أخبار عاجلة

الطواف حيث الجمر: بدرية الشحي اللاحدوية في تحليل النص السردي

1- إثبات اللاوحدوية المتبناة في الدراسة:

تحاول هذه القراءة أن تقدم دراسة تطبيقية لقواعد و تكنيك الرواية "الحديثة في استنادها على الفكرة القائلة إن السرد الروائي الحديث لم يعد يرى في الرواية تحقيقا لعناصر أو أساسيات النص السردي من حيث اعتمادها على وجود شخصية بطولية متفردة بتحريك أحداث النص ولم يعد يكتفي بوحدة الرمان والمكان ووحدة الحدث. فالأدوار في النص السردي الحديث تتنوع بين أكثر من شخصية، وأكثر من مكان وزمان و أكثر من حدث.

وتطبيقا لهذه المقولة الحديثة القائمة عشى اللاوحدوية في النص السردي فإن اختيار رواية "الطواف حيث الجمر" للكاتبة العمانية بدرية الشحي كمحور تطبيقي لهذه المقولة له دلالة على أهمية الجهد المبذول في صياغة هذا العمل الإبداعي و تصويره لشخصية "زهرة"  الفتاة المغلوبة على أمرها مع وجود عوامل مشتركة تقتسم مع زهرة دور البطولة المشتركة في تحريك احداث النص السردي. ولعل هذا العمل الإبداعي سيظهر من القدرات في كتابة و تصوير الرواية ما لم تتمكن الكلمات المكتوبة ان تصوره ما لو ظهر في فيلم سينمائي. و تأكيدا عثر اللاوحدوية في عناصر الرواية الحديثة فان تسليط الضوء على اساسيات رواية " الطواف حيث الجمر" من حيث تقاسم دور البطولة بين الشخصيات و تعدد الامكنة و الأزمنة و الحبكات التي قد تعد نقاط تحول للأحداث في الرواية. فغيما يتصل بالشخصية في الرواية، توجد أكثر مز شخصية محورية تحرك سير الأحداث و ليست البطولة محصورة على زهرة التي كسرت قوانين المجتمع القبلي و ضربت بالعادات والتقاليد عرض الحائط وإنما وجود السلطة العائلية التي كانت الدافع الرئيسي وراء هروب زهرة اذ لولا معاناتها من القيود المفروضة عليها من السلطة الذكورية والروتينية التي تحياها كل يوم في أعمال البيت و الغسيل و الطبيخ و غيرها من موالاة يومية لا تنتهي لأبيها و أخوتها و عمها لما تمكنت من تحقيق رغبتها المكبوتة للتمرد والهروب. ولولا شخصية سالم و زوجته الافريقية الغائبة فعليا والحاضرة فكريا في النص والتي كانت بمثابة الدافع و الحافز لتأكيد فكرة هروب زهرة و فوق ذلك كان اعلان وفاة سالم التي نذرت له زهرة ليتزوجها ثم تقرير زواجها من عبدالله اخو سالم – لكي يقوم بتحقيق رغبة أبيه في إتمام حلمه برواد احد ابنائه من زهرة و لكر تتم مراسم العرس فكان لابد مز شراء الذهب و الملابس ومستلزمات العروس ولأداء ذلك كانت الفرصة متاحة و مهيأة لزهرة للذهاب مع أبيها و عمها إلى نزوى – مع أن ذهابها معهما لم يكن إلا ذهابا صوريا و شكليا ثم قتم زهرة فيه باية مهمة في الاختيار إذ الرجال هم الذين اختاروا كل شي ء وما عثر زهرة إلا ان تلقي نظرة عليه في النزل وليس في السوق. و لولا استحضار النص لجماعة الناس الذين التقوا بهم في الطريق إلى نزوى وايراد اسم النوخذة الصوري سلطان في حديثهم ووصفه بالزطي الذي يبيع العبيد في إفريقيا، وتذكر زهرة لسالم الذي من الممكن ان يكون لسلطان دور في رحيل سالم و له معرفة و دراية بحقيقة موته و يعرف زوجته و طفله في افريقيا. و لولا المبيت في النزل ووجود الخادم الفقير الذي عهدت له مهمة حراسة النزل و معرفته لمكان تواجد سلطان في نزوى لما تمكنت زهرة من الوصول اليه وعرض رغبتها في الرحيل، و لولا حاجة سلطان الماسة لشمال – و هو الذي اعتاد علي بيع العبيد وتهريب الأسلحة إلى افريقيا- لإصلاح  المركب الذي تعطل في صور لما رضي ان يعرض نفسه للموت وغضب الشيوع حين تصلهم الأخبار بأنه ساعد ابنتهم في الهروب قبل زفافها بايام… وبذلا تكون قد تعاونت عوامل ساعد على وجود اكثر من شخصية بطولية في النص، فهناك زهرة – سالم – سلطان – صالح – ربيع – كوزي- منيرة -كتمبو..الخ

اما بالنسبة لوحدوية المكان في نص (الطواف حيث الجمر) فالرواية تزخر بتصوير الاماكن ووصفها وصفا دقيقا يجعل القارئ يشعر بأنه لا يقرا مجرد كلمات وإنما يعايش مقيتة احداث مقترعة باماكن حدثت فيها. فعلى سبيل المثال توجد اماكن تجعل القاري يسترجع ماضي طفولته التي من الممكن ان يكون قضاها في منطقة جبلية حافلة بالمزارع والأفلاج والزقاق الضيقة و اشجار الغاف التي تحت ظلالها الوارفة تقوم مدارس تقيم القرآن الكريم لكلا الجنسين. فالرواية على هذا الاساس ثم تقتصر في تصوير احداثها على. مكان مركزي واحد فلم يكن بلدة او حيا أو زقاقا او بيتا او شارعا و وإنما يمتد سير الأحداث ليشمل كل تلك الامكنة فالأحداث تدور كما تصورها الرواية في بيت زهرة – في الحوش – في الجبل وعند الفلج وفي المزرعة وتحت شجرة الغاف حيث تقيم القرآن – في الطريق المؤدي هبوطا من الجبل الى نروى – النزل – الموتر- منح المضيبي-صور- ظهر المركب – مقديشو- ماليندي- ممباسا..الخ.

وكذلك الشأن في لا وحدوية الزمان في الرواية لم يكن الزمان حاضرا بالمعنى الوقتي المتعارف عليه للزمن إذ ثم تدر الاحداث في الليل -النهار-فجرا وإنما امتدت لتشمل فترات زمنية يقترن فيها التاريخ بالمعنى البعيد لأحداث الزمن ومستجداته بالمعنى الوقتي. فعلى سبيل المثال لا الحصر الأحداث تبدأ تاريخيا بتسجيل رحيل سالم. ثم تمتد الفترات الزمنية بإعلان وفاته غرقا في افريقيا و مرور الأربعين يوما حتى أعلنت خطبة زهرة لعبدالله ورغبتها في كسر العادة تيمنا بسالم بأن تقرر الرحيل إلى افريقيا وتعيش حياة الحرية التي طالما حلمت بها و ضاقت ذرعا من القيود العائلية لذلك أثرت الهرب من الجبل كله و ختاما للأحداث الزمنية يعلن الأفارقة الثورة على الإقطاع وإحراقهم كل شيء بما فيه مزارعهم و محاصيلهم و كانت زهرة ممن خسرت كل شيء.

2- دراسة الأطر اللغوية في الرواية

على مستوى تحليل القضايا التي طرحتها بدرية الشحي في الرواية والتي تعد قضايا فكرت اجتماعية في المقام الأول و التي تتأسس داخل إطار النقد الاجتماعي للأفكار والعادات التي يؤمن بها الناس خاصة من المنظور التي وصفته الكاتبة في الحياة الجبلية والداخلية و التي ترى في تلك الأفكار نوعا من المقدسات والعقائد المتوارثة وغير القابلة للتنازل و التخلي لصالح تغير الأجيال، إذ تغلب فكرة التفرقة العنصرية بين الحر أبن الأصل – والعبد أو الخادم -الزطي الذي يبيع أباه من أجل البيسة – و الزطي أوطى من العبد الأفريقي الأسود ذي الأنف الأفطس وكذلك فكرة السلطة الذكورية وإن الرجل هو الآمر الناهي في كل شيء و ليس للمرأة أو البنت سوى الطاعة و الولاء "امرأة للطبخ والفراش فقط" ص 104.

كما رأينا آنفا فإن الدراسة الثيماتية لقضايا النص الروائي "الطواف حيث الجمر" الحافلة بثيمات التمرد و الرفض الاجتماعي- السلطة الذكورية -رفض التفرقة العنصرية و أخيرا ثيمة الندم و تأنيب الضمير و هاجس الحنين و الشوق إلى الوطن، هذه الدراسة الثيماتية في تكامل عناصرها السردية و تبنيها لفكرة اللاوحدوية في النص السردي الحديث إثبات أن الرواية مبنية على تعددية وتقاسم الأدوار والأحداث بين الشخصيات والأماكن والأزمنة المختلفة. ولإبراز الوجه الأخر من الدراسة والمتصلة ببعض الظواهر اللغوية لتحليل وتفسير الجوانب النفسية والاجتماعية والفكرية لشخصية زهرة كمحرك فاعل للأحداث المحيطة بها وللشخصيات الأخرى التي تعطي صورة واضحة لطبيعة المجتمع الجبلي القبلي البحت ولطبيعة المناطق الساحلية في صور وافريقيا. الظواهر اللغوية المطروحة تتمثل في توظيف لغة التمرد الأنثوي ولغة التفرقة العنصرية ولغة الحوار الخارجي والحوار الداخلي وضمير المتكلم وأخيرا لغة الوصف.

1.1. لغة التمرد الأنثوي:

تبدأ الرواية باستحضار مقطع لـ(فريدريش هيلدرلين) ملئ بالحسرة على فقد عزيز "روحي كل نهار ترحل عنك، تعود اليك.. عيني تبكيك، ترق الدمع.. تتمنى يوما أن تصفو كي ترنو لك فتراك و تهنأ بك". مقطع يعبر عن توق النفس الباحثة عن رفيقها والمتلهفة لرؤية الذي رحل و لم يعد. وللتأكيد على دلالة هذا المقطع فإن نغمة التمزق الداخلي والوجداني تتحول إلى لعنة وغضب يفجر تمردا داخليا نابعا من الشعور القاتل بالندم، هذه اللعنة ترد على صوت المتكلم الحاضر في الرواية و الذي اتسم بلغة التمرد والغضب وهو صوت ضمير زهرة. ولكون زهرة تتصارع في نفسها رغبة التمرد وكسر المألوف على ما اعتاد عليه المجتمع الذي تربت فيه زهرة وبين القيود والقوانين المفروض عليها التزامها من قبل السلطة الذكورية، فإن تساؤلاتها الاستنكارية المتكررة لأمها: "أتزوج عبود؟.. مرة أخرى أمي، من؟.. لماذا؟ زوجوني ابن عمي راشد، ابن عمي فهم…هل تريدين أن تضحك علي الحريم؟ عبود صغير و ما يعرف شيء، انا ما أتزوج عبود ولو حصل العجب.." ص 18 صرخة التمرد والرفض تتكرر بعد أن فاض كيل زهرة في إقناعها بالزواج من عبدالله، ماذا عليها تفعل "أي نوع من الرحمة أطلب؟" ص 18 قمة الحيرة والتوسل ولكن ممن؟

"دقات قلبي تدق في أذني كسيل غاضب على العريس، وسالم لم تيبس تربته بعد؟" يختلط التوسل بالغضب باستخدام أداة النفي القاطع (لن) و مسبوقة وملحوقة بأداة النفي (لا) وعلو حدة التمرد "لا لن أتزوج عبود لو قتلوني!..لن أتزوج أحدا.. لا أريد عبود" ص 18. وتنكشن زهرة على نفسها لا تدري ماذا تفعل تجاه المصيبة التي أعلمتها أمها بها وسوف يؤكدها أبوها "صوتي مخنوق وجسدي يرتعش بحمى تخضه، تضنيه ذهابا وإيابا" ص 18. وأن طاعة ما عزم عليه الأب بزواج زهرة من عبود هو عين العقل "يا زهيرة هكذا تعقلين، توكلي على الله يا بنتي.." وكما تم الإيضاح فإن طاعة الوالدين ورضاهما مهما كان فيها ظلم شديد للبنت ففيها طاعة لله والتوكل عليه، و هو في الحقيقة ليس توكلا على الله فقط وإنما هو رضوخ واستسلام وضعف للسلطة الذكورية لكون البنت جنس ضعيف مسلوب السلطة والإرادة.

إذ ابنة الأصل لا تقول لا وابنة الأصل لا تعارض الرجال فيما يبدون وليس لها الحق في ابداء الرأي فـ"الرجال هنا تيجان الرؤوس ولو كانوا لصوصا وزناة" ص 89. ولعل الفكرة الأخيرة هي التي كانت الحافز الأقوى في تحريك مجريات الأحداث إذ قوة الكبت وظلم الفتاة في القيام بالخدمة ليل نهار دون شكوى أو حتى كلمة شكر تقال قد يقود إلى ما لا تحمد عقباه إذ يدمر الفتاة و يعرض الأهل للعار والفضيحة وهذا ما أكدته الرواية. فزهرة الشخصية التي تجمع المتناقضات الحنين والشوق إلى الأهل والجبل وبين الإحساس بالتمرد ورفض القوانين المقيدة المفروضة عليها كامرأة فهي على الرغم من ذلك البنت العاقلة الرزينة التي قفل العمر عنها راكضا تاركا وراءه شعيرات بيضا وعمرا بائسا وكللا ومللا من عمل كالحمار في الطبخ و تنظيف البيت وتحضير الطعام للرجال وجلب الماء ورعى البقرات السمان وجز القت فليس في الحياة بقية لجديد وفوق ذلك وبعد أن مات الحبيب المنتظر غرقا في إفريقيا و الذي نذره الأهل على أن يكون زوجا زهرة لم يكن منهم سوى تقرير مصير جديد لها في الوقت الذي لم يمض على وفاة الأول سوى أربعين يوما قرر أبوها مع أخوتها الذكور- ولم تذكر الرواية ما إذا كان لزهرة أخوات إناث – تزويج زهرة بمن يصغرها بما لا يقل عن اثني عشر عاما إذ حملته زهرة حين كان صغيرا وداعبته ولاعبته فكيف يكون لها زوجا؟! أي عقل يقبل هذا ألأنها عانس و لن يقبل بها أحد من أبناء أعمامها بعد أن مات ممن هو في عمرها وزواجها كامرأة محصور على أبناء العائلة فقط لا يتعداه للأغراب في حين أن للرجل أن يختار ما يشاء بدليل رحيل سالم و زواجه من أفريقية.

وتعلو نغمة التمرد و السخرية و الاشمئزاز من الناس نتيجة ردة فعل إشاعة خطبتها لعبدالله: "لو أقدر على الصراخ لفعلت، لو أقدر على تمزق الوجوه كلها لفعلت، لو أحمل مجز القت وابقر بطن من يحادثني لفعلت. أه..أه ما أشعرني بالعجز، بالقهر. أي لعبة يلعبونها معي، أبعد كل الطاعة أجازى بعبود؟ وسالم الذي رضت له قلبي قرابة العشرين عاما، يلغى هكذا؟ أيطلب مني أن أنظف شراييني لعبود؟" ص 19.

وترد في الرواية فكرة أن المرأة التي ترضى الهوان والذل والانكسار للرجل وللمجتمع الذكوري الذي يسيرها ويتحكم في مجرى حياتها "ابنة الأصل لا تعترض على قرارات الرجال" ص 22- على الرغم من أن الرجل هو سبب هذا الهوان – هذه المرأة لا تكون محط اهتمام من الرجل ويفضل الزواج ممن تملك الإرادة على قول رأيها "الآن فقط عرفت لماذا أثر سالم السوداء علي. ليس بيدي أن أفعل و لو مرة واحدة ما أشاء كأي امرأة مهضومة.. جمالي بارد محاط بالهوان.. لا أختلف و أنا اليوم في الثلاثين عن طفلة الثالثة بالأمس.. لم يتغير لدي شيء سوى حفنة مرارات.. أبتلعها كل يوم، متجاهلة تقرح جسدي الخائر. مصابة بالتحديد بالقصور، قصور اليد والرؤية. ص 22.

وتتأكد مقولة أن "ابنة الأصل لا تعترض على قرارات الرجال" وإذا ما حدث واعترضت وأصدرت رأيها الذي يخالف ما قرره الرجال فإن التوبيخ يكون جزاءها "زهرة..أخ عليك.. أهكذا تحدثين عمك يا بنت؟ و كاد أن يصفعني متكلفا الغضب لولا أن تظاهر العم بالابتسام: إياك أن تضرب العروس.. دعها تتدلع" ص 23.

ونتيجة لوصول زهرة إلى حالة التمرد الناتج من طفح كيل الصبر والتحمل والسكوت على تكرار الإهانات ومطالبتها بالصمت على الرغم من كبر سنها وطفح الكيل هذا قد قاد زهرة إلى مرحلة التحول النفسي والاجتماعي الذي سوف تترتب عليه أحداث الرواية وحدوث التغيرات الجذرية في حياتها. والوصول إلى درجة التعود والرفض المعلن عنه والصريح الذي جرها في البداية إلى التوبيخ وانزعاج زهرة نفسها من هذا التحول المفاجئ في شخصيتها و التي لم تعد تتحمل كما كانت من قبل "ويلي..ماذا جرى لي.. لماذا لم أعد أقدر على كبت غيظي، ماذا حصل لصمتي، ماذا جرى لعقلي ليجره لهكذا حماقة؟" ص 23 تبدأ لغة الغضب والتمرد باتزان بسيط لم يصل الذروة بعد يؤكده الشعور بالإساة القوية من ردة فعل سالم بزواجه من أخرى غير زهرة التي نذرت منذ الطفولة وأوهمت هي نفسها بأنها لن تتزوج غيره حتى صارت موضع حسد بنات الأعمام لأنها كانت خيار عمها الذي اختارها زوجة لابنه سالم لأنها كانت أفضلهن "اعتراني هدير عاصف، لقد أضحك علي الجبل وسأكون من اليوم ولاحقا مدعاة لسخرية ونميمة (فوالة) الطرقات. لا يسعني به اليوم أن أظهر نفسي" بعد هذا المقطع تعلو حدة الغضب قليلا على سالم لجعله زهرة ألعوبة على لسان أهل الجبل فلا تزوجت ممن نذرت له ولا هي تزوجت من غيره "جعلني ذلك المغرور ألعوبة، معلقة بالوهم فلا أنا له ولا أنا لغيره" وهنا تصل حدة الحنق منتهاه إذ تعلن زهرة كرهها الدفين لسالم ولنفسها التي خضعت وما زالت تخضع للوهم "أكرهه، وأكره نفسي الراضخة للوهم حتى الآن"… وكردة فعل قوية لحدة الغضب وإعلان الكراهية ترتسم تلك الحدة في تصوير نهاية رحلة جلب الماء من البئر إذ تصب الماء في الخرس وكأنها في ذات الوقت تفرغ حدة الغضب الذي اعترى رأسها المثقل بالهموم وهاندوة الماء معا "صببت الماء في الخرس، كانت صورتي على لجين الماء مضببة وغامضة. أما في المرأة فقد كنت امرأة عانسا تعدت الثلاثين مع أن وجهي ما يزال بهيا مخضبا وعيناي خضراوان حلوتان". ص 11.

ولغة الغضب وصب اللعنات على سالم الذي جعل زهرة أضحوكة الجبل تتراجع شيئا فشيئا مع عملية صب الماء وتفريغ "هاندوة الماء المملوءة في الخرس وبهذه الحركة فصب الماء يعين على صب الغضب والتخلص من ثقله في الرأس مثلما هو الشأن في صب الماء و التخفف من حمله الثقيل على رأس زهرة. هذا التفريغ اللاشعوري للغضب يصل إلى درجة التأسف على الحبيب الذي رحل ورحت معه سنوات العمر التي لن تعود وتبلغ درجة التحسر على وفاة سالم أن تعزي أباه الذي فقد ابنه "مسكين أيها العم… ترى كيف هو العزاء الذي أقمته لابنك العاق، هل بكيت؟ أم بقيت كعادتك سدا منيعا محجور العين، تنظر بحزمك الأبدي، مدعيا اللامبالاة ومتغطيا بالرجولة؟

وفي مشهد الرحلة إلى نزوى وبحكم طبيعة زهرة التمردية ورغبتها في كسر حاجز التفرقة في معاملة الأنثى كخادمة للرجل ومطيعة له في كل ما يأمر، فإنها في هذا المشهد الوصفي التصويري تشعر بنوع من التشفي والشماته في رؤية أخيها-صاحب العزة – مذلولا تحت أقدامها يجر بغلها الذي تعتليه فيحين أن أباه وعمه يمتطيان حصانين، وتزداد نغمة السخرية والاستهزاء بأخيها علي أن تصفه بأنه ليس أقل من أبناء الملوك في شيء في التفاف الجواري حول أيديهم "مسكين يا علي، جبينك الأبيض مخطوط بالسخط الداكن. ولكنها على الأقل المرة الأولى التي أبدو فيها أفضل منك، كانت لك وأخوتك مطلق الحرية، تسرح في الأرض، تغازل الحريم عند الفلج، تواعد وتعود وقتما شئت، تنام القيلولة كل يوم بينما أكون وقتها أجابه نعاس التعب وأغسل آنية الغداء مصاحبة الشمس. حتى في الحقل، بالكاد تمتد يداك تخرفان الرطب أو تجزان القت للبهائم، كل شيء كنت أفعله أنا أو معي أمي التي لا تشكو، تدفعك هي لترتاح ونبقى كلتانا نشقى حتى المساء. ماذا ينقصك عن أبناء الملوك، و الجواري مكدودات بين يديك؟" ص 24

وتزداد نغمة الغرور الذي أجتاح زهرة نتيجة رؤيتها أخاها متعبا من جر البغل "كم يلذ لي أن أرى و لو مرة انتصاري على أحد من أخوتي، كم مرة لطخوا الغسيل الذي أنشره صباحا لأعيد غسله مرات بدون شكوى تذكر" ص 29

وتراود زهرة فكرة وصفتها هي نفسها بالشيطانية حاولت مرارا أن تطردها من تفكيرها لكن كلما لاح لها ذلك الخادم الأسود الذي يعمل في النزل الذي قضوا فيه قيلولة الغداء في نزوى نتيجة وصولهم المتأخر "كان الشيطان يعبث من جديد مع مرور الوقت السريع، ولم لا؟ ولكنني لم أخرق العادة من قبل، لم أجرؤ يوما في مجرد التفكير بالعصيان، ماذا بي؟ ودون أن أدري تناولت بعيني تحركات الخادم المرتبكة في الممر المحاذي لنافذتي، تجربة واحدة، ربما تخلق لي فرصة جديدة تماما،..لا..لا.. ويحي، سيقتلونني، سيذبحونني بالخنجر الذي ألمعه كل صباح في الدار، ويلي الستر أحسن" ص 30.

وهنا تبدأ حبكة الرواية و التي تحول مجرى الأحداث تجاه زهرة كمحرك فاعل للطواف حيث الجمر- و في الحقيقة هو ليس طوافا حيث الجمر وإنما هو تقلب واحتراق فيه فدلالة العنوان توحي بمجرد الملامسة البعيدة في حين أن الدلالة الحقيقية تنم عن الاقتراب البعيد عن الحذر واللاوعي لكل ما قد ينتج عن الدخول في الجمر و هذا ما أكدته الرواية – و التي تتلخص في التفكير في الهروب و ترك أهلها يتمرغون في وحل العار والفضيحة التي ألبستهم إياها ابنتهم الوحيدة. تداهم زهرة الفكرة المجنونة بعد أن تركها أبوها وعمها و أخوها لأداء صلاة العصر في حماية الخادم الذي يحمي النزل، إذ تهم بتهديده "كان الخادم غارقا في سبات طويل عندما هزته بعصبية. استقام صارخا فنهرته مرتعبة من جثته الضخمة: إشش.. اهدأ.. لن أخبر سيدك عن نومك.. يا ربي يا سيدتي؟ ماذا هناك؟ اقسم لك بأنني لم أنظر اليك ابدا عبر الكوة، صدقيني، لم اقل شيئا عنك لصاحب النزل، ما بالك لا تصدقين" ص 32 وبقسم ذلك العبد الفقير الذي نتيجة خوفه أخبرها عن كل ما قاله و ما فعله حتى وان نفاه فإصراره على النفي اثبت ما لم يسأل عنه، فهو قد نظر الى زهرة من كوة الغرفة وأخبر صاحب النزل عما رآه. و هنا تحاول زهرة ان تستغل خوف الى الرجل بتوظيف مكرها و خبثها الذي لم يسبق لها و ان استغلته، وبما ان الوضع ملح و يتطلب من زهرة ان تفعل شيئا كي تنقذ نفسها من رواج عبدالله فان الخادم الأسود هو المنقذ برشوته ببضع بيسات إذ أنه هو من جلبه الى النزل على الرغم من سمعته السيئة التي حاول الرجل الاسود ان يبعد زهرة عنه بسؤاله ما إذا كان ابوها يعرف انها تسأل عنه اذ انها" "بنت ناس، أهلك من أحسن وأقوى الناس" ص32. وعموما لحظة إتخاذ القرار دائما صعبة قد ترجع صاحبها إلى الوراء ما لم يكن ذا عزيمة قوية إذ في شك اللحظة تتصارع وتعتمل في النفس افكار شتى لا حد لها وتبدأ لحظة اتخاذ القرار "تسارعت انفاسي وانا أطلق العنان لساقي المتخاذلتين خارج النزل، وهي المرة الأولى التي يتسرب فيها الجنون إلى حياتي الرتيبة، اشعر بالضياع والموت يتربصان بي على جميع الطرقات، بي مزيج من الرعب والحماس، ينفحان وجهي بإثارة غريبة، وتجرأت اخيرا على مواجهة العار، لكنني الآن وقد أذهلني ما مضى من عمري متسربا لسراب، لوهم، الآن أجدني متشبثة بأمل ضحل، اليوم يحق لي أن افعل ما اراه انا صوابا وعلى اية حال كل الطرق الممكنة امامي مكشوفة للموت" ص 33.

وتختلط مشاعر الخوف والرهبة بالتمرد اذ انه مضى من العمر الكثير وقد حانت الفرصة لكي تنقذ ما تبقى من عمرها حتى وان كان المتبقي مؤداه إلى الموت، وكان بزهرة في هذه اللحظة قد ايقنت مهما كانت فعلتها قد تفتح لها ابوابا من الأمل جديدة الا ان الموت هو المصير المحترم لها. والهروب هو الحل الى حيث كل حالات اليأس وفقدان الامل الذي يداهمها بزواجها من عبدالله، وكان لزهرة ما سعت اليه فمجرد ما اعتلت سطح المركب المتجه إلى افريقيا ذك الامل المنتظر لم يكن من زهرة سوى أن تعلن صرخة الفرحة والشعور بالحرية لأول مرة وأن لا قيد ولا عادات ولا تقاليد تمنعها ولا رقيب يعد خطواتها و كأنها تبدأ الحياة من جديد فهي تحقق الآن حريتها وتمردها وكسرها لكل ما حد حريتها وهي تحقق كذلك جنونها المتعطش الى التمرد "أحب هذي الحياة، أحب أن أعيش فقط اطير بلا توقف، أحلق وأرى الكون بأسره تحتي، وأنا للمرة الاولي والاخيرة فوق، لا يمسكني شيء ولا تتعب أجنحتي، وهكذا وكما وعدت نفسي وامام عيني سلطان نافد الصبر دونما تردد او تأخير، أمسكت ببرقعي ونزعته عني وبسرعة رهيبة رميته في البحر، لم ألتفت اليه ولا إلى أولئك الحمقى المتناقضين" ص 114.

وحين تصل زهرة الى ابداء اعجابها من ان تكون محط انظار الرجال حتى و لو كانوا ممن هم اقل منها شأنا وحتى لو ابدت سخطها و تذمرها منهم الا انها في حقيقية الامر تشعر بالنشوة تغمرها من الأعماق والرغبة في الانتقام من الذكورة و سلطتهم التي طالما عانت منها "ما كان ناقصا ايضا ان أبلى بعاشق من البحارة، وان جئت للصراحة فهذا يعجبني، بل يعجبني جدا، سيدة أن  هناك واحدا على الاقل مستعد لتخطي حاجز الفوقية من اجلي، واحد استطيع ان ادوسه بقدمي، أذله فيسقط امامي صريعا دون شكوى أو تذمر يذكر" ص 130 ويزداد ارتياح زهرة وشعورها بالزهو والكبرياء حين تتمايل في مشيتها أمام سليمان الذي يبدى لها إعجابا واهتماما مختلفا لم يبده أحده البحارة الذين يعتبرونها منحطة "أما هو فكانت نظراته ذاتها سموا غريبا، وكنت أرتاح عندما أستعرض نفسي أمامه وافقس النظر فأراه مهترأ مرتبكا" وتستمر في مكرها المغلف بالحياء والخبث الأنثوي " وكاد يسقط  وقتها، كنت أرغب لحظتها بأن أقهقه ولكنني تماسكت وأنا أتجاهل إرتعاشته وضعف ساقيه…وبرغم ضعف مكانته ومنزلته على ذلك المركب، إلا أنه كعادة جنسه كان يبرد على أهميته، وأومأت خاضعة وبداخلي ضمير غبي ينعتني بالمخادعة، ولم أكن خائفة بالمعنى الذي أسبغته، كنت فقط أحب أن أراه يخدمني من بؤبؤ عينه، يركض لاهثا من أجلي، يعاند سيده من أجلي"،ص132.

و لكون زهرة هاربة تطاردها أوهام الخوف والرهبة والشعور الدائم بالندم وتأنيب الضمير على الخطوة المجنونة والشيطانية التي قامت بها من أجل إنقاذ نفسها وعمرها البائس الذي وضعها فيه أهلها والمجتمع الجبلي بعد وفاة سالم على الرغم من شعور التعود والغضب الذي ينتابها بين حين وأخر، إلا أن زهرة في حقيقة الأمر ليست راضية عن كل ما قامت به من تمرد وهروب ولكي تدفع الثمن كثفها ذلك الكثير من سمعتها وتعرض الرجال لها وهي لم تتمكن من الهرب منهم ومن سلطتهم التي طالما حلمت بكسرها إذ مازالوا يطاردونها ويعرضون عليها الزواج فتراها تقول" أيها الرب الرحيم ماذا بي، لماذا لم أعرف طريق الهداية، ولماذا قدرت أن أعيش دوما أحمل وهما وأجني السراب، باليوم كما بالأمس سأدوس على كل من سيقف في دربي، وكما فقدت الأهل بالأمس، سأفقد اليوم إرثي فلا قوة لي على مواجهة أخطائي القديمة وفلا قوة لي على الوهم من جديد". ص 163

ترتفع حدة غضب زهرة من تصرفات سلطان التي حاول فيها إغراءها و إيقاعها في حباله والتقرب اليها في لغة إباحية وأسلوب تحرشي رجولي يحاول فيه اجتذاب زهرة اليه لكي توافق على الزواج منه و تستمر في طرده خارج غرفتها ولم تبده أي اهتمام يذكر. فتصف بداية تحرشه بها حين جاء إلى قعرتها ليلا "سمعت طرها خافتة للغاية على الباب ظننتها مداعبة ريح، ولكنها عاودت من جديد، ولم أتحرك قيد أنملة، سمعت صرير الباب فأنتابني الخوف، من تراه الذي يطر عي في هذا الوقت، أيكون ربيع حارسي الأمين، ومن غيرا يجرن على الاقتراب من قمرتي، ليتني لم أنس دس المزلاج، خفت وقتها مز إصدار صوت يفضح سهري المجنون:

– عرفت أنك لم تنامي بعد.

– يا ربي! (ولم أستطع النطق، انخرس لساني و أنا أراه أمامي في وقت ساكن نامت فيه كل الكائنات عداي و عداه و الموج الهادر)

– أكنت تنتظرينني؟

– أخرج بسرعة من هنا

– ااش، اخفضي صوك، سيطلقون علينا لقبا لن يعجبك في صباح الغد..الخ ص 161.

أثناء حادثة غياب سلطان ينتاب زهرة إحساس هو بين الهزء بسلطان و الندم على أنه قد يكون قتل نفسه لأنه يحبها فهي "لا أريده أن يموت، فليكسروا أنفه أو ليجدعوه ولكن ليس أكثر من هذا، ليس أكثر"166 فيواجهها ما- بحقيقة أن سلطان خرج من غرفتها قبل ليلتين من غيابه وإنه ظن أن زهرة امرأة شريفة

"ولكنها ككل النساء عبدة الفلوس " ص 161 وهكذا ساءت سمعة زهرة بسبب سلطان وتمنت حينها له الموت وما كادت تفعل حتى عرض عليها صالح الزواج منها بلهجة مليئة بالتوسل "أنا من يسعدك، حتى لو كنت أخطأت معه سأسامحك وسأتزوجك، ولكز لا تصدقيه لقد أغوى قبلك الكثيرات وكلهن الأن ذليلات له، لا يقدرن على نيله أو نيل غيره "، ص 168. وتعلم بعدها أن صالحا هذا هو الذي وشى بسلطان الذي كان يقوم بصفقة عبيد ووقع في يد شيخ قبيلة غاضب كان قد فقد ابنا في العام الماضي وعلم أن سلطان قد باعه عبدا في بلاد من بلدان العرب ونال سلطان العذاب الطويل وعملت زهرة على تطبيبه وشفائه. ولكي تنقذ سمعتها من تلطيخ صالح، وتتزوجه غير نادمة وما كادت تعرف طعم السعادة والاستقرار بامتلاكها بيتا ومزرعة صغيرة وعبيدا يعملون على خدمتها وذهبا وملابس كأي عروس جميلة بيضاء واتنس بانجاب اطفال حتى يخطب الموت منها صالحا "طعنوه بخنجر غادر وهربوا" ص 193.

والرواية في أحداثها المتسلسلة تقرر ان كل ما حدث لزهرة من اهانات وعقبات واجهتها بدءا من التفكير في الهرب ولقاء سلطان مرورا بصور ووصولأ الى مقديشيو ومن ثم تعرضها للشتيمة وسوء الظن والسمعة الدونية من قبل البحارة وعلمت سلطان وامه في صور واللواتي اعتبرنها ساقطة وخليلة لسلطان "أيتها الساقطة المنقوطة وبلغت بك الجرأة أن تاتي الى هنا- ياسراقة الرجال ياسافلة يابنت الزنا يافاجرة – يا عديمة الادب (يا نغلة)" ص 94 وغضب الأفارقة فيما بعد الذين شنوا ثورة تخريبية ضد الاقطاع فأحرقت ودمرت كل ما عملت زهرة على امتلاكه من محاصيل وماشية وخدم. وكانت الخاتمة ان تتزوج زهرة بافريقي اسود مثلما فعل سالم من قبل ومثلما تنبأت لها المرأة العجوز ام سلطان "لم لا تتزوجين عبدا من افريقية اذن؟"ص 105 وكأنها بذلك قد حطمت العبودية التي حرص أهلها في الجبل على تكرارها وتسميعها لها وإعابة سالم الذي فضل الزواج من افريقية سوداء ذات أنف أفطس على زهرة ابنة الشيوخ و حتى زهرة نفسها قد اقتنعت في أحيان معينة بانها افضل من تلك الأفريقية التي تخرب النسل.

و التحول الجلي الذي حدث في شخصية زهرة خلال تسلسل الاحداث في الرواية يوضح نقاط الموازنة فشخصية زهرة خلال مرحلتين: زهرة قبل الهرب و زهرة بعد الهرب. وزهرة نفسها تستغرب من هذا التحول الذي استشعرته بمجرد أن ركبت المركب و بدات الرحلة الى أفريقيا "قرصت نفسي، هل انا حقا زهرة الماضي التي تغسل المواعين عند الفلج، والدار والبقرات؟؟ وثلة الغدير؟ وجرة المياه ؟ وقصعة العجين؟ قبل الهروب نجد زهرة شخصية مسالمة ضعيفة / مطواعة / لينة قابلة للكسر/ ليس لها في الخوض مع الرجال شأن / صبورة لدرجة اليأس وفقدان الأمل. وزهرة بعد الهروب تغدو قوية متمردة /سليطة اللسان / تناقشن بحدة وتجادل في كل شيء/مخادعة ماكرة في طرق لفت انتباه الرجال وشعورها بالغرور والخبث / اقطاعية من الطراز الأول في تملكها لبيت ومزرعة ومحاصيل وخدم يسعون على قضاء، حوائجها/ صاحبة القرار في كل شيء وذات سلطة امرة ناهية لا أحد يقوى على معارضتها فيما تريد.
1-2- لغة الحوار الداخلي وضمير المتكلم

منذ مقطع هيلدرلين في بداية الرواية و بحضور صوت المتكلم فإن القارىء يبدأ في معايشة الحدث الحقيقي للنص السردي اذ أن هذا الصوت ينقل القارىء من مقطع هيلدرلين التحسري الي مقطع التمرد والغضب الذي يدمر كل ما يتواجد في طريقه "فليذهب جميعكم لجحيم، وهذه الشعيرات البيض و هذا العمر البائس. وليذهب سالم والعالم من بعده وحوله إلى النار". ولتبرير أسباب اللعنات المتكررة على الجميع وعلى الصوت الحاضر في النص والعمر الذي أضاعته، وحضور شخصية سالم التي لم تتكشف حقيقته بعد و ما علاها الصوت الحاضر بسالم ولماذا تحل عليه اللعنة وعلى من حوله ومن بعده، نجد ذلك التبرير في "لقد ضاع عمري عبثا ضاع في سراب مملوء بالوعود الكاذبة.." ثم يأتي مرة أخري صوت النفس الداخلي "أي حسرات بعد هذا تنفع، ما باليد حيلة"، ص7. ويقفل النص بمقولة استسلامية بائسة توحي بالعجز وقصر الحيلة التي تتكشف فيما بعد حقيقته قولها من خلال سرد الأحداث.

كانت تلك اللعنات و الشتائم مجرد كابوس جاثم على روح "زهرة" الصوت الحاضر في الرواية والذي أيقظها منه صياح "ديك أم قيس" الذي أعتاد على الصياح باكرا.

وبالتدريج تأخذ الأحداث طريقها إلى سرد التفاصيل على لسان صوت الحاضر المتكلم "صوت زهرة" في حديث الضمير الداخلي الذي يصر على تعذيبها وكسر التعود الذي ينتابها بين الفينة والأخرى من خلال رسم شخصية سالم التمردية "كان يجب علي أن أعرف أن ذاك الطفل العنيد المتمرد الذي كان يلعب معي في طفولتي الغابرة لن يرضى بي، وأنه كان سيركض خلف المستحيل كعادته، نحو امرأة من طراز أخر، مخالف تماما، ليتني قدرت أن أرفض سالم منذ البداية. ليتني قدرت أن أتزوج سيفا أو يعقوب لأثبت له أنفس مرعوبة من كل شباب العائلة".ص 8.

ويدخل مسرح الحدث صوت أخو يوقظ زهرة ويخرجها مما كانت فيه من حديث الضمير الذي يعذبها ويلومها على البقاء على حب سالم الذي تركها ولم يلتفت اليها وهرب ليتزوج امرأة من طراز مختلف. هذا الصوت هو أم زهرة تأمرها بنفض بقايا النوم:

– "زهرة، قومي يا ابنتي، صلي و اخبزي العجين". ص 8.

– هذا التركيب اللغوي يحمل مغزى ذا صبغة دلالية تشي بالوظيفة الاجتماعية الروتينية للمرأة في المجتمع العربي (صلي- طاعة الخالق بأداء الصلوات) (اخبزي العجين – طاعة الوالدين بالانصياع لأوامرهم في خدمة المنزل وخدمة الذكور لم وبتك الوظيفة الدلالية التي تقصر مهمة المرأة على الطاعة في أي أمر كان لخالق والمخلوق – الذكر.

يغيب صوت الأم بأداء الأمر ليحل بعده مباشرة صوت الضمير مرة أخري وهو صوت مصاحب لزهرة في خلوتها ووحدتها القاتلة يأتي هذا الصوت من جديد ليؤكد لها أن من تكون وظيفتها اليومية منذ الفجر(صلي و اخبزي العجين): ماذا يريد بها سالم؟! دلالة استفهامية استنكارية تعجبية. ما الجديد الذي يمكن أن تضيفا زهرة في حياة من مملة التمرد و كسر العادة لكي يرضى بمن ليس لديها سوى الصلاة وخبز العجين وحدت الذكور من اخوانها.. " أتني يومي في دائرة مكررة، لاجديا فيها ولا حياة، هذا المتغطرس كان يبحث عن امرأة أقوى" ص 9. تبرير الضمير الداخلي يقنع زهرة بأن ما قام به سالم كان طبيعيا في ابحث عن أخرى لا تقوم بما تقوم به زهرة ولا تحيا حياة مملة مثلما زهرة تفعل. تتوارد في عقل زهرة الخواطر الشاردة التي تستجوب ضميرها طبيعة سالم المتمردة والمتعطشة في تجريب كل شيء غريب لم يره ولم يسمعه نتيجة الحياة في الجبل الأخضر الواقعة تحت ظروف الحرب والمعزولة من أية مشاهدات حياتية. صوت سالم يأتيها مخترقا صمتها"أريد أن أرى الكون الأخضر يا زهرة، ماذا بد الجبل، يقولون بحرا، هل تعرفين البحر يا زهرة ؟؟!"ص 9.

حديث النفس الداخلية المتكرر في الرواية يشي بلغة التأنيب والندم الذي ينتاب زهرة باستمرار ولا يخرجها من حالة التأنيب إلا صوت خارجي كصوت الأم، الأب، الأخ أو العم ليفرض عليها عملا روتينيا فشقت لأدائه كالأعمال المنزلية وتقديم فروض الطاعة للذكور بدون مناقشة. فحين طرحت مسألة زواج سالم من افريقية سوداء وموته غريقا، كان البديل لزهرة أن تتزوج من شخص يصغرها كثيرا وأكد أبوها أن زهرة "ستفعل كل ما أقول، منذ متى البنات يقلن لا؟ لقد صارت كلام الناس" ص 14. فالحجة التي قدمها الأب لفرض أوامره أن ابنته أصبحت حديث الناس.

ويتردد الحوار داخليا بين زهرة وضميرها الذي يؤرقها ويثقلها بالأسئلة عما إذا كان شيء ينقص زهرة حتى يتركها سالم ويتزوج بأخرى وماذا في تلك حتى يفضلها عليها.. "جميلة وأخبز وأطبخ وتنجيمي أدق تنجيم..ماذا ينقصني؟ نظيفة ومطيعة وأعمل كالحمار بلا كلل "ص 11. وزهرة في ذلك الحوار بطبيعة البنت التي تربت في بيئة منزلية ليس لها سوى الخدمة ليل نهار دون شكوى ولا كلل ولا ملل تعتقد أن مواصفات هذه البنت لا شك في أن أحدا ممكن أن يرفض الزواج منها لأن المرأة مخلوقها لخدمة الرجل والقيام على راحته وليس من حقها هي أن ترتاح أو تمتهن أية مهنة أخرى غير خدمة الرجل كما.يحدث في الوقت الراهن.

وتزداد شيمة تأنيب الضمير فامة به أن تحقق العار لأهل زهرة نتيجة هروبها قبل أيام من العودة من نزوى إلى الجبل لإكمال مراسم العرس و زفافها إلى عبدالله، خوفا شديدا كان يداهم زهرة من احتمالية تكلم العبد اختير الذي كمم أثناء، نومه إذ هو الوحيد الذي يعلم بحقيقة هروبها مع سلطان "لو تكلم العبد سيلحقهم الذل وسيطأطئون رؤوسهم من الهوان، لقد ألحقت العار بناسي. لماذا وأنا العاقلة الرزينة؟ أه لماذا قررت إلحاق الهوان به التي العريقة ذات الكبرياء! لماذا لأي سبب أثرت البقاء مرعوبة تحت سلطة بحار مشوه؟ أعترف أني انتقيت أقرب الطرق إلى الموت"ص 58و"سيصل أبي مخذولأ، وستلطم أمي وجهها معلنة لحاق العار بالعائلة، و سينعتني العم و بناته باللصة الفاجرة، وسيلعنني كل من يعرفونني إلى يوم الدين" ص61.

وتستمر الرواية في وصف تأنيب الضمير والشعور القاتل بالندم على ما جنته وتستمر الرواية في وصف تأنيب الضمير والشعور القاتل بالندم على ما جنته زهرة على أهلها ونفسها وما جلبته من سمعة بين البحارة ومما قد يتناقلونه فيما بينهم عنها ومما قد يرميها به القدر المجهول "أنا الأن في طريقي لعالم أخر مجهول، ربما يحبطني ويجعني أعض أناملي ندما على برحي داري الصغيرة في الجبل، وصداها البقرات السمان في الحظيرة، وربما أفرحني.." وتعاود تسائل نفسها "فيم الفرد؟ لقد صرت عجوزا الآن، أأفرح لرؤية من. سرقت حبيبي الوحيد؟ أو لملك يفتح أبواب السعادة ويعاملني كأميرة؟ ذلك رجع بعيد. ص 61 وتعاود من جديد الي النكوص في لغة الحوار وتأنيب الضمير ولعنات الغضب المسلطة على سالم وفعلته النكراء التي جعلها مثار ضحك وسخرية أهل الجبل. وتعتري زهرة حالة حادة وقوية من تأنيب الضمير تهزها من الأعماق بعد أن أسمعها سلطان الذي لجأت اليه ليساعدها على الهروب كلاما جارحا في شرفها وسمعتها وأتهمها في عرضها لكونها ابنة شيوخ د،يا إلهي، أنني أهتر بكاملي، تعتريني رجفة حادة مقشعرة، جسدي بأكمله يبدو كأنه يتضخم وكأن الشيطان الذي كان يسكنني يتسلل خارجا مني، فأستعيد من جديد حالة الهزال. في رأسي مشات الأفكار المطولة، تبعث نفسها من قبور منسية، طفلة في ركن قصي، والعيب، وأشباح متمايلة في كل حدب.. لا أريد العودة إلى الدار حيث زفافي الموعود لكن الحلم سرعان ما يتكسر، معنا نهايته وراسيا على أرض الواقع من جديد" ص 38 وتتوجه بخطابها التندمي و التحسري إلى روح سالم الذي جرها لكل ما هي فيه الأن من ذل و مهانة واحتقار ذاتي "أه يا سالم لو رأيتني قبل لحظات، كنت برغم جزعي الذي تعرف، أخطو خلفك لأرى الحياة، خلف كل هذه المسافات كما قلت سابقا هناك أيضا أناس يعيشون وبنط أخر ربما يناسبنا أكثر من الموروث، أما الأن فقد عدت للفتاة القديمة، من يدري بعد ساعات قليلة سأعود للجبل، وسأدفن كل ثورتي الطارئة في حضن البقرات أو سأسمد بها جلبة قلت خاملة بحاجة لفورة نشاط "ص 38.

وينوع من التوجس والريبة والخوف الشديد من انكشاف أمرها تصف زهرة موقفها تجاه ما لو انكشف الأمر، فتمنح الخادم ما وعدته به من بيسات مقابل أن يقفل فمه ويدع الأمر كله لزهرة تتصوف فيه "هو ذا النزل، خذ النقود وأقفل فمك، إذا قابلونا دع لي الحديث، إياك و فلتات اللسان". ص 38 ويعاودها من جديد حديث الضمير ماذا لو وجدت أحدا من أهلها و قد عرف بغيابها عن النزل "هل سأجدهم أمامي بخناجرهم تزأر غضبأ؟ ماذا سيفعلون بي وبالخادم المسكين؟ مع، تماسكت بأعجوبة، الخنجر سيوفر على حياة سقيمة بجوار عبود وسخرية العامة. أغمضت عيني توجسا وبسملت وأنا أفطر لداخل أكثر فأكثر، كان النزل صامتا، أتراهم يترصدونني ؟ توقفت فجأة في منتصف الطريق، يا إلهي كم جبنت!" ص 39

وعودة فعل للخوف الشديد فإنها تشعر بالتنصل تدريجيا من المسؤولية التي رفست نفسها فيها إذ تأمر الخادم بتفقد المكان قبل دخولها لتتأكد من فلوه، و كل منهما خوفا أقوى من الأخر:

– "اذهب وتفقد المكان.

– هه، لماذا أنا؟ اذهبي أنت.

– قلت لك اذهب.

– اذهبي أنت !"ص 39

وإذا بصوت وقع أقدام بقرب المدخل، إذ لا شعوريا تنصرف زهرة هاربة إلى داخل غرفتها "أطقت ساقي نحو حجرتي و بجوار الباب أصبحت السمع عي ألقط حركة بداخلها، أتراهم ينتظرونني داخلها، لكن الغرفة صامتة، دفعت الباب بهدوء ودارت عيني في ردهات المكان بتوجمي، هل أسمع نفسه خلف الباب، أم هي أنفاسي تخلط علي الامور! تلمست موضع قلبي لئلا تفضحني ضرباته المتسارعة، كنت مبللة عرقا و بشرة وجهي ساخنة وملتهبة، ها أنا من جديد أبدو متناقضة وجبانة، فلأدخل وليحصل ما يحصل " ص 39. كانت الهواجس تعتمل في رأس زهرة خشية أن تجد أحدا

متربصا لها في الغرفة بعده أن نجت من مدخل النزل، ولكنها لم تجد أحدا بل كانت تهيأت ووساوس خنقتها من شدة الخوف وفي الوقت الذي لم تجد أحدا زادت رهبتها من أن أهلها قد عرفوا بغيابها ودلالة هذا الخوف يشي بطبيعة النفس البشرية التي ترتكب خطأ فادحا وبسهولة  انكشافه أمام الناس مهما طال الزمن وكذلك زهرة فهي تشعر بأنه حتى لو لم تجد أحدا في انتظارها فإنه لابد أن يكونوا عرفوا بأمرها و يتربصوا بها شرا "ولم يحصل شيء مما توقعت، كان الباب بريئة مما ألصقت به والغرفة كانت ترحب بصمت. أطلقت نفسا طويلا، خلعت برقعي وجلست أحدق في وجهي ترحب بصمت. أطلقت نفسا طويلا، خلعت برقعي وجلست أحدق في وجهي المسود رعبا وهلعا، مغامرتي المجنونة انتهت بالفشل، أتراهم ذهبوا للبحث عني" ص 39.

وزهرة نفسها تتعجب مما تفعله و أن ما تجرى وراءه سراب وموت، فهي بين الفينة والأخرى كوم نفسها مما تقترفه في عمرها وفي أهلها الذين تشمت فيهم الناس " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ماذا بي لا أهدأ؟ لماذا صار يعجبني الركض خلف الموت والمستحيل فجأة: ماذا بيدي لارفض وضعي هذا؟ هل احمل صرة ثيابي وامضي بعيدا؟ إلى أين"  هل اشتهيت العار في سن الوقار" ص 40 تساؤلات استنكارية وكأنها تجلد ضميرها الذي أعتاد الصمت و تحول في الوقت الذي من المفترض الا يسعى وراء المحظور.

وبعد أن تقرر كل شيء وتم شراء العبيد و الذهب الذي كان منظره على حد قول زهرة "كافيا لأن يقمع كل تمرد، كافيا لأي امرأة لتعلن الطاعة. الان و هذه الرزمة في يدي فقدت الأمل بالغاء الزواج، هذا هو ثمن البؤس" ص 44 تنتاب زهرة موجة من الحزن والأسى على ما سوف تكون عليه زهرة بعد زواجها ممن يصغرها سنا وحملته وهو صغير وتبدأ في موجة التساؤلات المتتالية دلالة على ما تعتريها من حيرة وتشتت فكوي(الرغبة في الهرب والخوف على أهلها من العار) و عاطفي (حب سالم والحيرة لعل عبدالله وأهله ناس على غير ما صورته لها نفسها) واجتماعي (طبيعة معاملتها قبل الزواج كالحمار يعمل ليل نهار لخدمة الرجال ولا يحق لها الشكوى اذ ابنة الأصل لا تقول لا وبين معاملة الاهتمام بها كعروس كبى كل مطالبها ولا تنهر) "في صدري انفعالات شتى، إني تعيسة وحظي مقطوع. ولكنني. ربما أكون متحاملة، ربما يكونون أفضل مما صورت لي نفسي" ص 45

وهنا يصدر صوت الضمير الداخلي في دعاء الله بان يخفف كل هذا عن كاهلها وحضور صوت الضمير الداخلي هنا طبيعي جدا اذ أن النفس البشرية إذا ما غضت بالمصائب والنكبات من كل حدب وصوب كالسيل الجارف فإن الملجأ حينها الدعاء الى الله العلي القدير وسؤاله ما اذا كان كل هذا اختبارا منه وابتلاء  أم عقابا وجزاء لشيء اقترفته النفس ولا يكفر عنه إلا بالابتلاء العظيم، زهرة في هذا المشهد "أتراك غاضبا مني يأرب؟ اتراك لهذا تفعل بي كل هذا؟ ولكنني مهضومة " ص 45 والجملة الأخيرة توحي استدراكا و خروجا سريعا من حالة التوسل لله بأنه حتى لو كان غضب الله عشى زهرة و ابتلاؤه بكل هذا فإنها مع ذلك مظلومة و مهضومة الحقوق لا حيلة لها و لا قوة فكيف فوق كل ذلك الظلم يغضب عليها الله و تنالها كل هذه المصائب.

وتستنكر زهرة من نفسها التغير الذي بدا في شخصيتها اذ ثم تعد كما كانت بنت الأصل والفصل الصامتة عثر كل مهانة و القائمة بالطاعة "لماذا لم أعد الفتاة القديمة، أرضع بالقسمة واسكن داري. ما بالي اتعب في تحيل كل شيء، لماذا ثم أعد بسيطة أفكر في يومي وفي ارضاء العائلة، لماذا تتوتر عروقي في جسدي ويقفز النبض عاليا عندما اكتشف استغلالي. يا الهي كم يتعبني أن أكون مختلفة عن الماضي، وحدي أتحدى العيب، هكذا بعد ثلاثين  عاما من الاقناع. من التصديق. ماذا سيصير لو أنني اكتفيت بقدري، ما الجديد في زواج كهلة بغرير، مئات أخريات فعلنها وابتلعنها، ولكن كيف أصنع ما استنكرت طوال عمري. ماذا جد في الأمر بعد ثلاثين عاما؟"، ص 82

و من صور – ولاية في المنطقة الشرقية من عمان – تبدأ زهرة الرحلة إلى البعيد المجهول إلى حيث عاش ومات الحليب الذي من أجله رفضت أية حياة أخرى، "الطيور البيضاء تبارك الرحلة بأصواتها المتمازجة ونشوة البحر، اليوم اترك عبدالله وعمي والثائرة عائلتي، حقا وفعلأ، اليوم راحلة للبعيد حيث لا لنوولا يد تغتال أدنى حق من حقوقي المغتصبة. أمامي مشوار مضبب الرؤية وخلفي كل شيء بفيض، الأمواج تعلو عند خفوت اصوات المودعين على المرفأ والعيون تحت البراقع يطمسها الدمع، وأخرى يسكنها الحقد واالغضب" ص106.

وتدور الأحداث على سطح المركب في طريق الرحلة إلى أفريقيا، وتتجاذب النظرات زهرة من الرجال الذين طر الموكب "فالرجال لا يقبلون وجود حومة في أماكن صعبة كهذه" ص 111 وقد سبق لزهرة أن تعرضت لها من أول خطوة تخطوها زهرة بعد أن هربت من النزل في نزوى" بمعاونة سلطان ثم استمرت تطاردها في الموتر الذي تحرك من نزوى – بهلا – منح -المضيبي- وصولأ إلى صور حيث نالت أشد اللعنات والشتائم التي لم تتعرض لها في حياتها في الجبل، "لم يكلمني في حياتي كلها هن ينبغي بكل هذه الأوصاف الكريهة، كنت عزيزة هناك اكثر، وكانوا يعرفون إنني ابنة شيوخ فلا يتحدثون معي إلا بالأدب والكياسة، لكن موقفي الضعيف يحمني على بلع كل تلك الاهانات المتتالية وسط ناس يساندونها" ص 94

وتمر الأحداث في الرواية وتحبل زهرة بطفل صالح وتعاني الأمرين من سلطان الذي لم يكفه ما فعل بل هددها، بأن أخاها قد استدل على مكانها وها هو قادم لأخذ الثأر من زهرة وماطلها مقابل إبعاد أخيها عنها أن يأخذ المزرعة وذهبها وأن يتزوجها. وبتهديدها تتنازل زهرة عن كل شيء "

ياإلهي تمر الأحداث أمام عيني بكل هذه السرعة، زواجي من صالح و ترملي كله في أيام معدودة، والسعادة والمال والسلطة كلها تتبخر في لحظة.. وبعدها ظننت للحظة أنني وصلت لقمة الأماني، جاء الماضي ليذكرني بأني شريدة بائسة وطفرة لا تدوم " ص 198 ويعاودها من جديد الشعور بالندم على تركها الجبل "ليتني ما تركك ياجبلي المسكين، ليتك أغلقت عيني بترابك النقي ولجمت فمي، ولكن لا تجعلني أشعر بالندم، لست مخطئة والله ما أخطأت ياجبل، ما أخطأت بحق الأديان السماوية ويحق الأنبياء و بحق الوجود"ص199

1-3- لغة التفرقة العنصرية والتحقير

ويستيقظ صوت زهرة ترفض تبرير الضمير الداخلي وتفعل ذك الرفض في صورة "وبعصبية حشرت المصباح في الكوة الصغيرة داخل الجدار". ولكن يصر الضمير على الحضور في هيئة لعنات مستمرة وسباب لتك المرأة التي سلبت منها سالم " وماذا جنبت له الأفريقية السوداء غير الموت " ص 9 بهذا المقطع تحاول زهرة أن تخفق من حدة الموقف بأن تورد التركيب الدلالي الموشي بالتفرفة العنصرية "الأفريقية السوداء" لكي ترضي غرورها الداخلي الذي يؤكد لها أنه إذا كان سالم قد رفضها لمجرد أنها ليس لديها ما تعمل سوى الروتينية المملة في خدمة البيت فهي في ذلك أفضل من افريقية سودا. جلبت له الموت الذي هو أشد من روتينية الحياة اليومية. والمؤلفة بإيرادها ذلك المقطع التركيبي الدلالي تؤكد علي فكرة سائدة في المجتمع العربي بعامة على التقسيمات القبلية والعنصرية.

وتزاد حدة الغضب والتعود لتبرير ضمير زهرة الداخلي وإيهام نفسها بأنها أحسن من تلك الأفريقية على الرغم من اقتناعها الداخلي بعكس ذلك بدليل هروب سالم و تركا لها في تركيب لغوي ملئ بثورة الغضب والتمرد ورفض كل شيء "وبنفاد صبر، دفعني الغضب لأسكب كل ما في الدار من جاز، عندها فقط استجاب اللهب و بدأ في الاحتراق، رسمت النار ظل كبيرا لجسدي المتكوم بقربها، كان الظل يهتز ويغمق، يتحرك ويسكن، ظل يركبه الغضب مثلما صاحبته العجوز" ص 9

وتنتاب زهرة موجة من الحقد و الغيرة السوداء من شك المرأة الأفريقية التي سلبت منها سالم "ويحي، أيحمل طفلك بطن أخر غير بطني؟؟" و تزداد درجة ندب الحظ في قولها " أحس بالغصة تكبس أنفاسي، أية متعوسة أنا!" ص 12 ويدور الحوار بين الأب وأبنائه في غياب زهرة بشأن زواج سالم من امرأة افريقية ذات أصول من منطقة " إبرا" إحدى ولايات المنطقة الشرقية من عمان و تبدو المفارقة واضحة في الحوار بين معرفة أن "لا فرق بين الناس إلا بالتقوى" وبين العادة والمتعارف بين الناس في شؤون التفرقة العنصرية بين الحر والعبد، ترد تلك المفارقة في حوار الأب الذي من المنقرض أن يكون القدوة في كل شيء وعلى الابناء أن يتبعوا فعلى أبيهم: "لكن خادمة أترك الحرات من أجل خادمة". ص 14. مقولة الأب ذات دلالة استفهامية تعجبية والتي تصر على ضرورة التفرقة العنصرية على الرغم من أن الدين لا يعترف بتنك الضرورة إلا بالقدر الذي يقرره التقوى والعمل الصالح.

وفي تصوير مشهد السير إلى نزوى، تحفل الرواية بالحديث من" الزطوط"  من خلال استحضار شخصية "سلطان" الذي لا يتوانى عن بيع أبيه من أجل البيسة إذ أنه يعمل في تجارة بيع العبيد والسلاح من وإلى افريقيا. وتواردت في نفس زهرة التساؤلات ما إذا كان هذا الزطي يعرف زوجة سالم في إفريقيا؟ وما إذا كان هو الذي على إلى ترحيل سالم إلى هناك. وعلى الرغم من كراهية أهل الجبل لا سيما أهل زهرة لهذا النوخذة الصوري إلا أنها تواجههم بحقيقة أنهم يشترون العبيد منه ومن غيره ويفعل ما يؤمر به حتى لو كان رد أخيها بأن "بيع العبيد ممنوع، أنه يسرقهم عنوة ويبيعهم في كل أرجاء الأرض، يحملهم إلى ظفار ومدن وصور، وكل مكان" ص28 وتتكشف لزهرة حقيقة هذا النوخذة الذي أحضر خبر وفاة سالم وبأن له زوجة وطفلا.

وفي سياق الحديث من تجارة العبيد يدور الحوار بين زهرة وأخيها فيما يتعلق بشراء لوازم العرس "بالمناسبة (والحديث لأخ زهرة) اشترى عمك عبدين أخوين، هنيئا لك، سيحف بك العبيد من كل جانب. وترد عليه زهرة – رافضة منطق العبودية مسترجعة مقولة أبيها التي ترى أن لا فرق بين الناس إلا بالتقوى – "عبيد: ألم تقل لي أن شراء العبيد محظور:؟ ألم يقل أبوك بأننا جميعا عبيد للرب؟" ص43

ويدور الحوار بين سلطان – الزطي- وبين زهرة -الحرة – بشأن قضية التفرقة العنصرية إذ تتمسك زهرة بأن العبودية انتهت وأن لا فرق به ن الحر والعبد في حين يصر سلطان بأن الأحرار هم الذين أصروا على وجود العبيد لخدمتهم وقضاء حاجاتهم إذ يقول معترضا على رد زهرة أن التفرق بين العبد والحر حرام بأنها تؤمن ببعض الكتاب و تكفر ببعض، إذ كيف لها أن تحرم بيع العبيد و ترى في هروبها من الأغراب و اختلائهم بها ليس حراما" تقولين حرام، اليس حراما أن تهربي و تسافري مع غرباء لا تعرفينهم: إن العبيد هم عبيد مهما حاولنا رفعهم، دائما هم أقل شأنا منا، خلقهم الله عبيدا" ص77

وحين تصر زهرة على موقفها الرافض للعبودية يواجهها بأسئلة تقريرية ذات أسلوب ساخر ومنتقص من أبيها القبلي رجل الدين، "و أبوك ؟ (المطوع)، خطيب المسجد (القبلي)، ألم يشتر مني عبدين العام الفائت: اصمتي يا حرمة، أنت نفسك لا تعيشين بدون العبيد، من يطبخ في أعراسكم؟ من يقوم بكل ما تتأففون منه،،ص 77.

وتمر الحياة بزهرة فتنتقل الي بيت أخر فتمتك مزرعة القرنفل ويقوم ملي خدمتها عبيد صغار وخادمة تقوم بأعمال المنزل الصغير المتكون مز أربع نمرن مؤثثة ومطبخ ومجازه، وتبدأ في ممارسة تجارة القرنفل التي منعت بيعه للسواحليين وفضلت أن تنقله إلى المراكب الأجنبية في المرفأ عشى الرغم من بعد المسافة التي سوف تتحملها الحمير. هذه الفكرة أثارت حفيظة السواحليين الذين اعتادوا على شراء القرنفل بثمن بخس وقامت على أثرها ثورة الأفارقة ضد الإقطاعيين فأحرقوا مزارع ومحاصيل القرنفل "لقد اشتهت الحرب وانقض العبيد على سادتهم بغضب حارق" ص 271 فقد خسرت زهرة كل ما ملكته لكونها أحد الإقطاعيين الذين أصابهم غضب الأفارقة الفقراء وخسرت فوق ذلك كرامتها التي جعلتها تعرض الزواج من كتمبوا -العبد الأفريقي الأسود- وكان رده عليها بأنها تعترف بالفروق بين العبد والحر وقد تشدقت بها مرارا و تكرارا وهو الأن يرفض الاقتران إذ له فروقه الخاصة ولا يرضى أن يتزوج امرأة تبادله بشعبه، وفي ظروف الحرب وهروب أغلب من كان مع زهرة بمن فيهم منيرة خادعتها المطيعة التي بقيت مع زهرة تقنعها بالهرب وإنقاذ نفسها من غضب الأفارقة وأخيرا تعلن نهاية زهرة بفقدانها كل شيء ولم يبق لها مكان تهرب اليه أو تأوي فيه سوى افريقيا التي من أجلها تركت أهلها وجبلها فأين تراما ستذهب ويعاودها حديث الضمير "لو رجعت لبلدي لأحذوني من رأسي وطمروني بالتراب، كنت أحسب بأني نجحت في الهرب، لكنني غبية، لن يقولوا بطة بل سافلة ماتت، والسافلات اللواتي يمتن كثيرات" ص 219.

وعلى الرغم من الرفض القاطع التي تصر زهرة على تأكده تجده موقفها من التفرقة العنصرية إلا أن مع مرور الزمن وحركية الأحداث التي تطبع حياة زهرة بالتغير والتحول الجذري الملحوظ في بيان موقفها من تلك التفرقة فلاحذ أن زهرة ذاتها بدت مقتنعة وإن أبدت ما يخالفه وإن العبيد هم مخلوقون لخدمة الأحرار أدوية أمك يا عبد أتجرؤ أن تأمر بنت أسيادك؟" ص 135 و تتأكد في موضع أخر قرارة نفسها على أن ما كانت تؤمن به ثم يكن سوى شعارات فارغة لا تقوى لا تحقق شيئا منها "هأنا أبدو أمام نفسي بطلة متخاذلة، أحمل كغيري شعارات شتى بمئات التعابير المعزية و لكنها قولية لا يمكن أن تتحقق فعلا."ص105

وتدفعها الرغبة في البقاء بأن تتنازل زهرة – ابنة الحسب والنسب – نتيجة ثورة الأفارقة التي فقدت فيها كل ممتلكاتها وتكون نهايتها بأن تتزوج من  عبد صغير مثلما كانت خاتمة سالم وهنا تتنازل ,عن كل الفروقات التي تعترف بها وتتزوج  

بكوزي الصغير عارضة له خدمة اخواته التسعة وامه العجوز مقابل ان تبقى في افريقيا.
1-4- لغة الحوار الخارجي

حضور الصوت الخارجي الذي يتحاور مع زهرة في فرض الاوامر خاصة يتمثل في حضور صوت الام لكون ان الام اقرب إلى ابنتها اكثر مز اي شخص افر قد تتحاور معه زهرة وكون كذلك المجتمع العربي القبلي يقيم علاقة قوية بر الام والبنت للقواسم المشتركة بينهما. ولغة الحوار الخارجي مع زهرة لا يعني ان حرية ابداء الرأي للبنت قائمة بين زهرة وأمها واحقيتها في ذلك مع الأم  وإنما يؤكد الطاعة المفروضة على زهرة أن تؤديها بدون تردد "منذ متى البنات يقلن لا" من 14.

– " زهرة أملي (الخرس) بالماء.

– اجل أمي.

في موضع أخر تتودد الام إلى زهرة لتخبرها لا لتستشيرها بما قرره ابوها بشأن زواجها :

– زهيرة..

وبتكنيك (الفلاش بال ) تسترجع زهرة حينها أن التودد في مناداة زهرة بصيغة التدليل "زهيرة " شيء ليس على غير المعتاد اذ ان في ذلك  التدليل حوادث لها ذكريات اعتبرت نقاط تحول في حياتها كيوم ابلغتها باختيارها زوجة لسالم "أه واستخدمت اسم الدلال الذي احب، لم أسمعه منذ وقت طويل، نادتني به ساعة اخبرتني بوجوب انتظاري لسالم" وكيوم اصبحت فتاة ناضجة لا يجب عليها ان تقترب من الصبيان "وساعة بلغت الحلم عندما قعدت تصور لي الصبيان وحوشا، فنهتني عن اللعب والركض في الازقة، علمتني وقتها كيف اتعامل مع الأمر بمنتهى السرية، كنا نتحدث كمن يخوض في سيرة عار، وكنت وقتها خائفة كثيرا، قلت لها ودموعي تتسرب لفمي :

– أمي أنني أدمي…

كنت أظنني سأموت، لكنها ابتسمت بهدوء، فعلت تماما ما تفعله الأن و قالت :

– ما عليك لا تخبري احدا، ضعي قماشا نظيفا واربطيه في خاصرتك.

– انا خائفة لئلا أموت.

– لن تموتي لو ابتعدت ,عن  الصبيان، سيقتلك ابوك لو رآك تلعبين

– ألن اموت وأنا أدمي؟

– اذهبي و جزي القت يازهيرة، لقد كبرت".ص 15

في الحوار السابق  تتكشف لنا كيفية تعدمن الأمهات بشأن التوعية التربوية فيما يخص التحولات الفيزيولوجية في البنية الجسمية التي يمر بها خاصة جسم البنت وتعرضها للتغيرات التي تصاحب بلوغ مرحلة النمو والاكتمال كالدورة الشهرية نتيجة لنضج الهرمونات. والأمر ذاته يختلف في مرحلة بلوغ الاولاد إذ التهيل والتكبير لوصوله إلى مستوى الرجولة الحقة "عندما بلغ اخوتي الحلم، كانت النظرة مهووسة بالكبرياء، نظرة تحمل مات الزغاريد، واخوتي لم يكونوا مطأطىء الرأس كما كنت، كانوا فخورين، رجال يضربهم ابي بزهو على ظهورهم وتتلقاهم أمي بالود والبشاشة " ص16.

إذ ان الحوار الدائر بين الأم  وزهرة يشف عن تخويف الام لزهرة التي وصلت إلى تلك المرحلة من النضج بانها قد تموت ما إذا استمرت تنعب-  الصبيان الذين هم أساس الخطر للبنت في هذه الفترة وقد تموت كذلك إذا ما راها أبوها تلعب كعادتها مع الصبيان. فالتركيب "لن تموتي لو ابتعدت عن الصبيان.تركيب يشي بنفي الموت نفيا مطلقا إذا ما ارتبط بالبعد عن اللعب مع الصبيان. إذن فتحقق الموت يأتي من جراء اللعب مع الصبيان فقط لا غير دون أن تتطرق أمي إلى حقيقة المرحلة وما هو المفترض على زهرة أن تفعل ما إذا لعبت مع الصبيان وما هو كنه هذه المرحلة العمرية وما قد يحدث مما يودي بها إلى الموت. وكطبيعة المجتمع العربي القبلي وانعدام التوعية التربوية فإن تعامل الاباء والامهات في تضليل الحقائق هو الساند في تربية الأبناء إذ يصرون على تصوير كل شيء على أنه محظور ومسكوت عنه ومن العيب التطرق اليه وضرورة التمويه. وللتأكيد علي إثبات حقيقة نفي الموت يأتي تساءل زهرة الاستنكاري والاستغرابي من إقناع الام غير المنطقي "ألن أموت و أنا أدمي؟" وأكدتها بإيراد الجمل التالية "عرفت أن الأمر منتشر بين البنات، عرفت لماذا كبرت، وعرفت أنني أعرف أكثر عندما لا تكون أمي معر، وأن الأمر ليس عارا أو موتا كما صورته لي" ص 16. وتنكص مرة أخرى تسائل نفسها عن ماهية البحر الذي من أجله تركها سالم ورحل بعيدا: "ما البحر؟!!.. أهذا كل شيء، أهذا هو البحر" استغراب نابع من ردة فعل زهرة تجاه أبيها الذي وجهت اليه تساءل لها عن البحر فلم يكن رده  سوء أن البحر "ماء مالح وفير، ملئ بالسمك" ص 10. إجابة تشي بالتحقير و التقليل من قيمة البحر الذي يتشوق سالم لرؤيته منذ صغره و غرق فيه حين رحل اليه. وتأكد الرواية على حقيقة يصر عليها المجتمع القروي القبلي أن لا أحقية للبنت أن تدلي برأيها في شؤون حياتها وأن الرأي الأول والأخير للسلطة الذكورية "لست شاة.. أنا لست شاة.. تذبح الشاة ويبقى التيس، التيس مثلي بألف شاه" ص 16. حتى مسألة الهروب إلى الذات الداخلية واللجوء إلى الذات والتفكير مرفوض ويعد عيبا "البنت التي تسرح تريد زوجا" ص 16 وحتى الضحك من فرط الأثم يعد مشينا للأخلاق "أصمتي، سيسمعك أبوك وسيأتي ليصفعك إشش…" ص 16

دائما لغة الحوار الخارجي القائم في الرواية بين الأم وزهرة يحمل صيغة إجبار زهرة على قبول الأمر على محلاته وما عليها سعر الانصياع لما يقوله أبوها وأخرتها وما يقررانه بشأن حياتها، ففي الرواية نجد دلالة قوية عشى شيمة فثم البنت في إجبارها على الزواج ممن يصغرها سنا إذ تتأكد هذه الدلالة حين تم القرار بزواج زهرة من عبدالله أو عبود ذلك الذي يصغرها بسنوات كثيرة جن جنونها ولم تدر ا راد كل هذا أم أن أمها تقصد عبدالله أخر. تحاور زهرة نفسها باستنكار شديد ما قرره أبوها : "توقف قلبي عن النبض فجأة، وأصابني شلل غريب، أعدت عبارتها مرارا ريثما استطعمها في فمي، عبود؟ هل تقصد الطفل الذي حملته وهو في اللفة ؟ ابن الثمانية عشر ربيعا؟! هل تمزح ؟! ألعلها أخطأت عبدالله المقصود؟ ربما عبدالله أخر من أعمامي، المتزوجين لا بأس، ولكن ليس. عبود" ص 17.

وفي مسار تحرك مجرى الأحداث نحو نقطة التحول في هروب زهرة مع النوخذة الصوري "سلطان" إلى افريقي، يدور الحوار الهامس بين الخادم الأسود الذي سوف يدلها إلى مكان إقامة سلطان وبين زهرة التي تتجاذب في داخلها دوافع خوف كالمارد يسيطر عليها ورجفة قاعة من انكشاف أمرها لأهلها وما قد تلك قيه من موت محتم بطعنة خنجر من هذه الخطوة القادمة عليها  

وبين شعورها العارم بالرغبة في إنقاذ نفسها.

هذا الحوار يوحي بلحظات مجنونة سترفع زهرة في كلا الأحوال الثمن إذ أنها مطاردة بعامل الزمن القصير الذي لابد لها أن تتصرف فيه بحزم وسرعة وإلا فإنها ستقع في أيد لا ترحم لكل من سولت لها نفسها- وأؤكد على صيغة "سولت" لها وليست له إذ أن المجتمع قائم على السلطة الذكورية الهروب وإذا ما انكشف أمرها  "أظنني لو ضعت فسيمزك رجالنا لسماحك لي بالخروج وحدي" واللحظة المجنونة التي وضعت زهرة نفسها ووضعت الخادم الفقير أمامها لم تكن باللحظة الهينة إذ قد تطير فيه أعناقهم. وعنى الرغم من خطورة الموقف فإن نوازع زهرة تتصارع داخلها أبعد هذا العمر من الصمت والخضوع ترض نفسها للقيل والقال وتعرض أهلها للفضيحة وكسر حشمتهم و اعتبارهم بين الناس ؟؟! الا يمكن لها بعد هذا العمر أن تعيش باقية عمرها بصبر ومواصلة للاستسلام التي اعتادت ؟ ولكن لماذا يطب منها أن تتحمل فوق ما تحملت الا يكفي ما أضاعت من عر في انتظار للحبيب الذي قرر أهلها أنها له وعاشت عمرها تنتظره بشوق ولهفة على أمل أن يحقق الأمل الذي زرعه أهلها فيهاد؟: لا ين لأي أحد أن يلام زهرة على فكرة الهروب التي راودتها إذ لم يعش أحد وضعها، وعلى الرغم من تنفيذها لفكرة الهروب التي لم تجن منها مس ى الندم والتشرد إذ بتمردها فقدت كل شيء، فقدت الملجأ الذي كان يؤويها وفقدت المزرعة ومحاصيل القرنفل وكذبت كل ما كانت تدعيه من سيطرة و ملكية و اعتزارها بحسبها ونسبها.

والظلم الأكبر الذي سيقع بعد أن تتحقق لزهرة رغبتها في الهروب سيناله العبد الفقير الذي بالفعل أظهرت الرواية من خلال تصوير للمصائب التي يقع فيها أمثالهم ضحايا للأعمال التي يقوم بها الأحرار من أولاد الأصول الذين يضيقون ذرعا بقوانين أجدادهم البالية، و يضيق العبد ذرعا بزهرة التي تريد توريطه سواء نجحت في تخطيطها أو فشلت فالجزاء الأكبر سيقع عليه "سيدتي أنت تريدين توريطي، يا ربي ليسر هذا هو الاتجاه الصحيح لذلك الوغد" ص 33. ثم. أنيرها يدلها على مكان سلطان الذي اعتاد أن يجده فيه "تلك هي الصندقة التي يقطن فيها سلطان، ستجدينه كالدجاجة هناك رجاله ينامون معه أيضا، ليتك تغيرين رأيك ونعود للنزل"ص 33هل سوف تتراجع زهرة عن قرارها بعد أن أوصلها تفكيرها إلى المنقذ الذي يعم حقيقة سالم وما إذا كان سوف يعينها على الهرب مثلما أعان سالما من قبل. لا أفنها تفعل خاصة بد أن واجهت العبد بجبنه فيحين أنها ترتعد خوفا فهي تقرر ولا تستفهم وتقرير يؤكد شوفها هي لتسقطا على العبد "خائف منه ؟ ويرد عليها بإجابة تشي بأنه خائف لذلك فهو يقترح عليها إذا كانت تسخر من خوف أن تذهب هي اليه وتتركه يراقب المكان "اذهبي اليه، سأنتظرك هنا.

وتتأكد حقيقة خوفها الذي متر كيانها في تكرار أداة الخفي،"لا.. لا.." وكأنها منزعجة من سؤاله أن تذهب هي، فيكون ردها ردة فعل طبيعي للصاعقة التي أنزلها العبد على زهرة كيف لها أن تذهب إلى بكان سلطان بنفسها و لا تقوى حتى علو المشي إذ هذا قمة الجنون "اذهب و قل له أولا أني أريد الحديث معه، ثم ابق هي ريثما أنهي حديثي معه، أتفهم ؟ دلالة على شدة الخوف وكأن زهرة تتصرف مز خارا شعورها ووعيها فهي لا تعي أي جنون قادها إلى هذا الوضع الذي لم تكر تتخيل نفسها يوما فيه "زاد إحساسي بالخطر مع تردد الخادم، لكنه مضى بسرعة متذمرا، وقفت لا أقوى على النظر حولي، لا شك أن الرجال في طريقهم إلى النزل الأن، يجب علي أن أعود أنا لا أقوى على التمرد الأخرق، نعم.. نعم، فلأعود"… ص 34.

ولكن رغبتها في كسر حاجز التمرد الذي أجتاحها بدأت تعاودها من جديد فحقيقة زهرة غير معتادة على التمرد وقرارها بالعودة تأكد من ترديد "نعم..نعم فلأعود" و كأنما قدر التعود قد كتب على زهرة أن تبقر ملازمة له حين همت بالرجوع فما كان سلطان إلا أن يدخل مسرح الأحداث بدون سابق إنذار إذ أن الخادم أستغل حديث الضمير الداخلي لزهرة الذي أرغمها على الصحيان مما هي فيه من جنون و يقطع هنا صوت سلطان مشاعر تأنيب الضمير عن الاستمرار "قال لي ذلك الخادم الأحمق. أنك تودين الحديث معي.." ص 34 و يتأكد جنن زهرة رهبتها من موقف سلطان الذي أشعرها بحقيقة الموقف و إن كل ما أقامت عليا ليس لعب عيال و إنما حقيقة تتأكد مصداقيتها من حضور شخصية سلطان "انتفضت بكليتي بعد أن وقعت عيناي على الرجل الغريب أمامي، زادتني هيئته تصلبا و ارتباكا، ويحي، لا يشبه هذا الأسمر الجميل أية صورة مما توقعت، و هذا يربكني إلى حد الموت" وتتجمد زهرة مكانها دون أن تنبت ببنت شفة، ويتعجب الرجل من كل الخوف الذي يعتري هذ0الاأة اتي مست إلى الوصول عليه ويكور عليها استغرابه "هل أخطأت :.0 ما بالك تنظرين إلى بكل هذا الخوف يا امرأة ؟"هذه. هي ص 34 شعور قارص ينتاب زهرة "وددت لو عدت أدراجي بسلام، أو أن الأرض ابتلعتني إلى جوفها قبل أن أقابل هذا الرجل المخيف " عن 34.

وتبدأ لغة شد الأعصاب والسخرية والتشمت ببنات الأصول البيض والجميلات ذوات العيون الخضر وهي من تثير في زهرة حنقا شديدا على نفسها التي رضت لها بكل هذه المهانة التي تأتي على لسان حقير كهذا "مثل الفضة، ماذا تريدين : بحسب علمي، لم نلتق قبلا؟ أيها العبد المحظوظ، الا يكفيك أنك صرت ترافق جميلات الدنيا في كل مكان، أين تجد هذا في بلدك الفقير:.، تكلمي ياحلاة، لماذا تنتفضين : لو علمنا بمقدمك لنثرنا ما "الورد في السوق" ص 30. وتزداد لغة السخرية حين يدور الحواريين الطرفين بعد أن أتحفها سلطان بوابل من الشماتة فلم تجد بدأ من الرد عليه وطرح مبتغاها "لا وقت عندي جئتك في خدمة "، فيجيبها و نغمة السخرية مازالت في لغته "لهذا تهتزين بأكملك، لا أقدم فأمات إلا نادرا.." و كأنه بالقفلة تلك قد أوحى لها أنه لا يعمل بالمجان لذلك تعرض عليه زهرة أن تدفع له ذهبا جديدا حتى قبل أن يعرف ما هي الخدمة وكأنه على يقه ن تام أن الخدمة ليست بالهينة وأن ابنة شيوخ مثلها لا تقصد0في أمر بسيط لذلك دارت في خلده الوساوس كأن تكون هاربة من عار و لا تريد أحدا أن يكشفه "عروس فارة من..عار؟" وترده ناهرة إياه بألا يتمادى في سرد العيوب التي قادتها اليه "حاشا لله، أنا ابنة عم سالم ابن الشيخ سعيد بن سالم و.."ص 30 وأن ما جاء بها اليه ليس سوى الرغبة في الرحيل من هنا، ويجن جنون سلطان إذا كانت ابنة شيوخ فمم تهرب إذن "مم تهربين وأنت عروس مكرمة ! من عار سيكشفه العرس !" هذا الاحتمال الذي قد يجعل فتاة تهرب ليلة عرسها، وتستنكر عليه زهرة هذا الاحتمال ".. " ويزيد عليها اللوم ويصارحها بنطورة ما هي قادمة عليه وما تعرض نفسها،" انظري إلى نفسك كيف ترتجفين، أنت مرعوبة، ومع هذا تغامرين بحياتك، ألا تعرفين ماذا يعني غضب الشيوخ : أخذك؟ مجنون  

أنا لأجب لنفسي المشقة و الموت ؟ص 36

و تزداد نبرة الاستهزاء و الشماتة على لسان سلطان حتى أشعرت زهرة بالمهانة و الاحتقار " أحسست من جديد لحظتها كم أبدو حقيرة مقارنة مع جنسه المتعالي، ذرة غبار في الضوء، ساقني الندم إلى اليأس، ولعنت كل تلك الأفكار المريضة بالثأر، كم أحس بالخجل "ص 36. ولم يختف حضور سلطان من الرواية بعد أن رفض أخذها معه وساعدتها على الهرب خوفا من أبنها الشيوخ بل يزداد حضوره ويتأكد القول الذي قيل عنه بأنه "يبيع أبده من أجل البيسة" وما هو قد جاء بعد أن تسلمت زهرة صرة الذهب من عمها يساومها في الحصول على صرة الذهب كاملة مقابل أن يخلصها من الزواج. من عبدالله ويعينها على الهرب

– أين الذهب ؟

– ما الذي غير رأيك هل صرت محتاجا للمال في لحظة؟

– نعم بحاجة ماسة للمال".ص48

و بحضور سلطان من جديد أحيا في فكرة زهرة الخطة الشيطانية التي فقدت الأمل في تحقيقها بعد أن رأت صرة الذهب التي سلمها لها عمها، إذ لم تعد تصدق بأن هذه الفكرة عاودتها بفضل هذا الشيطان الماكر" أصدق أنني عدت أخطط للهروب من جديد، برغم إيماني أنها مغامرة لا تحمل في طياتها غير الموت والعار" ص 48 وهنا. يبدأ القرار فالرحيل غدا "أتريدين الرحيل أم لا؟ لا تطولي في الحديث، لا أريد مشاكل من البداية" ص 49 وتحاول زهرة أن تتنصل مز حقيقة الهرب بأن تواجه سلطان بأنها تشك في ذمته "وحدي لا أريد الموت، لكنني لا أأمن منك ؟.. وما يضمن أنك لن تستولي على ذهبي و تتركني؟ "ص 50

وتبدأ رحلة تقرير المصير الذي سوف تستمر عليه أحداث الرواية إذ الهروب هو المنقذ من وقوع زهرة ذليلة في أيدي بيت عمها، و لكن أو اثقة زهرة من أن سلطان لن يخذلها ويغرر بها؟ على العموم ليس من

حل لديها سوى الهرب الليلة، تبدأ الهواجس والتردد في اعتصار مشاعر زهرة المختلفة بالحنين للجبل وأهلها وهو حنين لرحلة لم تبدأ بعد وكأنها على يقين تام بأنها إذا ما بدأتها ظن تتراجع ولن تنكسر إذ او حدث ذلك

فالموت نتيجتها المحسومة "الميل يزحف زحفا على أنفاسي، في شعور خوف وذنب، الشعور الذي لازمني لزمن طويل، ها أنا مسكونة به.. ماذا لو كذب النوخذة علي " ماذا لو وجد المال الذي يمنعه من الاعتماد علي  أيتركني للمشوار الأخير إلى الجبل؟ ليته ما جاء كنت قد بدأت اخضع الأمر، ها أنا عدت لحالة التوتر السقيمة، الشيطان سكنني و صار يعبث برأسي ويرجف يدي.. ثم أشعر إلا اليوم بارتجاف عظام ساقي من الصميم.. قريبا سأبكي لفرط ارتباكي وترقبي، أمض لشأنك، أنا لا أستطيع التماسك ورسم مظهري القديم، كم أنتفض توجسا وخوفا، لماذا تأخر القرصان البغيض". ص52

و يمر الليل و يباغت زهرة النعاس، و ما كادت حتى شعرت بوكزة  قوية كانت هي وكزة سلطان التي بدأها " لعنة الله على من. وثق بالحريم " دلالة على تأكيد سلطة الرجل وأن لا مكانة أو قيمة للمرأة أو الحريم. و في غفلة الأهل وسباتهم العميق وتكميم الخادم الذي يحرس مدخل النزل يتم جر زهرة بأصابع حديدية و في لحظة تنفيذ المهمة تتراجع زهرة معلنة عدم رغبتها في الهرب وأنها تراجعت عن رأيها و لكن هيهات لسلطان أن يتراجع عن صرة الذهب التي أغرته و أجبرته عشى تهريب زهرة على الرغم من خوفه و مجازفته بالموت "سار بي في زقاق ضيق مخيف، وقفت عند المدخل مترددة، وتبعته بآلية، لقد وصلت للطريق الذي لارجعة منه. كان الزقاق طويلا و كأنه بلا نهاية، رأسي ثقيل وأسير متعثرة فأرتطم بعلب الصفيح المترامية على طول الممر و سرعان ما تصدر صوتا عاليا يثير غيظ مرافقي : امشي بهدوء ياابنة ال… " ص55
1-5- لغة الوصف

لا يخفى عن القارئ ان الرواية تستند علي لفة الوصف في تصوير الحياة اليومية لبيت الحربي في فترة الرواية من الناحية التاريخية والاجتماعية من حيث حقيقة التعامل خاصة بين الرجل و المرأة سواء في بين افراد الأسرة الواحدة أو مع الاقارب و الاهل أو مع العبيد و كذلك تزفر الرواية بوصف تقريبي للحياة اليومية من ناحية تجهيز الطعام واعداده وتقديمه للذكور و القيام على خدمة و إحضار مستلزمات البيت من الماء و القيام بأعمال الزراعة التي هي  محصورة أغلبها على المرأة دون الرجل إلا ما أحسنت به يداه.

لغة الوصف تلك نواها على سبيل المثال لا الحصر في: "رائحة (الرحال ) تعبق في الحوش الرابض امام الدار،… و ضعت صينية الخبز على الحصيرة و غطيتها (بالشت ). على بالخطوة الثانية في مشوار اليوم المكرر، و فعمت (الهاندوة) على رأس و مشيت متثائبة نحو البئر، كان وحيدا هو ايضا، عدا من أناشيد هوام ساهرة تعلن وجه النهار".ص. 1

و تقطع ذلك الحوار المؤنب الى لغة الوصف لتستكمل ما بدأت به "خطواتي ثقيلة والهاندوة الممتلئة عثر رأسي ترشني برذاذ منعش" ص11

وفي نطاق لغة الوصف، تصف زهرة وعورة الطريق من الجبل الى نزوى في صحبة ابيها وعمها (ابو عبدالله ) واخيها علي لشراء الذهب و مستلزمات العرس، في البداية تنشد زهرة الظاهر الاجتماعية الكاذبة :" المسألة مظاهر سخيفة، فقبل ساعات فقط كنت اخدم كالبغل جيئة وذهابا، استيقظ فجرا و لا اتوقف حتى الليل، شيء مضحك ان يرشوني بهذا الدلال الكاذب، اعرف يقينا أن ثالث أيام العرس هو بداية ابدية لعمل الحمار في بيت عمي" ص 27

و تمتد لغة الوصف الى وصف كل من عم زهرة و ابيها ودلالة هذا الوصف ينم عن تصوير شخصية كل منهم، إذ تصف زهرة جبروت العم و ضعف إرادة الاب في حضور الأخ الأكبر " بدا عمي ماردا جبارا بجوار أبي ضئيل الجسد، و برغم أنه يكبر والدي باكثر من أربعة  أعوام إلا أنه يبدو أصغر سنا بودجيه المنتفخة : المحمرين و بشرته البيضاء المصقولة، و تلك الصبغة الداكنة الرهينة التي يوصي بها شهريا من نزوى فتزيده شبابا. أما أبي المسكين فهو لا يجيد صقل بشرته السمراء المجعدة ولا تفيده الحناء الرديئة المبقعة على رأسه في طرد منظر الشايب منحني الهامة" ص 22.

و تنتقل الرواية الى وصف وعورة الطريق الجبلي لتقدم لنا صورة واضحة عن الطبيعة الجبلبة و المشات التي يتحملها الناس من أجل حصولهم على المواد الغذائية و بيعهم العسل والماشية التي يربونها في بيوتهم لبيعها في نزوى مقابل شراء حاجاتهم المنزلية وغيرها في تلك الفترة الزمنية " الطريق تتخذ مسلكا منحدرا و شديد الوعورة، و البغل يتلكأ في مشيه الحذر متفاديا الصخور الفاتنة و شجيرات الشوك. المزارع المنتشرة على سفوا الجبل تبدو من البعيد أصغر بكثير مما يفخر به أصحابها أما بيوت الطين بأسقفها النخيلية فتر بدت متراكبة على بعضها و بانت على سطوحها الثياب المنشورة جنبا إلى جنب مع الليمون وأعذاق الرطب الملوحة بالشمس" و لكي تهدى زهرة من ثورة التمرد و الغضب على المظاهر الخادعة ومن تحملها مشات وعورة الطريق الجبلي تتغنى بشموخ و  

صلابة و علو الجبل الذي عاشت فيه و تستدرك ذلك الشموخ في الجبل  باستمراره في الحفاظ على الإرث القديم الذي لا يرحم.جميل أنت ياجبل. جميل بكل هذا الكبرياء الرشيق و هذا العلو الشامخ، لكنك مجبول على إرث قديم لا يرحم" ص24

و الرواية بالفعل تعد مصدرا توثيقيا لمظاهر الحياة في الجبل و المناطق  الداخلية الجبلية من عمان فهي تسجل طبيعة الحياة اليومية كجلب الماء و غسيل أواني الغداء والملابس من الفلج ورعي الأغنام والماعز و بعد أوقات الشغل اليومي تجتمع النساء في بيت احداهن لتناول القهوة أوالفوالة. و تصور الرواية كذلك مشاهد تعليم الأطفال ذكورا و إناثا قراءة وتجويد و حفظ القرآن الكريم و صورة المعلم الكبير السن الذي بيده سوط نادر ما يسلم منه أحد. وحين تتذكر زهرة المعلم أحمد في سياق دعائها لله أن يخلصها و يرحمها تستحضر ما قد تعلمته من المعلم أحمد في خطابها إلى الله إلى أنك تساعد المقهورين،، فإذا كنت ترحمني فلماذا تزج بي في الهموم" ص.5: تتذكر كذلك شجرة الغاف التي طالما استظلت بظلها الوارف، تصف بدقة تلك الأيام التي رسخت في ذاكرتها "يعترينا الخوف من سوط المعلم كبير السن وزوجته زيانة العمشاء، في أحضان جزء عم، نتابع قراءة المعلم بانتباه لئلا نذوق السوط اللاذع مجددا، أما سالم فكان الأفضل كعادته، ترتيله حلو مهيب، وله ذاكرة لا تخيب لهذا لم يذق السوط، بينما ضربت على قامي مئات المرات، لكني لم أحقد على معلمي، أحببت القرآن أسفل شجرة الغاف وتعنيف. العمشاء في أخر النهار، لذلك لم يبقوني طويلا تحت الشجرة "، ص46.

وفي مجال وصف مشاق الرحلة إلى افريقيا المليئة باستهجان وجود امرأة بين جماعة رجال يتغامزون فيما بينهم و يتوددون في التقرب اليها كل منهم يحاول لفت انتباه زهرة اليه والتي تشعر بنوع من الارتياد في إثارة اهتمامهم و في تجريبها نوع هن الامرة و الرحيل  إلى المجهول " حلا أن تغيب يكون القادم مجهولا، متوترا بالجديد، و كأنني في قصصي الحوريات، شقية تبحث عز السعادة " ص 59

و تزهو زهرة بنفسها إذ أصبحت ترى في نفسها قيمة لم ترها من قبل إذ ثم يبد أحد هن أهل الجبل إعجابه بزهرة و التغزل في جمالها الذي كان مختنيأ تحت البرقع الأسود الذي لم يكن يشف إلا عن عيون خضراء أما اليوم فالوجه مكشوف أمام الاغراب إذ لا أحد يعرف من هي و من أين أتت و كل ما يعرفونه أنها قريبة لسلطان "أحمر بالعار لوجودي وحدي في الموتر المكتظ بأجساد البحارة النائمة، هكذا خجل يرعش ساقي بحدة و مبالغة ثم أعتد زج نفسي بين الرجال، بالأخص الأغراب، أشعر بالغربة و دوار… فقد نما لدي إحساس المراقب، عيون نصف مفتوحة، بنفسي ضبطت سائق الموتر يلاحقني بنظراته من المرأة الكبيرة أمامه" ص58

و يتخلل الطريق محادثات تدور بين البحارة و سلطان تتعلق حول زهرة و ما هي صلة القرابة التي تجمعه بها أهي عشيا هاربة معه ؟ و تتكرر المناوشات بين البحارة و محاولة تفهم حقيقة المرأة الموجودة بينهم و اختلاسها بنظراتهم "تخطيت البحارة الذين كانوا ينهشونني بأعينهم و أنا أمر وسطهم..التمسوا بننؤاتهم، التي لم تكر ما اعتدت، رأس و جسدي و ملابسي وحتى أطراف قدي، نظرات تعريني قدام نفسي و تظهرني هوجاء معرضة لكل شيء عدا الاحترام" ص 73. و هنا بدأ الشعور باحتقار النفس والشعور بالمهانة يصيب زهرة بين جماعة البحارة ذوي الرائحة المقززة.

و ما إن بدت مقديشو تظهر للبحارة حتى ارتفعت أصواتهم بالتهليل و التصفيق في حين ثم تخالج الفرحة زهرة بل شعرت بالخربة و الوحدة بين أناس لهم أهل و معارف يستقبلونهم بالأحضان و يفرحون للقائهم على عكر زهرة التي تركت أهلها هناك "ازداد تكوري في الموضع والأقدام تمر حولي غير عابئة تكاد تدوسني و تهرسني تحتها، كانوا محمومين بالوصول لشاطئهم الأول… و تذكرت تماما ما كنت أحسر به وقتها ذات الشعور الذي أصابني قبل عشرين عاما أو أكثر، صبية في الفلج بثياب ترضخ بالوحل و البول، بريئة وسعيد يرشني برذاذ الماء العذب.."ص 128.

و ما إن رسا المركب حتى بدت وفود البحارة في الهبوط لأداء روتين التحصين الذي اعتادوا عليه كلما نزلوا افريقيا لكي يقوا أنفسهم من وباء السل المنتشر بين الأفارقة، و هنا يظهر التناقض الحاد في شخصية زهرة بين وجودها لفترة طويلة بين رجال أغراب و اختلاطها بهم طوال فترة الرحلة البحرية ليلا و نهارا و بين رفضها التحصين الطبي لمجرد أنها لا تريد كشف ذراعها للأغراب ´ و لعل التفسير الوحيد لذلك هو الخبث و المكر الذي أبدته لسليمان الطباخ لكي تثير اهتمامه و تجذبه بخوفها المصطنع "ولم أكن خائفة بالمعنى الذي أسبغته، كنت فقط أحب أن أراه يخدمني من بؤبؤ عينه، يركض لاهثا من أجلي.."ص 131. و لتأكيد شيمة الخبث والدها" التي كبست زهرة لجذب سليمان اليها سؤالها له"  هل انت متزوج يا سليمان :"وحين كان جوابه بالنفي و بأنه كان منذور له أن يتزوج ابنة عمه التي طال انتطارها له و حين يئست تزوجت من أخيه، ولك زهرة تجس نبض سليمان ما إذا كان يريدها؟ فيجيبها بالنفي وهو في قرارة نضمه بأنه يرد عليها بالإجابة التي تريدها هي ويعرف ردة الفعل داخل زهرة.

و تصف زهرة لحظة وصول المركب إلى المرفأ الأفريقي به أن تجاوزت الخوف من التحصين بمعاونة سليمان و بد أن اكتشفت حقيقة سلطان الذي يعمل على تهريب الأسلحة داخل علب السمك المملح.

و تصل بزهرة حالة من الإحباط و الشعور بالاحتقار بتذكرها سالم الذي أغرقه البحر و من أجل تنفيذ الهروب كان البحر هو المنقذ لها في نفسر الوقت " أحقيرة أنا و حقيرة جدا ربما كما أتصور؟ و لكنه تكويني هكذا عشت و سأعيش، و كأي ناقص، مخلوق خلق بالتكوين المحيط لا يمكن له أن يغير شيئا من بداهيته، لا يمكن لي أن أصبح خيرة بين يوم و ليلة بل حتى في دهر أو في دهور، و ما عشته حتى الأن حقبة إحباط، عمري ثلاثون عاما، ثلاثون نائحة، و ما أزال فتاة حمقاه تحلم بابن عمها، برغم الموت و العائلة و الخنجر، سالم كان نقيضي و أنا لا أعيش إلا مع النقيض. البحر من جديد بمساحاته الشاسعة و أمانه الغريب، لماذا لم أحانك و لم أغضب منك، و ائت سرقت الأحلام والعمر" ص 142. و يخاله زهرة دائما شعور بالخوف من خيانة البحر الذي فطف منها الحبيب، فيا ترى هل. سينتقم منها مثلما انتقم من سالم الذي ترك أهله وناسه"  أتراك يا بحر الغضب، تنتقم مني يوما لأني جلبت العار لناسي أو لانني سلمت من خنجر شرف ثائر، لا..لا أظن أن هذه الموجات الناعمة تعرف شيئا غير الحب. وأنا: هل عرفت الحب أتراني خلقت حاقدة بالفطرة ؟ لا أظن أنني خالية من الحس، أنا مخلوق مجنون أناني ولكنني متأكدة بأنني عرفت الحب"

ص143.

 
 
 
شريفة اليحيائي (باحثة وأكاديمية من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …