الطريق تتمة.. سيناريو جو ينهول عن قصة كورماك مكارثي «الطريق» “The Road”

مقدمة
رجل وصبي، أب وابنه «كل منهما يشكل كلياً عالم الآخر».
يسير كلاهما في طريق يخترق «رماد العالم المنقضي». وبصورة مذهلة يغادر مكارثي عمله السابق «ليس وطناً للشيخوخة 2003»، ينتقل إلى تصوير سيناريو ما بعد القيامة. البيوت قد هُدمت، النباتات والحيوانات ماتت، بقي عدد ضئيل من البشر. الشمس يحجبها الرماد والفصل شتاء. وباختفاء اي أثر للطعام يتجه معظم البشر ليتحولو إلى اكلة لحوم بعضهم البعض. يمضي الرجل والصبي باتجاه البحر. الرجل يتذكر العالم السابق، ومع موات ذكرياته يموت ذلك العالم. الولد أبصر النور بعد أن تغيّر كل شيء. والرجل الذي يقترب من الموت يحمل في ثناياه حباً أبوياً حاداً وإرادة على البقاء ومع ذلك يحتفظ برصاصتيه الأخيرتين لنفسه ولولده.
* تضيء نثر مكارثي رقة غير عادية. فهو بسيط ومع ذلك غامض. فـ «الطريق» لا تعطينا فرصة للهرب أو الراحة.
إن حكمتها الجسورة تبقى في الذاكرة اكثر من أي تأكيد مفترض.
«نيويورك تايمز»
استطاع كاتب السيناريو أن يتعمق في الحوار بين الرجل والصبي اكثر مما في الرواية بينما تميّزت الرواية بلغتها الخارقة للعادة والتي لا تسمح للقارئ بالتوقف أو الراحة.

الطريق (2009)
المخرج: جون هيلكوت
رواية: كورماك ماكرثي
سيناريو: جوينهول
تمثيل: فيجو مورتنسن
شارليز ثيرون
كودي سميث مكفي

***
الرجل: لا تستطيعين العيش بلا بيانو. تبدأ في كشف غطاء البيانو، تفتح الغطاء، وتنزعه عن مفاصله، انه ثقيل تسلمه الغطاء الثقيل ويضعه متردداً على الأرضية.
المرأة: انه البيانو الخاص بي.
الرجل: انا اشتريته لك.
المرأة: بحاجه إلى دوزنه. من الذي سيدوزنه؟ هل تستطيع أنت ان تفعل ذلك؟
ينظران إلى بعضهما البعض بحزن. يأخذان القطعة الأمامية بعيداً ويتركانها. تلتقط المرأة الفأس وتناوله إياه. فيرفعه ويضرب اللوح.
(نهاية العودة إلى الوراء)
خارجي. ساحة – نهاراً
يسير الرجل نحو الخيمة الصفيح متجاوزاً العشب الميت.
يتوقف فجأة. ينصت لما حوله قليلا. يتابع نحو الكوخ. بالقرب من الكوخ عربة حديقة صناعية مركونة. يعاود الرجل الظهور والرفش في يده.. يحفر بالرفش العشب الميت فيسمع صوته يصل إلى ما هو خشبي. يحفر اكثر بحماس، ويتعب متزايداً حتى يظهر له باب في القاذورات.
كان مستغرقاً إلى درجة كبيرة بحيث لم يلاحظ وجود الصبي واقفاً على بعد بضع خطوات يراقبه بعيون مفتوحة خائفة.
الصبي: لا تفتحه يا والدي.
الرجل: سيكون الأمر بسيطاً.
الصبي: رجاء يا بابا، رجاءً.
الرجل: لا بأس.
الصبي: كلا إنه ليس كذلك! ماذا لو كان هنالك اناس مختبئين في الأسفل؟
يتجاهله الرجل، مركزاً على قطع الخشب حول القفل، يحضر المجرفة من احد الزوايا ويرفع الباب ليفتحه. يضع الصبي قبضته على صدره مضطرباً يهتز إلى أعلى واسفل من الخوف.
ينزل الرجل على سلم خشبيٍ مصنوع باليد نحو المخزن.
يتناول من جيبه ولاعة رخيصة اخرى ويقبل الصبي في جبينه ثم يختفي إلى داخل المخزن، تاركا الصبي مضطرباً يحملق وراءه. ينظر الصبي حوله في الساحة المهجورة بينما يحل المساء وهو يزداد خوفاً عن ذي قبل.
الرجل (يصرخ) يا إلهي … يا إلهي!
الصبي: ماذا هنالك، يا بابا؟
الرجل (يصرخ) إنزل. يا إلهي إنزل.
ينزل الصبي إلى الحفرة وعلى السلم كالبرق.
داخلي. المخزن – (المخيم 12- مساءً
يحدث الصبي جلبة وهو يهبط السلم. ينهمك الرجل في إضاءة الشمع.
الصبي: بابا؟ ماذا وجدت؟
الرجل: كل شيء. وجدت كل شيء.
في داخل المستودع خزين من الأقفاص المتراصة فوق بعضها وفي داخلها بضائعً معلّبة: طماطم، دراق، فاصوليا، مشمش، لحم خنزير معلب، لحم بقر معلب. مئات الجالونات من الماء في علب صفيح ومناشف ورقية في صناديق، ورق حمامات وأكياس زبالة مكدسة مع حرامات. يأخذ رجل يد الصبي ويساعده على النزول ثم يعاود الصعود إلى أعلى السلم ويغلق الباب ويدخل زوج من الكماشات المعدنية في المشبك الداخلي الثقيل ليمنع فتح الباب. يعاود النزول على السلم نحو الصبي ويمسك شمعة لينير الأرفف.
الرجل: هل بإمكانك أن ترى؟
الصبي: ما كل هذه الأصناف؟
الرجل: انها طعام! هل تستطيع قراءة العناوين؟
يحدّق الصبي بالتغليف ذي الألوان البراقة، لم ير في حياته شيئا مثلها من قبل. يناول الرجل الصبي علبة صفيح.
الصبي: «أجاص» هذا ما هو مكتوب «أجاص»
الرجل: نعم! انها كذلك! آه نعم انها كذلك! اجاص!
يقومان بتفتيش الأرفف: فلفل حار، ذره، يخنة، شورباء، مرقة السباجيتي، عيون الصبي مفتوحة كالأطباق.
الصبي: هل هذا حقيقي؟
الرجل: آه نعم، انها حقيقية تماماً.
يشد الرجل علبة ولاعات غاز من على الرف ويجرب واحدة فلا تشتعل. يأخذ واحدة أخرى ويجربها فتشتعل، وشعلتها كبيرة – يستخدمها في قراءة العناوين.
الصبي: لماذا هي هنا؟
الرجل: لأن أحدهم ظن أنه سيحتاج إليها.
الصبي: ولكنهم ماتوا.
الرجل: نعم. ماذا تحب أن تتناول كأفطار.
الصبي (مفكراً) أجاص.
الرجل: أجاص سيكون.
يفتح الرجل صندوقاً ويخرج منه صفيحة أجاص. يتناول أوعية كرتونية من علبتها وشوكا بلاستيكية وملاعق يضعها جميعها. يجد مصباح مخيمات. يضع به عبوة غاز ويشعله. يجد فتاحة علب ويفتح الأجاص بينما يراقبه الصبي بهدوء وهو يلف نفسه بحزام ويجلس على سرير مبيت ناعم.
الصبي: هل مسموح لنا أن نأخذه؟
الرجل: هم يريدوننا ان نفعل ذلك.
يملأ الرجل طبقين من الأجاص ويجلسان جنباً إلى جنب على السرير مع الملاعق والاجاص.
الرجل: ستكون هذه افضل اجاصات تناولتها في حياتك.
الأفضل.. انتظر فقط.
يأكلان بصمت يلحسان الملاعق ويشربان العصير من السلطانيات. يتحسس الرجل داخل فمه بأصابعه – فالسكر يحرك الم السن الملتهب.
الرجل: (متابعاً) حلو جداً.
يبتسم الصبي، جزلاً، ويفتح الرجل علبة أخرى.
داخلي. مستودع – (مخيم 12) – مساءً
لحم خنزير وبودرة بيض تقلى في مقلاة على بوتاغاز المخيم.
ابريق الماء الساخن يغلي على عين اخرى من عيون البوتاغاز.
الصبي لا يفعل سوى التحديق في الطعام المغلي بينما يقوم الرجل بالطبخ. وبالقرب من هذا وضعت مائدة افطار على كدسة من الصناديق وكأنها بار افطار: بسكويت طبق من الزبدة، حليب مركز، ملح وبهار وأدوات أخرى.
يتناول الرجل المقلاة ويأخذ بالشوكة كمية من لحم الخنزير ويضعها على الأطباق ثم يضع ملاعق مليئة بالبيض المخفوق من مقلاة أخرى، ثم فاصوليا مخبوزة بالفرن من حلة صغيرة.
يأخذ الصبي بالحملقة وكأنه مخدر، غير مستوعباً موضوع الطعام المنهمر عليه.
الرجل: ابدأ. لا تدعه يبرد.
الصبي: ماذا آكل اولاً؟
الرجل: اي شيء تحبه. يأكل الصبي لحم الخنزير بينما يقوم الرجل بسكب القهوة.
الصبي: هل هذه قهوة؟
الرجل: هذا صحيح. انتبه إنها ساخنة. يناوله قهوة.
الصبي: نحن انجزنا شيئاً جيداً. اليس كذلك يا بابا؟
الرجل: نعم. نحن قمنا بفعل جيد.
داخلي. المستودع – (المخيم 12) – ليلاً
يضع الرجل الصبي في سرير المبيت ويملس شعره الأشعث برقة، مبتسماً باسترخاء، إلى ان يغلق الصبي عينيه وينام. يغطي الصبي بحرام ويقبله. يجلس فقط مراقباً الصبي النائم، وقد شعر فجأة انه على وشك البكاء.
داخلي. مستودع – (مخيم 13) – ليلاً
يطوي الرجل ملابس الصبي الصغيرة الحجم ويلاحظ امتلاء جيوب بنطاله. يقوم بتفريغها، فيجد كومة صغيرة من المجموعات التي احبها: حجر ناعم، رخامة، مفتاح منزل قديم، اغطية زجاجات، رأس سهم هندي صناعة يدويه ناعمة مصنوع من الحجر، اخيراً قطعة مكسورة من مشط امرأة محلى باللؤلؤ.
وعند مكان مبيت الصبي يفتح رسماً بالألوان كان يعمل عليه فيتفحصه، ويتأثر كثيراً.
من منظور الرجل – رسم طفولي غريب لأمرأة، رفيعة كالعصا ولكن، ما لا يمكن تفسيره، وجه مشرق مبتسم وعينان كبيرتان ضاحكتان وعنوان بسيط «امي» بخط عنكبوتي.
تتلاشى تدريجياً الموسيقى الكلاسيكية وندخل إلى:
داخلي. مسرح – مساءً
عودة إلى الوراء:–
لقطه مقربة على ساقين تلبسان كلسات طويلة، فستان صيفي، يدا امرأة يمسكان يدي رجل في حضنها. يتلمس الرجل اعلى الكلسات بأصابعه.
لقطة موسعة – الرجل والمرأة في حفلة موسيقية في المسرح.
تلبس المرأة مشط الشعر المحلي باللؤلؤ. المقاعد مخملية والصناديق موشاة بالخيوط الذهبية، عالم مضيء غني.
نهاية العودة إلى الوراء
داخلي. مستودع – (مخيم 12) – صباحاً
يستيقظ الصبي بعيون دامعة وفوراً يلاحظ بعثرة مجموعته حول السرير.
يلبس الرجل ملابسه بقربه بينما يبدأ الصبي في تجميع مجموعته غاضباً أو ربما هو خجلاً ويحاول خاصة حماية رأس الرمح الهندي. ينظران إلى بعضهما البعض.
الرجل: ماذا؟
الصبي (يراوغه مستاءً) لا تمسك أغراضي.
خارجي. حقل – فجراً
يفتح الغطاء ويظهر وجه الرجل، وهو ينظر حوله، فتح الغطاء اكثر ويصعد إلى الخارج حاملاً صفيحتين مملوءتين بالماء، الساحة هادئة. بعد ذلك، يظهر وجه الصبي ينظر حول المكان. يخرج حاملاً وعاءً كبيراً وموقد مخيمات.
داخلي. حمام، منزل بلده – فجراً
يفرغان المياه في الوعاء الكبير ويشعلان الموقد ويضعان الوعاء عليه لتسخين المياه.
داخلي. حمام، منزل البلده – فجراً
الصبي داخل الحمام قذراً يرتجف بينما يقوم الرجل بغسله، يحفه بالصابون ويخرج طبقه من الوسخ المزيت عن رقبته الوسخة ليظهر جلداً نظيفاً باهت اللون تحتها.
الرجل: ماذا تعتقد؟
الصبي: شيء لطيف ودافئ.
يغسل شعر الصبي ويسكب الماء عليه بالوعاء. تخطر له فكرة مفاجئة:
قطع إلى
داخلي. حمام/المنزل الخشبي – نهاراً
عودة إلى الوراء:–
يراقب الرجل من الممر دون ان يرى المرأة وهي تغسل برقة شعر الصبي – ربما هو اصغر بعام من بداية الفيلم – تبدو مأخوذة بالعملية، مستمتعة، متحدثة مع الصبي في تلك اللحظة دون ان تشعر بأي عبء.
تدخل اصبعها في أذني الصبي وتنظفهما جيداً بالصابون ما يسعده جداً.
المرأة: باستطاعتك ان تزرع بطاطس في هاتين الاذنين.
داخلي. حمام، منزل بلده، نهاراً
نهاية العودة إلى الوراء- الآن الرجل في البانيو كذلك وسخ جداً، مأخوذ بأفكاره وهو يغسل نفسه بالصابون الصبي يساعده.
داخلي. حمام – منزله بلده – نهاراً
يشذّب الرجل ذقنه بالمقص امام مرآة. يغطيها بكريم حلاقه ويبدأ في الحلاقة بموس بلاستيك آمن، عندما ينتهي الرجل يستدير نحو الصبي. ماسحاً الرغوة.
الرجل: كيف أبدو؟
الصبي: غريباً. ألن تصاب بالبرد؟
داخلي. حمام، منزل بلده – نهاراً
الآن يقص الرجل شعر الصبي بمقص مطبخ ومشط بلاستيك.
يضع الصبي منشفة حول كتفيه وخصلات الشعر الطويلة تزينها. ينتهي الرجل، يأخذ المنشفة بعيداً، يمسح رقبة الصبي ووجهه بقطعة قماش قطنية، يحمل مرآة امام الصبي ليرى نفسه.
الصبي: ابدو مضحكاً.
داخلي. مستودع – (مخيم 12) – صباحاً
يجلسان على السرير وبينهما رقعة الشطرنج يشربان شوكولاتتهما الكثيفة المصنوعة من الحليب المركز الموضوعة في كؤوس بلاستيكية ويركزان على اللوحة، انهما متعبان جداً، وبناطيلهما الجينز تجف في الخلف على حبل. كلهما يلبسان قمصاناً صوفيه اكبر من حجمهما استوليا عليها من المتاجر. يتابع الرجل الصبي بنظرات محبة، وهو منهمك في رقعة الشطرنج.
خارجي. حقل – ليلاً
مطر ثقيل يضرب الحقل الذي فاض بركاً بماء المطر.
داخلي. مستودع – (مخيم 12) – ليلاً
اخرج ربعا جديدا من الويسكي من علبته الورقية التي حفظ بها.
سكبت الويسكي في كأس بحجم مناسب.
لقطة أوسع – احتفال آخر وضع على المائدة، لحم خنزير وبودرة بطاطس مسحوقة وبسكويت ومرق لحمة.
يأخذ الصبي بتناول الطعام بينما يسكب الرجل الويسكي.
يتوقف الصبي عن الأكل ليراقب الرجل وهو يشرب الويسكي.
تلمع عيون الرجل وهو يرشف المشروب القوي الذي ادار رأسه.
الصبي: الا يمكنني ان اتذوق قليلاً؟
الرجل: كلا، لن تحبه. يجعلك تشعر بأنك مضحك.
يحملق الصبي، راغباً في التجربة وفي الحصول عليها.
الرجل (متابعاً) تعتقد انني آت من عالم آخر اليس كذلك؟
مملوء بكل غرائب الأمور التي لم تتح لك رؤيتها.
الصبي: تقريباً.
الرجل: حسناً. أنا أفعل ذلك كما أظن.
خارجي. حقل – مساءً
يقف الرجل في منتصف الحقل يسعل كل ما في معدته من المطر المظلم – مرة ثانية سعال رطب مليء بالبلغم. ينحني، متعرقاً، مستمعاً، مدركاً أن هذا صوت سائل في الرئتين.
وخلال إنصاته يسمع شيئاً فوق المطر – يستمر في تبديل توجهه وكأنه يسمع اصواتاً مختلفة من اتجاهات مختلفة. وبالرغم من ذلك فهو ينظر متحفظاً حوله، ثم يذهب نحو الشرفة ويجر فرشة قديمة نحوه عبر العشب الميت نحو الغطاء.
يضعها لتغطي منتصف مسافة الغطاء ويحبو عبرما تبقى من فجوة ويرفع الفرشة ما تبقى من طريق فوق الغطاء، ثم يشد الغطاء فيغلقه بالفرشة القديمة الممدوده عليه. انها تبدو كفرشة قديمة ملقية على حقل في المطر.
داخلي. مستودع – (مخيم 12) – فجراً
يستمع الرجل إلى صوت رذاذ المطر ويسمع صوتاً آخر .. شيء ما او واحد ما يرسل حفيفاً حول الفرشة في الأعلى. يسمع صوت الفرشة تشد بعيداً عن الباب. يسمع صوت حك وحفر على الباب فيتجمد، محدقاً في القفل، منتظراً الذي لابد منه .. يخرج المسدس بهدوء. ينظر الى الطرف الآخر فيرى الصبي وقد استيقظ فاتحاً عينيه محملقاً.
الصبي: ما الأمر؟
الرجل: ش ش.
الصبي (يوشوش) ربما هو كلب.
الرجل (موشوشاً) إنه ليس كلباً.
الصبي (بالكاد يستطيع الوشوشة) إنه كذلك! إنه كلب! كلب!
يسمع الرجل متحفزاً بينما الخربشة والحك يستمران.
الغابة التي فوق المستودع تضخم الصوت. يجهز المسدس ويقف تحت الباب جاهزاً.
الرجل: إذا كان كلباً فسيكون مصطحباً مع أحد.
الصبي: من؟
الرجل: لا أدري. بعد لحظة من العذاب يختفي الصوت.
الرجل (متابعاً) انا لن انتظر لأكتشف الأمر، تعال. دعنا نخرج من هنا.
الصبي: انا لا أريد الذهاب.
الرجل: اعلم ذلك ولكن المكان لم يعد آمناً.
يمسك الرجل ببندقيته ويجهزها، ويتراكض مطفئاً كل الأضواء، ويجلسان متحفزين في الظلمه.
خارجي. حقل – صباحاً
يبدأ الرجل بتحميل علب الصفيح والرزم في علب من الكرتون.
يجمع زوج من صفائح الماء. يساعده الصبي.
الصبي: ماذا ستفعل بكل هذه الأشياء؟
الرجل: علينا أن نأخذ كل ما نستطيع أخذه
الصبي: اتمنى لو كان باستطاعتنا الحياة هنا. وكنا سنستطيع ان نحتفظ بالكلب والكلب سيلتقط لنا الطعام.
الرجل: انظر، ليس هنالك اي كلب، موافق؟ انا آسف ولكن ليس هنالك فعلاً.
الصبي: حسناً ما هذا إذا!
الرجل: لا أدري ما هو!
الصبي: ارجوك يا بابا.
الرجل: كلا.
الصبي: قل لي من فضلك ان الأمر سيكون جيداً، يا بابا.
قل ذلك – مجرد قل ذلك من فضلك
لا يدري الرجل ماذا يقول، وقد نفذ صبره.
الرجل: اسمع، المشاكل تأتي من المكان الذي لا تتوقعه ابداً. وإذا فأفضل الأشياء التي علينا ان نقوم بها هي ان نتوقع هذا غير المتوقع.
الصبي: هل دائماً تتوقّعه يا بابا؟
الرجل: انا افعل ذلك، نعم.
الصبي: انت دائماً تفكر ان اشياء سيئة ستحدث ولكننا وجدنا هذا المكان، ربما نجد مكان آخر مثل هذا عند الشاطئ.
الرجل: ربما. يضع الرجل صندوق الأكل على الأرض ويلف واحداً آخر. منظماً صفائح الماء.
خارجي. حقل – صباحاً
عربة نقل الحاجيات معبأة ومغلفة بالغطاء المشمع.
الصبي: ماذا تفعل؟
الرجل: علينا ان نغطي آثار أقدامنا من الآن فصاعداً.
يجر الرجل الفرشة القديمة عائداً فوق المدخل عند المستودع. ويغطي بحذر المنطقة المحيطة بالأنقاض.
خارجي. نهر – نهاراً
يجر الرجل العربة الجديدة عبر جسر من تحته مياه سوداء جامدة. العربة الآن محملة بصفائح الماء الطازجة وصناديق مملوءة بعلب متعددة من الطعام ومؤونه على قدر المستطاع.
يلحقهالصبي وراءه. انهما يشكلان مشهداً غريباً، ملابس نظيفة، حلاقة نظيفة، شعر مقصوص يلبسان سراويل جديدة – وكلاهما يلبسان اقنعة طبية جديدة يرفعانها عندما يتكلمان. الرجل دائم المراقبة خلفه.
من منظور الرجل : يرى لمعان الزجاج ربما زوج من المناظير تراقبهم.
يراقب الصبي بتحفز بينما يخرج الرجل منظاره الخاص وينظر عبره.
من منظور الرجل: غمزة غامضة من الضوء تختفي بسرعة.
من منظور آخر – زوج مناظير آخر، منظور مختلف كلياً.
نرى الرجل ينظر من منظاره إلينا.
الرجل: اعتقد انهم يتبعوننا.
الصبي: من؟
الرجل: لا أدري.
الصبي: اتعتقد انهم الناس الأشرار؟
الرجل: ربما.
الصبي: ماذا لو كانوا الناس الطيبين؟
الرجل: لا أعتقد أننا من المحتمل ان نقابل اناسا طيبين لفترة من الزمن. علينا أن نكون حذرين الآن. فنحن نملك الطعام.
خارجي. منعطف/ الطريق – نهاراً
وبينما هما يلفان منعطف في الطريق يريان شكل أحدب يمشي أمامهما. يتوقف الرجل فجأة، يخرج المنظار ويراقب.
من منظور الرجل – شكل أحدب يتحرك بعيداً عنهما.
خارجي. طريق – نهاراً
يصلان من خلف رجل عجوز محني الظهر، ذابل المحيا، صامت وهو يمشي متثاقلاً إلى الأمام. يلبس طبقات من الملابس الممزقة واقدامه ملفوفة بالأسمال والكرتون المربوط بخيوط القنب الخضراء. يقتربان منه ببطء ويتوقف الرجل ويستدير ويراقبهم بريبه عندما يصلون اليه.
الرجل العجوز: لا املك شيئاً لكم. باستطاعتكم النظر إذا اردتم. ليس لدي شيء.
الرجل: نحن لسنا لصوصا.
يدير الرجل العجوز اذناً إلى الأمام. فهو اصم.
الرجل العجوز: ماذا؟
الرجل: قلت لك نحن لسنا لصوصا.
الرجل العجوز: ماذا أنتم؟
الرجل: نحن مجرد مثلك.
الرجل العجوز: لماذا تتبعانني؟
الرجل: نحن لا نتبعك.
الصبي: لدينا طعام بإمكاننا منحه.
الرجل: لن نعطيه أي طعام.
ينظر الرجل العجوز بعيداً متجنبا نظراتهما.
الصبي: انه خائف، يا بابا.
الرجل: كل الناس خائفة.
الصبي: من فضلك يا بابا.
الرجل: حسناً.
ينظر الرجل إلى الطريق يميناً ويساراً، ثم يسحب مسدسه.
الرجل (متابعاً) إذا ما كان هذا فخ، فليذهب هو أولاً.
يذهب إلى العربة ويبحث خلالها بينما يحملق الصبي والرجل العجوز ببعضهما – يعود الرجل حاملا علبة من الفاكهة المتنوعة وفتاحة علب ويفتحها ويسلمها للصبي. يضع الصبي علبة الفاكهة على الطريق امام الرجل العجوز
الصبي: خذها. هاك.
الرجل العجوز لا يتحرك.
الصبي (متابعاً) ما رأيك في ملعقة؟
الرجل: لن يأخذ ملعقة.
يأخذ الصبي في حثه مشيراً بيديه وكأنه يطعم راكون.
الصبي: كلها. انها جيدة.
يلتقط الرجل العجوز العلبة مغلقاً اظافره الطويلة القذرة حولها وهو يسكبها في فمه، والعصير يجري على ذقنه ورأسه يهتز وهو يبلع.
الصبي (متابعاً) انظر، يا بابا، إنه جائع.
الرجل: ارى ذلك واعرف ما الذي ستطلب مني. والجواب كلا.
الصبي: ما هو السؤال؟
الرجل: لا نستطيع ابقاءه معنا.
يراقبانه وهو يأكل متألماً وببطء. ينتهي الرجل العجوز ويجلس على الطريق يحمل العلبة، محدقاً بها، وكأنها ستمتلئ ثانية.
الرجل (متابعاً) متى أكلت آخر مرة؟
يحدق الرجل العجوز فقط.
الرجل (متابعاً) هل تريد ان تأكل معنا؟
الرجل العجوز: لا أدري. ماذا علي ان أفعل.
الرجل: اخبرنا إلى ماذا ذهب العالم.
الرجل العجوز: ماذا؟
الرجل: ليس عليك أن تفعل شيئاً. هل باستطاعتك المشي؟
يساعدان الرجل العجوز ليبتعد عن الطريق ويسلمانه علبته ولكنه يدفعها جانباً.
الرجل العجوز: استطيع السير.
يسيران بعيداً عن الطريق باتجاه الغابات الميته المسودة.
خارجي. غابات – نهاراً.
وبينما يتركان الطريق يدرس الرجل العجوز الصبي بعناية.
فيذهب الصبي ليأخذ يده.
الرجل (مخاطباً الصبي) لا تمسك يده.
الصبي: إنه لا يرى.
الرجل: لا تفعل.
يسير الثلاثة نحو الغابات.
الرجل (متابعاً) كم عمرك.
الرجل العجوز: انا في التسعين.
الرجل: تسعون يا خرى! هل هذا ما تقوله للناس؟
حتى لا يأذونك؟
الرجل العجوز: آه هه.
الرجل: وهل هذا يمشي؟
الرجل العجوز كلا.
الرجل: ما اسمك؟
الرجل العجوز: إيلي.
الرجل: «إيلي» فقط.
الرجل العجوز: وما المشكلة في «إيلي»؟
خارجي. ارض خالية / غابات. (مخيم 14) – مساءً
هنالك نار مخيم الآن. الرجل العجوز يجلس ملتفحاً بلحاف، يأكل بملعقة ويلحس طبقه ليتركه نظيفاً. في الأماكن البعيدة بريق خفيف من النيران. والضوء البرتقالي يدخل إلى الليل بطيئاً وكأنه شبح.
الرجل: وكيف كان ان بقيت حيًّا؟ ماذا تأكل؟
الرجل العجوز: لا أدري. الناس تعطيك اشياءً.
الرجل: كلا إنهم لا يفعلون.
الرجل العجوز: انت اعطيتني.
الرجل: انا لم افعل، هو الذي فعل.
ينظر الرجل العجوز إلى الصبي عن قرب وهو نصف اعمى.
الرجل العجوز هل انت صبي صغير؟
الرجل: كيف يبدو؟
الرجل العجوز: لا أدري. لا استطيع ان أرى جيداً.
الرجل: هل هذا صحيح؟ هل تستطيع أن تراني؟
الرجل العجوز: كلا. ولكنني استطيع أن اخمن ان هنالك أحدا.
الرجل (مخاطباً الصبي) حسناً. انت بحاجة للنوم. تعالى.
يجمع الصبي ويأخذه بضع اقدام بعيداً، ويضعه في الحرامات الصوفية بينما يحدق الرجل العجوز في النار.
الرجل العجوز: كان لي مرة صبي صغير. ذهب…
كل شيء ذهب …
الرجل: ما الذي حصل له؟
الرجل العجوز: لا أستطيع … لا أستطيع الكلام حول الموضوع..
وبالذات ليس معكم انا لا أستطيع.
وعندما يعود الرجل ومعه بندقيته التي يضعها على الأرض خلسة امام نظر الرجل العجوز
الرجل: تستطيع أن ترى هذا، اليس كذلك؟ حسناً. قل لي الآن. الست طعماً لمجموعة من عملاء الطريق؟
الرجل العجوز: انت لست شيئاً. سأذهب إذا اردتني أن افعل. استطيع ان اجد الطريق.
يحدق الرجل في الرجل العجوز بسخرية ولكن الرجل العجوز يعاود التحديق به بلا معنى.
الرجل العجوز (متابعاً) اعيش كالحيوان. لا تريد ان تعرف الاشياء التي كان عليّ ان آكلها. عندما رأيت هذا الصبي ظننت انني قد مت وكان هذا ملاكا. لم يخطر لي في بالي انني سأرى طفلاً ثانية. لم اكن لأظن ان هذا سيحدث لي.
الرجل: انه ملاك. بالنسبة لي هو إله.
الرجل العجوز: حسناً اتأمل ان لا يكون هذا حقيقياً. ان اكون على الطريق مع آخر إله حي ستكون تجربة إلى حد ما مخيفة.
الرجل: لماذا تقول هذا؟
الرجل العجوز: حيث لا يستطيع الرجال الحياة، لا يستطيع الآلهة أيضاً. ستمزقك عصابات الطريق إرباً ارب كلاكما.
تسمع قعقعة منخفضة في داخل الأرض ثانية، هزة أرضية، هذه المرة بعيداً. يسمعون برهة من الزمن.
الرجل العجوز (متابعاًً) علمت ان شيئاً كهذا سيأتي. هذا أو شيء شبيه به.
(زيادة)
الرجل العجوز (متابعاً) كانت هنالك إنذارات. ظن الناس انها كانت خدعة – كنت دائماً مؤمناً بها.
الرجل: هل جربت ان تجهز نفسك لها؟
الرجل العجوز: كلا. ماذا كان ممكن ان تفعل؟ حتى لو كنت تعرف ماذا تفعل لم تكن تعرف ما تفعل. لنفترض أنك كنت آخر رجل ترك حياً؟
الرجل: كيف يمكن ان تعرف إذا كنت آخر رجل حي؟
الرجل العجوز: لا اظن انك كنت ستعرفها. ستكون انت هو فقط.
الرجل: ربما الله يعرف.
الرجل العجوز: لو كان هنالك إله في الأعالي فسيكون قد ادار ظهره لنا الآن. من يكن صانع الإنسانية سيجد لا إنسانية هنا.
يسكب الرجل ماءً ساخناً في الكؤوس ليصنع القهوة ويعطي واحداً للرجل العجوز. يشربان.
الرجل: هل سبق وتمنيت ان تموت؟
الرجل العجوز: كلا. من الجنون ان يطلب الإنسان الرخاء في أوقات كهذه.
خارجي. حافة الغابات. (المخيم 14) – صباحاً
الصبي والرجل العجوز يقفان بالقرب من العربة. الرجل يراقب عن بعد. الرجل العجوز يضع علبة اجاص اعطاها له الصبي في شنطته.
الرجل: عليك ان تشكره كما تعلم. فأنا لم اكن لأعطيك شيئاً.
الرجل العجوز: ربما يجدر بي ان افعل أو ان لا أفعل. فأنا لم اكن لأعطيكما شيئاً.
ينظر الرجل العجوز حوله ويتوجه نحو الشرق ذاهباً يتوكأ على عصاه دون ان ينظر إلى الخلف نحو الصبي أو الرجل. يوجه الرجل نحو الصبي نظرة تعنيف ويبدو الصبي متحدياً للمرة الأولى مسافة جديدة بينهما.
الصبي: انه سيموت وانت لا تأبه في ذلك.
الرجل: انا اهتم بشكل كافٍ. عندما لا يعود لدينا طعام فسيكون لديك وقت أكثر لتفكر بها.
الصبي: انت تقول دائماً احذر الناس السيئين ولكن هذا الرجل العجوز لم يكن انساناً سيئاً ولا تستطيع ان تقول هذا مرة ثانية.
داخلي. كنيسة – (مخيم 13) – فجراً
يخيم الرجل والصبي داخل كنيسة قديمة واللون الوحيد لون الزجاج المغبر ذو الزخارف الباهته، المروعة بالوانها الأحادية.
يلتف الرجل والصبي بالحرامات وأمامهم نار صغيرة. الصبي نائم ولكن الرجل صاح يسعل. يجلس وما زال يسعل. ينهض ويسير إلى الخارج، محاولاً ايقاف السعال.
داخلي. كنيسة – (المخيم 13) – الفجر
يتجول في غرفة صغيرة، يسعل غير مرتاحاً ويجثو على ركبه في موجة من ضباب الصباح الذي يفيض على الكنيسة – ويسعل فيخرج من فمه شيء غامق اللون ذو رائحة كريهة فيبصقه على الأرض الضبابية.
من منظور الرجل – الضباب الذي امامه يصفو ليظهر قطع من الدم الغامق على الرماد الباهت، فيصدم لمعرفته بما يشير إليه هذا.
داخلي. كنيسة – (المخيم 13) – الفجر
يفتح الصبي عينيه فلم يكن نائماً، يستمع إلى الرجل الذي يسعل، مضطرباً. يعود الرجل وينظر إلى الصبي المضطرب.
الرجل: ماذا بك؟
الصبي: حلمت حلماً مزعجاً.
الرجل: عن ماذا؟
الصبي: لا أريد ان اخبرك. انت بالذات.
الرجل: ماذا جرى لي؟
وجه الصبي تجهم، وبدأ بالنحيب.
يسعل الرجل مرة ثانية فيرفع الصبي يداً ويضعها على فم الرجل ليهدأ السعال.
الرجل: (صوت خارجي) (متابعاً)
سأقول له: عندما تحلم باشياء سيئه تحدث، فهذا يظهر أنك لا زلت تقاوم. انت ما زلت حياً. ولكن عندما تبدأ وتحلم بالأشياء الحسنة فعندئذ عليك ان تبدأ بالاضطراب.
خارجي. طريق/ خط سكة حديد، اراض واسعة مسوده – نهاراً
يمشيان على قمة سوداء ملاصقة لخط سكة حديد.
ومن بعيد يظهر دخان بندقية فيتوقف الرجل والصبي وينظران حولهما. يراقب الرجل حوله غريزياً.
من منظور الرجل – يرتفع خيط من الدخان من نار المخيم خلفهم.
يلاحظ الصبي ذلك وينظر خلفه.
الصبي: هل تعتقد انهم ما زالوا يتابعوننا.
الرجل: اعتقد انهم كانوا يتابعوننا منذ فترة طويلة.
الصبي: ربما هو إيلي – الرجل العجوز؟
الرجل: وكيف؟ هل علي ظهر مقشّه؟
يفكر الصبي في هذا لبرهة من الزمن بينما يقتربان من خط السكة الحديد.
خارجي. جسر السكة الحديد، ارض واسعة مسودة (مخيم 15) مساءً
يلتف الرجل والصبي في حرامات في الأعالي فوق الصخور ينظرون برؤية عين طائر إلى الطريق وجسر السكة الحديد باستطاعتهم رؤية الطريق والاشجار الميتة لمسافة نصف ميل. الصبي مطأطأ الرأس بينما يتابع الرجل المراقبة التي سيطرت على تفكيره بشكل مرضي.
خارجي. جرف عالٍ. ارض واسعة سوداء (مخيم 16) صباحاً
اثناء هبوطهما من الجرف، يحدق الرجل في الغابات الميتة حيث ظهر عود رفيع من الدخان.
الصبي: ما هذا؟
الرجل: المزيد من الدخان. اعتقد انه علينا إلقاء نظره.
الصبي: أنا لا أريد ذلك. دعنا نتابع المسير.
الرجل: من يكونوا فأنا لا أريدهم خلفي.
الصبي: ماذا إذا كانوا أناساً سيئين؟
الرجل: ماذا اذا كانوا اناساً طيبين؟ ينظرا إلى بعضهما البعض، انهما في ورطة، يقف الرجل ويبدأ في طوي المفرش.
الرجل (متابعاً) انظر. من يكن الذي هناك فمن الأفضل ان نعرف عنه افضل من أن لا نعرف.
الصبي: لماذا؟
الرجل: لأننا لا نحب المفاجآت. المفاجآت مخيفة.
(زيادة)
الرجل (متابعاً) قد يأتوننا خلسة ويفاجئونا على الطريق. عليك ان تتعلم هذا.
يطوي الرجل المفرش وحرامات النوم ويبدأ في التوجه إلى اسفل المنحنى نحو العربة ويتبعه الصبي.
خارجي. خلاء، ارض واسعة سوداء – صباحاً.
ارض مفتوحة الآن ومتسع اسود بشكل كلي مغطى برماد كثيف. توقفا. يفتح الصبي الخريطة الملفوفة على الأرض وبيده قلم.
الرجل: هل تعرف أين نحن؟
الصبي: كلا.
الرجل: اين نحن باعتقادك؟
يشير الصبي إلى مكان على الخريطة.
الرجل (متابعاً) اكثر.
الصبي: هنا؟
الرجل: كلا. نحن اقرب مما تظن.
يأخذ القلم ويشير على الخريطة.
الرجل (متابعاً) هذا نحن. هذا كله بحر
الصبي: هل هو ازرق؟
الرجل: البحر؟ لا أدري. كان كذلك.
يلتقط الرجل كوز صنوبر مجفف من على الأرض ويحدق به وعيناه فارغتان. يعصره فيتحول إلى رماد. يأخذ بضع خطوات ويأخذ في شم الهواء.
الرجل: (متابعاً) هل بإمكانك شم ذلك؟
الصبي: إن رائحته مختلفة.
الرجل: كل شيء سيكون مختلفاً
خارجي. كثبان – نهاراً
تغيرت طبيعة الأرض، شجيرات ميتة مالحة ورمال على جانب الطريق وأخيراً بينما يصلون حول منحنى في الطريق: يتسلق عشب بحر ميت نحو رمال الكثبان في الأعالي.
ينظران إلى بعضهما البعض ويتجهان نحو الكثبان بحماس.
يخفي الرجل العربة بخفة، حتى لا يرى الصبي ما يخصه، ويأخذ الحقائب والمفرش البلاستيكي والحرامات معه وهما يتجهان نحو الكثبان.
خارجي. قمة كثبان الرمل – نهاراً
من منظور الصبي – شاطئ رمادي، بحر رمادي رصاصي وامواج تتدحرج ببطء بزئير بعيد. وعلى الشاطئ علامات قد ظهرت على شكل راسب طيني رطب رمادي محاط بإطار من عظام تلمع وهياكل اسماك بيضاء ناصعة على الرمال.
ألقيا سترتيهما أرضاً ووقفا يحدقان بالبحر، الرياح تصرخ حولهما، ودست من عظام الحيطان والاسماك البيضاء وهياكل عظمية ممن جاؤوا من بعيد فقط ليموتوا. ينظر الرجل نحو الصبي ويرى خيبة الأمل الشديدة.
الرجل: أنا آسف إنه ليس ازرق.
خارجي. كثبان/ شاطئ – نهاراً
يجلسان على الشاطئ ملفوفين بالحرامات يحدقان في الحائط السوريالي الكثيف من الضباب والدخان ليس بعيداً عن مكان انكسار الأمواج. ينظر الرجل إلى الصبي الساكت تصدمه الرياح، ملفوفا بحزام يحدق في الأوقيانوس الخالي… ليس هنالك شيء وليس هنالك أحداً. يستمران في التحديق نحو البحر المليء بخيبات الأمل – ينظر الصبي مصدوماً بحائط الدخان والرماد الذي يشبه ستارة من الحديد.
الصبي: ماذا على الجانب الآخر.
الرجل: لا شيء.
الصبي: لابد ان يكون هنالك شيء.
الرجل: ربما هنالك أب وابنه الصغير وهما يجلسان على الشاطئ ايضاً.
الصبي: وقد يكونان يحملان النار ايضاً؟
الرجل: قد يكونان، نعم. يرى الرجل امل الصبي يظهر ثانية فيضرب رأسه. وقلبه يتفطر عليه.
خارجي. حافة الماء – نهاراً
يقف الرجل والصبي وقد خلعا حذائيهما، البحر الأسود يغسل الرمل من على أقدامهما القذرة المتقرحة.
الصبي: ما هي اهدافنا البعيدة المدى؟
الرجل: «ما هي أهدافنا البعيدة المدى؟» أين سمعت هذا؟
الصبي: لا أدري. انت قلتها.
الرجل: متى؟
الصبي: منذ زمن بعيد.
الرجل: عندما كانت والدتك هنا؟
الصبي: اعتقد ذلك.
الرجل: وماذا كان الجواب؟
الصبي: لا أدري.
الرجل: حسناً وانا لا أدري ايضاً. يحدقان في الماء – ادوات منزلية عادية محروقة تتدحرج ذهاباً وإياباً على الموجات.
الصبي: هل استطيع السباحة.
الرجل: تسبح؟ ثم تتجمد أوصالك من البرد.
الصبي: اعرف.
الرجل: لا أريد ان اضطر للذهاب خلفك.
يترك الصبي الحرام يسقط وينزع عنه سترته وثيابه. يركض على الشاطئ عارياً، ضعيفاً وأبيض، يقفز ويصرخ نحو الأمواج المثلجة.
يراقب الرجل الصبي إلى أن يخرج من الماء مرتجفاً من البرد فيلفه بالحرام ويجففه.
خارجي. شاطئ – (مخيم 16) – مساءً
الصبي ملفوف بالأغطية الصوفية بالقرب من النار بينما يتوهج ضوء البرق عن بعد، فيضيء كل الشاطئ الخالي. يضع الرجل حراماً اضافيا فوقهما. يضع ذراعيه حول الصبي الذي يرتجف ويعرق في آن، وعيناه تبدوان متوحشتين وهو يتفوه بكلمات بلا معنى.
الصبي: كم تظن عدد الناس الذين بقوا احياء؟
الرجل: في العالم كله؟ لا أدري. ليس عدداً كبيراً.
الصبي: ربما يكون هنالك أناس احياء في مكان آخر.
بخلاف الكرة الأرضية؟
الرجل: لا أعتقد ذلك. ليس باستطاعتهم العيش في أي مكان آخر.
الصبي: وليس حتى إذا كان بإمكانهم الوصول إلى هناك؟
إذا ما كان لديهم سفينة فضاء.
الرجل: كلا. من غير المحتمل.
يحدّق الصبي وهو يرتجف مفكراً.
الرجل (متابعاً) هل انت بخير؟ ما بالك؟
يضع يده على جبين الصبي الذي يهرف بكلام غير مفهوم.
الصبي: لا أشعر انني بخير.
ينحني الصبي بعيداً ويتقيأ فيساعده الرجل بأن يدعك ظهره أو يمسح فمه عندما ينتهي من ذلك.
الصبي (متابعاً) انا متأسف.
الرجل: لا بأس في ذلك، فأنت لم تفعل شيئاً خاطئاً.
الرجل مضطرب جداً الآن.
خارجي. كثبان رمال – (المخيم 16) – فيما بعد.
يغطي الرجل الصبي بمزيد من الحرامات الصوفية ويضع خيمة صغيره من المفرش البلاستيكي بينما يهطل المطر حوله.
الرجل: لا بأس في ذلك. سوف تكون جيداً. سوف تمر الحالة.
الصبي: لا تتركني هنا. لا تذهب يا بابا. حتى ولا لدقيقة واحدة.
الرجل: لن اذهب بعيداً. انا هنا امامك. يجلس وهو يمسك الصبي بإحكام. يتحسس قلب الصبي.
ينقط قطرات من الماء المحلى بالسكر في وعاء ويدخلها في فم الصبي. وبينما يغلق الصبي عينيه دائخاً يراقب نبضه عند رقبته ويمسح فمه بالحرام.
خارجي. كثبان رمال – (مخيم 16) – ليلاً
ينام الصبي ممدداً على حضن الرجل وهو ما زال صاحياً.
يحدق مرعوباً بينما يعرق الصبي ويرتجف وهو نائماً. يمسح حاجب الصبي. ويرفع رأسه نحو «السماء»:
الرجل: اوه كلا. كلا كلا. ليس هذا. يا يسوع ماذا فعلت بنا؟ ماذا فعلت؟
خارجي. كثبان من الرمال – (مخيم 16) – صباحاً
الصبي نائم نوماً عميقاً. بلا حراك ولكنه يشخر حيث يتنفس من فمه. الرجل مستلقيا بجانبه لا يفعل سوى النظر اليه ومراقبته وهو نائم. يفتح الصبي عيناه ويركز بضعف.
الصبي: مرحباً يا بابا.
الرجل: انا بقربك.
الصبي: اعرف ذلك.
يغلق الصبي عيناه ويعود إلى النوم. يلمس الرجل بيده.
شعر الصبي بحنان، ويتناول المسدس من حزامه وبحذر يخفي المسدس تحت الحرام بجانب الصبي. يقف، يرمق الصبي بنظرة أخيرة ويمشي مبتعداً…
خارجي. لسان ارضي/ مياه – فجراً
الرجل لوحده الآن، يتابع بنظره هيكل قارب محطم يقف في عشرة اقدام من المياه الرمادية يبعد بضع ياردات عن اللسان الأرضي.
طوله حوالي 60 قدماً وله شراعين. وأقرب منه إلى الشاطئ، في المياه الضحلة بين القارب والرمال هنالك شكل بلا حياة رمادي اللون يخطو الرجل مقترباً فيرى:
من منظور الرجل – وفي مياه المد تتحرك جثة حبّار ضخمة تطفو معفنة عيناها كصحون الطعام وجلدها الشفاف الرمادي مثل لمبة ضوء قديمة.
ينظر الرجل إليها بصعوبة ثم يبدأ في خلع ثيابه. ويحملق بشغف إلى المياه الداكنة المعكرة بالقرب من القارب.
ينظر إلى الوراء على طول الشاطئ نحو شكل الصبي البعيد، الذي يجلس ملفوفاً بأغطيته الصوفية، ينظر حوله، مضطرباً وخائفاً، ما يكفي ليجعل الرجل يجفل. يستجمع نفسه ويدخل بحذر إلى المياه الرمادية الحسائية القوام.
يأخذ نفساً ويبدأ في العوم نحو المركب.
خارجي – كثبان من الرمال – (مخيم 16) – نهاراً
يضطرب الصبي وهو يراقب:
من منظور الصبي – الرجل يسبح بعيدا.
إظلام إلى
خارجي. كثبان رمال – (مخيم 16) – مساءً
من منظور إنسان غامض – من على كتف شخص ثالث غامض، تندفع الكاميرا قليلاً على الصبي نائماً.
خارجي. كثبان رمال – (مخيم 16) – مساءً
تدخل المشهد اقدام شخص خلف الصبين يسير بحذر بلقطه مقربه حول الصبي. تسقط سكينة الشخص الطويلة إلى المشهد، محمولة على جانب الشخص. يحس الصبي بوجود الشخص فيستيقظ ليرى:
من منظور الصبي – يقف فوقه شكل غامق أحدب. ينظر الصبي إلى اعلى نحو الوجه ومهما يكن، فهو خائفاً.
يصرخ الصبي خائفاً ويتراجع دون وعي فيخطو على الحلل والمقالي بالقرب من النار، يقف على رجليه ويركض.
خارجي. خط الشاطئ – مساءً
يناضل الرجل ليخرج من الماء ويفتش الشاطئ كله، فلا يجد اثراً للصبي، يجد على المركب علبة إسعافات اوليه ومسدس ضوئي؛ ويتجه نحو كثبان الرمل.
خارجي. كثبان رمل – (مخيم 16)- مساء
يركض الرجل فوق الرمل ويصل إلى النقطة التي ترك فيها الفتى. والمشمع الأزرق يتطاير بعيداً عبر الشاطئ وقد اضطرب المخيم وناره. فأخذ يركض إلى أعلى الكثبان.
خارجي. شاطئ – مساءً.
من منظور الصبي – وبينما هو ينظر إلى الخلف يلمح أقداما قذرة تركض عبر الرمل تلاحقه. ويدان تحاولان التقاطه…
من منظور الرجل – يقترب من الصبي ويمسك بأكتافه بأحدى يديه والبندقية باليد الأخرى.
زاوية عكسيه – يرى الصبي ان هذا هو الرجل فيتوقف. ويحملق وما زال خائفاً محموماً، عيناه وحشيتان، مضطربتان.
الرجل: لا بأس في ذلك.
الصبي: رجل! كان هنالك رجل! رأيت رجلاً.
الرجل: لا بأس بذلك، لقد ذهب الآن، لم يعد هنالك سواي.
ينهار الصبي، منهكاً ويرمي نفسه في احضان الرجل.
خارجي. كثبان الرمال – (مخيم 16) – ليلاً.
يعود الرجل والصبي ليفحصا مشهد المخيم المضطرب.
الرجل: يا الهي. ايها الحمار الغبي! أيها الحمار الغبي!
الصبي: ماذا جرى؟
الرجل: لقد سرق احذيتنا. سرق كل شيء.
يصمت الصبي شاعراً بالعزلة يحدق حوله نحوا لمكان المهجور يائساً.
الرجل (متابعاً) ما الخطب؟
الصبي: لا اعرف ما الذي نفعله.
الرجل: تعال إلى هنا.
الصبي: لا أدري لماذا نحن نفعل هذا.
الرجل: انظر، هنالك … (يسير بعيداً وقد فقد الكلام.) هنالك اناس .. هنالك اناس آخرون وسنجدهم. سترى.
يغلق الصبي عيناه ويسقط فجأة نحو الرمال يائساً. الرجل ينظر إليه باهتمام.
الرجل (متابعاً) من فضلك. اسمع لي. لا تفقد شجاعتك.
يمسك الرجل البندقية المضيئة يخرجها من بيتها بسرعة، ويعمرها بالرصاص – يراقب الصبي الآن بعيون مفتوحة.
يسرع الرجل الخطى إلى اعلى الكثبان وينظر إلى حيث كانت العربة مخبأة. يطلق النار شعلة نحو الهواء. فترسل الشعلة أقواساً نحو الظلام مع صوت طويل من الهشهشة ثم تتكسر إلى غيمة من الضوء، معلقة هناك يتساقط منها قطع المغنسيوم الساخنة نحو الرمال. يراقب الصبي بحب للمعرفة رغم يأسه.
يمسح الرجل عينيه ليرى: الكثبان تحميها الأضواء الزهرية من جراء القذيفة وعلى الرمل علامات آثار أقدام للرجل الغريب.
يقود بصف طويل إلى حيث العربة، العربة تسجل نهاية الخط نحو المسافة البعيدة.
خارجي. الشاطئ القريب – ليلاً
من منظور الرجل الغامض – من على بعد فريق ثالث يراقب الرجل والصبي المغتسلين بضوء القنابل الضوئية.
تندفع الكاميرا نحو الوجه الذي يراقبهم – ملتح وخائف بعين مراقبة وعظمة خد محطمة، جندي متمرس في مناوشات عدة.
خارجي. كثبان رملية – ليلاً
يقف الرجل والصبي باقدامهما العارية.
الرجل: تعالى. علينا ان نسترد أحذيتنا.
الصبي (خائفاً ممانعاً) نحن لا نحتاج إليهم!
الرجل: لن نصل بعيداً بدونهم.
ينطلقان بسرعة، باقدامهما العارية.
خارجي. طريق الشاطئ، ارض مسوده – ليلاً
على الطريق في منتصف ارض مهجورة يموت الضوء، شبكة الضوء الغريبة المتلألئة عبر السماء، الرجل والصبي حافيان على الفراش البلاستيكي.
من منظور الرجل – وفي الأعلى الشكل المحدودب الذي رأيناه سابقاً.
اللص، ظهره ناحيتنا يدحرج العربة المحملة على الطريق.
الرجل: تعالى.
ينطلقان خلف اللص حافيان يحدثان صوتاً على المفرش البلاستيكي.
الرجل في المقدمة والصبي يتبعه محاولاً اللحاق به. ينظر اللص إلى الخلف نحوهم ويسرع خطاه ورأسه محني على يد العربة راكضاً من اجل حياته. عندما ينظر إلى الخلف مرة ثانية يخرج الرجل بندقيته موجهاً إياها مباشرة نحوه.
يوقف اللص العربة، ويخرج سكينة قطع من حزامه ويستدير ليواجههم، واقفاً خلف العربة، وجهه ضعيفاً متشنجاً، وفم مثل مقبرة متفجره – ليس وجه الرجل الذي يراقبهم في كثبان الرمل. يجرب الرجل بندقيته عليه، ويقف هادئاً، يمسك بيد الصبي.
الرجل (متابعاً) ابتعد عن العربة وضع السكينة جانباً.
يبصق الرجل ويلمع السكين يائساً. إنه اعجف، متجهم، ملتحي قذر.
الرجل (متابعاً) إذا لم تضع سكينة القطع جانباً وتبتعد عن العربة الملعونة فسوف افجّر مخك.
الصبي: بابا؟
الرجل: اسكت.
يموّن الرجل البندقية ويسمع صوت طقطقتين عاليتين.
الرجل (متابعاً) لعنة الله عليك.
الصبي: بابا. ارجوك لا تقتل الرجل.
اللص: تعالى يا رجل. فعلت ما تريد. اسمع للصبي.
يبدأ الصبي بالبكاء – ينظر اللص إلى الصبي ثم نحو الرجل الغاضب، هذا يبدو مخففاً للإحتقان، يضع السكينة في العربة ويخطو مبتعداً، يداه مرفوعة في الهواء، وإبهاميه مختفيان.
الرجل: منذ متى وانت تتبعنا؟
اللص: لم اكن اتبعكم. رأيت العربة على الرمل واخذتها فقط.
الصبي: من فضلك يا بابا.
الرجل: اخلع ثيابك. اخلعهم كل خيط منهم.
اللص: تعالى يا رجل، لا تفعل هذا.
الرجل: اقتلك في المكان الذي تقف به.
اللص: لا تفعل هذا، يا رجل.
الرجل: لن اقول لك ثانية.
اللص: حسناً، حسناً، مجرد إهدأ.
ينظر اللص نحو الصبي الذي يغطي اذنيه الآن ويأخذ الرجل خطوة أقرب بالبندقية، يبدأ اللص بخلع وتكويم اسماله في الطريق.
الرجل: الأحذية.
اللص: تعالى يا رجل.
الرجل: الأحذية.
يجلس عارياً في الطريق ويفك الأحذية المعفنه.
الرجل (متابعاً) ضعهم في العربة.
يقف اللص ويسقط الأحذية في العربة
الرجل (متابعاً) ضع الملابس في الداخل.
يسقط الرجل الملابس في الداخل ويقف هناك مغطياً نفسه، يرتجف.
اللص: لا تفعل بي هكذا يا رجل. لست بحاجة لأن تفعل بي هذا.
الرجل: لم تهتم بأن تفعل بنا هكذا.
اللص: انا اتوسل إليك.
الصبي: بابا.
اللص: تعالى واستمع إلى الصبي.
الرجل: حاولت ان تقتلنا.
اللص: انا ميت من الجوع يا رجل. كنت ستفعل نفس الشيء.
الرجل: أخذت كل شيء.
اللص: سأموت هنا.
الرجل: سأتركك كما تركتنا.
يمسك الرجل بالعربة من يدها ويشدها فيديرها ويضع فوقها المسدس ويمد يده للصبي.
الرجل. (متابعاً) دعنا نذهب.
لا يمسك الصبي بيده ولكنهما ينطلقان على المرتفع الأسود، الصبي يصرخ وانفه يسيل واللص يرتجف ويئن.
الصبي: آه يا بابا.
الرجل: توقف.
الصبي: لا استطيع ان اتوقف.
الرجل: ما الذي كان سيحدث له لو لم نمسك به؟ عليك أن تتعلم.
الصبي: لا أريد أن اتعلم!
الرجل: لن تجدني هنا إلى الأبد، عاجلاً ام آجلاً عليك ان تهتم بأمرك.
يتابع الصبي النظر إليه ويستمر في البكاء.
خارجي. طريق / شاطئ، ارض مسودّة – مساءً
ومن مسافة بعيده ينظر الصبي إلى الخلف نحو اللص وهو ما زال يبكي.
الرجل: عليك أن تتوقف عن البكاء.
الصبي: لا أستطيع.
ينظر الصبي إلى الخلف مرة أخيرة بينما يختفي اللص من المشهد وما زال يقف هناك ضائعاً كليّاً.
يتوقف الرجل ويلبس حذاءه. يسير عائداً على الطريق نحو المنعطف ولكن اللص كان قد اختفى.
الرجل: لقد ذهب. تعال.
الصبي: لم يذهب. لم يفعل ذلك. ينظر الرجل عاجزاً امام الصبي المغرورقة عيناه بالدموع وهو يلبسه حذاءه والدموع تسيل حاملة معها السخام الأسود على وجهه
الرجل: ماذا تريد أن تفعل؟
الصبي: ساعده فقط يا بابا. مجرد ساعده. ينظر الرجل إلى الخلف نحو الطريق، يوازنها.
الصبي: (متابعاً) كان جائعاً ليس إلا. سوف يموت.
الرجل: سيموت على أي حال.
الصبي: انه خائف جداً.
الرجل: انا خائف. هل تفهم؟ انا خائف.
يحاول الرجل ان ينظر إلى الصبي في عينيه ولكنه يبقي رأسه منحنياً وهو ينشج.
الرجل (متابعاً) انت لست الإنسان الذي عليه الاهتمام بكل شيء.
يتمتم الصبي مكشراً وعيناه ملأى بالدموع.
الرجل (متابعاً) ماذا؟ ماذا قلت؟
الصبي: نعم انا هو هذا. انا الشخص.
يتوقف الرجل ويواجه الصبي البريء غاضباً، محملقاً، ثم مستجمعاً كل قوته ليدير العربة حول نفسها ويحاولان ادارتها لتعود إلى الخلف من حيث اتو.
الرجل: حسناً. ساعدني.
يأخذ الرجل يد الصبي ويضعها على يد العربة.
خارجي. طريق / الشاطئ، ارض مسودّة – ليلاً
وبينما يبدأ النور بالاضمحلال ليصبح ظلاماً ينظران بحثاً عن اللص ليعطيانه ثيابه ويقولان له «مرحباً !» إلخ. بعد لحظة يتوقفان.
الصبي: انه خائف من ان يجيب.
الرجل: هل هنا توقفنا؟
الصبي: لا أدري. اعتقد ذلك يتابعان السير ويداهما مقيدتان بافواههما، يهللون بلا تفكير. يتوقف الرجل ليرتاح ويراقب الصبي برهة من الزمن وقد توقف عن البكاء وهو ينادي اللص. اخيراً يكوم حذاء الرجل وملابسه على الطريق. ويضع صخرة عليهم.
الرجل: تعال. علينا أن نذهب.
ينظر الصبي إلى الملابس بحزن وهو الآن صامت.
خارجي كثبان رملية بجانب الطريق، ارض مسودّه – ليلاً
يجدان بقعة ليقفا عليها ويجلسان، تعبان. يفتح الرجل علبة الاسعافات الأولية التي أخذها من القارب، يختار حبوباً مختلفة. ويطحنها، يسكب كوب ماء من علبة على العربة، ويناولها للصبي.
الصبي: لا أريدها.
الرجل: عليّ ان اخفض حرارتك.
يبتلع الصبي الحبوب والماء وهو يرتجف.
الصبي: هل استطيع ان اسألك شيئاً؟
الرجل: حتماً باستطاعتك.
الصبي: ماذا ستفعل إذا مت؟
الرجل: إذا مت انت فأريد ان اموت انا أيضاً.
الصبي: حتى تكون معي؟
الرجل: حتى اكون معك، نعم. ولكن هذا لن يحدث.
يتبادلان النظرات برهة من الزمن، مبلبلين والصبي يرتجف وعليه مظهر المرض. يستلقي الصبي ويغلق عينيه. يضع الرجل عليه حراماً صوفياً. يسير الرجل بعيداً بضع خطوات ويسعل بلا توقف. سعلة ملحة عليه لا تفارقه.
خارجي. بستان – نهاراً
حلم الرجل – حلم وذكرى يوم صيفي قديم، الرجل والمرأة في بستان مستلقيان في الشمس على حرام رحلات وامامهما طعام وخبز وفاكهة ونبيذ. يستلقي الرجل إلى الخلف والمرأة تهدهد رأسه في حضنها وتمسح حاجبه. تنزل وجهها إلى اسفل لتزرع بلطف قبلة بسيطة على كل من حاجبيه ومن شفاهه.
من منظور الرجل – وجه المرأة يبتسم ابتسامة مشعة شكلتها اشعة الضوء والاشكال غير الواضحة للأوراق والأزهار والبراعم المنعكسة في السماء – بالنسبة له انها ملائكية. ثم قبلها على كل عين وكذلك على الشفاه ايضاً – طقوس مداعبتهما.
نهاية مقطع الحلم.
خارجي. كثبان الرمال على جانب الطريق، ارض مسودّة – فجراً
يستيقظ الرجل مكتئباً، يمسح دمعة، ويرمش بعينيه مضطرباً.
من منظور الرجل – يركع الصبي بالقرب منه، يراقبه بهدوء، ولم يعد يعرق ويرتجف، استرد عافيته.
الصبي: بابا؟
يرفع الرجل نفسه، يجلس ويحدق فقط في الصبي مذهولاً، وكأنه قد قام من القبر.
الرجل: كيف تشعر الآن؟
الصبي: أشعر بنوع من الغرابة.
الرجل: هل انت جائع؟
الصبي: فقط عطشان.
ينهض الرجل ويحضر ماء من علبة في العربة ويسكب كأساً، ويعطيه للصبي الذي يشربه بظمأ شديد. يرفع الرجل يده لتطال شعر الصبي الذي يمسده وهو يشرب.
خارجي. بلده منتج، ضواحي- نهاراً
يتجه الرجل والصبي باتجاه بلدة على شاطئ البحر بعيدة إلى حد ما.
خارجي. بلدة منتجع – نهاراً
يدخلان إلى منتجع على الشاطئ عليه إشارة ترحيب عبر الطريق بهتت الوانها. يمسك الصبي بيد الرجل الآن.
خارجي. بلدة منتج / حافة الماء – نهاراً
انهما في الأسفل عند الماء. قوارب تسلية نصف غارقة في المياه الرمادية. رايات الوانها باهتة وعلامات مدهونة تعلن عن الأيس كريم والطعام والألعاب الممتعة. يساعد الصبي الرجل ليدفع العربة عبر الرمل حتى لا يستطيع التحرك ابعد من ذلك، يتوقفان ويسقطان على الرمل، مرهقين.
الصبي: هل استطيع ان اقول لك شيئاً؟
الرجل: نعم.
الصبي: انت تقول لي انني لا يجب ان أبكي ولكنني سمعتك تبكي، سمعتك تسعل وتبكي لوحدك في الليل عندما كنت تظن أني نائم.
الرجل: وماذا في هذا؟
الصبي: إذاً، إذا كان لا يجوز لي البكاء فانت لا تبكي أيضاً.
ينظران إلى بعضهما البعض.
خارجي. ميناء – آخر بعد الظهر
وعلى جانب ميناء البلدة يدير الرجل عربته عند ارصفة السفن المهجورة ماراً بدعامات معفنة، صف من مخازن الخشب الفارغة وخزان صدئ مغسول. إنه يسعل وصوت صداه بعيداً عن حوائط المخزن. والصبي يجر نفسه بضع خطوات خلفه. إنهما لا يتكلمان الآن.
خارجي. شارع خلفي – مساءً
وبينما يمران بآخر صف من المخازن المهجورة يبطئ الرجل حتى يلحق به الصبي. ولكن الصبي يدرس الأرض بدقة. ينحني ويلتقط.
من منظور الصبي – علبة كبريت قديمة كرتونية، الوانها بهتت.
يفتح علبة الثقاب لتظهر له خنفسة محفوظة بشكل كامل.
الصبي: ما هذه؟
الرجل: انها خنفسة.
فجأة تهتز الخنفسة، ثم تحرك جناحيها وتطير خارجة من صندوق الكبريت مرسلة ازيزاً وترتفع عالياً نحو السماء.. يحدق الصبي والرجل إلى اعلى نحو المخلوق الطائر مذهولين.
و:
وبلا سابق إنذار يصفر شيء فوق رؤوسهم قريباً ويضرب الحائط بالقرب منهم بتصفيق عالٍ. يغط الرجل فوق الصبي، مستقراً فوقه ليغطيه ويحاول الإمساك بالعربة التي تقلب رأساً على عقب فترمي كل محتوياتها إلى الخارج.
يحاول الرجل يائساً أن يجد غطاءً وهو ينظر فوق كتفه ويرى:
من منظر الرجل – في احدى نوافذ المخازن العليا يخرج رجل قوس ونشاب موجهين نحوهما مباشرة.
يغطي الرجل الصبي: وبمحاولة يائسة يحاول ان يبتعد ولكن هنالك ضربة من القوس والنشاب تدخل في ساقه.
الرجل (متابعاً) أوه ايها الحقير! أنت ايها الحقير.
يلتقط الرجل الحرامات الصوفية بأظافره من على العربة الواقفة جانباً ويحاول البحث عن المسدس ولكنه سقط من حزامه نحو الحصى ولم يعد بمقدوره الإمساك به. يحدد مكان البندقية الضوئية ويمسك بها ويضعها على العربة ويوجهها نحو الشباك الخالي. عندما يظهر حامل القوس مرة ثانية يضغط ليوجه طلقة تتجه نحو الشباك بقوس ناري ووهج ملون يخرج نظيفاً من الشباك. باستطاعتهما سماع صوت حامل القوس يصرخ في الداخل ويريا الضوء الملون ما زال يخرج من النافذة.
الصبي: اوه يا بابا!
الرجل: ابق كما انت. ينهض ويركض وهو يعرج ليقطع الشارع والسهم ما زال في ساقه.
داخلي. سلم خشبي. مساءً
يعرج صاعداً سلم المخزن القديم بالسرعة الممكنة.
والبندقية الضوئية جاهزة والسهم في ساقه.
داخلي – ارضية المخزن – مساءً
يندفع نحو الغرفة الرئيسية ويجرب البندقية. وفي النهاية البعيدة تجلس امرأة منبطحة على شكل رامي السهم. الأرض محترقة بفعل القنبلة الضوئية وما زالت مشتعلة.
امرأة رامي السهم: يا ابن الكلب.
الرجل: من غيرك موجود في المكان.
امرأة رامي السهم: أيها العكروت الوضيع!
ينظر الرجل إلى أسفل والساق تنزف بشدّة الآن والسهم ما زال بارزاً.
الرجل: اين القوس؟
امرأة رجل السهم: ليس معي.
الرجل: لماذا تتبعيننا؟
امرأة رجل السهم: نحن لا نلحق أحداً. انت الذي كان يتبعنا!
يحدق الرجل في المرأة من الأعلى إلى الأسفل، تبدو مريضة ونحيله ويائسة. ينظر نحو رجل السهم الممدد ميتاً. احترق صدره ووجهه، وما زال الدخان يصعد منهما. تغطي المرأة وجهه بالحرام الصوفي والرجل لا يعرف ما يقول بسبب خجله.
فيتابع سيره.
خارجي. قهوة – نهاراً
من منظورنا – مرة ثانية عن بعدن وكأن فريقاً ثالثاً يراقب، تنظر إلى الصبي والرجل يسيران الهوينا إلى داخل قهوة.
داخلي. قهوة – نهاراً
احد حوائط القهوة هو عبارة عن كومة من كسارة الحجارة مفتوحة على البحر. والحائط المقابل عبارة عن صورة فوتوغرافية لغابات خضراء. يحاول الرجل شد السهم إلى الخارج ولكنه ينزع فقط القاعدة الخشبّية. يخلع عنه سرواله المليء بالدم ويفحص الجرح العميق الذي احدثه تمزق اللحم بفعل رأس السهم المصنوع من ملعقة، مدفونة في الداخل.
الرجل: حاول ان تجد علبة الاسعافات الأولية من المركب. بسرعة يبحث الصبي في العربة ويجد العلبة ويسلمه إياها. يحدق به وهو يخرج الملعقة معذباً. يملأ الرجل الجرح بالمواد المطهرّة من علبة الاسعافات ويبحث داخلها عن ابرة.
يجد أبرة خياطة في ظرف معقم، فيفتحها بأسنانه ثم، باستخدامه الضوء الداخل عبر شباك البهو يضع بعض الخيطان الحريرية في الابرة ويحاول خياطة الجرح وهو يئنّ من الألم بينما يراقبه الصبي بصمت إلى أن يقول اخيراً:
الصبي: هل يؤلمك هذا؟
ينظر الرجل اليه غير مصدق ما يقوله – (فترة من الزمن).
الرجل: نعم! إنه يؤلم:
الصبي: كيف تشعر بهذا؟
ينظر الرجل نحو الصبي مندهشاً من هذا الحوار غير المجدي.
الرجل: على الأقل انت تكلمني الآن.
داخلي/خارجي. قهوة – (المخيم 17) – ليلاً
يوقدان ناراً داخل القهوة بالقرب من الحاجز ويجلسان ينظران إلى الخليج عبر الحائط الضائع، صامتين إلى أن:
الرجل: هل تريد ان اتلو عليك قصة؟
الصبي: كلا.
الرجل: لما لا؟
الصبي: قصصك ليست حقيقية.
الرجل: ليس من الضروري أن تكون حقيقية. إنها قصص.
الصبي: في القصص نحن دائماً نساعد الناس. ولكننا لا نساعد الناس. نحن نقتل الناس. وفي القصص الأشياء الطيبة تحدث ولكننا نمرض فقط.
يفكر الرجل بما يقوله – ولا يجد جواباً.
الرجل: نحن ما زلنا هنا السنا كذلك؟ الا يعني هذا شيئاً؟
خارجي. موقف القوارب – نهاراً
يدفع الرجل العربة ببطء. فيجدها جهداً كبيراً – يساعد الصبي في الدفع وهو ينظر إلى الرجل باهتمام بالغ، يتوقف الرجل ويرتاح على العربة ويدفع الصبي بضعة أقدام ثم يتوقف وينظر إلى الخلف بينما يسعل الرجل سعالاً مؤلماً لبرهة من الزمن.
يخلع القناع الطبي الذي يغطي وجهه وقد تخضب بالدم وأنفاسه، ضبابية في البرد، يعصر الدم واللعاب ويضع رأسه بين ركبه ويأخذ في السعال حتى لا يعود باستطاعته السعال محاولاً التنفس بصعوبة ولعاب مليء بالدم يسيل من شفاهه نحو الرمل مثل خيط قرمزي بينما يراقبه الصبي وهو يبكي بصمت.
الرجل: علينا ان نترك العربة، لم يعد باستطاعتي دفعها.
خارجي. موقف القوارب – نهاراً
يمشيان مجهدين عند منحدر قوارب على طريق الشاطئ. واسفله الشاطئ يحمل الصبي حقيبة صغيرة الآن، ويحمل الرجل اكياسا وحقائب. يتوقفان وينحني الرجل وقد فقد القدرة على التنفس ورئتيه مقفلتين. يتوقفان على حافة الماء حيث تصل الطريق إلى البحر. يأخذ الصبي يده بلطف.
الصبي: ماذا سنفعل يا والدي؟
لا يستطيع الرجل الاجابة لعدم قدرته على التنفس.
الصبي (متابعاً) حسناً، ماذا نحن؟
يجلس الرجل متثاقلاً على الأرض. مترنحاً بينما يقف الصبي يراقبه وعيناه مغرورقتان بالدموع.
الصبي (متابعاً) أوه كلا، يا بابا.
خارجي. شاطئ / كثبان رمال – (مخيم 18) – نهاراً
يسقط الرجل بين الوعي واللاوعي في الرمل. يأتي الصبي ومعه كأس من الماء ويحمله نحو شفاه الرجل، يشرب. وقد اضاء الصبي ايضاً النار وفرد حرامات صوفية.
الرجل: لا تخلد إلى الراحة. انت بحاجة لمتابعة السير.
لا تدري ما الذي ستجده في الطريق.
الصبي: كلا.
الرجل: لقد كنا دائماً محظوظين. وستكون محظوظا مرة ثانية. سوف ترى . فقط اذهب.
الصبي: كلا. لا استطيع.
الرجل: لا بأس في ذلك. كان هذا سيأتي منذ زمن طويل. تابع سيرك جنوباً. افعل كل شيء كما فعلناه.
الصبي: كلا. ستكون جيداً يا والدي. عليك ان تكون كذلك.
الرجل احتفظ بالبندقية في كل الأوقات. لا تدع احداً يأخذها منك. عليك ان تجد الناس الطيبين ولكن ليس بمقدورك أن تأخذ أي فرص هل تسمعني؟
الصبي: اريد ان اكون معك.
الرجل: اريد ان اكون معك ايضاً ولكنني لا أستطيع.
الصبي: من فضلك.
الرجل: عليك ان تتابع الأمور لوحدك الآن.
عليك ان تحمل النار.
الصبي: لا اعرف كيف افعل ذلك.
الرجل: نعم أنت تعرف. تعرف كل شيء عنها.
الصبي: هل هذا حقيقي؟ النار؟ بابا؟
الرجل: نعم انها كذلك.
الصبي: أين هي؟ لا أدري اين هي.
الرجل: نعم انت تعرف.
الصبي: أين؟
الرجل: إنها في داخلك. كانت دائماً هناك. استطيع أن أراها.
يحدّق الصبي به غير متأكداً بماذا عليه أن يؤمن.
الرجل (متابعاً) عليك ان تتركني أذهب.
الصبي: فقط خذني معك من فضلك. من فضلك، يا بابا!
ماذا علي أن أفعل؟
الرجل: مجرد أمسك بيدي.
يمسك الصبي يد الرجل بقبضته ويتأرجح إلى أعلى وإلى اسفل، متوتراً.
الصبي: قلت انك لن تتركني ابداً.
الرجل: انا اعرف. أنا آسف.
يسقط الصبي فوق الرجل معانقاً إياه بشدة، ووجهه يضغط على صدره وهو يبكي.
الرجل (متابعاً) : يا بني، لك كل قلبي، ودائماً كان لك.
انت افضل ولد. باستطاعتك ان تكلمني وانا أكلمك.
سوف ترى.
الصبي: وكيف سوف أسمعك؟
الرجل: انت فقط ستفعل.
الصبي: وكيف ستعرف؟
الرجل: عليك فقط ان تتمرن. فقط لا تستسلم.
موافق؟ سوف تكون بخير. سوف تكون محظوظاً. اعرف أنك كذلك.
يغلق الرجل عينيه ويأخذ انفاساً عميقة مجلجلة.
الصبي: لا بأس يا بابا، ليس عليك ان تتكلم بعد الآن.
تتراجع الكاميرا إلى الوراء ويجلس الصبي مع الرجل لا يقول شيئاً. بدأ الظلام يزحف عليهم. يجثم الصبي ذليلاً على صدر الرجل وينام هناك، يرتفع وينخفض مع تنفس والده.
خارجي. الشاطئ/كثبان الرمل (المخيم 18) – ليلاً
الظلام يخيم على المكان والصبي مستلقيا على عرض الرجل، ويده ترتفع وتنخفض على صدر الرجل ببطء، بدون انتظام بينما تجلجل انفاس الرجل داخل رئتيه.
خارجي. سيارة / شاطئ – فجراً
عودة إلى الوراء – او حلم الرجل الأخير: الرجل والمرأة في غفوة قصيرة في السيارة – زوجان شابان يسترخيان معاً في ضوء شمس الصباح الباكرة. يستيقظ الرجل وينظر إلى زوجته النائمة ويملس على شعرها بحنان، وبحب كبير بينما هي نائمة.
يده التي يضعها عليها توقظها، تنظر إليه متفاجئة وسعيدة وتبتسم.
المرأة: مرحباً…
تقبله وينظران إلى المحيط الأزرق والرمل الأبيض وعشب البحر الأخضر وتضع ذراعها حوله.
الرجل (صوت خارجي) لو كنت إلهاً لصنعت العالم تماماً هكذا بدون اي اختلاف… وهكذا فانت لي.. أنت لي.
نهاية العودة إلى الوراء
خارجي. شاطئ/كثبان رمل – (مخيم 18) صباحاً
استيقظ الصبي ولكنه لا يتحرك، يده ما زالت على صدر الرجل، والذي لا يتحرك الآن. ينظر نحو الرجل الذي يبدو بارداً وجامداً الآن، مات منذ فترة. ينهض الصبي ويمسك بيد الرجل الباردة الجامدة. وتتساقط الدموع على وجهه بصمت.
الصبي: او يا بابا: بابا. بابا…
خارجي. الشاطئ/ كثبان الرمل – (مخيم 18) ليلاً
يبني الصبي نار المخيم. يضيئها ويجلس هناك يراقب جسد الرجل الجامد.
خارجي. شاطئ / كثبان رمل – (مخيم 19) صباحاً
نام الصبي بجانب الرجل، استيقظ، رفرف عينيه مذهولاً.
خارجي. شاطئ / كثبان رمل – (مخيم 18) نهاراً
يقفل الصبي سترة الرجل بحذر ويكوم الحرامات الصوفية فوقه. وهو يتكلم طوال الوقت.
الصبي: هل استطيع أن اقول لك شيئاً؟ حلمت حلماً سيئاً.
كان لدي طائر البطريق ذلك الذي لفيته وكان يتدلى ويتهادى بزعانفه. في ذلك البيت الذي كنا نسكن به وقد جاء حول الزاوية ولكن لم يلفه أحد ولذلك كان فعلاً مفزعاً لأنه، لأنه، لأنه….
ثم يصمت عندما ينتهي كلامه مع الجثة ويضع سترته هو عليها ويقفلها بالسحاب.
الصبي (متابعاً) لم تكن اللفافة تلف. يأخذ البندقية
يدقق في مخزن الذخيرة ويقفله ويقف ويضع المسدس في حزامه.
خارجي. حافة الماء – مخزن القوارب- نهاراً
يقف الصبي على حافة الماء ينظر إلى الضباب الدخاني والفراغ المحيط. ومن لا مكان يبرز رجل يلبس سترة رمادية وحمراء للتزلج على الثلج وهو يحمل بارودة فوق كتفه وحزاما من الذخيرة.
يمشي نحو الصبي، انه نفس الرجل الملتحي والخائف الذي رأيناه قبل ذلك يراقبهما في كثبان الرمل.
لا يجفل الصبي. ولكن يده تذهب نحو البندقية على جنبه.
عندما يتكلم الرجل هنالك نوع من خطأ النطق في كلامه.
ربما سببه اختفاء بعض اسنانه.
المحارب: أين الرجل الذي كنت معه؟ (لا جواب) هل كان والدك؟
الصبي: نعم. كان والدي.
المحارب: أنا آسف.
الصبي: لا أدري ما أفعل.
المحارب: حسناً، اعتقد ان عليك ان تأتي معي.
يضيق اصبع الصبي على زناد البندقية.
الصبي: هل انت من الرجال الطيبين؟
المحارب: نعم. انا واحد من الناس الطيبين. لماذا لا تضع هذا المسدس بعيداً؟
الصبي: ليس من المفروض ان اترك احداً يأخذ هذا المسدس.
مهما كان الأمر.
المحارب: لا أريد مسدسك. انا فقط لا أريدك أن توجهه نحوي.
يخفض الصبي المسدس إلى جانبه ويأتي المحارب بضع خطوات مقترباً، مما يجعل الصبي يتراجع خطوة إلى الخلف.
المحارب (متابعاً) أين حوائجك؟
الصبي: ليس لدي الكثير من الحوائج.
المحارب: ماذا لديك؟ حرامات صوفية؟
الصبي: والدي ملفوف بها.
الرجل: دعني أرى.
لا يتحرك الصبي. يمد الرجل يده للصبي ليأخذ بها، فيرى الصبي ان احد اصابعه مفقوداً ويتردد، حذراً. يقرفص الرجل وقد استند إلى بندقيته.
المحارب: انظر. انت لديك خياران هنا. بإمكانك البقاء هنا مع والدك او بإمكانك الذهاب معي. إذا ما اردت ان تبقى فعليك ان تبقى بعيداً عن الطريق.
الصبي: كيف اعرف انك من الناس الطيبين؟
المحارب: لا تعرف. عليك ان تأخذ مغامرة.
يوزن الصبي الأمر وينظر نحو المحارب.
الصبي: هل لديك اولاد؟
المحارب: نعم لدينا.
الصبي: هل لديك صبي صغير؟
الصبي: هل لديك طفل صغير؟
المحارب: لدينا صبي صغير وفتاة صغيرة.
الصبي: كم عمره؟
المحارب: انه في مثل عمرك. ربما اكبر قليلاً.
الصبي: ولم تأكلهم؟
المحارب: كلا.
الصبي: انت لا تأكل البشر؟
المحارب: كلا. نحن لا نأكل البشر.
الصبي: هل انت تحمل النار؟
المحارب: انا ماذا؟
الصبي: تحمل النار.
المحارب: انت نوع غريب حقاً الست كذلك يا صبي؟
الصبي حسناً، هل انت كذلك؟
المحارب: نعم، انا كذلك. انا أحمل النار.
الصبي: واستطيع ان أذهب معك؟
المحارب: نعم، باستطاعتك.
يتردد الصبي.
خارجي. شاطئ/ كثبان رمل – نهاراً
يسيران حيث يستلقي الرجل ميتاً ويقرفص المحارب ويرفع الحرام ليلقي نظرة عليه.
المحارب: هل هذه كل الحرامات الصوفية التي معك؟
الصبي: نعم.
المحارب: هل هذه حقيبتك؟
الصبي: نعم.
يقف المحارب ويدرس الصبي.
المحارب: لماذا لا تذهب إلى اعلى نحو الطريق وتنتظرني.
سأحضر الحرامات.
الصبي: ماذا عن والدي؟
المحارب: ماذا عنه؟
الصبي: لا نستطيع أن نتركه هنا.
المحارب: نعم نستطيع.
الصبي: لا اريد ان يراه الناس.
المحارب: ليس هنالك احد ليراه.
الصبي: هل استطيع ان اغطيه بأوراق الشجر؟
المحارب: سينفخهم الهواء بعيداً.
الصبي: هل نستطيع ان نغطيه بأحد الحرامات الصوفية؟
المحارب: لا بأس. سأفعل ذلك. اذهب الآن.
خارجي. مخزن القوارب، طريق – نهاراً
ينتظر الصبي وبعد لحظة يظهر المحارب من الكثبان الرملية يحمل الحقيبة والحرامات الصوفية معلقة فوقها على كتفه.
ينظر إليهم ويعطي واحد منها للصبي.
المحارب: هاك. لف هذا حولك. فأنت بارد.
ينظر الصبي نحو الحرامات متشككا ويناول المسدس للمحارب ليحمله.
المحارب (متابعاً) تمسك بهذا.
الصبي: حسناً.
المحارب: هل تعرف كيف تطلقه؟
الصبي: نعم.
المحارب: حسناً.
الصبي: وماذا عن والدي؟
المحارب: ليس هنالك شيء آخر نفعله.
الصبي: اعتقد انني اريد ان اقول له وداعاً.
المحارب: هل ستكون على ما يرام؟
الصبي: نعم
المحارب: اذهب. سأنتظرك هنا.
يستدير الصبي ويتجه نحو الشاطئ.
خارجي. شاطئ/كثبان رملية – (مخيم 18) – نهاراً
يمشي الصبي عبر الرمال نحو جثة الرجل والتي هي الآن ملفوفة لفاً مرتباً بالحرام من الرأس وحتى اصابع القدمين.
يركع الصبي بالقرب منه ويبدأ في البكاء بهدوء ويوشوش: ا
الصبي: سأكلمك كل يوم. ولن انسى. مهما كان الأمر. مهما كان الأمر يا بابا.
يجفف الصبي عيونه، يأخذ نفساً ينهض ويسير عائداً نحو الطريق.
خارجي. تجمع القوارب – طريق – نهاراً
بينما يخرج الصبي خارج كثبان الرمال يحمل البندقية.
امرأة عليها مظهر الأمومة تقف مع المحارب وتأتي تجاهه
المرأة الأم: اوه. انا سعيدة جداً بأن اراك.
يحدق الصبي بها مربكاً – وعلى بعد مسافة قصيرة يقف باقي افراد العائلة. صبي في مثل عمره وفتاة. الصبي يحدق بالصبي الآخر ويتعرف إليه – انه نفس الصبي الذي اقتفى اثره قبل ذلك.
ثم يلاحظ الصبي وجود كلب مهجن رث يقف معهم.
تأتي المرأة الأم تأتي وتضع ذراعيها حوله.
المرأة الأم (متابعةً) كنا نتبعكم، هل علمتم بهذا؟
رأيناك مع والدك وحاولنا ان نلحق بكم ولكنكما كنتما اسرع مما بإمكاننا.
المحارب: كانت هنالك بعض المناقشات حول هل نحاول اللحاق بكم أصلاً.
وبينما هي تتحدث تأخذ المرأة الأم البندقية من الصبي وتناولها إلى المحارب.
المرأة الأم: نحن محظوظون. كنا خائفين عليكم. والآن لسنا مضطرين بأن نضطرب حول أي شيء.
تقبل الصبي جبهته وتحمله بين ذراعيها الممدودتين لتتأمل وجهه.
المرأة الأم (متابعةً) كيف يبدو هذا؟ هل هذا جيد؟
يحدق ولكنه لا يقول شيئاً.
(نزول الأسماء)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* منظور طائر: Bird›s eye-view

ترجمة: مها لطفي / مترجمة وكاتبة من لبنان