أخبار عاجلة

العظم: مراحل وأدوار ياسين

تخطيطيا، أعتقد أنه يمكن التمييز بين ثلاث مراحل في عمل صادق جلال العظم. تمتد مرحلة أولى، بيروتية، منذ بداية نشاطه ككاتب ومثقف في النصف الثاني من ستينات القرن العشرين، كان عمره وقتها نحو 30 عاما، وتمتد عبر السبعينات، ومرحلة ثانية دمشقية تشمل ثمانينات القرن العشرين وتسعيناته، ومرحلة ثالثة دمشقية بيروتية غربية تمتد إلى اليوم.
ورغم أن الرجل ظل مثقفا مستقلا طوال الوقت (خلال تجربة لم تطل في الإطار الفلسطيني)، إلا أنه كان منخرطا في المرحلة الأولى في القضايا السياسية لتشكل المرحلة وسجالاتها. كتب في مرحلته الأولى «دراسات يسارية في القضية الفلسطينية»، «النقد الذاتي بعد الهزيمة»، و«دراسات نقدية لفكر المقاومة الفلسطينية»، «سياسة كارتر ومنظرو تلك الحقبة»، و«زيارة السادات وبؤس السلام العادل». وفي وقت مبكر من هذه المرحلة ظهر الكتاب الأساسي والتأسيسي: نقد الفكر الديني، الذي حوكم المؤلف إثره في بيروت، وصار بفعل ذلك مثقفا عاما. وهذا فضلا عن مساهمات فلسفية. العظم دارس للفلسفة، ونال الدكتوراه برسالة عن فلسفة كانط.
المرحلة الثانية يغلب عليها الشاغل الثقافي. وإن يكن العظم كتب مقالات في الصحف، ومنها صحف رسمية سورية حول الشأن الفلسطيني، إلا أن قضايا الثقافة هي التي كانت لها الهيمنة في عمله. بعد كتابه الطريف في «الحب العذري»، كتب العظم «الاستشراق والاستشراق معكوسا»، «دفاعا عن المادية والتاريخ»، «ذهنية التحريم»، «ما بعد ذهنية التحريم». وخلال معظم هذه الفترة كان الرجل مقيما في دمشق، يدرّس في قسم الفلسفة في جامعتها. ومثل جميع المثقفين السوريين المقيمين في البلد، وأكثر المقيمين خارجه أيضا، لم يعرف لصادق جلال العظم قول في الشؤون السورية في ذينك العقدين الفظيعين. المثقف العام غاب مع تمام احتلال الفضاء العام من قبل الدولة الأسدية في سوريا ولبنان. لا مثقفا عاما دون فضاء عام.
المرحلة الثالثة هي مرحلة «ربيع دمشق» وما بعد. برز صادق جلال العظم في هذه المرحلة كمثقف عامّ من جديد ومشتغل بالشأن العام، من موقع معارض، وإن بقي مستقلا. «ربيع دمشق» صنعه مستقلون، بالجيد في هذا والسيئ. كان من الموقعين على بيان الـ99 الذي يدعو إلى إلغاء حالة الطوارئ والإفراج عن المعتقلين السياسيين والحريات العامة. وعمل في إطار لجان إحياء المجتمع المدني، وكان لديه وعي حاد بوجوب انخراط المثقفين في الحقل العام، وكان يأخذ على نفسه وغيره الابتعاد عن الأنشطة العامة، ويتابع أكثر من غيره النقاشات الجديدة والمساهمين الجدد. صادق كان مستعدا لأن يلقي محاضرة عن العولمة يحضرها 20 شخصا في بيت خاص، ومستعداً للمشاركة في اجتماعات «لجان إحياء المجتمع المدني» في بيته في حي المهاجرين، وفي بيوت غيره، دون أن يدخل يوما في جدال ويتسبب في شجار، مما كان شائعا جدا وقتها، بارتباط مع أبرز الآفات الداخلية لربيع دمشق: آفة الأنويّة. الاستقلال الشهير للمثقفين في فترة «ربيع دمشق» يحيل من جهة إلى ضعف جاذبية التنظيمات المعارضة الأقدم بفعل تقادم تفكيرها وهياكلها تحت وطأة عقدين وأكثر من سحق أطر العمل العام، لكنه يحيل من جهة أخرى إلى الأنوات، كجيل وكنمط للشخصية والدور العام، ظهر للعموم في أيام «ربيع دمشق»، وهيمن في السنوات السابقة للثورة. الثورة أظهرت أن استقلالية الأنوات ليست أصيلة ومنتجة، وأن رجالها لا ينقصهم الاستعداد للتبعية.
وبينما أسهمت الأنوات في إفساد أجواء العمل العام، وحتى تسميم العلاقات الخاصة بفعل انخراط أصحابها الأبدي في حروب المكانة، كان صادق جلال العظم عامل جذب إلى العمل العام، وبعيدا عن الصراعات البينية. الرجل معتد بنفسه، نقي السريرة، ويخلو تماما من الخبث. ولم يحاول بناء قبيلة أو استتباع كتاب وناشطين من جيل أصغر، وهو الأستاذ الجامعي، مثلما فعل بعض مجايليه، متسبيين بفساد عام وخاص غير قليل.
في مرحلته الأولى كان صادق جلال العظم ماركسيا، كانت الماركسية وقتها معسكرا دوليا وأحزابا ومنظمات صاعدة أو تكاد، وهيمنة مؤكدة في أوساط المثقفين. لم ينخرط مؤلف «نقد الفكر الديني» مع ذلك في العمل السياسي المباشر، وهذا نادر في جيله. وظل المثقف الدمشقي يُعرِّف بنفسه كماركسي في مرحلته الثانية، هذا واضح في «دفاعا عن المادية والتاريخ»، لكن القضايا التي اشتغل عليها هنا كانت «ليبرالية» بالأحرى، تحيل إلى الحرية العقلية والتحرر الثقافي. في المرحلة الثالثة صار العظم يرى أن الليبرالية والعلمانية هي خط دفاع خلفي عن المبادئ الماركسية، وأنه شخصيا مارس هذا الدفاع فيما يكتب، وفي انخراطه المستجد في العمل العام.
بنظرة عن بعد، يبدو مسار صادق جلال العظم معاكسا لمسار معظم المثقفين السوريين، فالرجل لم ينخرط في تنظيم في سنوات شبابه، وقت كان نادرا أن تجد مثقفين غير منخرطين في أحزاب أو منظمات، وهو خلافا لمعظم المثقفين انخرط في تجارب العمل العام بعد عام 2000، وكان في السادسة والستين. تجارب ذات شكل مفتوح وغير مركزي، بل منفلش، لكن كان شيئا مشرفا في رأيي أن يكرس مثقف مكرّس وقتا وجهدا للعمل مع غيره في نشاط عام جمعي. لم تكن التجربة مثمرة، لكنها أظهرت تطلع السوريين إلى امتلاك السياسة، الاجتماع والقول والاحتجاج. كان صادق جلال العظم شريكا في هذه التجربة.
ولعله يمكن التمييز ضمن هذه المرحلة الثالثة، بين مرحلتين فرعيتين، الثانية منهما مرحلة الثورة. في المرحلة الفرعية الأولى، وبعد «ربيع دمشق»، صار صادق يقضي أوقاتا أطول خارج البلد، في بيروت وفي الغرب، يدرس كزميل زائر في جامعات أميركية ويابانية وألمانية. كان تقاعد عن التدريس من جامعة دمشق، وإن لم أكن مخطئا، فإن مشاركته مع طيب تيزيني ويوسف سلامة وأحمد برقاوي في يوم الفلسفة العالمي بدمشق عام 2004 كانت آخر ظهور عام له في سوريا.
اللافت أن العظم لم ينشر كتبا في هذه المرحلة الثالثة. كتب مقالات بالعربية والانكليزية، وأعطى مقابلات، وظهر على قنوات تلفزيونية. ساهم أيضا في غير كتاب، لكن مساهماته عبارة عن مقالات مطولة.
بعد الثورة السورية، ينفرد صادق جلال العظم عن المثقفين السوريين من جيله بأنه لم يبتعد عن التعبير عن موقف واضح منحاز إلى كفاح السوريين منذ البداية، وفي الوقت نفسه لم يعمل كسياسي. لم يتذرع بالانشغال الفكري كي لا يتدخل بالكلمة والموقف والمقالة والمقابلة، وأنشطة أخرى غير معلومة على نطاق واسع، في صراع مواطنيه التحرري، وقول كلام واضح في شأن هو من ومِمن ومع من. لكنه ظل يعمل بأدوات الثقافة، لم يخرج منها ليعمل كسياسي بين سياسيين. الواقع أنه شارك في الاجتماع التأسيسي للائتلاف الوطني، وأظنه ليس سعيدا بتلك المشاركة اليوم.
وبفعل مواقفه في هذه المرحلة الفرعية الأخيرة تعرض صادق للتأثيم والتسفيه، بصورة تطابق تسفيهه من قبل إسلاميين بسبب مساهماته في نقد الفكر الديني والدفاع عن سلمان رشدي في المرحلتين السابقتين من عمله. هذه المرة وصف بأنه منظّر السنة وإسلام البزنس، وتقرر لردّاحة لبناني أن العظم إما «مفكر إخواني» أو هو منفصل عن الواقع، قبل أن يقرر الكاتب القومي السوري إن العظم: «مفكر متطرف بامتياز يبرّر تطرفه بفرضيات يهودية». أما نارام سرجون، وهو اسم حركي لبهجت سليمان، ضابط المخابرات السابق والسفير السوري السابق في عمّان، وأحد مربّي بشار السياسيين في سنوات ولاية العهد، فوصف العظم بأنه «المفكر المحنط والمومياء الثائرة»، و»الصحابي الجليل»، وصاحب «العظام المتقيحة»، وأخيرا «المومياء العثماني».
لا ينبغي لشيء من ذلك أن يكون مفاجئا. هذا الشكل المنحط من الصراع الإيديولوجي هو جبهة مكملة لجبهة الحرب بالقذائف المدفعية والبراميل المتفجرة وصواريخ سكود والسلاح الكيماوي، والقتل تحت التعذيب، والمجازر بالسلاح الأبيض. ولطالما سار الاغتيال المعنوي جنبا إلى جنب مع الاغتيال الفعلي في عالم «سوريا الأسد». كمثقف مخضرم، يساري وعلماني ومستقل، صادق جلال العظم يمثل وجها علمانيا تحرريا للكفاح السوري يجب تشويهه، من أجل إظهار أنه ليس هناك في مواجهة فاشيي ربطة العنق غير فاشيي اللحية.
ختاما، تحدثت هذه المقالة الوجيزة عن صادق جلال العظيم كدور وكمثقف عام، يستخدم رأسماله الرمزي في الحقل العام، نصرة لقضايا التحرر والعدالة وكرامة الإنسان. لم تتطرق المقالة إلى مضامين عمله الفكرية. هذا ميدان للاختلاف، اختلاف المرء عن نفسه مع نفسه، وعن غيره ومع غيره. لكن تصنيفا أقل خشونة لمراحل عمل العظم وتحولاته ونظرا نقديا مدققا في مضامين عمله أمر ملح. وهذا ليس فقط تكريما لرجل جدير بالتكريم من بلد ومثقفي بلده، وإنما كذلك لأنه من شأن النظر المدقق على سجل عمل العظم ودوره خلال نصف قرن أن يكون مساهمة في وعي أحوالنا وتحولاتنا. عند المنعطف الراهن من تاريخ سوريا وتاريخ الثقافة والمثقفين فيها لا نستطيع النظر إلى الأمام دون مراجعة نقدية لتاريخنا الفكري والثقافي المعاصر. صادق جلال العظم اسم أساسي في هذا التاريخ.

——————

ياسين الحاج صالح

شاهد أيضاً

قريب من الروح

منى المعولي* نساجون أنتم وغرباء يا من لا تفارق ألسنتكم كلمة «جميل». راؤون أنتم يا …