أخبار عاجلة

العاصمة القديمة ياسوناري كاوا باتا

ازهار الربيع

اكتشفت تشيكو البنفسجتين تتفتحان على جذع شجرة الاسفندان القديمة "عجبا". لقد أزهرتا مرة ثانية هذا العام"، قالت بينما كانت تواجه رقة الربيع.

كانت شجرة الاسفندان، بالأحرى واسعة لحديقة صغيرة كهذه في المدينة، الجذع أوسع من خصر تشيكو. ولكن هذه الشجرة القديمة بلحائها الخشن المغطى بالأشنة ليست من الأشياء التي يمكن لأحد من مقارنتها بجسد فتاة بريء.

جذع الشجرة منحن قليلا الى اليمين بمستوى خصر تشيكو تقريبا، وعلى ارتفاع أعلى من رأسها، يميل حتى أكثر، فوق الميلان، امتدت الأغصان الى الخارج مشرفة على الحديقة، أما نهايات الأغصان الأكثر طولا فقد تدلت بفعل ثقلها.

تحت الميلان الواسع مباشرة، مكانان مجوفان نمت في كل منهما بنفسجة، في كل ربيع تطلعان أزهارا، ومنذ أبعد ما يمكن أن تتذكره تشيكو، فإن البنفسجتين موجودتان هناك على الشجرة.

كانت البنفسجة العليا والبنفسجة السفل، منفصلتين عن بعضهما بمقدار قدم تقريبا "هل ستلتقي البنفسجة العليا والبنفسجة السفل أبدا؟ هل تعرفان بعضهما بعضا؟" تساءلت تشيكو. ولا معنى أن نقول إن البنفسجتين "تلتقيان" أو تعرفان" بعضهما بعضا؟

في كل ربيع هناك في الأقل ثلاثة، وفي بعض الأحيان خمسة براعم في البنفسجتين، في التجويفين الصغيرين. حدقت تشيكو فيهما من الرواق الداخلي الذي يؤدي الى الحديقة، رافعة تحديقتها من قاعدة شجرة الاسفندان. كانت تشيكو في بعض الأحيان تستثار من "حياة" البنفسجتين على الشجرة. وفى أحيان أخرى، تروع "وحدتهما" قلبها.

"أن تولد في مكان كهذا، وتمني تعيش هناك.."

ولو أن الزبائن الذين يجيئون الى الدكان، أعجبوا بشجرة الاسفندان الرائعة، إلا أن قليلا منهم انتبه الى البنفسجتين وهما تتفتحان عليها، باتت الشجرة قوية بمرور الزمن، وأعطت الاثنان للجذع القديم وقارا وأناقة، البنفسجتان الصغيرتان الساكنتان هناك، لم تلفتا الانتباه.

إلا أن الفراشات يعرفنهما. وفي اللحظة التي انتبهت تشيكو الى البنفسجتين، جاءت عدة فراشات بيضاء صغيرة مرفرفة عبر الحديقة قرب البنفسجتين، أشرف بياضها الراقص بالتماع لتباينه عن شجرة الاسفندان التي بدأت للتر بفتح براعمها الحمراء الصغيرة خاصتها، أزهار وأوراق البنفسجتين، ألقت ظلا خفيفا على الاخضرار الجديد للطحالب على جذع شجرة الاسفندان.

كان يوما مغيما ربيعيا ناعما.

جلست تشيكو في الرواق ناظرة الى البنفسجتين عن الجذع الى أن مرت الفراشات.

"لقد تفتحتما من أجلي ثانية"، أرادت تشيكو أن تهمس.

عند قاعدة شجرة الاسفندان، تماما تحت البنفسجتين انتصبت مشكاة قديمة، قال والد تشيكو مرة لها إن التمثال الواقف المنحوت على القاعدة هو تمثال المسيح.

"هل أنت متأكد انه ليس مريم ؟" سألت تشيكو. "ان تمثال مريم الكبير في معبد "كيتانو نتجن" يشبه تماما هذا التمثال.

"انه المسيح" قال والدهما ببساطة. "انه لا يحمل طفلا".

"إي. بالطبع" تشيكو وافقت. ثم سألت، "هل كان يوجد مسيحيون بين أسلافنا؟".

"لا. من المحتمل إن حدائقيا أو حجارا وضعه هنا. انها ليست مشكاة من نوع غير معروف".

إن هذه المشكاة المسيحية ربما صنعت في الفترة التي كان فيها الدين محرما. كان الحجر غير المصقول هشا لذا فالنقش البارز حت وانكسر بفعل مئات السنين من الريح والمطر، ما يمكن تمييزه هو الرأس والجسم والساقان فقط. حتى حينما كان جديدا فمن المحتمل انه كان نحتا بسيطا، كان الردفان طويلين يلامسان الأرض تقريبا. تبدو اليدان متكتفتين في صلاة، ولكن ما من أحد بقادر على أن يؤكد من مجرد النتوء الصفير عند الساعد، مع ذلك فالانطباع مختلف عن تمثالي بوذا أو الآلهة الحارسة.

لا فرق إن كانت هذه المشكاة المسيحية في يوم ما رمزا لايمان أو لا شي ء أكثر من حلية قديمة غريبة، فإنها الآن أسفل شجرة الاسفندان القديمة في حديقة محل عائلة تشيكو، بفضل أناقتها الأثرية، وإذا صادف وأن أثارت انتباه أحد الزبائن، فإن والد تشيكو سيخبره أنه تمثال المسيح، ولكن قليلا من الباعة الذين جاؤوا لاحظوا المشكاة الداكنة في ظل شجرة الاسفندان الكبيرة حتى اذا راها شخص، فإنه لن ينظر اليها بدقة أبدا، فمشكاة أو مشكاتان في حديقة شيء متوقع. غضت تشيكو نظرتها عن البنفسجتين في الشجرة ونظرت الى المسيح، وعلى الرغم من أنها لم تدخل في مدرسة تبشيرية إلا أنها كانت قد ذهبت الى الكنيسة وقرأت العهدين القديم والجديد حتى تكون معتادة على اللغة الانجليزية إلا انها شعرت أن المشكاة القديمة لا تستحق أن تقدم لها الأزهار أو الشموع المنذورة، ليس هناك هن صليب منحوت في أي مكان عليها.

فكرت في بعض الأحيان أن البنفسجتين فوق نحت المسيح على انهما قلب مريم. مرة أخرى رفعت تشيكو عينيها عن المشكاة الى الأزهار. فجأة تذكرت الجدائد الصرارة التي كانت تربيها في جرة.

كانت تشيكو قد بدأت بتربية الجدائد بعد أن وجدت لأول مرة البنفسجتين على شجرة الاسفندان القديمة بزمن طويل، كان ذلك قبل أربع أو خمس سنوات، لقد سمعتها تسقسق في ردهة بيت إحدى صديقاتها الطالبات، وتسلمت عددا منها كهدية.

"مخلوقات مسكينة تعيش في جرة.." قالت تشيكو. ولكن صديقتها أجابت أن ذلك أفضل من إبقائها في قفص وتركها تموت فيه، وقالت توجد حتى صوامع ربتها بكميات كبيرة وباعت البيوض. يبدو أن هناك كثيرين لديهم سيول متشابهة. جدائد تشيكو في هذه السنة زادت من عددها.

لديها جرتان. في كل سنة حوالي اليوم الأول من شهر يوليو يفقس البيض، وفي حوالي منتصف أغسطس تبدأ الجدائد بالسقسقة. لكنها ولدت، سقسقت باضت، وماتت وكل ذلك في داخل جرة مظلمة مزنوقة، مع ذلك فمادامت تحفظ النوع فربما هي أفضل من تربية نسل جديد قصير العمر في قفص. ولكن الجدائد قضت كل حياتها في جرة إنها كل الدنيا لها، لقد سمعت تشيكو عن أسطورة صينية قديمة "الكون في جرة"، وفيها قصر في جرة مملوءة بالنبيذ الفاخر والأطعمة الشهية من كلا البر والبحر. إنها وهي منعزلة عن العالم الخسيس، مملكة منفصلة، عالم مسحور، هذه الحكاية واحدة من كثير من خرافات السحرة والسحر.

بالطبع إن الجدائد لم تدخل الجرة لأنها قطعت الصلة بالعالم. ربما انها لا تدرك أين هي لذا استمرت تعيش.. ما أدهش تشيكو أكثر من أي شي ء آخر، بشأن الجدائد، إنها لو لم تدخل الذكور المجلوبة من منطقة أخرى لكانت الحشرات التي فقست معوقة النمو وضعيفة نتيجة للاستيلاد الداخلي، ولمنع ذلك فإن هواة مربي الجدائد يتاجرون بالجدائد الذكور، الان هو فصل الربيع، ولن تبدأ الجدائد بالسقسقة إلا في أواخر الصيف، ومع ذلك فثمة صلة ما بين الجدائد والبنفسجتين في التجويفين في شجرة الاسفندان.

لقد وضعت تشيكو الجدائد في الجرة بنفسها ولكن لماذا جاءت البنفسجتان لتعيشا في مكان ضيق كهذا؟ بأ تفتحت البنفسجتان وفي هذه السنة، أيضا، فإن الجدائد ستفقس وتبدأ بالسقسقة.

"حياة طبيعية".

نسمة رقيقة عبثت بشعر تشيكو لذا دست ما نفر منه وراء أذنها. تأملت نفسها بالمقارنة مع البنفسجتين والجدائد.

"وأنا…"

كانت تشيكو المنتبه الوحيد للبنفسجتين الصغيرتين في هذا اليوم الربيعي، اليوم الذي اندلع بحيوية الطبيعة.

دلت الأصوات من الدكان على أن شخصا ما، كان يغادر للفداء، لقد حان الوقت تقريبا، لأن تتهيأ لتخرج وتشاهد أزهار الكرز.

كان ميز وكي قد زار تشيكو قبل يوم ودعاها لمشاهدة أزهار الكرز في معبد "هيئان". وكان أحد زملاء شينيتشي في المدرسة يشتغل محصل تذاكر في مدخل حديقة المعبد لحوالي أسبوعين. سمع شينيتشي من هذا الزميل، أن الأزهار الآن هي في أوجها.

"يبدو أنه مراقب يقظ، ذلك شيء أكيد" ضحك شينيتشي برقة. كانت ضحكته ساحرة.

"هل سيراقبنا نحن أيضا؟ تساءلت تشيكو.

"انه البواب، أليس كذلك ؟ يدخل أي واحد،" ضحك شينيتشي ثانية بابتهاج. "ولكن إذا لم ترق لك الفكرة فسنذهب على انفراد ونلتقي في مكان ما، في الحديقة تحت الأشجار. يمكنك مشاهدة الأزهار التي تودين مشاهدتها بمفردك إنها ليست من نوع الأزهار التي تضجرك".

"إذا كان ذلك صحيحا، فلماذا لا تذهب وتراها لوحدك ؟"

"سأفعل، ولكن لا تلوميني إذا ما هبت عاصفة ممطرة هذه الليلة وسقطت كل الأزهار من الأشجار".

"عندئذ سنرى كم تبدو أنيقة هي الأزهار على الأرض ".

"تظن أن لاناقة الأزهار الساقطة علاقة برقودها وهي منقوعة بالمطر والطين على الأرض".

"لا تكوني مشاكسة ".

"من: أنا؟".

غادرت تشيكو البيت مرتدية كيمونو لا تثير الانتباه.

كان معبد "هيئان" معروفا جدا "باحتفال العصور". بني المعبد عام 1895، في السنة الثامنة والعشرين من حكم الامبراطور "مييجي" إكراما للامبراطور "كانمو" الذي أنشأ العاصمة "هيئان" في كيرتو قبل ألف عام، لذا فإن صالة المعبد ليست قديمة جدا، قيل إن البوابة وصالة العبادة قد جعلتا على طراز ألـ "أوتيمون" و "صالة الدولة الكبيرة" في العاصمة الأصلية "هيئان" وقد زرعت هناك أيضا شجرة برتقال من اليمين، وشجرة كرز من اليسار. فكوميئي الذي كان امبراطورا قبل أن تنتقل العاصمة الى طوكيو، قد أودع تقديسا له في المحراب عام 1938.

أقيمت كثير من حفلات القران في مذبح المحراب.

كانت مجموعات أشجار الكرز الحمراء المتهدلة الأغصان التي زينت الحديقة من أروع المناظر في "كيوتو". "بالتأكيد ما من شيء يمثل الربيع في العاصمة القديمة أفضل من تلك الأزهار".

حين دخلت تشيكو حديقة المحراب، تفتح الكرز المتهدل الأغصان عميقا في قلبها. "مرة أخرى هذا العام استقبلت الربيع في العاصمة" توقفت وحدقت حواليها.

هل كان شينيتشي منتظرا في مكان ما، أو أنه لم يأت بعد:؟ فتشت عنه تشيكو، وقررت بعدئذ زيارة الأزهار. سارت بين الأشجار المزهرة الى الموجة تحت. شينيتشي متمدد هناك، وقد طوى يديه خلف رأسه. عينان مغمضتان.

ظنت رقوده شيئا مزعجا

لم تتوقع تشيكو أن ترى شينيتشي نائما.

فمن المفترض أن يكون في انتظار فتاة صغيرة. شعرت تشيكو بنفرة من منظر شينيتشي أكثر من ارتباكها من سلوكه السييء. لم تتعود تشيكو في عالمها على رؤية رجل، نائما.

من المحتمل أن شينيتشي في الجامعة قام بمناقشات مثيرة كثيرة مع أترابه بينما هو متمدد بارتياح على الموجة ناظرا الى السماء أو متكئا على مرفقيه. إنه اتخذ نفس الوضعية هذا اليوم.

أربع أو خمس نسوان مسنات يتحدثن أحاديث عرضية قرب شينيتشي، باسطات غداءهن على الموجة. ربما بسبب شعوره بصلة حميمة مع النساء، فإنه جلس الى جانبهن ونام. فكرت تشيكو أن ذلك هو ما حصل، فابتسمت تقريبا إلا أنها استحت خجلا.

وقفت هناك دون أن تنادي عليه لأن يستيقظ. ثم راحت تشيكو تمشي بعيدا عن شينيتشي لم يسبق لها أن نظرت الى وجه رجل نائم قط.

كان شينيتشي يرتدي بذلته المدرسية، وشعره ممشطا مهندما. أهدابه الطويلة ذكرتها بولد صغير، مع ذلك لم تستطع النظر اليه مباشرة.

"تشيكو"، نهض شينيتشي مناديا إياها. شعرت تشيكو بإهانة.

"تنام في مكان كهذا. غير لائق، بامكان كل شخص أن يراك".

"لم أكن نائما. عرفت حينما جئت".

"أنت مزعج".

"ما الذي كنت ستفعلينه لو لم أناد عليك: "هل تظاهرت بالنوم حينما رأيتني؟" "فكرت، يا لها من فتاة سعيدة دخلت في الحديقة، وشعرت أني حزين. ورأسي يوجعني".

أنا ؟ أنا سعيدة ؟

لم يجب شينيتشي

"هل لديك صداع ؟".

"لا، الآن أفضل".

"لونك ليس على مايرام"

"لا. إنني على ما يرام " أجاب شينيتشي.

"وجهك مثل سيف فاخر".

لقد سمع شينيتشي ذلك مرارا من الآخرين ولكنها المرة الأولى التي سمعها من تشيكو.

يتكلم الناس عن وجه شينيتشي بصيغ كهذه، حينما يكون شيء ما في داخله على وشك الاشتعال.

"السيوف الفاخرة لا تقتل الناس. عدا ذلك، فإننا تحت الأزهار هنا." رجعت تشيكو الى مدخل الرواق عند قمة رابية صغيرة. نهض شينيتشي وتبعها، "أريد أن أرى كل الأزهار قبل أن نغادر" قالت تشيكو.

عند المدخل الى غرب الرواق، تجعل أزهارا الكرز الحمراء المتدلية الأغصان، الانسان يشعر أن الربيع قد حل فعلا، فالأزهار المزدوجة الوردية متفتحة على طول المسافة الى رؤوس أكثر الأغصان المتدلية نحافة. وقد يكون من المناسب، القول إن الأزهار ولدت على الأغصان أكثر من القول إنها تفتحت ببساطة هناك.

"هذه هي أزهاري المفضلة في الحديقة"، قالت تشيكو، مرشدة شينيتشي الى مكان حيث الممر ينتهي. أغصان شجرة كرز واحدة انتشرت على الأخص انتشارا واسعا، وقف شينيتثي الى جانب تشيكو محدقا في الشجرة.

"إذا فحصتها بدقة فإنها تبدو أنثى"، قال شينيتشي. "الأغصان النحيلة المتدلية والأزهار رقيقة وريانة".

يبدو أن مسحة ضئيلة جدا من الأرجواني الشاحب انعكست على قرمزية الأزهار.

"حتى هذه اللحظة، لم أكن أدرك أنها انثوية للغاية"، قال شينيتشي، "لون الأزهار، أناقتها، سحرها الآسر…".

مبتعدين عن شجرة 0الكرز، سار الاثنان نحو البركة. وعند بقعة ضيقة في الممشى حيث الكراسي التي تطوى نصبت وحيث السجادة الحمراء فرشت، جلس الزوار يشربون الشاي.

فتاة نادت باسم تشيكو. مرتدية كيمونو رسمية طويلة الأردان، خرجت "ماساكو" من غرفة تناول الشاي الـ "تشوشنتي" التي كانت في ظل الأشجار.

"تشيكو، هل لك أن تساعديني لدقيقة ؟ أنا متعبة للغاية. بحاجة الى مساعدة مع ضيوف معلمي".

"وأنا مرتدية هذه الملابس ؟ إنه آخر عمل يمكن أن أقوم به في المطبخ".

"لا يهمني ذلك. عن ما يرام. نعمل الشاي في الخلف هذا اليوم".

"معي شخص".

ماساكو، منتبهة الى شينيتشي، همست بأذن تشيكو "خطيبك؟"

هزت تشيكو رأسها هزا خفيفا.

"صديق ؟"

هزت رأسها ثانية.

استدار شينيتشي وراح يمشي بعيدا. "لماذا لا تدخلان وتجلسان.. معا، اقترحت ماساكو. "المكان خال الآن". لكن تشيكو رفضت وتبعت شينيتشي. "انها جميلة، أليس كذلك ؟ سألت تشيكو حينما لحقت بشينيتشي.

"شيء عادي من الجمال" استجاب شينيتشي.

"آه، قد تسمعك".

أومأت تشيكو برأسها الى ماساكو التي لوحت لها مودعة.

إن الممشى أسفل صالة الشاي قرب البركة. وقرب الجرف، راح السوسن المائي يتنافس فيما بينه بحضرته الفنية. الزنابق ملاقية على سطح البركة.

ما من شجرة كرز هنا.

سائرين حول الجرف، دخل تشيكو وشينيتشي ممشى صغيرا في ظل بعض الأشجار. كانت رائحتها خليطا من أوراق فتية وأرض ندية. الممشى المظلل الضيق قصير، وفي نهايته، ظهرت حديقة زاهية بجانب بركة أوسع من البركة السابقة. انعكست أزهار أشجار الكرز الحمراء المتدلية الأغصان في الماء وومضت في عيون الزوار. بعض السياح الأجانب كانوا يلتقطون صورا فوتوغرافية للأزهار.

لكن في الجانب الآخر من الجرف في غيضة من الأشجار، أطلعت شجرة "انترميدا" أزهارها البيضاء بحياء، فكرت تشيكو بالمدينة القديمة "نارا". هناك أيضا أشجار صنوبر بأشكال حسنة لكنها ليست طويلة. حتى ولو لم تكن هناك أزهار كرز، فإن خضرة الصنوبر تبقى تأسر العين، لا وحتى الآن فإن خضرة الصنوبر غير الملوثة والماء في البركة تفيء أزهار الكرز الحمراء المتدلية الغصون الحاشدة.

مشى شينيتشي الى الامام وعبر البركة فوق الحجارة المرصوفة للعبور، وكانت تعرف بحجارة عبور البركة. انها اسطوانية مثل بوابة "شنتو" وقد قدت ورصفت عبر البركة. كان على تشيكو – في بعض المواطيء – أن ترفع الكيمونو قليلا حتى تعبر.

نظر شينيتشي اليها في الخلف.

"بودي لو حملتك".

"سيكون لذلك أثر في نفسي.. لو تمكنت ".

حتى امرأة عجوز تستطيع عبور تلك الأحجار المرصوفة.

أوراق الزنابق المائية كانت تطفو حول الحجارة وبينما اقترب تشيكو و شينيتشي من الجرف كانت أشجار الصنوبر الصغيرة منعكسة في البركة.

"عجبا، هل رصفت تلك الحجارة بطريقة تمثل نوعا من التجريد" قال شينيتشي.

"أليست كل الحدائق اليابانية تجريدا؟ مثل الطحلب بين الأرز في حديقة محراب "دايكوجي". لكن كلما تحدث أي شخص عن كم هي "تجريدية" كلما باتت منفرة".

"ذلك صحيح الطحالب على أشجار الأرز تجريدية بالتأكيد. لقد انتهوا من ترميمات معبد "دايكوجي". هل تحبين مشاهدته ؟.. عند رفع الستارة ؟"

"هل أعيد بناؤه مثل (السرادق الذهبية) الجديدة ؟"

"من المحتمل إنه طلي من جديد، سيكون رفع الستارة، يوم تكون الأزهار في أوجها. ستكون هناك حشود من الناس ".

"لا يهمني أن أرى أية أزهار بالاضافة الى أزهار الكرز هنا".

عبر الاثنان آخر حجارة العبور الى الجانب الداخلي من الحديقة، ووصلا الى الجرف حيث تقف مجموعة من أشجار الصنوبر، ثم ذهب تشيكو وشينيتشي الى "الصالة الجسر". تماما انه الـ(تايهييكاكو)، ولكنه بالفعل جسر يشبه صالة. كلا جانبي الجسر يشبهان مقعدين منخفضين وذراعا مسترخية. يجلس الناس هناك ليرتاحوا وليعجبوا بتخطيط الحديقة. بعض الناس الجالسين هناك يأخذون المرطبات، بينما الأطفال يتراكضون حوالي وسط الجسر.

"شينيتشي ! شينيتشي ! اجلس هنا..؟ اتخذت تشيكو مقعدا واضعة يدها اليمنى لتحجز مكانا له.

"سأبقى واقفا"، قال شينيتشي. " أو ربما سأقعد هنا على قدميك".

"لا، لا يمكنك" وقفت تشيكو بسرعة وأجبرت شينيتشي على الجلوس. "سأذهب وأشتري بعض الطعام لسمك الشبوط ".

عادت تشيكو ورمت الطعام في البركة. الشبوط وهو يتدافع نحوه، تراكم بعضه فوق بعض طلع بعضها حتى خارج الماء. انتشرت دوائر الأمواج الى الخارج، مسببة ارتعاش انعكاسات أشجار الكرز والصنوبر في البركة.

"هل تريد أن ترمي البقية ؟ سألت شينيتشي، ممسكة ببقية الطعام لم يقل شينيتشي أي شيء.

"هل ما يزال رأسك يوجعك ؟"

"لا"

جلسا لمدة طويلة. حدق شينيتشي في مسطح الماء بعمق، وجهه صاف "ما الذي تفكر به ؟ سألت تشيكو.

"هم.. أتساءل أنا نفسي. أليست هناك أوقات يكون فيها المرء سعيدا لأنه لا يفكر بشيء بكل معنى الكلمة ؟"

"بالطبع. في أيام كهذه، مع الأزهار".

"لا، أعني في صحبة فتاة سعيدة جدا. سعادتك تدفع النسمة مثل الأريج".

"هل أنا سعيدة ؟" سألت تشيكو. ومض ظل من الكآبة على وجهها. لكنها كانت تنظر الى الأسفل، فربما كان ماء البركة منعكسا في عينيها لا غير.

وقفت تشيكو. "توجد شجرة كرز أحبها في الجانب الآخر من الجسر".

"بامكاني رؤيتها. انها تلك. أليس كذلك ؟

كانت الشجرة منظرا رائعا، مشهورة بأغصانها، التي تتدلى مثل شجرة الصفصاف المستحي، مع ذلك فهي منتشرة بوساعة. وبينما كانت تشيكو واقفة بجانب الشجرة، سقطت تويجات الأزهار حول قدميها وحول كتفيها في النسيم الرقيق.

انبسطت الأزهار مبعثرة على الأرض. تويجات قليلة طافت على البركة أيضا، ولكن لا أكثر من سبع أو ثمان.

الرؤوس الدقيقة لأغصانها ستلمس الماء. خلف البركة وأعلى غياض الأشجار في الضفة الشرقية، كانت الجبال بأشجارها الفتية الجديدة بادية للعيان من خلال شجرة الكرز المزدوجة.

"هل ذلك جزء من "هيكاشياما؟" سأل شينيتثي. "إنا، دايمونجياما" أجابت تشيكو.

"حقا؟ دايمونجياما؟ الا يبدو عاليا للغاية ؟"

"ذلك لأنك تنظر اليه من تحت الأزهار"، قائلة ذلك، انضمت تشيكو الى شينيتشي تحت الشجرة المتفتحة.

غادرا على مضض.

رمل أبيض خشن منتشر حول شجرة الكرز، انتصبت الى اليمين مجموعة من أشجار الصنوبر الجميلة، عالية نوعا ما على هذه الحديقة. بجانبهما الخروج الى حديقة المحراب.

وبينما هما يجتازان عبر البوابة، قالت تشيكو، "أريد أن أذهب الى "كيوميزو".

"صومعة كيوميزو؟" ثم وجه شينيتثي عن عدم اهتمامه.

"أود رؤية الغروب على العاصمة من "كيوميزو" لأراقب الشمس وهي تنخفض في السماء فوق "نيشيياما" قالت تشيكو.

أومأ شينيتشي برأسه "لنذهب"

"هل نذهب ؟"

كان الطريق طويلا نوعا ما. تفاديا القطارات، آخذين الطريق الملتف الأكثر مسافة الى شارع معبد "نازنجي"، مارين خلف معبد "تشيونن". بعد ذلك مرا خلال خلف متنزه "ماروياما" ماشيين في الممر الضيق الى صومعة كيوميزو.

لم يبق من المتنزهين على الشرفة إلا بعض التلميذات إلا أن وجوههن لا يمكن رؤيتها بوضوح.

هذه هي الساعة التي تفضل فيها تشيكو المجيء. كانت شموع النذور تشتعل في ظلام (الصالة الكبرى)، بيد أنها مرت دون توقف، سائرة من صالة "أميدا" الى الحرم الخلفي.

بنيت شرفة الهيكل الخلفي ناتئة من المنحدر الصخري. ومثل سقف بسيط مرتفع مصنوع من لحاء السرو، بدت الشرفة معلقة بدقة أيضا. الشرفة تواجه الغرب، مطلة على العاصمة صوب "نشيياما".

الأضواء منيرة في المدينة، إلا أن السماء ما يزال فيها وميض خفيف.

استندت تشيكو على السياج وحدقت صوب الغرب، بدت ناسية شينيتشي. اقترب منها.

"شينيتشي. كنت طفلة مهجورة، لقيطة ". تكلمت تشيكو

"طفلة مهجورة ؟"

"نعم".

استحار شينيتثي من هل في كلمتي "طفلة مهجورة" معنى سايكولوجي.

"منبوذة"، همس شينيتثي "هل تشعرين في بعض الأحيان وكأنما كنت طفلة منبوذة.

فإذا كنت منبوذة فأنا كذلك… روحيا. ربما كل الناس أطفال منبوذون. ربما الولادة هي مثل كون الانسان منبوذا على الأرض من لدن الله".

حدق شينيتشي في جانب وجه تشيكو، لون احمرار شفق الغروب خديها بغموض الى أبعد حد. ربما ذلك بتأثير المساء الربيعي.

يقولون نحن أطفال الله. ينبذنا هنا، ومن ثم ينقذنا…"

لكن تشيكو نظرت الى أنوار العاصمة القديمة، كأنما لم تسمع شيئا، حتى أنها لم تلتفت الى شينيتشي.

بعد أن أحس شينيتشي بحزن يستعصي على الفهم في داخل تشيكو، شرع بوضع يده على كتفها. ابتعدت.

"يجب الا تلمس طفلة منبوذة ".

"لكنني قلت أطفال الله، كل الناس، منبوذون هنا، رفع شينيتشي صوته.

"ليست المسألة معقدة بتلك الصورة. لم أكن منبوذة من لون الرب. والداي البشريان نبذاني".

لم يتكلم شينيتشي.

"كنت لقيطة تركت أمام باب محل "بنكارا" المشبك".

"ما هذا الذي تقولينه ؟"

"حقا ما أقول. ولكن ما الفائدة من اخبارك بالقصة. حين أقف هنا في شرفة الكيوميزو، ناظرة الى الغروب فوق، المدينة الواسعة، فإنني أتساءل هل ولدت هنا في كيرتو".

"ما هذا الذي تقولينه ؟ أنت مجنونة".

"هل يمكن الكذب بشيء مثل هذا؟"

"لأنك طفلة تاجر بالجملة مدللة ووحيدة. وطفلة وحيدة تكون خادمة لأوهامها الباطلة ".

"والداي يحبانني ويعتنيان بي. لا يهم الآن إن كنت لقيطة".

"هل لديك برهان على أنك لقيطة ؟"

"برهان ؟ الباب المشبك. أعرف ذلك الباب القديم جيدا". بات صوت تشيكو أكثر ودا، "كنت في المدرسة المتوسطة – كما أظن – حينما دعتني والدتي وقالت لي إنني لست طفلتها هي، لست البنت التي سببت لها وجع الولادة. قالت إنهما سرقاني وأنا طفلة وهربا بسيارة. ولكن لأمي وأبي قصة مختلفة عن المكان الذي التقطاني منه. ففي بعض الأحيان يقولون في المساء تحت أزهار الكرز في معبد "كيون" وفي أحيان أخرى يقولون في قاع نهر "كامو". يظنان لو عرفت بأنني كنت منبوذة أمام المحل، فسأتألم تألما شديدا".

"أما من طريقة لمعرفة من كان والداك الحقيقيان ؟"

"والداي الحاضران يحبانني حبا جما، ليست لدي أية رغبة في التفتيش عن أمي وأبي الأصليين. قد يكونان حتى بين بوذيي مقبرة الفقراء والمجهولين في "أداشينو" بالطبع فإن الأحجار هناك قديمة جدا".

انتشر لون الربيع المسائي الناعم، مثل ضباب أحمر وان، من "نيشياما" عبر نصف السماء.

" شينيتشي لم يستطع تصديق تشيكو بأنها لقيطة، وأقل من ذلك تصديقا بأنها كانت طفلة مختطفة. كان بيت تشيكو جوار تاجر جملة، وإذا ما سأل المرء هنا وهناك، فسيعرف إن كان ما قالته صحيحا. طبيعي أن "شينيتشي" لم يرد التحقق من الأمر، كان حائرا. لماذا قامت تشيكو باعتراف كهذا له ؟

هل أتت به الى هنا لكيوميزو لمجرد أن تطلعا على ذلك ؟

أصبح صوت تشيكو صافيا، وجرت في أعماقه نغمة قوة. لم تبد أنها كانت تستغيث بشينيتشي. بالتأكيد فإن تشيكو أدركت بغموض بأنه يحبها. هل كان المقصود من اعترافها أنها تكشف عن قلبها الى الشخص الذي أحبته ؟ لم يبد الأمر كذلك بالنسبة الى شينيتشي. بالأحرى شعر برفض لحبه، حتى ولو كانت ببساطة، قد لفقت القصة عن كونها لقيطة.

في معبد "هيئان" كرر شينيتشي عدة مرات أن تشيكو "سعيدة"، ظانا أنها ستعترض على ذلك، قال: "بعد أن عرفت بأنك لقيطة، هل كنت حزينة ؟ هل شعرت أنك منبوذة ؟"

"لا، لا بالمرة. فقط حينما أخبرت والدي انني أريد أن ألتحق بالكلية، وقال إن ذلك سيكون عائقا مادمت سأرث عمل العائلة، عند ذاك فقط شعرت بالحزن ".

"هل كان ذلك قبل عامين ؟"

نعم."

"هل أنت مطيعة تماما لوالديك ؟"

"نعم تماما".

"حتى وان تعلق الأمر بشيء مثل الزواج ؟"

"نعم. أنا عازمة على أن أكون كذلك". أجابت تشيكو بلا تردد.

"وماذا عن نفسك ؟ أليست لديك مشاعرك الخاصة بك ؟ سأل شينيتشي.

"يبدو انها تسبب المتاعب حينما تكون للمرء مشاعر كثيرة ".

"لذا فأنت تكبحينها… تخمدينها تماما؟". لا ليس بتلك الدرجة.

"كلامك لا شيء سوى ألفان." حاول شينيتثي أن يضحك بمرح إلا أن صوته تلعثم، نظر الى تشيكو، وهو ينحني الى الامام على السياج.

"أريد أن أنظر الى وجه طفلة منبوذة محيرة "

انها بالفعل معتمة الآن." التفتت تشيكو ناحيته للمرة الأولى. ومضت عيناها عندما نظرت الى سطح "المبنى الكبير" يا له من مبنى مخيف"، صاحت.

بدا وكأن السقف الصنوبري يضغط الى الأسفل إيذانا، بشر بكتلة مظلمة كئيبة.
 
 
ترجمة: صلاح نيازي (شاعر ومترجم من العراق يقيم في لندن)

شاهد أيضاً

ألبير كامي مسار مفكر تحرري

«للكاتب، بطبيعة الحال، أفراح، من أجلها يعيش، ووحدها تكفيه لبلوغ الكمال» ألبير كامي. كامي شخصية …