كأن الدجى روض وزهر نجومها ازاهير والجوزا لآل لوامع

كأن الشذى الروضات إذ مرت الصبا رسول واضواء النجوم شرائع

كأن شذا الازهار سكر وهندها عطايا وهاو مضغوط ومسارع

كأن انبلاج الصبح في طرف الدجى صحائف تنبي انه جاد (مانع)

ولعل أكثر التشبيهات شيوعا في ديوان ابن شيخان هو التشبيه المرسل المجمل الذي حذف منه وجه الشبه بينما ذكرت الاداة، وربما تبينت هذا في الامثلة الماضية، ويأتي التشبيه البليغ في المرتبة الثانية من حيث الشيوع، وهو بحق التشبيه الذي يمثل الايجاز خير تمثيل ونلاحظ أن ابن شيخـان يثمر هذه الخاصية، فيعمد الى تكثيفه في بعض أبياته تكثيفا دقيقا منظما من مثل قولــه (12):

فالأرض فرش، والنبات اسرة 
   

والنشر مسك والمقام نهاري

والنهر صرف، والكواكب أكؤس
   

والطير عود والغصون جوار

وتكثيف الصورة هنا، يأتي من أن هذه الالفاظ توحي – بفعل التشبيه البليغ طاقات تعبيرية هائلة تبدأ من الارض التي غدت فرشا موشاة بأنواع الزخارف والالوان والتصاوير، زخارف ممتدة في تناسق وانتظام وألوان متدرجة في تلاحم وانسجام وتصاوير محبوكة بدقة واحكام وعلينا أن نلاحظ ما توحيه كلمة الفرش من النعومة والتشذيب البديع والتغطية الكاملة ؛ والنظافة والوقاية الشاملة من الحرارة والبرودة ومن كل ما قد يضايق الماشي على أديم الارض.. الفرش هنا عشب أخضر، أو زهر نضر يداعبه النسيم ويغطيه الندى الغض الطري، ويرفع ابن شيخان مصورته فيلتقط صورة للاشجار التي انتظمت عي هيئة خطوط طولية أو على هيئة وحدات خضراء تقابلت كأنها أرائك مصفوفة يرتاح اليها بل عليها عاشق الطبيعة المعنى؛ وبينما هو على تلك الارائك الوثيرة ما عليه إلا إن يتمتع بتلك الروائح الفواحة التي تتأرج في الهواء وكأنها مسك رق ودق فتتطاير يملأ الدنيا بأريجه والمقام ؟ ما باله ! إنه مقام نهاري، هذا مع أن الوصف لحديقة في ليلة من ليالي الربيع ؟ لكنها ليلة مقمرة، ويأبي ابن شيخان إلا أن يصور ذلك في روعة مذهلة، ولنتأمل كيف انتقى لفظه "المقام " التي تدل أولا على المشهد الربيعي الشامل (1)، والتي تدل ثانيا على الإقامة المحببة (2)، والتي تدل ثالثا على خصوصية الإقامة، فما هي كأية إقامة بل لها مقام رفيع، مرتفع -في الجمال والكمال – على جميع ما عداها (3) وأخيرا فانها تدل على المكان الأثير الذي احتلته تلك الإقامة في قلوب المقيمين أو في قلب الشاعر الهائم (4) واذا أتينا الى الطرف الثاني في التشبيه (النهاري) فلكي نلاحظ التناسب بينهما علينا أن نتذكر أن المقام يدل على العلو، وأن مصدر النهار هو النجوم العالية التي تنير الدنيا بضوئها فعند ارتقاء المقام في ليلة مقمرة لابد من أن يتصف ذلك المقام بأنه نهاري!، ومزج الليل بالنهار يشكل حالة من الجمال الساحر الذي يبعث النشوة في قلب الشاعر الذي يرى من فرط نشرته النهر كأنه خمر صرف، صاف براق، يتلألأ بهدوء مهيب وقد انعكست عليه صور الكواكب التي تزين السماء، تلك الكواكب المضيئة تمثلت في صورة كؤوس تغترف من ذلك النهر الصرف، ولمن ؟ للمرتقي أوج المقام، لابن شيخان الذي لم يكن بحاجة الى الهبوط للنهر كي يرشف منه رشفات النشوة بجمال الطبيعة في تلك الليلة أو جمال الليلة في تلك الطبيعة، هنا تقوم الكواكب بذلك العمل على وجه لا يخالف الطبيعة ولا يشوش الانسجام ولا يزعج العود المدندن (الطير)! الطير عود، هل لنا أن ننظر في هذا الخيال ؟ الطيور أنواع مختلفة كل نوع بصوته المميز، والعود أوتار مختلفة كل وتر له نغمته الخاصة، ولا تكتمل الصورة، أو لا تكتمل مجلس الأنس بعد الزرابي المبثوثة، والأرائك المصفوفة، والروائح الآسرة، والمقام النهاري، والشراب الصرف، والكؤوس اللامعة لا يكتمل الأمر بغير الغناء، ويأتي الغناء من غصون كالجواري أو جوار كالغصون، إنه تصوير المبدع المفتون، إنه مشهد الطبيعة البريء الرائع الآسر، مشهد يتوافق ويتناغم ويترابط على النمط التالي:

 

ويأتي بعد التشبيه البليغ في الترتيب عند ابن شيخان التشبيه التمثيلي، وهو يثمره في الصور العميقة نسبيا، ومثال ذلك قوله (13):

كانما البدر متى
   

عن وجهه الغيم انكشف

جوهرة مكنونة
   

قد اخرجت من الصدف

فهنا شبه صورة البدر عند تكشف الغيم عن وجها، بصورة الجوهرة المكنونة عند إخراجها من الصدف وهو تشبيه دقيق يتعدى إطار المشابهة الى ايحاءات تصويرية مذهلة تشير الى جمالية التقابل فيما بين عناصر الفضاء:

(السماد + البدر + الغيم)

وعناصر الأرض

(البحر + الجوهرة + الصدف)

ونرى أن هذه العناصر تتقابل بشكل مرتب لتبرز أوجه التماثل من خلال اللون، والشكل، والخاصية، والبنية اللفظية ؟ فالسماء مفردة والبحر ولون كل منهما أزرق والبدر واحد والجوهرة واحدة وهما مضيئان مشعان، وأما الغيم فمجموع كالصدف وهما يتشابهان في خاصية الحجب ولكنه حجب متحول منته ينتهي بانقشاع الغيم وانفراج الصدف ليظهر بعد ذلك من كل منهما نور يملأ النفس جمالا وافتنانا!

ويتلو التشبيه التمثيلي في الترتيب عند ابن شيخان التشبيه المقلوب وهو يعمد اليه للتأكيد والإيغال في الصفة ومن أمثال تشابيهه المقلوبة قوله (14):

مهند تيمور جلته المشاهد
   

كأن وضوح الفجر في مفرق الدجى

فالبيت عبارة عن صورة فنية أراد ابن شيخان بها أن يعمق صورة الوضوح للفجر والظلام من خلال شيء قريب وهو مهند صقيل لامع، حمله الممدوح خائضا به المشاهد الحالكة الظلام، وهذا الاختيار، اختيار المهند لتصوير الفجر ووضوحه، أتى لناحية فنية تصويرية، ولنا حية انتقالية، ولناحية مدحية بحتة وما يعنينا هنا هي الناحية الأول: الفنية التصويرية، وفيها كان ابن شيخان يصور طلائع الفجر وبشائره المؤذنة بانجلاء الظلام وكأنها مهند قاطع لامع، قطع ظلام الدجى بلمعانه (1) مثلما يتراءى مهند الممدوح بعد فعله بالاعداء في المشاهد الحالكة المغبرة أو المظلمة (2)، وقد تأكد هذا المعنى بتعبير ابن شيخان: (مفرق الدجى) فالإصابة كانت دقيقة وأكيدة، وعلينا أن نلاحظ صورة أخرى (3)، هي صورة المهند اللامع الذي يقطع رأسا شعره شديد السواد فكأن وضوح المهند في ذلك الرأس مثل وضوح الفجر في مفرق الدجى؟ والجملة الاضافية (مفرق الدجى) ذاتها تعطينا تصويرا آخر لذلك الوضوح (4): فهي توحي لنا برأس أبيض الجلد (الفروة) ذي شعر كثيف أسود، قد دهن ومشط وفرق في منتصفه فبان بياض الجلد واضحا بين

ظلام الشعر؛ وكل هذه الصور تتجه نحو تثمير التضاد اللوني بين البياض والسواء لتصف وبكل دقة الحضور الزمني لليل أو الفجر وفي الوقت ذاته احتفاظهما بصبغتهما اللونية كما هي كاملة غير منقوصة و بـ (وضوحها) المعتاد، وبلاشك فإننا لا نجد أفضل مما قال الشاعر وصور في بيته هذا.

وتعتبر الاستعارة العنصر الثاني من عناصر تكوين الصورة الشعرية عند ابن شيخان ؛ وتتميز الاستعارة عن التشبيه بكونها أكثر إيحاء وأكثف ظلالا وأعمق تصويرا، وبإحاطتها بطبائع الأشياء وبما تمنحه من إمكان تعدد الموضوعات وتنويعها بشكل أكبر من التشبيه.

وتأتي الاستعارة المكنية في المرتبة الأولى من حيث نسبة الشيوع في أشعار ابن شيخان؛ ونراه يوظفها في صور فنية تتجلى فيها عبقريته الإبداعية في الكشف عن العلاقات الخفية بين الأشياء من خلال رؤيته الخاصة التي تجعل أطراف الصورة تتفاعل وتتجاذب بحيث يشع كل طرف في الآخر، فيأخذ منه ويعطي له، ذلك في مثل قوله (15):

صاغ الغمام من الندى
   

دررا بأجيـاد البهار

وغدا النسيم الرطب
   

ينسج للازاهير الازار

والجلنار لذوب تبر الزهر يوقـد جـل نــار

الغمام يصوغ، والنسيم ينسج، والجلنار يوقد؟ هذا هو منطق الصورة الاستعارية التي صنعها ابن شيخان بإتقانه المعهود، إنه يؤكد قيام هذه العناصر الطبيعية بهذه الأعمال (الصوغ، والنسج، والإيقاد) في ادعائية مطلقة تتجاوز ذلك المحذوف: المشبه به، وعندما كان ابن شيخان في هذه الأبيات يصور منظر الصباح، فقد حرص على التنظيم الدقيق لعناصر صورته الكلية، فابتدأ بالندى الذي صاغه الغمام دورا فريدة علقها بأغصان أو قل بأجياد أزهار البهار الناعمة الغضة الطرية، وقد كانت خفة قطرات الندى تتناسب مع غضاضة تلك الأنابيب الخضراء وطراوتها وعندما ارتفعت الشمس قليلا بدأ الندى يتبخر محدثا نوعا من الرطوبة حملها (النسيم) بدوره ليطوف بـ (الأزاهير) وكأنه ينسج لها إزارا ليقيها ما قد تتعرض له في بقية يومها من حرارة أو غبار ذلك مما يضر بجمالها ويحجب بهاءها؛ وأما الجلنار فيا الله ما شأن الجلنار..، لكي نفهم ناره، علينا أن نعود لنرى تلك العلاقة الغرامية التي نشأت بين العاشق (الغمام) الذي صاغ باتقان واحكام (دررا) نفيسة قلدها معشوقته (نباتات البهار)؛ ثم لنرى كيف غدا (النسيم الرطب) بكل حنو وغرام، وبكل غيرة واهتمام ينسج لفاتنته الأزاهير (إزارا) رطبا طريا؛ وهكذا يظهر (الجلنار) بكل بهائه، وبكل نضارته، بكل جماله الفتان ليوقد نار الحب، فيمن ؟ في قلوب الزهر الذهبية التي تكاد تذوب حبا وشوقا الى حبيبها الجلنار! عاطفة عارمة تؤدي الى حياة غرامية خالدة نلحظها هنا مثلما نلحظها في كل صور ابن شيخان التي تعرضت للطبيعة.

وأما الاستعارة التصريحية فهي قليلة في أشعار ابن شيخان، وكأنها لم ترق لذوقه فلم يولها اهتماما يذكر، ومع ذلك فقد أجرى بعض الصور على منهاجها، ومنها قوله (16).

طلع البدر عشاء      
   

فاكتسى الافق ضياء

وأتاني فوق ارض
   

للسما صارت سماء

وقد شبه محبوبه بالبدر في طلعته وضيائه، ثم حذف التشبيه واكتفى بلفظة (البدر) تأكيدا منه على تلك الصفات.

ويتضح مما مضى أن المعنى الحقيقي والمجازي يتعايشان جنبا الى جنب في التعبير الاستعاري، وأن الاستعارة تقوم بأدوار كثيرة في مجال الصورة الشعرية ولعل أهم تلك الأدوار هي: التشخيص والتجسيم.

أما التشخيص Pathetic Fallacy فهو خلع المشاعر والصفات البشرية على الطبيعة؛ أو إضفاء صفات الكائن الحي، وخاصة الصفات الإنسانية على ظواهر الواقع الخارجي، يبث الحياة فيها فيجعلها تحس كما يحس الانسان (17)، ولقد تميز ابن شيخان من خلال التشخيص بقدرته على التفاعل مع الأشياء من منطلق رؤية فنية خاصة وعميقة، ولجأ الى هذه الطريقه في كثير من لوحاته التصويرية ومنها قوله (18):

وللارض من نسيج الربيع غلائل

                        مخضرة مبسوطة بفضاها

ولما بكت عين السماء تبسمت

                        لها الارض تبدي عن وجوه رضاها

كأن عيون الروض مقلة عاشق

                        كأن الذي يعنو المحب عناها

اذا الاقحوان الغض ضاحكة الحيا

                        بدا في خدود الارض فرط حياها

فهنا، عن طريق التشخيص، يعمد ابن شيخان الى تتبع الأثر الذي أحدثه الربيع في الطبيعة، يجعل ابن شيخان من الربيع فاعلا ينسج الغلائل الرقيقة المخضرة ليبسطها على الأرض المترامية الفضاءات، وتلوح لنا خبايا الابداع التصويري في اختياره للفعل (نسج)، وذلك لما يتضمنه من معاني الاتقان والدقة في الصناعة، واختيار اللون، والذي جاء لونا ربيعيا أخضر، ومثلما تشي كلمة (مخضرة) بالخصب والحياة والنمو إن كلمة (مبسوطة) تشف عن ذلك الاتقان في صورة الانتظام المرتب للمنسوج، مما أعطى بعدا جماليا آخر لصنع ذلك الصانع (الربيع)، ولا تنقضي متعتنا بهذه المعاني حتى يضيف ابن شيخان معنى تصويريا آخر يضفي ألوانا من الامتداد والاتساع للصورة.. فقد أثمر المعنى الحرفي (للفضاء) لينجز لنا تصويرا شاملا ووصفا معبرا عن مدى حجم ما صنعه الربيع من نسيج مخضر رقيق… وبعد التصوير لأثر الربيع على الطبيعة، ينتقل الى عنصري الطبيعة المتجاوبين (الأرض والسماء) فينقلنا تلقائيا الى العين والوجوه، والتبسم والبكاء، في مشهد شبيه بمشهد اجتماع محب ذارف الدمع مع حبيبه اللاهي المتبسم ؛ وبهذا التصوير أحاط ابن شيخان بالكثير من المعاني في كلمات معدودة تحولت بفضل التثمير المبدع الى لوحات تصويرية توالدية، نبع بعضها من بعض.. وأول تلك اللوحات هي لوحة النشوة والارتياح اللذين أبدتهما الأرض تلقا، الغيث الهابط من السماء، وقد اعتمدت التقنية الفنية لابن شيخان هنا على العديد من العناصر الفنية..، (البكاء).. ومثل "الغيث، والتبسم " و "الرضا" ومثلا الفرح، و"عين السماء" ومثلت المصدر أو الملقي، و "الأرض " ومثلت دور المتلقي.. أما الصورة الفنية الأخرى، فهي لوحة التناقض القائم بين الحزن بعنصره "البكاء" وبين الفرح بعنصره "التبسم "، والفاعلان هما الغمام والأرض، وعندما كان هذا التناقض صعبا على الفهم جمع ابن شيخان ذلك، في لوحة أخرى،.. لوحة اجتماع المحبة (الأرض = الروض) بمن تحب (السماء = الغمام) وخلال هذا الاجتماع، يهيم الغمام شوقا وشكاية من ألم الفراق فما تلبث (الأرض = الروض) إلا وتشاركه في ذلك، فتفيض عيونها شؤونا وشجونا:

كأن عيون الروض مقلة عاشق
   

كأن الذي يعنو المحب عناها

وبهذا تكتمل صورة الشكاية بتوازي الطرفين في درجة العشق والالتياع، وهكذا تحققت لابن شيخان تأكيدات قصوى على حرارة اللقاء الذي دار بين الغمام (المحبوب) والروض (المحب)، والذي أتاحه الربيع النضر عندما جاء وحل.. وبعدما ينمحي التناقض القائم بين البكاء والفرح، تطفى الفرحة على الفاعلين العاشقين (الغمام والروض) فنراهما في صورة أخرى أطل علينا ابن شيخان في البيت الأخير:

إذا الاقحوان الغض ضاحكه الحيا
   

بدا في خدود الارض فرط حياها

ففي بداية الصور يأتي المعين (الربيع) بالبشارة، فيلقيها على المحبة (الأرض) والتي شاقها الحبيب وغير حالها الفراق فتتهيأ للوصل (اللقاء)، حيث يقدم الحبيب (الغمام)، فإذا هو أشد شوقا وأكثر توقا اليها منها، فيبكي بدموع غرار (الحيا) فرحا وتشاكيا، فتطمئن المحبة على حب حبيبها لها وترتاح لذلك، وتتبسم (ترتوي) ولكنها ما تلبث أن تبادر الحبيب شكاية ألم الفراق، فتبكي لبكائه (تفيض عيونها)، ثم يزول البكاء، ونرى وميض أسنان الحبيبة وهي تلمع بين شفتيها اللميائيتين (الاقحوان) ذلك وهي تضاحك حبيبها الذي لمع محياه أيضا (البرق) !… ومن جراء الوصل، يحمر خدا (المحبة) حياء، وتتبدى وقد ذهب حزنها وتغير لونها من الصفرة الى الحمرة، مثلما عادت الحياة الى (الأرض) وتغير لونها من الصفرة الى الاخضرار..!

وأما التجسيد: فهو إكساب المعنويات صفات محسوسة مجسدة، حيث تقدم الصورة الاستعارية الأفكار والخواطر والعواطف محسات ملموسة (19).

ولقد وظف ابن شيخان التجسيد في بعض صوره، وان لم تكن بتلك الدرجة التي وظف بها التشخيص، ويتضح التجسيد في مثل قوله (20):

أهلا بمسراه! قد احيا الحشى فرحا

                        ومرحبا بحياة الروح والجسد

قد كان يدخلني حسن بزورته

                        وكان يشربني من شدة الكمد

لما كساه الحيا باللثم سابغة

                        فككت بالضم منه جملة الزرد

لازلت من نطقه السامي ومبسمه

                        أبين الفرق بين الدر والبرد

إن كان ملكني حسن القياد فقد

                        ملكته من شبابي ما حوته يدي!

هنا نواه يحيى مسرى الحبيب الذي أحياه قبل أن يرحب بالحبيب الذي مثل حياة روحه وجسده معا؛ ونرى ابن شيخان يصور في البيت التالي ذلك الحسن الذي كاد يدخله بعدما كان الكمد يشربه من شدة ما يعانيه من شوق وافتقاد لحبيبه،..

ولا يلبث الشاعر أن يقدم لنا حياء الحبيب عند اللقاء في صورة الدرع السابغة التي غطت الحبيب عند لثمه وبهذه الصورة ينبهنا ابن شيخان الى شدة حيا؟ حبيبا وفرط خجله بحيث غطاه كما تغطي الدرع مرتديها، ونلاحظ أن كلمة (الدرع) نفسها تعمق هذا المعنى بصورة مذهلة ؟ عميقة ظاهرة، قريبة بعيدة في وقت واحد..

بيد أن ابن شيخان لم يكتف بهذا المعنى حينما اختار درعا سابغة – من بين كل الدروع – ليصف بها ما اعترى حبيبه من حياء وخجل.. ويمضي في الشطر الثاني فيؤكد هذه المعاني حينما يأتي بجملة الفعل والفاعل (فككت) إذ المعروف أن (الفك) يوحي دائما بالصعوبة التي تشمل الفعل.. فكيف والأمر حلقات من الحديد مزروده ؟؟

وهذا المعنى بدوره قد جسد شدة ضم الشاعر لصاحبه الظبي ضما تفككت بل تلاشت معه تلك الردع السابغة !

ويتضح لنا في البيت التالي كيف جسد ابن شيخان نطق الحبيب المجرد بـ (الدر) وابيضاض مبسمه بالبرد، الثلج الناصع البياض.. وفي ختام الصورة يقدم الشاعر حسن القياد، والشباب في صورة محسوسة مجسدة قابلة للتمليك والتبادل !

ولعلنا ندرك من خلال هذه الصورة وغيرها من الصور الماضية مدى ما يقدمه الخيال من دور في تشكيل صور ابن شيخان، فهو المصدر الأول لمورد، والخيال يأتي في مقدمة القدرات التي تسهم في عملية الابداع فهو قوة خالقة مبدعة تعمل على استثارة الرصيد الثقافي عند الشاعر، كما يقوم بخلق نوع من العلاقات الخاصة بين الأشياء الخارجية، وينتقي الأحداث، ويختار المواقف الصافية ويعيد تنسيقها، لتغدو مؤهله للبوح بما يريده منها.. (21) والمظهر العام للخيال المتفنن

هو ذلك الإلهام الذي يعد نضجا مفاجئا غير متوقع لكل ما قام به الشاعر من قراءات ومشاهدات، أو معاناة من تحصيل وتفكير (22).

ويرتبط الخيال ارتباطا ضروريا بالواقع ويحقق التوافق والاندماج بين عناصره المفككة (23) فهو لا يخلق شيئا من العدم (24)، بل هو كما يرى شيلينج جمع لصور الطبيعة؛ على أن الدور الذي يقوم به ليس مجرد الجمع لهذه الصور، وانما تنظيمها والتوفيق بين ما يكون فيها من تناقضات عن طريق رؤيه الوحدة الباطنية المختلفة وراء هذه المتناقضات (25)، ولقد قسم "كولردج " الخيال الى نوعين: خيال أولي وخيال ثانوي أو شعري، أما الخيال الأولي فهو القوة الأولية التي بواسطتها يتم الإدراك الإنساني عامة، وأما الخيال الثانوي، وهو الخيال الشعري، فهو قوة تمكن الإنسان من الإدراك إلا أنها تتجاوز هذا الى عمليه خلق يتحول فيها الواقع الى المثالي (26)، وذلك

بعدما يذاب ويتلاشي ويحطم لكي يخلق من جديد (27)، ولابد في العمل الفنى الذي مجاله الخيال الثانوي من أن تكون الصورة الخيالية مصحوبة بالعاطفة (28)، ويؤدي هذا المزج بين العاطفة

والصور الى حقيقة مهمة وهي أن وظيفة الخيال الثانوي أو الشعري أن يعمل على التوازن بين العاطفة والصورة وبين الشعور واللاشعور وان يحقق بينهما الانسجام والوحدة  (29).

وكل هذه الأمور تتضح جليا في شعر ابن شيخان الذي توصل بخياله مثلما رأينا الى علاقات خفية وعميقة بين أجزاء الصورة، وتلك العلاقات نظر اليها نظرة فنية عاطفية كشفت عما بينها من اتحاد وتجاوب، تلك النظرة نلقاها حتى عندما يصف فلجا من الافلاج (30):

كأن الفرسخي كريم قوم
   

بسط الراحتين بفيض رغس

يباين ماءه فصلي شتاء
   

وصيف كلما وافى بجـنس

فإن قر فذا باللمس حر
   

وان حر فذا بـرد بلمـس

كأن الناس طفل وهو ثدي
   

لمرضعة غزير في المجس

فابن شيخان هنا يتخيل فلج المضيبي (الفرسخي) في عدة صور، كلها تفيض حنوا وعاطفة: فهو في الأولى يرده كريم قوم مد يديه بالخير المتنامي المتكاثر الذي يزيد ولا ينقص (رغس) وهو في الثانية يكشف عن تلك المراعاة التي يراعيها الفلج لأهل المضيبي، فهو يباين درجة حرارته فيجعلها مرتفعة عند البرودة في فصل الشتاء، ويجعلها منخفضة باردة عند الحرارة في فصل الصيف، وفي الصور الأخيرة يخيل لابن شيخان أن هذه الأرض أم ترضع طفلها (وهم الناس) بشديها الغزير الإدرار، وما هو إلا (الفلج)!، هنا تعمقت العاطفة بتعمق الخيال الذي أوصلنا الى أبعاد مذهلة من التأكيد والإيحاء والجيشان الذي أوصلنا الى أبعاد مذهلة من التأكيد الإيحاء والجيشان والإثارة، مع وضوح شوري بالارتباط الحميم بين الشاعر وبلده الذي وازن صورته قبل الحرب بصورته بعدها..

عالم الخيال رحب فسيح، لا يحده مدى، ويعجز العقل عن تعداد ظواهره وحصر حدوده، ورحلة الشارع عبر العوالم الغريبة تضع بين يديه رؤى وصورا كانت مغمورة في أركان هذا العالم، ولقد كان ابن شيخان في تحليقا الخيالي إنما يحلق بجناحين من الحقيقة، وهو دائما يتجه الى العمق مثلما يتجه الى الانطلاق، يقترب عند ابتعاده، ويبتعد عند اقترابه (31):

فتاة تنعش الاحشـــا
   

بطلعتها ومرآها

رأتها الشمس فاستترت
   

حياء من محياها

مجيد الحبيبة وقت الغروب حوله الشاعر بفضل خياله الى صورة مدهشة، لقد قلب ابن شيخان العلاقة ليرى شيئا لم يكن بالحسبان، ليرى كيف علا الحياء والخجل وجه الشمس بعدما ظهرت فتاته بأنوار أعظم من أنوارها، وضياء أجلى من ضيائها، هنا ويفعل لا شعوري، سارعت الشمس الى الاختفاء تاركة فتاة الشاعر تنير الدنيا ببهاء طلعتها الفاتنة التي لا تغرب ولا تزول: وابن شيخان يعمق هذه الجزئية من خلال ترابط الصورة التي توحي بأن فتاته لم يقتصر دورها على إنارة الكون الخارجي فقط مثلما تفعل الشمس، وانما تعدت ذلك الى إنارة بواطن الكائنات الموجودة في ذلك الكون، وبفضل الخيال فإن الموقف يتصاعد الى أكثر من هذا الانتعاش الذي تبعثه الفتاة – بطلعتها – في بواطن الكائنات، انتعاش مثير لا قبل للشمس به وقد فطنت هي اليه، فآثرت الاستتار مخلفة حمرة خجلها تتوزع على امتداد الأفق دليلا على ذلك الشعور الانفعالي..

والمصدر الثاني – شيخان هو ثقافته الأدبية، ومعارفه الأخرى التي اقتبس منها في تشكيلات صوره، معيدا تنسيقها بما يلائمه ويلائم تجاربه وخصوصيته الشعرية، وبما يخدم جمالية صوره في مختلف المواضيع.. ومن الصور التراثية التي لهج ابن شيخان بذكرها صورة الظبي القاتل للاسود، وذلك في مثل قوله (32):

وبوادي الدوح ظبي
   

غادر الآساد قتلا

أو صورة الظبي الأسد (33):

بدا أسدا ولكن جاءني
   

في خلق يعفور

وتكثر الصور التراثية في الغزل والمديح فصور الممدوح ليثا في الوغى، بدرا في الظلماء غيثا في الدهماء، بحرا في العطاء، نجما في العلاء، متهللا للنائبات، محللا للمشكلات، غوثا للأنام، بهجة للأيام، وغير ذلك من الصور..

وأما صوره المتأثرة بمعارفه فهي كثيرة أيضا منها قوله في الغزل (34):

فاز ذاك الخال لكن
   

بين نار الوجنات

مثل ما فاز خليل الله
   

من نـار العـداة
   

 

يقصد مثلما نجا ابراهيم عليه السلام من النار التي ألقى فيها؛ ومن ذلك قوله (35):

وقف وقفة واللحظ
   

كالسياف مسرور

فمسرور هو سياف هارون الرشيد الخليفة العباسي.. ومن صوره الصادرة عن معارفه قوله يصف السلطان فيصلا في جيشه (36):

كأن سليمان ابن داود اقبلت   كتائبه تجرى بهن رخاها

وهي صورة مضخمة، شبه قدوم السلطان في جيشه بإقبال النبي سليمان عليه السلام في كتائبه، ومن المعروف أن كتائب سليمان كانت تتألف من جميع أمم المخلوقات من إنس وجن ووحوش وطيور وكل الأمم.

ومنها أيضا قوله في تصوير اشتباك المجاهدين الليبيين بالجنود الايطاليين (37):

كأن ايطاليا جن بمسبعة
   

     يتلى عليها مـن القرآن آيـات

كأنهم ورمايا الحق تتبعهم
   

خلف الشياطين شهب مارديــات

فالصورة أتت مما ورد في القرآن من تلاوة على الجن وارسال الشهب على الشياطين المسترقين السمع.

وقد تميزت صور ابن شيخان بالعديد من الخصائص التي أتت من خصوصية شاعريته ؟ ولقد نبه النقاد على بعض الخصائص التي يجب أن تتوافر في الصورة الشعرية ومنها اللغة الملائمة الموحية المؤثرة، إذ لا يتأتى للشاعر أن ينقل تأثير صورته وروعتها وجمالها إلا بلفة مألوفة موحية مترابطة متخيرة، بعيدة عما ينفر القاريء كالإغراب الذي يدفعه الى حل مشكلات اللغة دون التأثر بما فيها من جمال، وكالسطحية التي تجرد الصورة من قيمة الإيحاء والاكتشاف، "فبقدر ما ينجح الشاعر في تخير اللفظ الملائم بقدر ما يقدم فنا رفيعا" (38).

وربما كان ابن شيخان في هذا المجال من الفنانين اللغويين النادرين، ونحن دائما وأبدا نراه في صوره يحرص على انتقاء الألفاظ انتقاء فريدا يتيح له نقل الصورة بكل ما لها من تأثيرية وايحائية وظلال، ولقد عرضنا لهذا الجانب في مواضيع شتى من البحث، ولنقف هنا عند قوله يصف (جامعا) بناه أحد الممدوحين (39).

ذو أصول غصن في قعر
   

الثري وفروع تتعاطى الفرقدين

وبيوت الله كالعين وذا
   

بينها في حسنـه انسان عيـن
   

 

يتراءى بجمال باهر
   

مشرق يقطف نـور المقلتيـن

فبدقته المعهودة ابتدأ ابن شيخان بأصول المسجد حيث صور غوصها قعر الثرى، وقد أراد من ذلك وصفه بالمتانة والصلابة الموغلة، ونرى أنه كثف المعنى تكثيفا بليغا في الفعل (غصن) حيث جعل كل الأصول تغوص في وقت واحد وفي زمن واحد هو الزمن الماضي، ونلاحظ أنها تغوص من تلقائها ذاتيا والذي يغوص لذاته يكون أكثر اهتماما وحرصا وتشجعا واجتهادا، وكلمة (الغوص) في حد ذاتها إنما تدل على الايغال في التعمق الى حدود لم يبلغها أحد من قبل أو الى أعماق لا يقدر – إلا الخبير – على ارتيادها، ومن هنا جعل ابن شيخان الأصول تغوص حتى تبلغ قعر الثرى، بل تغوص (في قعر الثرى لم ذاته، وهذا ما لم يقدر أحد على بلوغه واقعيا، ولا يغيب عن بالنا أن الفرص في الأرض (الثرى) أصعب وأشق من الغوص في البحر (الماء)، وبهذا تحقق لابن شيخان وصف (المتانة) بأبلغ الأدوات وأوضحها وأوجزها، وهو لا يمكث عند هذا الحد حتى يرتفع متجاوزا الى وصف (علو) الجامع (وفروعه التي تتعاطى الفرقد ين) ونلاحظ انه اختار هذه المرة التعبير بالفعل المضارع (تتعاطى) بخلاف الشطر الأول الذي عبر فيه بالفعل الماضي (غصن)، وهذا الفارق فارق دقيق لم يغب عن مخيلة ابن شيخان، وذلك لأن (العمق) منته أي له نهاية معلومة أو متخيلة، بخلاف (العلو) الذي لا يعرف له انتهاء معلوم أو متخيل فالأرض مركز وما يخرج منها لا نعلم الى أين يتجه، ولهذا فإن اختيار ابن شيخان للفعل (تتعاطى) تعبير عن مواصلة (الفروع) في العلو وانما ذكر (الفرقدين) وهما نجمان أعلى القطب الشمالي، إنما ذكرهما لتحديد الجهة لا لتحديد العلو أو وقفه أو حصره، وبهذا نرى أن ابن شيخان بلغ أقصى غايات الوصف إحاطة وشمولا بحيث انتقل مطمئنا لاكتمال معانيه الى التصوير الخارجي أو التصوير الجمالي (للجا مع)، ونواه هنا يقدم وصفه من خلال صورة بديعة حيث شبه جميع الجوامع من بين جميع المظاهر العمرانية، بالعين وهي أجمل وأغل وأثمن عضو يمتلكه الانسان ولا يدانيها في الجمال والصفاء أي عضو آخر، ومن هذا المنطلق فقد جعل ابن شيخان جامعا الذي يصفه (إنسانا) لتلك العين (الجوامع الأخرى)، أي ناظرها التي لا يمكنها الابصار بدونه، ومركزها التي ترى النور من خلاله، وغاية جمالها التي تحيط به إحاطة العاشق بمعشوقه، ونحن لا نجد – جماليا – ما يضارع جمال نقطة بيضاء حية، لامعة، صافية، ناصعة في مركز دائرة سوداء تشع صفاء ولمعانا وجمالا فتانا فكيف بها إذا كانت عينا مبصرة تتحرك في كل اتجاه، ببريقها وصفائها ولمعانها لتعطينا معنى الحياة بل معاني الحياة، فيها من عظيم الخلق ما احتار العلماء في شأنه، وعكفوا على تعرفه وتفهمه، وهي للانسان جماله وبصيرته وباصرته، وعنوانه الذي به يعرف، ولغته التي تقرأ ولا توصف، لغة الفرح والسعادة والهناء، لغة الإعجاب والدهشة والحب والغرام… كل ما نعرفه من جماليات الحياة تمثله تلك العين التي تشبه الجوامع.. وكل ما نعلمه من أرقي وأصفى الجماليات يمثله ذلك الباصر (إنسان العين) الذي يمثله الجامع بين الجوامع.. وابن شيخان لا يكتفي بهذا حتى يؤكد تلك الجماليات بالفعل (يتراءى)، يتراءى في كل آن وفي كل لحظة في الزمن الحاضر وفي الزمن الآتي، يتراءى بجمال: باهر، مشرق يقطف نور المقلتين.

وانما القطف كناية عما يحدثه ذلك الجمال الباهر المشرق حيث يخلب الأنظار ويركزها حوله وكأنه يقطفها (قطفا ناعما رفيقا) من المقل ليلبي رغبتها فيثبتها حوله، تتملأ من جماله الأخاذ الباهر المشرق الفتان !

والخاصية الثانية في صور ابن شيخان هي توغل العاطفة وانتشارها انتشارا يكاد يغطي كل جزئية من جزئياتها، ويرى بعض النقاد أن الصورة لا تعتبر ناجحة إلا إذا حملت شحنه عاطفيه في كل جزء من اجزائها، وان ارتباط العاطفة بالصورة داخل العمل الفني هو ارتباط حي ناشيء عن معاناة الفنان لموقف نفسي معين، فليست الصورة في العمل الفني مقصودة لذاتها، وليست العاطفة مجرد انفجار صاخب للهوى… وانما العاطفة في العمل الفني تجسيد للحظة شعورية معينة يسيطر عليها الفنان ويخضعها للصورة كما يخضع الصورة لها بحيث يصبح الشعور هو الشعور لمصور، والصورة هي الصورة والمحسوس بها (41).

ويشترط في العاطفة ثباتها، بمعنى أن يستمر مفعولها في النص الأدبي كله، ولعل إخفاق الكثير من الفنانين يعود الى أنهم لا يستطيعون إبقاء عواطفهم حية في القصيدة كلها، فتظهر صورهم مضطربة مشوشة، فهي قوية تارة، ضعيفة تارة اخرى، معبرة احيانا، فارغه أحيانا أخرى (42).

وللحق فإننا لا نكاد نجد لابن شيخان صورة من صوره تخلو من العاطفة، بل إننا نرى العاطفة تتوغل في صوره توغلا عميقا يعطينا ربطا قائما، حاضرا بينه وبين شعره.

والمتأمل لشعر ابن شيخان يجده عاشقا مغرما متيما بالطبيعة،تلك الطبيعة أو تلك المعشوقة التي شعر بها تختلج في جوانحه، وتمتزج بوجدانه وتتعمق في كيانه، لقد شعر بشذا روضاتها نبيا يدعوه الى شرائعها، وشعر بشذا أزهارها خمرا اثمله بحبها، إن قوله (43):

كأن شذا الروضات إذ مرت الصبا

                        رسول واضواء النجوم شرائع

كأن شذا الازهار سكر وعندها

                        عطايا وهاو مضغط ومسارع

إنها الطبيعة التي تحولت عند ابن شيخان الى عقيدة موغلة في الشرعية، عقيدة تحل السكر وتهدي العطايا وكل ما يجعله يهوى اليها حبا وينجذب تعلقا، الشذا هو الرسول، والصبا أو النسيم هو الباعث الذى دائما ما يبعث على الشعور بالحياة والعشق والغرام ؛ إن الطبيعة هي جنته التي يتحدث عنها (44):

ان الجنينة جنة للوامق

                        قد صغرت لتذود عين الرامق

ضحكت ثغور اياضها وبكت

                        عيون غياضها فاعجب لذا المتطابق!

ارواحها دخلت جسوم جهاتها

                        فتنفست مسكا لانف الناشق

غنيت ببهجة حسنها فالشمس لم

                        تلمم بها الا بوجه العاشق

ان حاولت تقبيل صفحة مائها

                        نثرت دنانيرا له بمرافق

فإذا الصبا هبت حنت أغصانها

                        لخريره، تبغى استماع حقائق!

تتماوج النظرات في جنباتها

                        والنجم ينظرها بطرف غارق!

حول ابن شيخان (الجنينة) (45) الى ميدان من ميادين العشق والغرام، ليس فقط للرائين من بني البشر، وانما ايضا للشمس والصبا والعيون والنجوم!

وعلينا قيل ذلك أن نلاحظ البراعة التصويرية لبيته الأول حول (الجنينة) الى جنة عشاق، بجميع ما تحمله الجنة من إيحاءات وما تبعثه من تداعيات، وما تعمقه من جماليات، هي في ذاتها تأكيد لما سيطلقه ابن شيخان على جنيتنه من أوصاف، وهو ينفي أن يكون تصغير الاسم دلالته على قصور جنينته عن الجنة في شيء، وانما ذلك التصغير لتبعد عنها عين الطامع الرامق، الذي قد يهم بما لا تحمد عقباه؛ وهكذا يبتديء بالمدلول (الجنينة) ثم يتحول الى المدلول عليه (الروضة) فإذا بها تعج بالحركة وتمتليء بالحياة، وتتصف بالكمال والجمال، فثغورها تضحك، وما ذلك إلا تفتح أزهارها، وعيونها تبكي، وما ذاك إلا تدفق جداولها، أما أرواحها فتلبست بجمالها ثم قامت بفعل واحد، نفث المسك لأنف الناشق المتروح ولنتأمل الدقة التعبيرية لابن شيخان في قوله (دخلت)، فهو دخول كامل بهدوء ينبيء عن التوافق بين الداخل والمدخول ؛ وهذا الهدوء فلقاه أيضا في قيامها بفعل التنفس "فتنفست " وهو في جوهره تعبير عن خروج خلاصة ما نتج من اتحاد الأرواح بالأجساد: المسك؛ وهذا المسك لا يلبث ابن شيخان أن يجعله ينساب الى أنف الناشق حيث يدخل محدثا عبقا وطيبا يشعر به المتنشق في ذاته وفي كل ما حوله !

وهي كالغانية ! تفوقت على كل زينة وعلت على كل حلية، ذلك بما حازته من عميق الجمال، الذي لا يحتاج الى مظهر ليظهره، فهو ظاهر شاهر.. عشقته الشمس البهية فهي دوما هائمة ترقب الطلوع حيث تتمكن من الالمام بموطن الجمال، فتحاول جاهدة – تقبيل صفحة الماء، وهي في محاولتها تلك تنثر دنانير نورانية بمرافقها الغضة فتسقط محدثة إشعاعات لامعة من الضوء البهي الفضي.. ويتكرر المشهد الغرامي، فتقف الصبا تحرقها الغيرة، فتهب وتحني الأغصان لتنصت على ما يدور من حديث بين خرير الماء (المعشوق) وعاشقته (الشمس)؟ وهي عندما تفعل ذلك فإنما تفعله بحذر شديد ورفق أشد حتى لا تلفت الانتباه، وهذا ما يكسبها أوصافا بديعة من الرقة والنعومة والاعتدال… والى جانب الشمس والصبا تنضاف أفواج من نظرات العاشقين التي تتماوج في جنبات الجنينة كتماوج الأمواج الصغيرة التي يتلو بعضها بعضا في حالة من التلذذ المفعم بتلك الجنبات جنبات الجنينة.

وهناك.. هناك عاشق آخر النجم.. النجم الفارق،.. الذي غرق في بحر عشقه مثلما غرق في بحر جمالها الفائق، فهو في غرقه العميق، ينظر الى مفرقه نظر الوامق العاشق !

كل هذا تعبير عن العلاقة الخاصة التي قامت بين ابن شيخان والطبيعة تلك العلاقة التي نجدها في جميع شعره وصوره..

واذ وصلنا الى أنواع الصورة عند ابن شيخان، فإن لشاعرنا ثلاثة أنواع من الصور:

تأتي الصور التقريرية في مقدمتها لكونها الأكثر شيوعا في أشعار الشاعر… وتعرف الصورة التقريرية بأنها نتاج لكل الحواس التي يتمتع بها الشاعر، "وتؤلف العناصر الحسية في تشكيل الصورة عند أي شاعر قاعدة الانطلاق، ذلك لأن الحس أساس المعرفة، ولأن العنصر الخارجي الناقل للتجربة أو الرؤيا لا يبرز عادة إلا مظهر حسي " (46).

وتتوزع صور ابن شيخان الحسية الى صور بصرية وسمعية ولمسية وشمية وذوقية، وبوجه عام فإن الصور البصرية هي الأكثر شيوعا عند أغلب الشعراء باعتبار أن العين هي الأداة الأولى والكبرى للإحساس بالجمال والإحاطة بمعانيه، د،وعن طريق العين تختزن الذاكرة آلاف الصور التي تردها نتيجة الرؤية، وكثير من الأشياء التي تميز بالعين لا تميز بالحواس الاخرى كالألوان والاشكال والاحجام وغيرها (47).

وبهذا فإن الصور البصرية لا تنحصر في موضوعات محددة وانما تتسع لتشمل موضوعات كثيرة ومتنوعة، ومنها في شعر ابن شيخان الصور اللونية التي بلغ بها آفاقا قصوى من الرسم المحكم والفرز اللوني الدقيق والتلاؤم والانسجام، انظر الى الصور اللونية التي التقطها للشواف والشوافة – من خيول السيد نادر – حين يقول (48):

إنما الشواف طرف
   

مثل لمح الطرف غائر

لونه أبيض فيه
   

نقط حمـر دوائــر

في سماء من لجين
   

انجم التبـر زواهـر

أو يواقيت صغار
   

فرقت فـوق المناظر

أو كبرج من رخام
   

ركبت فيـه الدنانـر

أخته شوافة
   

والبنت منها في المظاهر

لون كل منهما
   

أحمر قـان متظاهـر

بهما من أرجوان
   

حلة تعشى النواضـر

أو كحمراوي غمام
   

مرتا بين العساكــر

   

   

   

   

   

   

   

وهنا، نرى الدقة التصويرية لابن شيخان حيث ابتدأ بتصوير لون الحصان الأعم (الأبيض) ثم لم يغفل ما شاب ذلك اللون من (نقط حمراء) ! ومع احتمال أن تكون النقط غير منتظمة الشكل نراه يأتي بالصفة (دوائر)! لينفي ذلك الاحتمال وليؤكد انتظام النقط ودقتها وتماثلها؟ كل ذلك من اللفظ المتقن المغنم (دوائر).

وهذه الصورة اللونية يعمقها ابن شيخان في الأبيات التالية بعدة صور رائعة بديعة ؟ يبدأها بصورة السماء الفضية ذات النجوم الذهبية، وهي صورة وصفية مدهشة جمعت بين دقة الخيال وقوة الإيحاء، الإيحاء بالتميز والتفرد الذي تمتع به الشواف في لونه، ونرى دلالة النبوغ التصويري لدى ابن شيخان في تفريقه بين (السماء) و (النجوم لم بالصفة (زواهر)، وذلك حتى لا ينمحي خط التميز بين بريق السماء الفضية واشعاع النجوم الذهبية، فجعل الأخيرة عن طريق اللفظ الموحي (زواهر) تتلألأ وتشرق وتضيء حتى وهي في السماء الفضية اللامعة المشعة، كل ذلك كي تحافظ الصورة اللونية على وضوحها من قريب أو بعيد..

وفي إطار التصوير اللوني يعطينا ابن شيخان صورة أروع مما قبلها، صورة اليواقيت الحمراء الصغيرة (معادل النقط الحمر الدوائر) فرقت بعناية وترتيب على مناظر صافية مصقولة (معادل اللون الأبيض)، فظهرت وكأنها ألصقت بها، وقد انعكست صورتها واشعاعاتها المتداخلة على تلك المناظر البالغة الصفاء.. وبخياله الفني وبكل دقة ومهارة، ينحت ابن شيخان الصورة التالية لذلك الحصان، صورة البرج الرخامي الأبيض الذي رصع بشكل بديع منظم بالدنانير الذهبية البراقة، وهنا ينهي ابن شيخان تصويره اللوني للحصان بعد أن اطمأن على روعته وجماليته..

وفي البيت التالي، نواه يتعدى الشواف الى أخته الشوافة وابنتها الصغيرة (المهرة) وهما – مثلما يظهر، متشابهتان الى حد بعيد (والبنت منها في المظاهر)، ويبدأ ابن شيخان بعد ذلك بالتصوير اللوني مباشرة معتبرا ذلك التماثل، فلون كل منهما أحمر قان (متظاهر) أي متماثل ومتطابق، وهو يعمق هذا الوصف بصورة الحلة الأرجوانية التي تعشي النواضر (العيون) من شدة لمعانها واشعاعها، إمعانا في الصفاء والنقاوة، ويضيف ابن شيخان الى هذه الصورة صورة أخرى بديعة: صورة غمامتين حمراوين مرتا بين صفوف الجند، وهو هنا يتعدى التصوير اللوني للخيلين الى التصوير الحركي، وقد أتى هذا التصوير معبرا عن الثقة والجمال والرشاقة كصفات تليق بالشوافة وابنتها!

والصورة الحركية Dynamic هي أحد أنواع الصورة البصرية التي فلقاها في أشعار ابن شيخان، وهو في أحد المواضع يصور حركة مركب السلطان الخاص (نور البحر) وصراعه مع الأمواج واحتماله الشدائد واجتيازه الصعاب بكل سهولة ويسر، انظر قوله (49):

يا نعم نور البحر كم من صدمة

                        في البحر زاحمها بصدر لا يفل

كم ظلمة فيه استقلت فانجلت

                        عن راكبيه بنوره يوم استقل

يهوي فيوشك ان يقبل قعره

                        طورا؛ ويعلو تارة يبغي زحل!

وعندما كان ابن شيخان يهدف من خلال صوره الى وصف قوة احتمال (نور البحر) وشدته التي لا تفل، فقد نبع هذا التصوير الحركي من كثرة خوضه لغمار الأمواج العاتية والتيارات البحرية دون أن يلحقه أدنى ضرر..

وقد أتى ابن شيخان بـ(كم) الخبرية لتفيد معنى التكثير وانما أردفها بـ(من) الجارة ليعمق معنى الإخبار بكثرة عدد مرات المزاحمة، فهو لا يذكر كل الصدمات ولكنه يذكر بعضها ونلاحظ أنه انتقى كلمة (صدمة) الحركية بعناية فائقة، حيث أدت معاني لا تؤديها غيرها من مثل (موجة) ونحوها، وعبرت الصدمة عن شدة الارتطام بين صدر المركب والأمواج العالية، وقد قوي هذا المعنى بالفعل الحركي (زاحم) الذي أدى دورا في تصوير إيغال المركب في منطقة الخطر.. فمن شدة (نور البحر) وقوة اقتحامه لمركز الأمواج العالية والتيارات العاتية ومزاحمته لها على مكانها ومركزها دون أن يصيبا شيء.. نحل ذلك بصدره الذي (لا يفل)، وكأن ابن شيخان من خلال الجملة المنفية (لا يفل) يحيلنا الى صورة السيف القاطع الذي يضرب الضرب الشديد فلا ينثلم فكذلك (نور البحر) هنا لا ينثلم ولا يتأثر من صراعه مع الأمواج ومزاحمتها على مركزها، ونلاحظ أن ابن شيخان أثمر في البيت التالي حركية الألوان واختلافها بين النور والظلام (الأبيض # الأسود) لتعميق معنى الأمان للمركب وراكبيه، فهو مركب مأمون، تغطيه ظلمات البحر وشدائده فيواجهها بنوره المشع الكاشف فيمحوها ويجليها عن طريقه فيشعر راكبوه بالأمن وانجلاء وذهاب الفزع..

ولتأكيد هذا يلجأ ابن شيخان الى صورة أخرى تصور المركب وهو يهوى من موجة عالية حتى يكاد يصل الى قعر البحر (فيقبله) ثم ما يلبث أن يرتقي موجة أخرى توشك أن توصله من علوها زحلا مع بعده الشديد وارتفاعه الرهيب !.

هذه الصورة الأخيرة تفتح لنا أبوابا أخرى من الإيحاء، وكأن ابن شيخان أراد أن يطمئن راكبي المركب الا خوف من حركة المركب الشديدة واضطرابه لأن تلك الحركة (ارتفاعا وانخفاضا) نابهة من الرغبة الذاتية للمركب (المحب) في أن يقبل خد (حبيبا) البحر الذي تغطيا المياه، فما يزال هذا يدافعه دفاع المحب لحبيبه لا خوف منه ولا ضرر بل دلال وحياء وخفر!!.

ومن الصور البصرية التي انتشرت في أشعار ابن شيخان: الصور الضوئية، ونواه يوظفها في مختلف الأغراض من مديح وغزل ووصف، ومن توظيفه لها في الوصف قوله (50):

وكأنما المريخ مجمر فضة        شبت عليه بقية من نار

مثلما نرى فإن البيت يتكون من أجزاء حسية يغلفها الخيال، وقد كان ابن شيخان يقصد من ذلك إبراز الصورة الضوئية للمريخ، وعلى عظم هذا الكوكب فقد رآه الشاعر في ظلمة الليل كأنه مجمر فضة، وهو يصور إشعاعاته الضوئية المرتدة منه ببقية نار شبت على ذلك المجمر، وانما قال بقية من نار لأن المريخ ليس من النجوم ولكنه كوكب من كواكب المجموعة الشمسية تنعكس عليه أشعة الشمس كانعكاسها على الأرض والقمر.. وقد لمح ابن شيخان الى الشمس بالفعل المبني للمجهول (شبت) فالشمس هي التي شبت على ذلك المجمر الفضي بقية من نار، واختيار ابن شيخان للمريخ من بين جميع الكواكب ليصوره بتلك الصورة كان اختيارا عجيبا دقيقا يدل على الأمر التالي: ان الشمس أرادت أن تبخر – ليلا – الفضاء بأنواع من الطيب الجمالي، فلم تجد أفضل من المريخ لكي ينجز المهمة، ذلك لأنه أوسط الكواكب فأحري به أن يوصل الطيب الى الكواكب الأخرى، وبهذا شبت عليا نار وذرت عليه طيبها الذي وصل الى ابن شيخان فنبهه على الذي يحدث، وعندما رفع ابن شيخان بصره كانت الشمس قد اختفت وكانت النار قد قلت، فرأى المجمر (المريخ) ورأى النار القليلة الباقية (بقية من نار) ولكنه لم ير الشمس التي فعلت ذلك وان كان قد فطن اليها، ولهذا ترده لم يذكرها وانما لمح اليها بالفعل المبني للمجهول "شبت" !!.

وثاني أنواع الصور الحسية التي اهتم بها ابن شيخان هي الصور السمعية أو الصوتية ولقد كان هذا الاهتمام شيئا طبيعيا من ابن شيخان الموسيقي العبقري الذي حول أشعاره – في أغلب الأحيان – الى أنغام تهز الوجدان، وتطرب الآذان كشدو الطيور (51):

والطير يشدو في الغصون كأنما
   

نغماته ضرب من الاوتار

ومفتاح الصور الصوتية في هذا البيت هما حرفا الجر (في + من)، ولكي نفهم ذلك يمكن لنا أن نكتبه بالطريقة التالية:

 

ويظهر من هذا الشكل أن ابن شيخان انحرف عن التوظيف العادي الذي يتطلب استعمال الحرف (على) وكان سيؤدي الى الصورة التالية:

 

ومن الواضح أن هذا المستوى من التوظيف قد أدى الى صورة صوتية واحدة هي بعيدة كل البعد عن الإيحاء، وتتصف بالقرب والوضوح، ولهذا تجنب ابن شيخان التعبير بهذه الطريقة،ولكنا في الوقت ذاته احتفظ بالصورة لأن الحرف (على) موجود مع الحذف أو مع الظهور.. وقد فضل ابن شيخان توظيف حرفين آخرين هما (في + من) مما حقق له الصور التالية:

 

وبهذا الانحراف عن المستوى العادي حقق ابن شيخان صورتين إضافيتين عن طريق حرفين اثنين، ولو أنه وظف حرفا واحدا لتحققت له صورة اضافية واحدة، وبهذا يصبح مجموع الصور الصوتية التي شكلها في بيته ثلاث صور، في الأولى بتوظيف حرف (على) المختفي كان ابن شيخان هو السامع وهو المشاهد، يشاهد الطير على الغصون ويسمع نغماته، وفي الثانية كان الشاعر مشاهدا فقط بينما كان السمع متصورا على الغصون، شاهد الطير يشدو في (أذان) الغصون بنغمات لم يسمعها. وفي الصورة الثالثة تحول شدو الطير في الغصون الى نغمات محسوسة، فهي هنا ضرب من الأوتار، وهي كذلك لأن الشاعر يريد إكسابها صفة البقاء أو الديمومة، فالأوتار شيء لا يختفي مثل الصوت بل تبقى بالمحافظة عليها تعزف كل لحن وفي أي وقت.. وفي هذه الصورة اتسع باب السمع فشمل الشاعر والغصون وحل الموجودات المحيطة، وكذلك كانت المشاهدة.

والى جانب الصور السمعية تكثر عند ابن شيخان الصور الشمية وقد وظفها – الى جانب توظيفها في الطبيعة – في غزله وذلك من مثل قوله (52):

بيضاء بارقة اللبات طيبة الانفاس تنعش جسم الميت الفاني

فقد تعدى ابن شيخان بأنفاس صاحبته الطيبة العطرة الى تصوير تأثيرها فيمن يتنشقها بل ويتجاوز بتأثيرها الى الأموات الذين بمجرد أن تصلهم أنفاس صاحبته حتى يعودوا أحياء منتعشين، وفي ذلك ما يدلك على ما يفوز به ابن شيخان من شمه لها!

ومن صوره الشميه ايضا قوله(53):

وحورية العينين مسكية الشذا
   

غزالية المرأي بها النور ساطع

فابن شيخان هنا يجعل لصاحبته شذا المسك الذي مازال يشمه مرتاحا منتعشا مثل انتعاشه بجمالها البارع.

ومن صور. الحسية التقريرية أيضا صوره الذوقية، وهو أغلب الأحيان يركزها على المرأة ومن ذلك قوله (54):

خذوا لي الدوا من ريقها البارد الندي
   

ففيه شفاء الداء للهائم الصدى

وقوله (56):

معسلات الريق يطفي الصدى
   

منعمات في رياض الصبا

وقوله (57):

وبات بغفلة الراثي فجيعي
   

وبت أطيل رشفي من لماه

أطيل ليشتفي منه فؤادي
   

برشف من شفاه فما شفـاه

وفي العزل ايضا كثرت عند ابن شيخان الصور اللمسية ومنها قوله في القصيدة نفسها:

وظل معانقي جيدا بجيد
   

على شفتي تقلب وجنتاه
   

 

يميل اذا عصرت له قواما
   

ويبسم كلما قبـلت فـاه

أردت اللثم من خد ثنـاه
   

ويدني لي محياه ومهما
   

 

وقد تتراسل هذه الحواس من نظر وسمع ولمس وذوق وشم على طريقة بودلير المعروفة، ولعلنا نجد بعض الأمثلة الماضية تنطبق عليها هذه المقولة، ففي ذلك غني عن التمثيل والتحليل.

وثاني أنواع الصور العامة عند ابن شيخان – بعد الصور التقريرية – هي الصور الخيالية الايحائية، ويعني الإيحاء الطاقة المعنوية المتولدة من البنية الفنية للصورة في إطارها الكلي، ويعمل على توسيع رقعة الظلال التي تسبح فيها معاني الشاعر المصورة، وقد تتعدد مع هذه الصور درجات الفهم والتأويل، ولا يتوقف الإيحاء على الباث بل يتجاوزه الى القارىء الذي يثري الأثر المنقود بثقافته واطلاعه وتأويله، لأن النص الجيد عمل مفتوح يحتمل تعدد التأويلات، ويتقبل الحلول والاندماج في قضايا القارىء، وبهذا تختلف القراءات من حيث قيمتها ودرجاتها (57).

ويرى بعض النقاد أن الصور في القصيدة ذات الوحدة العضوية لابد أن تكون صورا إيحائية لا تقف عند مجرد التشابه بين مرئيات ومسموعات (59)، بينما يرى بعضهم ان الإيحاء هو الطريقة  الثانية التي يولد بها الشعر (59).

ولقد اعتمد ابن شيخان في صوره الايحائية على مقدرته اللغوية اعتمادا كبيرا فاستغل عناصر اللغة بكل ما فيها من إمكانات لتقديم لوحاته الخيالية، ونجده يغوص على الألفاظ الدالة الموحية والتراكيب اللغوية الملائمة في بناء صوره، كصورة الليل الخائف الامن في وقت واحد، وذلك حين يقول (60):

والليل مسـودا الجبين تروعه
   

شهب السماء كمطالب بالثـأر
   

 

يسـود خوفـا مـن أسنتهـا
   

وقد يبيض أمنا من سنا الاقمار
   

 

لكن جيوش دجاه قد دفقت على
   

إغراق أعـداه عبـاب بحـار

فالتصوير هنا يتركز على خصوص الحالة: حالة الخوف، وحالة الأمن، أما حالة الخوف فقد أتى تصويرها بعدة عناصر، هي: كناية اسوداد الجبين، والشعور بالارتياع، والمطالبة بالثأر من قبل الشهب، ورماح الشهب المشرعة في وجهه. وأما حالة الأمن فصورها ابن شيخان بعناصر أخرى، هي: الابيضاض بضوء الأقمار، وكثرة جيوش الليل، وفعل الإغراق، والتعبير المركب عباب بحار.. ونلاحظ أنه قد ابتدأ بحالة الخوف واختتم بحالة الأمن وذلك لفرض فني هو بث الثقة بانتصار الليل وبالتالي ثبات اللون العام للوحة لون الليل (وهو اللون الأسود) أمام اللون الجزئي فيها (اللون الأبيض) لون ضياء الشهب، وقد نقول لماذا عددنا ضياء الأقمار من ضمن عناصر الأمن ؟ حيرتنا هذه ما تلبث أن تزول إذا علمنا أن الليل قادر على تغطية الأقمار، بل إنه ليغطي ما هو أكبر منها، أما الشهب فما بمقدوره تخطيتها لأنها مشتعلة متحركة متوهجة فهي تخترقه وتصل الى حيث تقصد محتفظة بلونها المتوهج، ولهذا رأينا ابن شيخان يصور تحركها في قوله (كمطالب بالثأر) والمطالب يتبعه الطالب، أي أن الشهب تتبع الليل فهي متحركة مندفعة تخيف الليل وتفزعه فترغمه على الهرب من أمامها،وهذا ما يحدث فعلا إذ يهرب اللون الأسود من أمام لون الشهب اللون الأبيض، وفي خضم هذا كله نرى الدقة الخيالية التي توصل اليها ابن شيخان في اختيار عناصر الخوف، فمن المعلوم ان الجبين غالبا ما يكون متألقا ومتنورا حتى (جبين الأسود) قد نلحظ عليه صورة الضوء المنعكس؛ لكن ابن شيخان يقدم لنا جبين الليل أسود حالك الظلام، وحلكة جبين الليل إنما حدثت لأمر جلل وهو الخوف الشديد، واختار ابن شيخان معنى الارتياع للتعبير عن ذلك الخوف لما يعنيه من شدة الخوف مع الاضطراب والتلفت والهروب والتخفي، وايضا لما يحمله من إشارة الى زمن الزمن (اللحظة الحاضرة) والى باعث الرعب والخوف في روع الليل وهي (الشهب) العنصر الثالث من عناصر الخوف.. ومن غير جدل فإن اختيار الشهب لهذه المهمة يشير الى خيال عميق وضع في اعتباره عدة جزئيات وأبرزها: الاشتعال التوهج، الاندفاع، الانحراف، والميل، والحركة الخاطفة.. ولهذا فقد جاءت العناصر الأخرى متوافقة مع هذه الجزئيات، فمقدمتها نقطع الظلام وتشقه مثلما تشق أزجة الرماح ما يعترضها من أعداء فترديهم قتلى، واندفاعها يبعث الليل على الهرب، وانحرافها وميلها يوحي بحركة التتبع والبحث التي تقوم بها، أما التوهج والاشتعال فهما يؤكدان فشل الليل في إطفائها حيث تحول الى حالة الخائف الهارب (المطالب بالثأر) وهذا تصوير دقيق للحالة الظاهرة والباطنة لليل وما يعتريه من قلق وخوف وترقب وتلفت الى غير ذلك مما ذكرناه أنفا..

ومرة أخرى نلحظ دقة ابن شيخان في اختياره عناصر الأمن المتمثلة في الجيوش. والاغراق، وعباب البحار.. فالجيوش الكثيرة ذات العدة والعتاد لا تقف أمامها عدة رماح قليلة تفوقت بينها كتفرق الشهب في الفضاء، ونرى ابن شيخان يختار الفعل الماضي (دفقت) للتعبير عن هجوم الجيش على تلك الأسنة (الشهب)، وقد اختار هذه الكلمة لأن الدفق يعني الصب أو الانصباب، والانصباب يوحي بالتغطية الكاملة والشمول والاحاطة، لذا نراه يردفها بالمصدر (إغراق)، ومناما كان الانصباب إنما يكون للماه أو ما شابهه انتقى ابن شيخان تعبيرا مؤكدا موضحا لذلك، وهو المركب (عباب بحار)، واذا علمنا أن العباب هو ما ارتفع وعلا واصطحب من أمواج البحر عرفنا ما قصده ابن شيخان من هذا التعبير، فقد جعل أمواج البحار المرتفعة في مواجهة الشهب المشتعلة، وبهذه المواجهة يحدد ابن شيخان الصراع بين العنصرين الفاعلين في عناصر الخوف والأمن، وهنا نرى عدم التكافؤ بين الاثنين، ونرى رجوع كفة البحار العظيمة بأمواجها المرتفعة العالية على كفة الشهب المشتعلة المتحركة باتجاه بحار الليل، وهكذا تحدث المواجهة ويشتد الصراع ويتداخل الطرفان، وفي النهاية ينجلي الأمر عن انطفاء الشهب وانتصار جيوش أو بحار الليل وبالتالي يعود اليه أمنه ويذهب روعه وفزعه.

ولكن لماذا جعل ابن شيخان الليل ينتصر؟ لقد أشرنا في البداية الى أن الصورة تصور الليل لذا فقد وجب على الشاعر المحافظة على مصدر صورته، وعدم المخاطرة بانتهاشه حتى لا تنبتر الأفكار وتتبعثر الألوان وتضيع الصورة، تماما مثلما يحافظ المخرج على بطل فيلمه حتى ينتهي ذلك الفيلم.

وبالإضافة الى هذا فإن ابن شيخان كان يدرك تمام الإدراك أن اشتعال الشهب اشتعال منبعث من اندفاعها الرهيب في الفضاء بفعل الجاذبية واحتكاكها بطبقات الجو، وهكذا فإن اشتعالها وتوهجها يعبر في النهاية عن احتراقها واضمحلالها، وبالتالي لم يكن لابن شيخان الفنان البالغ الدقة أن يقع في خطأ تثبيت الشهب كخطر مهدد لليل، ولهذا جعلها عنصر خوف انتصر عليه عنصر الأمان.

وقد يمزج ابن شيخان الصور التقريرية بالصور الإيمائية فيتولد عن ذلك نوع ثالث هي الصور التكاملية، والتي تعتمد أكثر ما تعتمد على الترابط المحكم من خلال العلاقات المتشابكة التي تحدثها مجموعه الصور المفردة في السياق العام (62)، ولنأخذ مثالا على ذلك قول ابن شيخان (62):

وتوقدت نـار الوغـى وتصـادم
   

الجمعان في رهج عظيم هائل

فالأفق بالبـارود مظلمـة ولكـن
   

أشرقت في ضوئه بمشاعـل

ضاءت وأصعقت البنـادق وانكفت
   

كرواعد وبـوارق ومخائـل

والحصـن فتـح أهلـه أبـوابـه
   

فغدوا كأسد للكمـاة أواكـل

وعلا القتام مـن الضرائب واختفت
   

عين السماء ومالها من كاحل

حتى استبان الخطب عن قتلي وعن
   

جرحي أفاضل جمة وأسافـل

ولقد قال ابن شيخان هذه الأبيات منفعلا لانتصار الإمام الخليلي (عام 1342هـ) على المنشقين عنه من بني حراص؛ ومثلما نرى فإن الترابط المحكم يضفي على الأبيات صيغة تكاملية لا يمكن تجزئتها حيث جمعت حبكة ابن شيخان التصويرية تلك العناصر في لوحة متكاملة يكمل بعضها بعضا. ونواه يشعل فتيل الحرب بالفعل (توقدت) الذي يبعث انطباعا بسرعة اشتداد الحرب، فما كادت تبدأ حتى توقدت، ولقد اختار ابن شيخان الفعل الماضي كدلالة بليغة على الزمن القصير الذي أخذته الحرب حتى اشتدت، ونلاحظ أن معنى التوقد يحيل الى معان أخرى لا يمكن الوصول اليها بغيره، وهي معان كثيرة من مثل الحرارة الشديدة والقمر الملتهب والحطب الكثير وهذه المعاني الثانوية يؤكدها ابن شيخان بصيغته التركيبية (توقدت + نار + الوغى) فكأن المتحاربين حطب لتلك النار العظيمة، وكأن (الوغى) أصواتهم المختلطة العالية عند دخولهم الى تلك النار، أصوات ألم اختياري أو ترهيب للخصم أو توثق من الأصحاب أو تخوف من الأعداء، كل تلك المعاني يوجزها ابن شيخان في كلماته الثلاث (توقدت + نار + الوغى)، وهو يؤكد ما عنيناه من معان في كلمة أخرى، هي (رهج) وقد اختارها اختيارا دقيقا لتأتي بعد الكلمات الثلاث: بعد أن (توقدت) بالمحاربين (نار+ الوغى) ظهر الدخان (الوهج = الغبار)، ولم يظهر كأي ظهور إنما ظهر ظهورا (عظيما+هائلا) مثلما حدد ابن شيخان بكل دقة ! وبعد أن أعطى تصويرا شاملا للحرب ينتقل ابن شيخان ليصور أثر عناصرها (كالبارود) و(البنادق) وهو أثر اعتمد في إظهاره على التعبير اللوني والصوتي البادي من تلك العناصر، فمن الناحية اللونية تحول لون (الأفق) من البياض (النهار) الى (الظلام) بفعل دخان (البارود)، ثم تحول لونه بذات العامل من (الظلام) الى (الضياء) وذلك من أثر احتراق البارود، وبعد هذا تبدو لنا الصورة على هذا النمط: 

وهذا التصوير اللوني لم يأت با ابن شيخان عبثا، ولم يقصده في ذاته قصدا وحيدا، إنما أتى ليدلل على (أولا) عمق أثر البارود في الحرب حيث أثر على ما هو أكبر منها: الكون أو الفضاء؟ فغير ألوانه بين ضياء وظلام، وغير أوقاته بين نهار وليل، وبهذا الإحكام الشديد وصل ابن شيخان الى بغيته. وهو لم يدلل على (عمق الأثر) فقط، وانما دلل أيضا (ثانيا) على كثرة البارود المتطاير وبالتالي كثرة المتحاربين واتساع رقعة الحرب ذاتها حيث صدر البارود من هؤلاء وهؤلاء، في جو من الالتحام الشديد والاعتراك الأشد، كل هذه الأوصاف وكل هذه المعاني ولدها ابن شيخان من أثر البارود. والعنصر الثاني مثلما يتضح، هو (البنادق).. وهنا يمزج ابن شيخان التصوير الصوتي بالتصوير اللوني ليخرج لنا بصورة تصور أثر تلك البنادق الصغيرة الرهيبة.. وهو في بيته هذا:

كرواعد وبوارق ومخائل
   

ضاءت واصعقت البنادق وانكفت

يعمد الى تضخيم الأثر بإحكام الصورة الوصفية (أولا). وبتأكيد تلك الصورة بصورة أخرى (ثانيا لم، ونلاحظ أنه في كل هذا يبدأ بالفعل الماضي، فهو يصور ما حدث في زمن منقض ولكنه لا يريد إرشادنا الى هذا بعينه، فهذا معروف معهود إذ لا تصوير يتقدم على زمن المصور، وانما أراد ابن شيخان أن يحيلنا الى معنى التأكيد المطلق الذي ينبني على أحداث واقعة، أجمع الجميع على وقوعها فلا مراء فيها، وأراد أيضا أن يعمق شقتنا فيه على أنه خبير يتحدث عن خبر يقين ؟ لقد حدثت تلك الأحداث في الماضي وكان الجميع منشغلا بالحرب ولم يكن هناك من راصد يرصد الأحداث إلا ابن شيخان، ولم يكن ابن شيخان كأي راصد فهو فنان خبير وشاعر بليغ، فهل يمكن لنا – بعد هذا – إن نأخذ الصورة من غيره ؟ كلا بطبيعة الحال ! وهل يمكن له هو إلا يؤكد صحة ما يقوله ويرويه ؟ كلا أيضا، بدليل أنه أكد بالأفعال الماضية التالية:

ضاءت + اصعقت + انكفت

واذا لاحظنا معاني هذه الأفعال بروية، لوجدناها صفات للبنادق وأثرها اللوني والصوتي والمادي.. فهي تصور أولا الأثر اللوني: (ضياء)، وتصور ثانيا الأثر الصوتي (صعق) (63)، وتصور ثالثا الاثر المادي: (الوقوع)، ونلاحظ مدى حرص ابن شيخان على قوة أثر البنادق في صيغة الإفراد الموحد لجميع الأفعال، فلم يكن بعض البنادق يضيء وبعضها الآخر يصعق أو ينكفيء وانما كلها مشتركة في ذات الفعل، فهي قد ضاءت معا، وأصعقت معا، وانكفت معا. ونشعر من خلال هذه الأفعال بمشابهة واضحة بينها وبين الظواهر الطبيعية التي أتى بها ابن شيخان تأكيدا للمعني: الرعد والبرق والمطر: ونلاحظ أنه أتى بها على صيغة الجمع (رواعد، بوارق، مخائل)، هذا في مقابل صيغة المفرد لأفعال الشطر الأول وذلك لأن عمق الأثر في اتحاد الفعل، وهو هنا إنما يصور ذلك العمق، لذا فقد اعتمد على التشبيه (أولا) وعلى صيغة الجمع (ثانيا)، وعلى عناصر طبيعية (ثالثا)، وأتى بكل ذلك في صورة وصفية اجمالا.. وبهذا لم يكتف ابن شيخان بالتصوير فقط وانما أكد ما صوره بأدوات متعددة وفي ذات الوقت متكاملة مترابطة. وربما نقول أو يقول غيرنا: لم يكن بمقدور ابن شيخان جمع الأفعال لأنها لا تجمع، فلذا أتى بها على حالتها مفردة، لكن قولنا هذا لا يعدم من اجحاف، إذ أننا أولا وأخيرا نتعامل مع الشعر من خلال الشاعر، وكان بمقدوره – بلا ريب – أن يعبر عن معانيه بغير تلك الأفعال وفي شكل آخر بعيد تماما عما ذكره من ألفاظ، لكنه – مثلما نرى – اختار الأفعال بعينها ليحدث ذلك التوازن الدقيق المتولد من الافراد في الصدر والجمع في العجز، وكل ذلك إنما يعمق ما أراده من تصوير أثر البنادق: فالإفراد عمقه بالاشتراك الجماعي في الفعل الواحد، وعمقه الجمع بتعدد الظواهر التي قد توازي أفعال البنادق، فالرعد (صوت) واحد ربما لا يوازي (صعق) البنادق الكثيرة لذا قال ابن شيخان (كرواعد)، وكذلك في التصوير اللوني (الضياء لم يقل برق وإنام قال (بوارق)، وأيضا في التصوير المادي لم يقل مخيلة وانما (مخائل)، فالفكرة الدقيقة هذه لم تغرب عن بال ابن شيخان بل قصدها قصدا أكيدا فجلاها في أروع صورة وأجمع لفظ.

وهو ينتقل في بيته الرابع الى عنصر آخر من عناصر الحرب:

(الحصن)، وهو معقل المدافعين ونرى ابن شيخان يختصر دور الحصن ليعطي أكبر انطباع عن ضراوة الحرب وشدتها والتحام فريقيها.. وقد تم هذا الاختصار بفعل (الفتح) عندما فتح أهل الحصن أبوابه ليواجهوا المهاجمين بكل شجاعة وتحد فكأنهم سباع تأكل المقاتلين المدججين بالسلاح وذلك من فرط بطشها وفتكها، وعندما يصور ابن شيخان انتقال الكل الى المواجهة في هذا البيت فإنه يصور في البيت التالي ما أحدثته تلك المواجهة من أثر، إنه القتام (الغبار الحالك) الذي علا حتى أخفى الشمس (عين السماء) فلم يبد منها شيء وابن شيخان يحتفظ بهذه الصورة لوقت طويل وذلك بتثمير الأداء الأولي في البيت التالي (حتى) التي أوحت بمعنى التطويل وعنيت معنى التحول، التحول من عنف المواجهة الى هدوء النهاية، وهذا الهدوء كشف عن الخطب الأكبر للحرب وهو كثرة القتلى والجرحى، وكان هؤلاء من الفريقين جميعا من الأفاضل وغيرهم، حيث لا تفريق بمفهوم الحرب المعروف.

الهوامش

1- in R. Barthes: Le degre Zero de Lecriture, P/33

نقلا عن د. صبحي البستاني: الصورة الشعرية في الكتابة الفنية، الأصول والإبداع، دار الفكر اللبناني، بيروت، الطبعة الأولى 1986م، ص -34.

2- د. صبحي البستاني: الصورة الشعرية، ص-32.

3- in Ullmann: L image Litteraire & Languget Litterature, 1961,P 41.

4- د. عز الدين اسماعيل: الأسس الجمالية في النقد العربي، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1986م، ص -236.

5- ينص بعض الدارسين على أن الكناية نوع من الرمز، وان الرمز والتمثيل يدخلان في إطار التشبيه الاستعارة، من هؤلاء د. صبحي البستاني في كتابه (الصورة الشعرية) ومحمد الولي في كتابه (الصورة الشعرية في الخطاب البلاغي والنقدي).

6- عبدا لقاهر الجر جاني: أسرار البلاغة، تحقيق محمد عبدالمنعم خفاجي، مكتبة القاهرة، الطبعة الثالثة 1979م، ج 2، ص -280.

7- ديوان ابن شيخان، ص – 103.

8- ديوانه، ص – 30.

9- الديوان – 20.

10- الديوان – 270.

11- الديوان – 262.

12- الديوان – 222.

13 – الديوان –  120

14- الديوان – 110.

15- ديوان ابن شيخان ص 60

16- ديوانه، ص – 99.

17- د. عدنان قاسم، التصوير الشعري، مكتبة الفلاح، الكويت، الطبعة الأولى 1986م. ص – 148.

18- ديوان ابن شيخان، ص – 91.

19- د. عدنان قاسم، ص – 152.

20- ديوان ابن شيخان، ص – 149.

21- د. عدنان قاسم، ص – 30.

22- د. مصطفى ناصف: الصورة الأدبية، دارالأندلس، بيروت، ب ت، ص – 62.

23- المرجع السابق، ص -13- 14.

24- ابراهيم المازني: حصاد الهشيم، دار الشروق، الطبعة الثالثة، ص – 237.

25- د. محمد العشماوي: قضايا النقد الأدبي بين القديم والحديث، دار الشروق، بيروت الطبعة الأولى 6994م، ص – 67.

26- المرجع السابق، ص – 68.

27 – المرجع السابق، ص – 70.

28- المرجع السابق، ص – 77.

29 – المرجع السابق، ص – 78.

30- ديوان ابن شيخان، ص – 207.

31- ديوانه، ص – 273.

32- الديوان، ص – 122.

33- الديوان، ص. 112.

34- الديوان، ص – 0 4.

35- الديوان، ص – 113.

36- الديوان، ص – 92.

37- الديوان، ص – 286.

38- د. عبدالفتاح نافع: الصورة في شعر بشار دار الفكر للنشر والتوزيع، عمان، 1983 ص – 81.

39- ديوان ابن شيخان، ص – 236.

40- د. عبدالفتاح نافع: الصورة في شعر بشار، ص – 79.

41- د. محمد العشماوي: قضايا النقد الأ دبي، ص 104.

42 – أحمد الشايب: أصول النقد الأدبي، مكتبة النهضة المصرية، الطبعة السابعة، ص-190 وما بعدها.

43- ديوان ابن شيخان، ص – 262.

44- ديوانه، ص – 316.

45- من رياض (الشارق) بلد من توابع المضيبي بالشرقية.

46- د. عبدالقادر الرباعي: تشكيل الصورة في شعر زهير، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود، المجلد 11 العدد الثاني 1984م ص – 605.

47- د. عبدالفتاح نافع: الصورة في شعر بشار، ص – 102.

48- ديوان ابن شيخان، ص – 136.

49- ديوان ابن شيخان، ص – 77.

50- ديوانه، ص – 222.

51- الديوان، ص – 222.

52 – الديوان، ص – 250.

53 – الديوان، ص – 262.

54 – الديوان، ص – 270.

55- الديوان، ص – 150.

56- الديوان، ص – 238.

57 – د. عدنان قاسم: التصوير الشعري، ص – 643.

58- د. محمد العشماوي: قضايا النقد، ص -109.

59- د. محمد مصطفى هدارة، في دراسة أيمن العشماوي: قصيدة المديح عند المتنبي، دار النهضة العربية، بيروت، 1983م، ص – 196.

60- ديوان ابن شيخان، ص – 222.

61- د. عبد القادر الرباعي: تشكيل الصورة في شعر زهير، مجلة كلية الآداب، جامعة الملك سعود، المجلد 66، العدد الثاني 1984م، ص – 637.)

62-ديوان ابن شيخان، ص – 200- 201.

63- يقال صعق الحيوان صعقا وصعاقا اذا اشتد صوته، والصعق: الشديد الصوت، فهو مصقاع، وهذا غير الصاعقة: النار الواقعة من الفضاء.
 
على بن قاسم الكلباني (كاتب من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

متابعات ورؤى المفارقات المشهدية في شعر حلمي سالم

اختلفَ الباحثونَ والدارسونَ حَوْلَ مَفْهُومِ الْمُفَارَقَةِ فِي النَّقْدِ الأدَبِي اختلافاً واسعاً ومن ثمَّ ، فيجب …