الطائي .. رائداً للصحافة والإعلام (1924-1973) يعكسُ واقع الحال فـي منطقة الخليج

مدخل تاريخي-ثقافي
لا يختلف اثنان على ريادة عبد الله بن محمد الطائي للكتابة الأدبية الحديثة في عمان والخليج العربي، تلك الريادة التي يستدل عليها بمجموع نتاجاته الأدبية؛ في الشعر والرواية والقصة القصيرة والمقالة الأدبية، والسيرة الذاتية والمذكرات، والرسائل الأدبية، والنص المسرحي. كما اتضحت هذه الريادة أيضًا في ثنايا الدراسات والبحوث العلمية التي تناولت نتاجات الطائي الأدبية المتعددة والمتنوعة. لكن في مقابل معرفتنا بهذا الرائد للكتابة الأدبية الحديثة، نجد أنفسنا نعرفه بدرجة أقل كرائد صحفي وإعلامي، أو إن أردنا الدقة؛ كتبنا بدرجة أقل عن إسهاماته الصحفية والإعلامية. وإن كان من عذر يبرر للباحثين والمهتمين ضعف الاهتمام بريادة عبد الله الطائي صحفيا وإعلاميا، فهو يرتبط بزخم الانتاج الأدبي الذي قدمه الطائي، وبالتالي توارت ريادته الصحفية والإعلامية في تأسيس بعض الصحف والمجلات وتقديم البرامج الإذاعية ثم العمل في إدارة وتنظيم وقيادة العمل الإعلامي في الكويت والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان خلف إبداعاته ودراساته الأدبية والتاريخية.
لقد ارتبطت ريادة عبدالله الطائي بأعماله ودواوينه الشعرية المتعددة؛ «الفجر الزاحف»، «وداعا أيها الليل الطويل»، «حادي القافلة»، كما ارتبطت أيضا بسردياته المتمثلة في «المغلغل»، ملائكة الجبل الأخضر»، والشراع الكبير»، وأعمال عديدة أخرى كثيرة لا تزال مخطوطة. هذا إلى جانب الدراسات الأدبية والتاريخية، لعل من أهمها «تاريخ عمان السياسي»(2). وبالتالي لم يكن من السهل على الباحثين والمؤرخين تجاهل هذه الأعمال المهمة وريادة الطائي الثقافية في منطقة الخليج العربي والبحث في تأسيسه لبعض المشاريع الصحفية أو رئاسة تحرير بعض الصحف والمجلات أو تقديمه للأحاديث الإذاعية وفي مرحلة تالية قيادته للعمل الإعلامي في سلطنة عمان، ولو لفترة قصيرة نسبيًا. على الرغم من أن أعمال عبدالله الطائي الصحفية والإعلامية (الإذاعية تحديدًا) لم تكن قليلة، حيث جمعت هي الأخرى في ثلاثة مجلدات من المجموعة الكاملة التي أصدرتها عائلته وحملت عناوين «دراسات عن الخليج العربي (1960-1972)، «الأدب المعاصر في الخليج العربي»، الذي كان عبارة عن محاضرات في معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة، و «شعراء معاصرون ومواقف».
وعلى اعتبار أن هذا المقال يعرض ضمن ملف متكامل عن الرائد التنويري عبدالله بن محمد الطائي فمن المتوقع أن تتناول مقالات أخرى ولادته ووفاته ومراحل من حياته وتعليمه ومجالات ريادته وإبداعه الأدبي والثقافي، وبالتالي يركز المقال الحالي بشكل مباشر على ريادته الصحفية والإعلامية.
عبدالله الطائي رائدا صحفيًا واعلاميًا
ينطبق على عبد الله بن محمد الطائي –من وجهة نظري- لقب أديب الصحافة والصحفي الأديب، وبلغة العصر كان الصحفي المتخصص في الشأن الثقافي والأدبي، حيث تفيض مقالاته وأحاديثه الإذاعية أدبًا وثقافًة على مستوى الموضوع و اللغة، لدرجة أنني عندما قرأت أحاديثه الإذاعية التي بثها في إذاعتي البحرين والكويت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تساءلت: هل هذه أحاديث إذاعة عامة؟ أم أحاديث نخبوية في إذعة عامة؟ أم أن مستوى العامة كان بهذا الوعي الثقافي والفكري الذي قدمه الطائي في أحاديثه الإذاعية في تلك الفترة؟
لقد ارتبطت ريادة عبد الله الطائي الصحفية والإعلامية بأعماله وإسهاماته خارج حدود الأرض العمانية التي نعرفها حاليا بدرجة أكبر وأهم من أعماله التي قدمها على المستوى المحلي، وذلك على غرار شخصيات عمانية رائدة امتهنت العمل الصحفي وتحملت متاعبه وظروفه الخاصة، وهو بذلك يمثل استمرارًا لتلك الشخصيات العمانية التي أسست مشاريع صحفية خارج حدود عمان وساهمت بفكرها وانتاجها الأدبي والصحفي في دعم مسيرة عدد من الصحف والمجلات، وغذت بإسهاماتها وأحاديثها الاذاعات المسموعة. ومن هنا تعتبر إسهامات عبد الله الطائي وريادته الصحفية والإعلامية حلقة في سلسلة ممتدة وطويلة من الإسهامات الثقافية والصحفية- المهنية التي قدمها روَاد الصحافة العمانية، واستمرارا لمشروع ريادة العمل الصحفي الذي تعود بواكيره الأولى إلى عام 1911 عندما أصدر أبو مسلم ناصر بن سالم بن عديم الرواحي صحيفة النجاح في جزيرة زنجبار ، والتي فتحت الباب لعدد من المشاريع الصحفية التي أسستها شخصيات عمانية خارج الحدود الوطنية المعاصرة لعمان، أو داخلها.
لا يدعي كاتب هذا المقال هنا تقديم كشف جديد عن ريادة عبد الله الطائي الصحفية والإعلامية، لكنه يسعى إلى تقديم بعض المعلومات الأساسية عن تلك الريادة، والتي استقاها من المصادر السابقة ووثائق العائلة(3)، إلى جانب تقديم قراءة عامة عن كتابات الطائي الصحفية من النواحي المهنية الصحفية. وحري بالذكر هنا أن هذا الرائد الصحفي الإعلامي قدم جل إسهاماته الصحفية والإذاعية في البحرين والكويت ثم الامارات العربية المتحدة وبشكل أقل في عمان، عندما تولى حقيبة وزارة الإعلام والشؤون الاجتماعية والعمل في أول تشكيل وزاري في السلطنة برئاسة صاحب السمو السيد طارق بن تيمور آل سعيد في 4 ديسمبر 1970.(4) ولذلك لم يعد مستغربًا أن يحتفى بنتاجات عبد الله الطائي الصحفية والإعلامية في البحرين والكويت والإمارات بشكل مستمر، لأنه كان من بين الأسماء الأولى التي أسست للعمل الإعلامي والصحفي في هذه الدول في خميسنيات وستينيات القرن العشرين. ولعل من آخر أشكال الاحتفاء تلك، حلقة تليفزيونية في برنامج «الراوي» قدمه تليفزيون دبي بعنوان «سيرة أديب عمان والخليج العربي عبد الله بن محمد الطائي رحمه الله»(5).
يقدم محسن الكندي في نهاية كتابه «عبد الله الطائي (1924 – 1973) وريادة الكتابة الأدبية الحديثة في عمان»، عددا من الملاحق المهمة عن الإنتاج الصحفي للطائي في عدد من الصحف والمجلات الخليجية والعربية إلى جانب ملحقين آخرين عن أحاديثة الإذاعية في اذاعتي البحرين والكويت. وحسب هذه الملاحق توزع الإنتاج الصحفي للطائي في عدد من الصحف والمجلات العربية، وبلغ عدد المقالات المنشورة له في هذه الدوريات قرابة 100 مقال في موضوعات متنوعة ركز أغلبها على الشؤون الأدبية والإبداعية في منطقة الخليج العربي بشكل عام، إلى جانب ملحقين عن أحاديثة الإذاعية في إذاعة البحرين وإذاعة الكويت، وجاءت عناوين الملاحق المشار إليها على النحو التالي6:
1- ملحق 3-أ: إنتاج الطائي المنشور في مجلة «صوت البحرين»، البحرينية: 17 مقالا،
2- ملحق 3-ب: إنتاج الطائي المنشور في مجلة «هنا البحرين»، البحرينية: 17 مقالا،
3- ملحق 3-ج: إنتاج الطائي المنشور في مجلة «الكويت»، الكويتية: 38 مقالا،
4- ملحق 3-د: إنتاج الطائي المنشور في مجلة «الاتحاد»، الإماراتية: 10 مقالات،
5- ملحق 3-هـ: إنتاج الطائي المنشور في صحيفة «الوطن»، العمانية: 6 مقالات،
6- ملحق 3-و: إنتاج الطائي المنشور في الصحف والجرائد العربية: 12 مقالا
7- ملحق 4-أ: أحاديث الطائي الإذاعية في إذاعة «البحرين اللاسلكية»: 28 حديثا،
8- ملحق 4-ب: أحاديث الطائي الإذاعية في إذاعة «الكويت»: 21 حديثا.
تجلت ريادة عبد الله بن محمد الطائي الصحفية والإعلامية في عدد من الأنشطة والأعمال المهمة لعل أبرزها رئاسة تحرير المجلات، و كتابة المقال الصحفي، وتقديم الأحاديث الإذاعية، و المشاركة في تأسيس المشاريع والمؤسسات الصحفية والإعلامية على المستويين الخليجي والوطني، ثم قيادة العمل الإعلامي لأول وزارة للإعلام والشؤون الاجتماعية في السلطنة.
في مرحلة اقامته وعملة في البحرين (1950-1959) اشتغل الطائي بالتعليم لكنه أرتبط أيضا بالعمل الصحفي والإذاعي من البداية وكان مدخله في ذلك نشاطه الثقافي والأدبي في الأندية والمجالس الثقافية والمحاضرات العامة التي كان يلقيها. حيث قدّم في إذاعة البحرين التي بدأت بث إرسالها عام 1955 عددا من الأحاديث الإذاعية(7)، إلى جانب عمله بالتدريس. أما في الصحافة، فبدأ في نشر مقالاته أولا في مجلة «صوت البحرين» التي صدرت لأول مرة عام 1949.(8) ويبدو أن العمل الإعلامي والصحفي أخذ يستأثر بوقت عبد الله الطائي الذي كان مشغولا أغلبه بالتعليم، حيث تشير المصادر إلى أنه انتقل من قطاع التعليم بشكل كامل عام 1957 ليعمل في دائرة العلاقات العامة في حكومة البحرين، ثم يتولى رئاسة دائرة المطبوعات في تلك الدائرة(9). وكانت هذه الدائرة تصدر مجلة خاصة بها تحمل عنوان «هنا البحرين»، حيث صدر العدد الأول منها بتاريخ 31 يناير 1957.(10) وإلى جانب الإشارة المهمة التي قدمتها هذه المجلة عن عبد الله الطائي في عددها الأول كأحد أشهر الشخصيات الأدبية والثقافية في منطقة الخليج العربي، ظل الطائي يكتب فيها المقال تلو الأخر، إلى ان تولى رئاسة تحريرها اعتبارًا من العدد رقم 35 الصادر في أكتوبر عام 1957.(11)
هكذا يتضح كيف تدرج عبد الله الطائي في العمل الإعلامي والصحفي في البحرين وكيف حقق ريادته في هذا المجال، فبدأ بالأحاديث الإذاعية ثم كتابة المقال الصحفي إلى أن تم تعيينه رئيسا لتحرير مجلة «البحرين» وهو اعتراف كبير بإمكانيات هذا الرائد ومكانته الثقافية والأدبية في البحرين بل وفي منطقة الخليج العربي في تلك الفترة.
في مرحلة الكويت (1959-1968) كان العمل الصحفي والإعلامي هو الشغل الشاغل لعبدالله الطائي منذ بداية رحلته إليها. حيث عمل في البداية في القسم الصحفي بدائرة المطبوعات والنشر في وزارة الارشاد والأنباء، وهو عمل كما يتضح مرتبط بالمؤسسة الرسمية التي تمثل وزارة الإعلام في الوقت الراهن. ومن أعماله ذات الصلة بالإعلام في مرحلة الكويت، مشاركته عام 1964 في وفد إلى إمارة الفجيرة لدراسة إنشاء «إذاعة الخليج العربي» هناك(12). وفي عام 1964 أيضا تأسست في الكويت مجلة «الكويت» وكان الطائي ضمن هيئة تحريرها. ويشير محسن الكندي إلى أن الطائي تولى رئاسة تحرير مجلة الكويت اعتبارا من عام 1966،(13) لكن تلك الإشارة كانت عابرة وبدون تفاصيل، كما أن المصادر الكويتية التي كتبت في هذا الشأن وخاصة خالد سعود الزيد في كتابه بعنوان «سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية»، لم يحدد بشكل واضح موضوع رئاسة الطائي لتحرير مجلة الكويت(14). وقد اتصل كاتب المقال بالكاتب والأديب خليفة الوقيان للتعليق على مسألة رئاسة عبد الله الطائي لهيئة تحرير مجلة الكويت، حيث أكد الوقيان أنه سمع مباشرة من أستاذه خالد سعود الزيد أن عبد الله الطائي كان في فترة من الفترات هو الرجل الأول والمشرف على مجلة «الكويت»، لكن دون التأكد من استخدام تسمية «رئيس التحرير» لوصف طبيعة عمله في المجلة في تلك الفترة(15).
وفي إذاعة الكويت أيضا قدم الطائي عددا من الأحاديث الإذاعية استكمالا لمشروع أحاديثه الإذاعية في إذاعة البحرين في المرحلة السابقة، حيث تشير عناوين تلك الأحاديث إلى تناوله لموضوعات ثقافية وأدبية وتاريخية عن منطقة الخليج العربي بشكل عام، وبعض الأحاديث التي خصصها عن عمان(16.
أما في مرحلة أبو ظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة (1968-1970) فقد عمل نائبا لرئيس دائرة الإعلام والسياحة ثم مستشارا تعليميا وإعلاميا، إلى جانب كتابته عدد من المقالات الصحفية التي نشرت في جريدة الاتحاد، وتشير بعض المصادر أيضا أنه تولى رئاسة تحريرها(17). وكانت مرحلة أبو ظبي هي الأقصر من حيث زمن الإقامة مقارنة بالمرحلتين السابقتين (البحرين والكويت). وفي هذه المرحلة اختلط دوره الثقافي -الإعلامي بالدور السياسي، لكن هذه المرحلة أيضا كانت تقربه من المرحلة التالية والأهم وهي العودة إلى عمان وقيادة العمل الإعلامي فيها.
أما علاقته بالعمل الصحفي والإعلامي في السلطنة (1970-1972) فارتبطت بتوليه لحقيبة وزارة الإعلام منذ 4 ديسمبر 1970، أي بعد مضي ما يقرب من خمسة أشهر على بداية عصر النهضة العمانية المعاصرة بتولي جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم مقاليد الحكم في البلاد في 23 يوليو 1970. وفي تلك الفترة كانت الإذاعة العمانية قد انطلقت، لكن المشاريع الصحفية لم تبدأ بعد. ويمكن القول أن اسهام عبد الله الطائي في العمل الصحفي والإعلامي ارتبط بوضع الأطر التنظيمية والسياسات الأولى الموجهة للعمل الصحفي والإذاعي خاصة وهو ما تشير إليه بعض أحاديثه وحواراته الإذاعية في تلك الفترة. وأشار الفلاحي أن عبد الله الطائي قدم في الإذاعة العمانية برنامجا يوميا كان يذاع في أمسيات شهر رمضان عام 1971، مؤكدا أنه كان شاهدا على تسجيله في تلك الفترة(18. لكن هذه المرحلة لم تأخذ مداها الزمني أيضا وكانت قصيرة للغاية، كما أنها كانت سياسية الطابع بحكم المنصب الوظيفي الذي تولاه الطائي كوزير للإعلام والشؤون الاجتماعية، حيث قل عدد المقالات المنشورة له في الصحف في تلك الفترة وتضاءلت كذلك الأحاديث الإذاعية، وهو أمر متوقع وطبيعي بسبب طبيعة المنصب السياسي الجديد والمهام المرتبطة به.
ويمكن القول بعد استعراض هذه المراحل التي مرت بها بها تجربة الطائي الصحفية والإعلامية أن ريادته في هذا المجال تشكلت في البحرين وبلغت ذروتها في الكويت وسبقته إلى الإمارات التي جاء للعمل فيها واسمه الثقافي والأدبي والصحفي قد تحقق وعرف بشكل كبير. ويستدل على ذلك طبيعة الأعمال التي أنيطت به في أبو ظبي ومكانته الثقافية والسياسية فيها. أما قيادته للعمل الإعلامي في عمان فكانت –من وجهة نظري- تتويجا لتلك الريادة الثقافية والأدبية والصحفية التي عمل عليها وحققها بعد سنوات من العمل الشاق والتنقل المستمر.
وقبل نهاية هذا المقال يعتقد الكاتب بضرورة تتبع الإشارات التي قدمها الطائي في مقالاته المتعددة عن العمل الصحفي والإعلامي لتحديد بعض توجهاته ومبادئه وارتباط ذلك بريادته في هذا الجانب. حيث اهتم الطائي بتتبع سير بعض رواد الرواد العمل الصحفي في منطقة الخليج العربي وإسهاماتهم الصحفية. وكانت مقالاته عنهم تتسم بالوفاء لجهودهم والاعتراف بفضل ريادتهم للعمل الصحفي والتقدير الكبير لما قدموه واسهموا به في الحركة الثقافية بشكل عام وتأسيس العمل الصحفي بشكل خاص. من ذلك على سبيل المثال تحدث عبد الله الطائي عن مؤسس الصحافة الكويتية عبد العزيز الرشيد ضمن محاضرة له في معهد البحوث والدراسات العربية تناولت أعلام الأدب في الكويت واصفا أثره العميق في النهضة العربية في الكويت وكفاحه في سبيل انطلاق نهضة الكويت، وتأسيسه لأول مجلة في المنطقة هي مجلة «الكويت» عام 1928، وتأليفه لكتاب «تاريخ الكويت»(19). وإلى جانب مؤسس الصحافة الكويتية تحدث الطائي أيضا عن أسماء كويتية مهمة أخرى أسهمت في تاريخ الصحافة الكويتية مثل خالد الفرج وعبد الله الصانع، وعبد الله زكريا الأنصاري، وأحمد العدواني، وعبد الرزاق البصير، وغيرهم. وقد تناول أدوار هؤلاء الرواد في معرض حديثه أيضا عن الأدب المعاصر في الخليج، وتاريخ الصحافة في الكويت وغيرها من الموضوعات.
واعتمد ذات المسار في الحديث عن مؤسس ورائد الصحافة في البحرين؛ عبد الله الزائد الذي أصدر صحيفة البحرين عام 1939، حيث تحدث عنه في محاضرة له بعنوان «أعلام الأدب في البحرين» باعتباره «أول صحفي بالبحرين وأول من جلب مطبعة إليها»(20)، واستعان الطائي بالوصف الذي كتبه عبد العزيز الرشيد الذي قال عن الزائد «إنه القطب الذي تدور عليه رحى العلم والأدب والمرجع الوحيد لكثير من الآراء المفيدة هناك»(21).
وفي محاضرته عن «الأدب المعاصر في الخليج العربي» تناول عبد الله الطائي دور الصحافة العربية بإعتبارها عاملا مؤثرا في الأدب بل في النهضة بشكل عام في منطقة الخليج العربي، مقارنا تأثيرها في ذلك بتأثير التعليم والأندية الثقافية والأدبية(22). وأشار عبد الله الطائي في معرض حديثه عن تأثير الصحف العربية على النهضة في الخليج قائلا: «والصحافة العربية كان لها دورها الكبير في التاثير على النهضة في الخليج، فرغم صعوبة المواصلات في مطلع القرن العشرين وما بعد الحرب العالمية الثانية كان عرب الخليج يتتبعون هذه الصحف ويتبادلون قراءتها من يد إلى يد بل من بلد إلى بلد، وكان فيهم من لا يقل قربه الروحي من هذه الصحف عن مكان منشئها في القاهرة أو في بيروت أو في بغداد»(23).
وفي ذات المحاضرة قدّم الطائي عرضا تاريخيا لنشأة الصحافة المحلية في منطقة الخليج العربي، حيث تناول تاريخ الصحافة في الكويت وروادها منذ تأسيس مجلة «الكويت» عام 1928، ثم تعرض لتاريخ الصحافة في البحرين منذ تأسيس عبد الزائد لمجلة «البحرين» عام 1939، بالإضافة إلى الصحف والمجلات التي تأسست في قطر والإمارات وعمان منذ نهايات عام 1969 إلى بداية عام 1972. وأشار الطائي في تلك المحاضرة إلى تاسيس نصر بن محمد الطائي لصحيفة الوطن في 1971، وكيف أن صحيفته تلك كانت « شعلة ساهمت في تفريق الظلام ونبهت الأفكار ودعت العمانيين إلى البناء ودعت الحكومة إلى كسر الاحتكار …»(24).
وتمثل هذه الإشارات التي قدمها الطائي في تلك الفترة أهمية تاريخية باعتبارها شهادة كاتب معاصر وشاهد عيان مطلّع على التفاصيل في دول المنطقة، وعلى علاقة مباشرة بالعاملين في مجالات الصحافة والثقافة والأدب. كما أن تلك الإشارات التاريخية تعكس دور الطائي في التوثيق لحركة التنوير والنهضة الثقافية في دول الخليج العربية والتي كانت الصحافة من أدواتها، وكان المثقفون والمفكرون والكتّاب والصحفيون من أهم قواها المحركة والداعمة.
وفي مقال آخر نشر في كتاب (دراسات في الخليج العربي (1960-19729)، تناول الطائي تاريخ الصحافة في الكويت بشكل مفصل مقسما إياها إلى مجلات شهرية وكان من أبرزها (الكويت، البعثة، كاظمة، البعث، الرائد، الايمان، المجتمع، العربي وغيرها) وصحف ومجلات أسبوعية ومن الأمثلة عليها (مجلة الكويت جريدة اليوم، الفجر، جريدة الاتحاد، جريدة الشعب، وغيرها)، وأخيرا الجرائد اليومية وهي الرأي العام، Kuwait Times، أخبار الكويت، The Daily News25.
وبالإضافة إلى أهمية ذلك المقال في التأريخ للصحافة الكويتية منذ إصدار مجلة الكويت عام 1928 إلى منتصف ستينيات القرن الماضي، يعتقد الكاتب بوجود أهمية أخرى لذلك المقال تتمثل في مقدمته التي خصصها الطائي عن الصحافة من حيث مكانتها وتأثيرها وأوصافها، وهي إشارات تعكس قناعاته بالصحافة كمهنة ورسالة. فالصحافة بالنسبة لعبد الله الطائي هي «مرآة الشعوب»، والصحيح منها «ما يعكس للقراء عادات الشعوب وتقاليدها» وهي القادرة على تأريخ «كل ما يجد في البلد من إصلاحات اجتماعية واقتصادية وعمرانية وما يجد فيها من أحداث سياسية وغير سياسية». كما أن الصحافة من وجهة نظر الطائي هي «مدرسة للشعب يتلقى فيها دروسا في شتى نواحي الحياة»، بل أنها بالنسبة إليه تشبه الحياة «من حيث التجدد والاستمرار»(26).
لقد تمثل الطائي هذه القناعات وتأثر بها فأستخدم الصحافة والإذاعة ليعكس واقع الحال في منطقة الخليج العربي ثقافة وأدبا ومجتمعا وتاريخا، ويكفي الاستدلال بعناوين مقالاته الصحفية وأحادثيه الإذاعية التي تناولت العديد من الموضوعات الأدبية والاجتماعية والدينية والتاريخية وعرضت سير الكثير من الشخصيات الثقافية والأدبية والسياسية في منطقة الخليج العربي. ويبدو أن انتقاله التدريجي من سلك التعليم المدرسي إلى العمل الصحفي والإعلامي والثقافي العام كان يعكس أيضا قناعة أخرى من قناعاته بالصحافة التي وصفها بأنها «مدرسة للشعب»، حيث قرر الطائي في مرحلة من مراحل حياته الانتقال من التعليم المدرسي الضيّق –على الرغم من أهميته- إلى التعليم الجماهيري العابر للحدود في مدرسة الشعب.
الهوامش والمصادر
1 – أستاذ الصحافة المشارك، قسم الإعلام-جامعة السلطان قابوس. عميد كلية الآداب والعلوم الاجتماعية بالجامعة ذاتها من عام 2011- إلى اليوم.
2 – قدمت عائلة عبد الله بن محمد الطائي أغلب أعماله في ستة مجلدات حملت العناوين التالية: «دراسات عن الخليج العربي (1960-1972)»، «الأدب المعاصر في الخليج العربي»، «شعراء معاصرون ومواقف»، «تاريخ عمان السياسي»، «سرديات»، و«الأعمال الشعرية» (2016)، دار فضاءات للنشر والتوزيع: عمّان. وهو جهد مهم وإضافة متميزة للمكتبة العربية بشكل عام وللمكتبة العمانية بشكل خاص.
3 – اعتمد الكاتب بشكل أساسي في الحصول على بعض الوثائق العائلية الخاصة على الكاتب والباحث نصر بن ليث بن نصر الطائي، أحد أبناء هذه العائلة المهتمين بجمع تراث أجداداهم والحفاظ عليه ونشره. ويحسب لهذا الشاب تأسيسه للموقع الرسمي للأديب عبد الله بن محمد الطائي https://www.altaei.net. هذا بالإضافة إلى تعاونه الدائم مع الكثير من الباحثين وتواصله مع مؤسسات الثقافة في الخليج في كل ما يخص عبد الله الطائي.
4 – الكندي، محسن (2004) عبد الله الطائي (1924-1973) حياة ووثائق. رابطة الأدباء في الكويت: الكويت. ص.193.
5 – تليفزيون دبي، برنامج تليفزيوني من حلقات بعنوان «الراوي»،حلقة بعنوان «سيرة أديب عمان والخليج العربي عبد الله بن محمد الطائي رحمه الله 1 يوليو 2016. متوفرة على شبكة اليوتيوب http://awaan.ae/video/.
6 – الكندي، محسن (2008) دراسات في أعلام التجربة الأدبية العمانية الحديثة عبد الله الطائي 1924-1973 وريادة الكتابة الأدبية الأدبية الحديثة في عمان. دار يافا العلمية للنشر والتوزيع و دار الجنادرية للنشر والتوزيع: عمّان. ص. 491-505.
7 – يشير الملحق رقم 4-أ في كتاب الكندي، محسن (2009) دراسات في أعلام التجربة الأدبية العمانية الحديثة عبد الله الطائي 1924-1973 وريادة الكتابة الأدبية الأدبية الحديثة في عمان. الجنادرية للنشر والتوزيع: عمّان. ص. 503، إلى أن أول حديث للطائي بهذه الإذاعة تم بثه بتاريخ 20 يناير 1956 وكان بعنوان «أخلاق القرآن».
8 – الحمد، سعيد (5 ديسمبر 2014) «لمحات من تاريخ الصحافة في الخليج العربي»، (في) صحيفة الأيام البحرينية. المقال متوفر في الرابط التالي: http://www.alayam.com/Article/. تمت زيارة الموقع بتاريخ 1 مارس 2017.
9 – الكندي، محسن (2004)، مصدر سابق ص.37.
10 – سرحان، منصور (2006) الصحافة في البحرين. وزارة الإعلام: مملكة البحرين. ص. 123.
11 – المصدر السابق، ص. 124.
12 – الكندي، محسن (2004)، مصدر سابق. ص.45.
13 – المصدر السابق، ص. 45 يشير محسن الكندي إلى أنه استند على ما جاء في خطة مجلة «الكويت» الصادر من وزارة الإرشاد والأنباء بتاريخ 13/6/1966.
14 – الزيد، خالد (1983) سير وتراجم خليجية في المجلات الكويتية. شركة الربيعان للنشر والتوزيع: الكويت.
15 – اتصال هاتفي أجراه كاتب المقال مع د. خليفة الوقيان، بتاريخ 28 فبراير 2017.
16 – الكندي، محسن (2008)، مصدر سابق، ملحق رقم 4-ب، يتضح أن أول حديث إذاعي للطائي في إذاعة الكويت كان بتاريخ 25 أغسطس عام 1962 بعنوان «القرامطة في البحرين». ص. 505.
17 – الطائي، نصر (2016) تأملات في شعر مهمل. الدار العربية للعلوم ناشرون: بيروت. ص. 90-91.
18 – عبد الله الطائي وقفات سريعة في محطات من سيرته الخصبة»، (في) المطروشي، حسن (إعداد) طائر الشعر والرحيل عبد الله الطائي إنسانًا ومبدعًا. مكتبة الغبيراء: مسقط. ص. 21.
19 – الطائي، عبد الله (2016) الأدب المعاصر في الخليج العربي. دار فضاءات للنشر والتوزيع: عمّان. ص. 86- 138.
20 – المصدر السابق، ص. 196- 248.
21 – المصدر السابق، ص. 201.
22 – المصدر السابق، ص. 23.
23 – المصدر السابق، ص. 30.
24 – المصدر السابق، ص. 38.
25 – الطائي، عبد الله (2016) دراسات في الخليج العربي (1960-19729).دار فضاءات للنشر والتوزيع: عمّان. ص. 139-151.
26 – المصدر السابق، ص. 139.


عبد الله بن خميس الكندي *

شاهد أيضاً

الشخصيات ومرجعيات الخطاب السردي فـي رواية (سأم الانتظار)

الشخصيات والميثاق التخيلي : يرى تيري ايغلتون في كتابه (كيف نقرأ الأدب) أن «النص نموذج …