أخبار عاجلة

العاصفة

دون أن يطرق الباب وبلا استئذان ، هجمت عاصفة مسنونة بجحافل العذاب على عرين وحدتي ، قادمة من او كار الرعب حيث مستعمرات الدمار، فطريات السحق ، ترتدي الاقنعة البيضاء كلون البراءة او كالمدق المنشود في الروايات الرومانسية فقه . وتهجم كأنها النوايا المبيتة لقطاع الطرق واللصوص . تحاول اصطيادي او انا الذي احاول اصطيادها.

شعرت بهذا في حجيرتي. اهتزاز المرأيا، ارتجاج النوافذ، قشعريرة السرير، اصطفاق فكي بقايا دولاب ، طنين ساعة اخذت تهرول صوب الهاوية ، وانين كتاب مفتوح الى الارض .

ظللت ارقب انقلاب المشهد المسائي من الداخل حيث أنا، وقد اعددت نفسي لقضاء أمسية راقصة مع فتاة مهووسة بالرقص . وفي

الخارج حيث يطو الغبار ككتل حجرية ويهوي على الارض محدثا فجوات عميقة لم اتبين الا محيطها العلوي، كان قد حجب الرؤية حتى خلت البيوت قد اندثرت تحت الارض ، انها العاصفة وقد هبت على مدينة هوجاء تراكم البؤس فيها كسرطان الدم . هذه المدينة التي كانت قرية صغيرة ذات حميمية شبقية مع أهلها.

شهدت تحولات هذه القرية الى مدينة غريبة / ممسوخة ، معظم سكانها غرباء. واذكر عاصفة قد هبت أنذاك شبيهة بعاصفة اليوم بينما كنت في طريقي الى بستان نخيل على اطراف القرية يقيم فيه مخلوق مسن مع ابنته الجميلة يكنى بشيخ الريح . كان الحبار يشكل اعمدة شيطانية حجبت الرؤية عني عند مفترق الطرق فأصبحت كالضرير اتخبط على غير هدى.

أدرت ظهري للعاصفة . شعرت بالارض تسير تحت قدمي وكأن العاصفة حملتني بعيدا عن المكان الذي اقف عليه . شعرت بالضياع او بالغيبوبة .. لا اعرف !!

كما لو كنت طفلا، حاولت البكاء الصعب حيث تجف الدموع وتطمر المقل بالغبار والاتربة .

غمرتني فرحة عابرة حينما توقفت العاصفة فجأة ، او انني ظننت ذلك . حاولت نفض الغبار والاتربة العالقة بوجهي قبل ان افتح عيني، اسرعت في الاعتناء بنفسي قبل معاودة العاصفة لشعوذتها ونزواتها المباغتة وحتى اتمكن من مواصلة السير الى بستان النخيل ذاك بسلامة وأمان .

في تلك اللحظة لم اعد افكر في شيء، حتى انني خجلت من رغبتي في البكاء ، حينها ، وكان همي ان ابدو أنيقا عندما يستقبلني الشيخ الحكيم مع ابنته ذات الجمال الغاوي. لذلك عقدت العزم كي تكتحل عيني بنور صبية غجرية لا حدود لمناتنها. كانت هي وابوها أول اثنين غريبين يدخلان القرية  وازعم انهما من أسس لمجتمع يسوده الاغراب . جاءا مع الريح في يوم عاصف ، وكانا قد تذرا عن الريح تحت سور طيني لاحد البساتين على اطراف القرية .

ليس هذا باعتراف خبيث او سيىء السريرة ، بل هو حلم رغبة راودتنا، انا وهي ، الحلم الاول لصبيين اكتشفا سحر النزوة في جوانحهما. كيف لا، ونحن نلهث مع نبض الحياة ، مع خرير المياه المنسابة في الجداول ، مع ظل الاشجار الى نلجأ اليها لاحتضان سر اكتشفناه بين سطور قصص الحب التي اقرؤها عليها، وكانت هي تتمتم بما قد اخجل من قوله بفرح مجنون ، حيث الاغراب لا حيا0 او خجل .

مثلما تتبدد الامنيات ، تلاشى الطريق الذي كنت سائرا فيه عندما فتحت عيني.

رأيتني وسط صحراء قاحلة ، تحيط بي الكثبان الرملية الصفراء من كل جانب . افزعتني المفاجأة مثلما افزعني وجودي وحيدا في فضاء مرعب . ايقنت انني تهت ، هلكت ، ولاول مرة اعرف تيها غير التيه الذي يلازم الصغار في طفولتهم ، او انه الوجه الآخر للقيه ذاته ، ذلك الامتداد الشيطاني. لو تورط احد في مثل هذا الموقف لسعى للبحث عن وسيلة لانقاذ نفسه ، هذا امر طبيعي. لكنه في تلك اللحظة ، داهمني شعور بالاستسلام وكأن حكما قد صدر ضدي بالرت ، مكبل امام الحشد الصحراوي بأصفاده الغامضة . الافق الملوث بدعاء الغروب ، اشباح الكثبان التي تطوقني بهاماتها السماء، الخوف المتواري بين انحناءات الكثبان ، الهرام السامة التي لا تعاشر البشر، العواء الذي يقض المضاجع ، الرمال ، التي تغوص فيها الاقدام الى الركبة ، الاحساس بأن العالم بميد عنك ، السماء التي ستهوي بكثبانها السوداء، امام هذا المشهد، تساءلت : لماذا لا اكون كالأرنب البري يهرب في اي اتجاه كان عندما يفزع ؟

أغرتني هذه الفكرة للسير عكس اتجاه الشمس الغاربة رغم تمزق بوصلة فكري.

بلا عجلة من امري سرت مع علمي بانني لن اصل الى مكان او مخبأ مثلما يهتدي اليه الارنب البري، ولكن يحسن المسير حتى لا يداهمني الليل بوحشيته الباردة واصبح عاجزا عن اختيار المكان الذي سأموت فيه لا محالة . وانا لست مغرما بالحياة على كل حال . هذا ما كنت افكر فيه وانا اسير. الرغبة الوحيدة التي امتلكها بشجاعة هي الموت على تل شاهق يليق بي، رب عابر سبيل يصبح شاهدا على شجاعتي.

في الصحراء تضيع المعالم والحدود، تتلاشى الاتجاهات حيث الفضاء الباهت ، الفراغ ، الضياع ، التيه ، الوحشة التي تنتقل الى مخيلتنا بسرعة ، تحس بالخواء والتشتت ، تفقد ذاتك ، تفقد الاحساس بمشروعيتك في الحياة . هناك في الصحراء، أنت وبقايا رياح ورعب كبير وهرام ليلية واشباح تتناسل في المخيلة ثم تتجسد امامك بأشكال جاثومية . في تلك اللحظة يراودك البحث عن إله للصمود او امرأة ماجنة تنسيك وجه الصحراء المأهولة .

في المساء تبدأ مسيرة السحرة والجان للحياة ، والصحراء تزحف الى روحي، تأخذني الى اغرار الليل ، تخفيني بين غيومه الداكنة فيملؤني التشر ذم والتشظي، تتهاوى الاحلام والامنيات وتسيطر امنيبآ الموت كأفق جديد، كملاذ اخير يحفز المرء للتحدي وربما الكفر.

انه الارنب البري الذي قفز امامي بخطوة واحدة وانتصب . داعبته بلا عطف او حنان ، بنفس يجللها الموت دالو شاء القدر ان نلتقي في المدينة لكنت انت الضال ولست انا، سأتبناك ساعتها دمية لاطفال الفقراء ومتكون "اما خياليا بعدما يسام منك الاطفال ".

– اني ارأف لحالك ايها الانسان الواهم .

– لان الصحراء ميدانك ، كل معرفتك ، كل عالمك ..

ضحك ضحكة مارد استرخت شياطينه وقال : الصحراء بالنسبة ل خلوة يعجز التألف معها حتى الاتقياء، وهي ايضا عكس الضياع ، واضحة المعالم حيث لا ابواب ولا سدود ولا طاقات موصدة ولا طرق ملتوية .

وفجأة تذكرت شيئا من كلام الغريبة الغاوية شبيها بكلام الارنب .

هي خلوتي.. تلك الصبية الغاوية .. ما مساها ان تفكر فيه الان ؟

قد يوهمها ابوها ان الفتية متشابهون ، لهم اغراض أنية ، يلاحقون الفتيات وخاصة الاغراب منهن لاشباع نزواتهم اللحظية .

قد تدافع عني الغريبة للحظة "لكنه مختلف عنهم " لكن الشك سيلجمها.

أتخيلها الآن وقد اعدت القهوة والتمر الحولي – طعام الفلاحين – مثلما تفعل كل مرة ازورهما فيها. وهي الآن ايضا قد فكرت في مكان نتوارى فيه سويا عن والدها لبرهة تكفي لتسلق شهوة الفم . وربما ستعرض علي المبيت معهم حتى لا اتعرض لمخاطر العودة الى البيت في ظلمة الليل مع استمرار الرياح التي لا تهب الا بعد موسم تلقيح النخيل . وتخيلتها في ذروة الشك واليأس بعد طول انتظار د،فليذهب الى الجحيم ".

وكان أبوها / شيخ الريح يرقبها من بعيد ويبتسم ابتسامة ساحر ماكر.

هدأت العاصفة بعض الشي ء، لكنها مازالت تحمل نذير مداهمات مفاجئة أخرى اكثر شراسة . كنت لا ازال اقذف بفضولي من النافذة الى الخارج ، حيث الفضاء المكفهر الذي يحفر لحد الاحلام ، حيث البيوت المتربة ، والطرق المشوشة وقد زالت فواصلها، والغبار الذي يهوي كالمطر الهادر، وزان الذي يهرول بلا اتزان كمن لدغه غول ، وحيث الرعب يتجدد في كل ساعة .

كانت الغرفة مكفهرة ايضا، تحوم في أرجائها خفافيش التهلكة ، اشم رائحة غبار صحاري بعيدة ، وبخبث آخر طيف للشمس المتسللة كانت الغرفة تثير الاشمئزاز مع فزع متربع على قلبي. الكون مقبل نحو الظلام ، وكذلك الغرفة وانا، لكني لم اكترث . كل همي منصب نحو السهرة الليلية وتفكيري منشغل بكيفية التسلل بين جبابرة العواصف والتي اراها كذئب مسعور متحفز للانقضاض علي . هل بمقدور احد ان يخرج الليلة ؟ هل سيفتح الملهى ابوابه ويرقص الجميع ؟ هل ستخاطر الفتاة وتنتظرني عند بوابة الملهى؟ هل سترقص مع شاب آخر لو تأخرت عنها؟ هل ستفوتني الرقصة التي تعلمناها سويا من اجل هذه الليلة ، تلك الرقصة الهادرة التي اسميناها رقصة الخلاص : ستغضب الفتاة ولا شك ، ستلعنني، سيخمد فيها ما تود ان تنفثه الى روحي من امل هذه الليلة . ربما لن تعثر على شاب يلج الملهى بمفرده دون فتاة . سيزيد من حنقها هذا طبعا. ستبحث عن متسكع تصحبه معها، او تبحث عن سائق شاحنة عابر من طريق سريع ، عن لص ، عن معتوه ، عن امرأة ، عن كلب ضال طبعا، ستبحث عن اي شيء يرافقها الا انا. ستعتقد انني جبان ، لازلت خجولا، اعمى، تافه لا يستحق الاحترام ، لا يستحق ان يكون رجلا يصاحب امرأة ، معقدا يولي الاهمية للعوا طف النرجسية ، يحسب لذهابه وايابه الف مرة كمن يخاف من مداهمة الموت له على قارعة الطريق .

من الافق البعيد، ظهرت كوكبة من اتربة العاصفة وغبارها تمتطي النزوة وقد عادت مرة أخرى أداي طالع هذا الذي سيذهب بعقلي !! اي عاصفة هذه تدمر التاريخ !!".

سألت والدها "هل سيكون احمق الى هذا الحد"؟

– ولم يابنتي؟

– أنوي طهي عشاء يليق به . واردفت بعد ان لاحظت شيئا من القلق او الشك في عيني والدها "لقد اصبح واحدا منا، ليس بالغريب بيننا الآن ، أليس كذلك ؟"

ضحك الأب بخبث وهو يرقبها بعينين متفحصتين ، مستقرئتين "ليس هو بالغريب يا بنتي، بل نحن الغرباء، نحن مصدر الخوف والقلق ".

– كلا يا أبي.. هو لا يفكر مثلهم ، انه دمث الاخلاق ، يحبنا و….

–  ونحبه ، أليس كذلك ؟ … مازلت طفلة ياصغيرتي.

– هل تعرض لمكروه ياأبي؟

– العلم عند الله .

– وانت تعلم شيئا، اقرأ في عينيك أمرا ما..

– الغبش .. العواصف محت المعالم . لقد اصبحت مسنا لا أقوى على ركوب الاحصنة الطيارة .

– لن يهدأ لي بال الا حين اراه امامي سليما معافى . فانا احوج له الآن . انت عالم وقوي، اجلبه الآن من اي مكان ، حيث هو، حتى لو كان في بطن حوت .

أنا في موقف احسد عليه اخاطب ارنبا بريا، وكان حينها يطمئنني "ستكون في مأمن هنا" ليس لي الا ان اجاريه واصدق حيوانيته . وسألني هل اكلت شيئا؟

–  لست جائعا. لم يمض على تناول الغداء سوى سريعات عدة .

كيف يقهقه حيوان صغير بتلك المدوية التي تردد صداها بين التلال الرملية المتباعدة وكأنه ينادي اعوانه لالتهامي؟ لا اعرف .. لم اتخيل قط صوت حيوان صغير يملأ الصحراء.. وصوتي انا يرتد الى نفسي رعبا، خافتا حتى في أحسن الاحوال .

قال الارنب وضحكة ساخرة لم تفارق شفره أدلا تخفي عني شيئا.. يبدو انك تائه منذ زمن بعيد، ربما منذ الولادة ، وانك منذ ذلك الوقت وانت لم تشبع ، مازلت متعطشا". وتوارى الارنب فجأة كالبرق ، حيث لا ادري.

لابد من مخرج ، لن اكون الاموج في عينيها. لن افوت الفرصة هذه المرة . العاصفة التي فيبتني مرة لن أستسلم لها هذه المرة . سأحتال ، سأماطل ، أكذب ، اهرب ، أقتل ، أقتل ، لكني ساخرج وسأرقص معها/ المهووسة .

حل الظلام في الغرفة ، واسرعت في محاولة لاشعال المصابيح . كان التيار الكهربي مقطوعا. لا يهم ، ساتصل بالفتاة كي نتفق على شيء ما، كان الهاتف مقطوعا، وانا سجين الغرفة انفراديا مثل ، نمور حدائق الحيوانات .

عدت الى النافذة حيث كنت ، أنصت ، على وقع اقدام تهرول في الطريق ، هدير سيارة جرفه الريح صوبي، على عابرة يمكن الاستنجاد بها، يئست . عاودت الانصات ، قد اسمع صوت قط يتسلق الجدران ، كلب ضال يبحث في قمامة ، جلبة دجاجات تأوي الى القن ، فأر يتآمر على غزوي الليلة ، دون جدوى..

كان الظلام يخفي بين ارديته كل فجاءة ، والعاصفة تذهب بصوت كل يقظة ، حتى بت لا أرى ولا أسمع شيئا على الاطلاق ، حتى لو صرخت او استنجدت لما سمعني احد. هذا هو المصير، الضياع المجاني الذي لا يحتاج الى جيوش وسجون ومؤامرات وتعذيب وتشريد، لا يحتاج إلا أن تضع المغضوب عليه في وجه عاصفة حقيقية ليست مبتكرة من أدوات التعذيب .

>><< >><< <><<

عاد الأرنب يحمل على يديه مائدة كبيرة تحوي كل أصناف الطعام الشهية .

لم تكن لي رغبة في الطعام ، لكني أمام هذا الحشد العجيب من الأطعمة أحسست برغبة في تذوق طعام الزمن المعدوم ، طعام المفاجأة ، ذلك الذي يعد في رنة رمش ويجلب في غمضة عين .

رغبتي في شربة ماء كانت أعظم حينها ، لأن ظمأ الصحراء لا تشعر به إلا عند وجود الطعام .

"ينقص المائدة كوز ماء ذهبي قاعدته من الجواهر" كنت ساخرا حين خاطبت الأرنب الذي جلس بتأمل دهشتي أمام الجهد المتواضع الذي قام به للحظة . لم أنته من كلامي حتى أخرج كوز ماء من تحت ذيله كما طلبته .

سرت في جسدي رعشة من لا يود الموت ساعتها. ولكي أبدد الجزع ، سألته "هل يقيم بالقرب منا ملك في قصر أحلامه ؟"

 – أقرب مدينة أو قرية من هنا يعيش على بعد عدة سنوات سيرا على الأقدام ، فلا تضيع الوقت في الأسئلة وكل قبل أن يثلج الطعام .

في مثل هذا الموقف ، العناد هو ضرب من اليأس ، والامتثال للأوامر يعجل بالنهاية ، وكان امتثالي للأمي بالأكل هو شوق لمعرفة ما سيحدث بعد ذلك .

تناولت تفاحة ضخمة وقضمت منها واحدة . كنت أشعر بمذاقها العسلي يسري في عروقي لكني لا أشعر بما أمضها وكأني أمضغ فقاعة هواء. ومما زاد شعوري غرابة هو أنني شبعت بعد مضغتين أو ثلاث من القطعة التي ظلت بين رحى فكي لا تتجزأ. أعلنت عن شبعي المتعاظم بينما الأرنب يراقبني متألما لحالي . داهمني بسؤاله وكأنه يربض داخل قلبي "هل أنت خائف أو مرعوب ؟" .

– في البداية ، نعم كنت خائفا أما الآن وأنا أرى عينيك الرحيمتين ، فإن الهدوء عاودني كالسابق . هل تعلم أن الشاة تطعم جيدا قبل أن تذبح ؟

– أرى أنك لم تهدأ بعد ، بل تعاظم روعك …

– كلا .. كلا .. أنا الرعب والخوف فكيف أجزع !!

سمعت ما يشبا قرع الطبول ،تدنو بسرعة تملأ فضاء الصحراء ومتاهاتها بالهيبة والخشوع ورأيت الأرنب ينتفض وجلا .

توارى برهة من الزمن لم تكن كافية لجمع شتات تفكيري المتبعثر على نحو ما في الصحراء.

عاد الأرنب في عجلة من أمره متوترا "انهض ، لابد أن تعود الى موطنك ، لقد استدعاك شيخنا، شيخ الريح ، الآمر والناهي فينا، اعذرني على الجهل بمنزلتك ، سامحني واصفح عني بسبب حماقتي ، تبدو حظرتك ، يا سيدي كبيرة جدا، أنا لم أقصد ازعاجك أو أزيتك ، فأنت الذي امتطيت مراكب رياحي التي جلبتك الى هنا ، هل ستغفر لي ، يا سيدي ؟"

دون ارادة مني وبسبب الدهشة البالغة ، غفرت له "انت مخلوق سخي وتستحق كل خير، لقد كنت لطيفا معي ، ولكن كيف أعود الى موطني؟"

– لا تقلق يا سيدي ، ثق بي . ألست حرا الآن ؟ ألست سيد نفسك ؟ إذن ، ستعود الى موطنك بمباركة شيخ الريح .

– ومن هو شيخ الريح .

أدرك الأرنب أن البوح بالسر خيانة ، والحرق بالتعاويذ هو نهاية كل خائن. لذا تجاهل السؤال .

أدار ظهره لي ورسم خطا على الأرض ولم استطع أن أرى ما فعله بعد ذلك ، لكنه سرعان ما استدار نحوي يطلب أن أقفز الخط كي أصل الى موطني.

– هل ستلعب بعقلي مرة أخرى؟

– كلا، سيدي هناك موطنك بعد الخط مباشرة ، في الجهة المقابلة .

– وهل أنا أبله الى هذا الحد ؟ أما قلت أن أقرب مدينة تبعد عدة سنوات سيرا على الأقدام ؟

– أعلم أنك لن تصدقني ، فالبشر خيالهم محدود وآفاقهم ضيقة ، ماذا لو أريتك الموطن الذي تحبه ؟

– ربما أصفح عنك حينها.

رسم خطوطا أخرى لم أتبينها، وأتى بحركات سريعة تشبه حركات البهلوانيين ، واذا بالجزء المقابل للخط يضيء ، ثم أخذ في الاتساع شيئا فشيئا الى أن اتضحت معالم القرية ، فتعرفت على بيتنا وعلى بستان شيخ الريح وصبيته الفاتنة وعلى الأحياء المحيطة بحينا.

بحثت عن الأرنب كي أشكره . كان قد اختفى وسمعت صوتا يحثني "هيا أدخل موطنك بسلام ، أسرع قبل أن يغيب عنك ولن تجده ".

بقفزة واحدة ، كنت قد وصلت الى مفترق اطرق الذي داهمتني فيه العاصفة.

>><< >><< >><<

لا .. لا ..لن تهدأ العاصفة هذه الليلة . هل سأظل حبيس البيت ؟ كلا.. سأقذف بنفسي الى الخارج مهما كانت خطورة العاصفة ، لا يهمني بعد ذلك أن أجد الفتاة في انتظاري ، المهم أن أحافظ على كلمتي على الميعاد الذي قطعته بمحض إرادتي معها . لو لم أفعل ذلك لكنت في حل من أمري ولن اكترث للعاصفة . لكنها الكلمة التي يجب الالتزام بها ، سمني ما شئت ، لكني سأفي بوعدي، بكلمتي.

مثلما كنت أعتقد ومازلت ، يكمن العالم في جوف كلمة هي القانون والنظام ، هي الفرحة والألم ، هي الموت والحياة ، هي الحد الفاصل بيني وبين العاصفة ، كلمة يصدرها انسان أتقن لعبة الكلمات ، قد يكون غبيا، ساذجا معتوها لصا ذكيا ، لا يهم ، المهم أنه أطلق بكلمة غيرت مجرى الحياة ، حياته حياة الآخرين .

عندما اخترعت البشرية اللغة صار سهلا عليها التحكم بالمصائر بالأرواح التي تحاول أن تنفك عن أحزمة الكلمات الموجعة . صارت البشرية كالاناه المثقوب ، تملؤه كلمة وترقمه كلمة .

أنا الآن لا أفهم ، لماذا وعدت الفتاة ؟ وما الذي وعدته بها: أهو اللقاء فقط ، الحب ، الرقص ، شيء آخر ، لا أدري !! فقط ، أتذكر بأنني وعدتها، ولماذا أتشبث بها الآن بالذات ؟ أهي نزعة الصدق داخلي أم أنها الرغبة الملحة للخروج من المأزق ؟ مأزق العاصفة . هأنذا سجين غرفة مظلمة تحاصرني العواصف من كل صوب ، من الداخل والخارج ، . ليس أمامي في هذه الحالة غير اللعب بالكلمات ، عذاب الكلمات سأبدأ بتذكر كلمات لم أنطق بها، بل خرجت عن لساني تلقائيا ، عندما أحس بشي ء يلهب شعوري لكني في كثير من الأحيان ، استفني عن النطق بالكلمات ، أفعل شيئا أكثر جدارة من الكلمات . سأجازف لأجل فتاة تراقصني ، سألقاها ،هناك ، تنتظر، كم أنا بحاجة اليها الآن . سأنسى العاصفة ، بكلمة ، وقد لا تكون العاصفة إلا في رأسي .

كان الجميع ينتظرني، حتى الصبية أتت لتسأل عني، عندما رأتني ألج البيت همت باحتضاني . ترددت ، التفتت حولها رأت تحديق العيون الشهوانية ، فتراجعت . ابتسمت ، يتسلق وجهها احمرار الاستحياء "كنت قلقة عليك ، أبي يسأل عنك ويود رؤيتك هل سترافقني؟".

في الطريق خراب ، دمار كنفسي الزائفة ، العاصفة أحنت رؤوس النخيل ، ذلك الخشوع المتكبر ، أنين الطرقات ، جاهلية الرياح ، مقفرة أسرار المزارع الشائكة ، ابتسامات مغتصبة ، ابتسامة حنق ، قهقهة يائس ، وأنا أمشي ، والصبية تتقدمني عدة خطوات ، تتراجع عني عدة خطوات ، التقط خيالها فقط رسم القمر لها على الأرض ظل ساحرة ، تسرع قليلا الى أن تحاذيني ، تشبك أصابعها بأصابعي، تنظر الى وجهي وتنكس رأسها ، أحاطتني بذراعها حول وسطي، وأنا مستكين بالزيغ ، شعرت بأرجوحة الفتنة الغواية تسري في رأسي تستبدل أفكارا بأفكار ، حالة بحالة ، روحا بروح ، الرضوخ سيد الموقف ، كل ما يمكن أن أسميه أفكار أو أحلاما أفكار تذوب في صاعقة اللحظة ، صاعقة الأيام التي مرت من عمري ، الخضوع الذي لا مفر منه ، أو الموت ، الصعب ، مجانية ، كل ما في الأمر هو التوقيت ، متى ؟ سأحكي لكم سنين الخضوع ، ليس الآن ، بعد أن

استجمع قوى الشجاعة إن بقي منها شيء.. أو تظنون ؟

الآن أنا في طريقي الى شيخ الريح ، لابد أنه أحد السحرة ، شبح ، له هيئة من جان سليمان ، عندما أراه لا أتخيله إلا ساحرا، يشبه الساسة ، العلماء، التجار، الفقراء . الصبية تقول : إنه والدي. أنا أعتبره عجوزا سيؤول الى الموت لا محالة ، سيخلف وراءه الندم ، صبية جميلة ، سيدة الفتنة ، هو السبب ستخدم خوارقه كي يصب الفتنة فيها. الآن بدأت أفك بعض الرموز، استجمع بعض الأحداث : أنا ، عاصفة أرنب بري، صبية صحراء شيخ الريح . "شيخ الريح " تسمية غريبة لشخص غريب متوحد، منعزل عن البشر لا وطن له ، لا زوجة له ، له صبية فقط .

يخوض حرب الأيام مع نفسه حياته سرية .

دغدغة الصبية لخاصرتي أحيت ذكري قد نسيتها ، قالت : "أشتاق لك عندما تغيب عني." ابتسمت ، خجلت ، وتابعت " كنت خائفة عليك ، خفت أن تتهور مع أشباح الليل والصحراء، هل كانت التفاحة كا لسكر؟ لماز لم تأكل من العشاء ؟ الا يعجبك طبيخي ؟ قل إنك لا تحبني إذن !"

لم أستطع الكلام ، غير مباح ، ضد تامرات السحرة ، نفس الاحساس الذي داهمني في الصحراء ، الاستسلام للموت ، للضياع ، أحس به الآن ، وكان القمر يخطف ، البصر ، يضلل مرارة الروح ، نظرت الى القمر، بدرا كان كالفضيحة ، أرخت المفاصل أوتارها ، والدم ينضب من القلب ووجهي أحسسته شاحبا كضوء القمر. قالت الصبية "ما دمت صامتا فأنت تحبني، حقيقة واحدة لا تنسدها ، حتى لو كنت لا تحبني فأنا أحبك وهذا يكفي ، أبي تنبأ به ، وأنا آمنت به بكل جوارحي ، صدقا أنت أيضا وأخضع له ، هذا ليس بالاستسلام ، وكذلك الصمت ، الصمت حقيقة ، والحقيقة غير ذلك وهم، أنت لي وأنا لك شئت أم أبيت ."

بلبلت الصبية الأفكار في رأسي ، حقيقة واحدة أعرفها الآن ، هي فتاة تنتظرني ، اشترك معها في فكرة واحدة الرقص بجنون ، ننفض الأفكار الى أسفل القدمين ، سندوسها ، سأدوسها كي تتشوه ، سأتخلص مما علق بي منها، أفكار تؤرجحني بين أنياب الحداثات / الموضات ، شيء مقزز ، أفكار تقصفني بتوا رثات الكلمات .

لمعت الكلمات في رأسي ، الحقيقة الوحيدة ، كلمات ، والرقص ، لسان حال الأقدام ، لغة صراخ الفيضانات ، احتكاك الأقدام بحلبة الرقص ، صوت يسمع من هودج الروح ، عند فض البكارة ، عند المخاض ، عند الولادة صراخ بلا كلمات ، نفهم الحقيقة أكثر ، هكذا بلا كلمات ، فعل الزمن ، بالصمت ، بلا كلمات يستشعر النمل كيانا ، يقيم داخل النفس ، بالصوت فقط ، الهداية صوت من الداخل فقط . قد اقترب من الحقيقة هي الرغبة فقط تلك التي تلازمني منذ زمن سحيق ، أحسسته معي كالأسنان اللبنية ، رغبة في لقاء فتاة لأول مرة .

قالت الصبية "اخفض رأسك كي تدخل ، أبي في الداخل ، طريح الفراش ، لا تخف ، تقدم ، تقدم واخفض رأسك ."

عينان أراهما لأول مرة متوثبة جاحظة كالخضوع ، شرهة كالجشع ، تمسك بتلابيب البقاء، ولن تكون للحوت لحظات معدودة ، طلق الولاا كاحتضار الموت ، نزع الروح لحمخاض الولادة أراهما أمرا واحدا، أزفت الساعة ، على وجهه أرى فاجعة ، كانت يقظة حقيقة واحدة ، حسب ظني، الموت نشرت الملائكة الصحف ، أرخت السحرة الحبال ، كل شيء عاد كما كان ، من بين شقوق السعف ، رأيت البستان يستحيل صفارا ، صفار رمل الصحراء، هي الآن صحراء، الكثبان الرملية تحيط ببيت السعف ، البيت هو الشيء الذي لم يستحل الى شيء ظل كما هو شاهدا وسط الصحراء، الضياع القادم ، سكون ، ليل ، قمر نسمة بليدة ، وقلبي يدق ، يرقص ، بلا صوت ، داخل جوفي .

هوت الصبية على أبيها "ما الذي حدث لك ؟ بم تشعر؟"

أراد أن ينطق بكلمة تعيد له الحياة ، تلوح بالأمل ، له وللصبية ، دون جدوى ، وكأن اللسان ذاب في فمه ، هضمته معدة الموت ، لا محالة . أمل وحيد لم يفارقه بعد . أشار الى أن أدنو، أن ألمس قلبه ، كي ينقل لي تيار اللامعقول ، ، القوة الخارقة ، لكي يعيش هو مرة أخرى في جسدي، فكرة معقولة ، أن يسكن جسدي شيخ الريح ، ربما يكون شيخ الجان ، أمنية صعبة المنال . عالم الحوارق ، الا حساسات اللامتناهية ، انطفاء الطبيعة ، في زمن السرعة ، لابد أن يكون كل شي ء لا معقول ، خرافي ربح سريع ، مناجم بلا خسارة ، تفوق بلا جهد، حب بلا عاطفة ، حل بلا تفكير انسان كالألة ، آلة تدور حول الساقية ، أحلام بلا عمل ، نوم بلا استيقاظ ، وهم بلا حقيقة ، كل شيء ذو طرف واحد، قوة واحدة ، الخارق الأوحد . فكرت في الأمر، كيف نستقيم أنا وهو في جسد واحد!! مصيدة لابد لأحدنا من الموت ، فإذا تشبث هو بجسدي سأموت أنا. لماذا لا يتشبث بجسد ابنته ؟ أليست الأولى بخوارق فضائله ؟ ربما، وربما هو قد سكن جسدها وأماته منذ زمن بعيد!!

أشار الي مرة أخرى أن أسقيه من ماء الجرة المعلقة في سقف الغرفة . هذه المرة انصعت لأمره عن طيب خاطر، كانت يدي ترتعش بينما أتناول الجرة ، كانت الجرة أعلى من أن أكلأها، وقفت على أطراف أصابعي وجذبتها، مالت وانسكب الماء على رأسي ، انقطع الحبل الذي يربطها بالسقف ، وهوت الجرة وتحطمت على الأرض ، بين قدمي، وكنت قد رأيت دمعة حزينة تنساب من عيني الشيخ ، شهق الشهقة الأخيرة ، وكأني سمعت الرياح تولي مهرولة ، هاربة ، وسمعت سقوط جسد خشن ، متحجر من سنين الأنبياء الأول ، جسد الصبية يهوي أيضا جسدان يرقدان فوق بعضهما ، ماتا .. أو انكسرا..
 
محمد القرمطي (قاص من سلطنة عمان)

شاهد أيضاً

الميتا شعرية: مشاريع الحداثة العربية

الميتاشعرية مصطلح يشير إلى التنظير أو الوصف أو الكلام على الشعر ضمن اطار العمل الشعري …