أخبار عاجلة

العين

كان اسمه دنكان مارش وقيل أنه جاء من فانكوفر في كندا. لم أره . ولا أعرف أحدا يدعر أنه راه . وحين وصلت قصته الى مدار حفلات الكوكتيل كان قد مات ، وأحس بعض المقيمين الذين ينقصهم مس المسؤولية أكثر من غيرهم بأنهم احرار آنذان في أن يمارسوا شهيتهم الكلفة بخلق الأساطير.

جاء الى طنجة وحده فاستأجر بيتا مؤثثا عل سفوح جامع المقري – وكان يسهل اقتناء بيت مكة في تلك الأيام بسعر بخس نسبيا . وسرعان ما وظف مراهقا مغربيا بصفة حارس ليلي . كان البيت مجهزا بطاهية وبستاني، لكن هذين فصلا من عملهما ، وحلت محل الطاهية امرأة أوصى بها الحارس . لم يمض كبير وقت على هذا حتى شعر مارش بأولى علامات مرض متصل بالهضم أخذ يسوه على مر الشهور ،. نصحا الطبيب في طنجة بالذهاب الى لندن ، وساعده شهران قضاهما هناك بعنى الشيء . على أن تشخيص العلة لم يكن دقيقا على أية حال ، وبعد عودته بات طريح الفراش. ثم لم يعد بد أخيرا من أن يسفروه الى كندا محمولا على محفة . حيث انهارت صحته بعد وقت وجيز من وصوله هناك .

في كل هذا، لم يكن ثمة ما يبعث عل الاستغراب ، فقد استنتب أن مارش مجرد ضحية أخرى للتسمم البطيء عل أيدي مستخدميا المحليين ، هناك أكثر من قضية شبيهة بقضيته صادفتني أثناء خمسة عقود من السنين قضيتها في طنجة . وفي كل مناسبة كان يقال إن الضحية الأوروبية . رجلا كانت أم امرأة وحدها الملومة . بعد أن شجت الخادم على الالفة الزائدة . لكن ما يبدو غريبا هو أن أحدا لا يهتم بالملاحقة ويبدأ بالتحري في أمر المذنب .وأن كانت محاولة البحث في النهاية بلا هائل في حالة الغياب الكامل لأية أدلة .

ثمة تفصيلان يكملان القصة فعند نقطة ما في مرضا أخبر مارش صاحبا له بالاتفاق الذي أبرمه لتوفير إعانة مالية من أجل حارسه الليلي في حال اضطراره لترك المغرب ، أعده رسالة رسمية من كاتب العدل بهذا الشأن لكن قبل عشر أو اثنتي عشرة من السنين جاء الى طنجة رجل كان يحسن به أن يبقى بمنأى عنها . لم تكن له يد فيما ألم به على أية حال ، رغم ما أخذ يتهامس به المقيمون الذين يتكلمون الانجليزية . فعن هؤلاء غالبا ما تصدر ردود فعل شبيهة بتلك التي تعرفها جماعات بدائية معينة . عندما تحل النكبة بواحد منهم ، ينفض عنه الآخرون بتفاهم مشترك ويمتنعون عن مد يد العون اليه ، دون أن يفعلوا شيئا غير الاتكاء والتربص ، واثقين من انه وحده جلب على نفسه الشقاء. . لقد أصبح في مجال التابو، وكف عن أن يكون قابلا لمساعدة وبخصوص قضية صاحبنا، لا أظن أحدا كان يقدر على معونته ، ومع ذلك فإن ما استدعاه حظه السيىء عليه من المعارضة الكيسة، لابد قد زاد الشهور الأخيرة في حياته بلة وعناء.

من الواضح أن الفتى لم يحاول أبدا أن يفوز بماله وجاء التقرير الآخر من الدكتور ماسي ، وهو الطبيب الذي رتب نقل مارش من البيت الى المطار. وكانت هذه النتفة من المعلومات هي التي جعلت القصة تتخذ حياة ، بالنسبة الي على الأقل . اعتمادا على الطبيب ، كانت هناك ندوب عميقة في قدمي مارش ، ذات اشكال منتظمة وفظة تتخلل الكعبين ، وكانت حديثة العهد، إلا أنها بدأت تصير معدية . تحدث الدكتور فاليس مع الطاهية والحارس ، فبدت عليهما الدهشة والاستياء عندما رأيا قدمي صاحب البيت المشوهتين لكنهما لم يقدما أي تفسير للتشويهات . وبعد أيام من رحيل مارش ، عاد كل من الطاهية الأهلية والبستاني ليحلا محل الاثنين اللذين غادرا البيت على إثر الحادث .

كان التسمم البطيء مسألة معهودة نوعا ما ، وفصوصا بعد أن تكفل مارش بتوفير مبلغ معين للفتي، إلا أن الأشكال المحفورة في قدميه بالسكين كانت هي العائق الذي يمنع الواحد من استنتاج أية دوافع معقولة . فكرت بالأمر. ما من شك في أن الشاب مذنب . فهو الذي أقنع مارش بأن يتخلص فى الطاهية التي جاءت مع البيت ، رغم أنها استمرت تتقاضى أجرها وبأن يؤجر امرأة أخرى (تنتمي الى عائلته في كل الاحتمالات ) لتطبخ له وعملية التسميم ، اذا أريد لها أن تمتنع على الاكتشاف ، تستغرق شهورا عديدة وليس أفضل من الطاهية لكي تقوم بالمهمة من الواضع أنها كانت تدري بالاتفاقية بين مارش والشاب ، وتتوقع حصة لها فيها. وفي نفسر الوقت كانت الصلبان والدوائر المحفورة في كعبية غير قابلة للتفسير . إن من يقوم بالتسميم البطيء حذر، منهجي ، فنايته الرئيسية هي أن يجعل الكمية المعطاة فعالة بينما يتحاشى أن يخلف أية علامات تدل عل فعلته ، التهور عنده غير وارد.

حان الوقت الذي كف فيه الناس عن ترداد قصة دنكان مارش ، وأنا نغمي ، حين لم تعد لدي أية افتراضات أخرى أقدمها ، لم أعد أفكر بالأمر إلا في أحايين نادرة . ثم جاء الي أحد الامريكان المقيمين هنا. ذات مساء ، بخبر مفاده أنه صادف رجلا مغربيا يدعى أنه كان يعمل حارسا ليليا عند مارش . كان اسم الرجل "العربي" ويعمل نادلا في مطعم صفير يسمى "لا فان بيك " في أحد الشوارع الخلفية .. ويبدو أنه يتكلم الانجليزية بشكل سيىء، لكنه يفهمها دون صعوبة . وقال الامريكي انه يدلي الي بهذه المعلومات لعلها تفيدني ، فيما اذا أردت أن استعملها أدت يوم .

قلبت الأمر في ذهني ، وذات ليلة ، بعد عدة أسابيع ذهبت الى المطعم لأرى العربي بنفسي ، كان المكان معتم الاضاءة ومليئا بالأوروبيين تفحصت الندل الثلاثة . كانوا يشبهون بعضهم لكل منهم شوارب سوداء عريضة ويرتدون الجين الأزرق وقمصانا رياضية ناولني أحدهم قائمة طعام ووجدت صعوبة في قراءتها حتى عندما وضعتها مباشرة تحت ألق المصباح الصفير، على الطاولة . وعندما عاد الرجل الذي ناولني اياها . سألته عن "العربي".

نزع القائمة من يدي وترك الطاولة . بعد هنيهة اقترب مني نادل أخر وناولني القائمة التي يحملها تحت ذراعه ، طلبت بالأسبا نية وعندما جاء بالحساء تمتمت قائلا أنني لم أكن أتوقع أن أجده يعمل هنا. فوجيه عندما سمعني أقول هذا . كان بامكاني أن أرى أنه يحاول أن يذكرني.

"ولماذا لا أعمل هنا؟" كان صوته مسطحا بلا اضطراب .

"طبعا ، لم لا ؟ كل ما في الأمر أنني تخيلتك الآن تملك سوقا، أو دكانا على الأقل ".

كانت ضحكته شامتة . "سوق !" وعندما عاد بالطلب التالي ، اعتذرت له لتدخلي في شؤونه الخاصة . لكنني أخبرته انني مهتم بالأمر منذ سنوات لأنني كنت أظنه تسلم ميراثا من سيد انجليزي معين .

انفتحت عيناه ، أخيرا على وسعهما.

"تعني السنيور مارش ؟"

"نعم هذا اسمه . ألم يعطك رسالة ؟ أخبر أصدقاءه انه فعل ذلك ". تطلع من فوق رأسي وهو يقول :

"لقد أعطاني رسالة ".

"هل سبق لك أن أريتها لأحد؟"

كان هذا تهورا مني ، لكن من الأفضل للمرء أحيانا أن يصوب في الهدف مباشرة .

"لماذا : ما الفائدة ؟ لقد مات السنيور مارش ".

هز رأسه بشكل قاطع وابتعد باتجاه طاولة أخرى. عندما انتهيت من تناول المرطبات كان أكثر الزبائن قد نما دروا وبدا المكان أكثر عتمة من السابق اقترب من طاولتي ليرى ان كنت أريد قهوة . فطلبت منه فاتورة الحساب . وعندما جاء بها أخبرته أنني أود كثيرا لو أرى الرسالة ، اذا كانت ما تزال في حورته .

"يمكنك أن تأتي ليلة غد أو أية ليلة أخرى ، وسوف أريك اياها . انها في البيت ".

شكرته ووعدته بأن أعود في مدى يومين أو ثلاثة غلبتني الحيرة وأنا أغادر المطعم كان من الواضح أن النادل لا يعتبر نفسه مسؤولا عن متاعب دنكان مارش . وحين رأيت الوثيقة ، بعد بضع ليال . لم أعد أفهم أي شيء.

لم تكن رسالة بل عريضة من النوع الذي يباع في أكشاك السجائر . تقول ببساطة : " الى من يهمه الامر : "نا المدعو دنكان وايكو مارش ، أوافق بهذه الشهادة على ايداع مبلغ مائة باوند لحساب العربي الريني في الأول من كل شهر ، طالما أنا على قيد الحياة ". كانت موقعة ومختومة بحضور شاهدين بغربيين وتحمل تاريخ الحادي عشر من شهر حزيران يونيو 1996. قلت وأنا

أعيدها اليه : "ولم تعد عليك بأية فائدة ".

فهز كتفيه وأودع الورقة محفظته .

"وكيف كانت ستفيدني ؟ لقد مات الرجل ".

"مؤسف جدا".

"اما القدر".

في تلك اللحظة كان بامكاني أن ألح فأسأله ان كانت لديه أية فكرة عن أسباب مرض دنكان ، لكنني كنت احتاج الى وقت أتدارك أشاءه ما علمته حتى الآن قلت وأنا انهض لأغادر : "يؤسفني أن تجري الأمور هكذا ،. سأعود خلال بضعة أيام ".

مد الي يده فصافحته . لم أكن أنوي العودة آنذاك . قد أعود وقد لا أراه أبدا.

"طالما أنا على قيد الحياة ، بقيت هذه العبارة تتردد في ذهني لعدة أسابيع . من المحتمل أن مارش اختار هذه الصيغة ليسهل فهمها عل كاتبي العدل اللذين يظهر توقيعهما بشكل وارف على الوثيقة ، ومع ذلك لم يكن بوسعي إلا أن أفسر كلماته بشكل أكثر دراسية . فهذه الورقة كانت تمثل بالنسبة الي ، معاهدة شفهية أبرمت بين خادم وسيده . أريد لها أن تكون رسمية . لقد هلب مارش من الحارس أن يساعده ، فوافق هذا على الأمر. لم يكن هناك أساس لاستنتاجي هذا، ومع ذلك كنت أحس بأنني أتبع السبيل الصحيح . وأخذت أؤمن بالتدريج ، انني لو تحدثت الى الحارس بالعربية ، وداخل البيت نفسه. لأصبحت في وضع يمكنني فيه ان أرى الأمور بوضوح أشد.

ذهبت ذات أمسية الى "لا فان بيك " ودون أن أجلس ، أشرت الى العربي بالمجيء الى الخارج . هناك سألته ان كان بامكانه أن يكتشف ما اذا كان البيت الذي يسكنا مارش خاليا الآن أم لا.

"لا أحد يسكنا الآن " . توقف قليلا ثم أضاف "انه خال . أعرف الحارس ".

كنت قد قررت رغم معرفتي الناقصة بالعربية ، ان أكلمه بلغته لذا قلت : "انظر. أريد أن أذهب معك الى البيت وأرى أين حدث كل شيء . سأعطيك خمسة عشر ألف فرنكا مقابل أتعابك ".

اضطرب عندما سمعني أتكلم بالعربية ، ثم تحول تعبير وجهه الى الرضا، قال :

"من المفروض الا يسمح لأحد بالدخول ".

ناولته ثلاثة آلاف فرنك . "دبر ذلك معه . وخمسة عشر لك عندما نغادر البيت ، هل يمكننا أن نفعل هذا يوم الخميس؟".

كان البيت قد شيد ، كما أظن في الخمسينات عندما كانت الأبنية مازالت تعمر بشكل متين ، وكان مغروسا بصلابة في سفح تلة ، تطو وراءها الغابة. تسلقنا ثلاث طبقات من الأدراج عبر الحديقة حتى وصلنا الى المدخل وظل الحارس ، وهو جبيلي عابس يرتدي جلابية سمراء يتبعنا عن كثب ويحدجني بارتياب .

كانت في الأعلى سطيحة عريضة تطل على المدينة والجبال وخلفها جنينة ظليلة تنتهي حيث تبدأ الغابة ، غرفة الضيوف كبيرة يملأها الضياء من أبوابها الفرنسية التي تنفتح على الجنينة والهواء مثقل برائحة النتانة والجدران الرطبة كانت القناعة الغريبة في أنني على وشك أن أفهم كل شيء، قد تملكتني تماما، ولاحظت أنني أتنفس بشكل أسرع دخلنا الى غرفة الطعام وبعدها رواق ، ثم الغرفة التي كان ينام فيها مارش ، مغلقة المصاريع وعظمة وثمة درج عريض متعرج ينزل الى طابق فيا مخدعان آخران ، ويستمر في نزوله الحلزوني ال الأسفل نحو المطبخ وغرف الخدم. أما باب المطبخ فينفتح على باحة مرصوفة بالحجارة تنى جدرانها نباتات متسلقة عالية .

أهل العربي الى الخارج وهز رأسه . قال بكآبة "هنا بدأت جميع المشاكل ".

عبرت من المجاز وجلست في الشمس على مصطبة من الحديد. "في الداخل رطوبة . لماذا لا نبقى هنا في الخارج ؟

تركنا الحارس وأقفل أبواب البيت وأقعي العربي على كعبيه ليستريح قرب

المصطبة .

قال إن أيا من هذه المشاكل ما كان سيحدث ، لو أن مارش رضي بياسمينة، الطاهية التي كان راتبها جزءا من الايجار . لكنها كانت مهملة والطعام الذي تطبخه كان سيئا. طب هن العربي أن يجد له طاهية أخرى.

"أخبرته مقدما أن لهذه المرأة ، مريم ، ابنة صغيرة تتركها بعض الأيام مع الأصدقاء وينبغي عليها في أيام أخرى أن تجلبها معها الى العمل ، قال ان هذا لا يهم لكنه يريد منها أن تلزم الهدوء".

أجروا المرأة . بين كل يومين أو ثلاثة في الاسبوع ، كانت تصطحب الطفلة التي تقني وقتها باللعب في انحاء الباحة حيث ين لها أن تراقبها. ومنذ البداية أخذ مارش يشكو من فجيجها الزائد. بعث الى مريم أكثر من مرة بمن يخبرها ويطلب اليها أن تهديه الطفلة . وذات يوم تسلل بهدوء حول مدار البيت حتى ومثل الى الباحة . وهناك جلس على أربع وقرب وجها من وجه البنت الصغيرة ، ثم كشر تكشيرة مفزعة جعلتها تبدأ بالصراخ . عندما اندفعت مريم الى خارج المطبخ انتصب واقفا وسار مبتعدا وهو يبتسم . واصلت الطفلة صراخها ونحيبها في ركن من المطبخ حتى أخذتها مريم ال البيت ، وفي تلك الليلة أصيبت بحمى عالية وهي ما تزال تبكي. بقيت معلقة بين الحياة والموت لعدة أسابيع وحين زال عنها الخطر أخيرا ، كانت قد فقدت قدرتها على السير.

ذهبت مريم ، التي كانت تتقاضى أجرا عاليا نسبيا، تستشير فقيها بعد اخر. اتفقوا على أن الطفلة أصيبت بالعين ومن الواضح كذلك أن من أصابها هو النصراني الذي تعمل عنده. وقال العربي شارحا، أنهم أوصوها بأن تدس في طعام مارش عقاقير معينة سيزيل مفعولها، عل مر الأيام ، شر العين التي أصابت البنت وأخبرني، وهو يحدق في تحديقا صارما بأن هذا كان ضروريا ضرورة مطلقة . حتى لو أن السنيور وافق على ازالة العين (وهي بالطبع لم تكن لتذكر له الأمر في أية حال ) فإنه سيعجز عن ذلك أما العقاقير فليست مؤذية : كل ما هناك أنها ستجعله أكثر لينا بحيث أنه عندما يحين الأوان للتخلص من العين سيمتنع عن المعارضة .

ويبدو أن مارش أسر على العربي ، ذات مرة بأنه يرتاب في مريم ويعتقد أنها تضع في طعامه العقاقير، وشدد عليه بأن يكون يقظا. وقد وقع على الوثيقة في صالح العربي ليكفل ساعدته الفعالة . ولكن طالما كانت الخلائط التي لقي بها مريم في طعام سيدها، غير مؤذية نسبيا، في اعتقاده فقد طمأنه العربي وترك لها أن تستمر في استعمال عقاقيرها.

نهض العربي فجأة وانتصب واقفا بعد أن تعب من الاقعاء وبدأ يسير جيئة وذهابا وهو يخطو بعناية . "عندما وجب ذهابه الى المستشفى في لندن ، قلت لها: ما أنت قد سببت له أن يعرفن ، اقترفي أنه لن يعود؟ لن تتخلي من العين أبدا. كانت قد بدأت تقلق . وقالت : لقد فعلت ما باستطاعتي ، الأمر بين يدي الله ".

وعندما عاد مارش الى طنجة ألح عليها العربي أن تعجل بترتيب الأمور، فصوصا الان بعد أن وافاها الحظ بأن أعاده اليها. وقال لها إنه من الأفضل لصحة السنيور لو أنها لم تستمر في معالجته لفترة طويلة .

لم أسأله شيئا بينما يتكلم ، وقصدت أن أبقي وجهي خاليا من أي تعبير لاعتقادي أنه سيكف عن الكلام اذا حدث أن لاحظ فيا أقل علامة تدل على الاستياء . كانت الشمس قد غابت خلف الأشجار وأصبحت الباحة باردة .

غلبتني رغبة قوية للنهوض والسير مثله ، لكنني احترست الا أفعل حتى ذلك لئلا أقاطعه . فالتيار ، اذا قوطع ، قد لا يعود للجريان .

سرعان ما ساءت حالة مارش أكثر من ذي قبل ، وأخذت الآلآم في معدته وكليتيه تزداد . اضطر الى ملازمة سرير، فكان على العربي أن يحمل اليه وجبات الطعام . وعندما لاحظت مريم انه لم يعد قادرا عل ترك فراشا، حتى للذهاب الى الحمام ، قررت أن الأوان قد أزف للتخلص من سحر العين وفي نفس الليلة التي سحر فيها الفقيه بحضور الطفلة المشلولة في بيته جاء أربعة رجال من عائلة مريم الى جامع المقري.

"عندما رأيتهم ركبت دراجتي البخارية وأهبت الى المدينة . لم أكن أريد أن أكون حاضرا عندما يفعلون ما سيفعلون فالأمر كله لا يعنيني في شيء".

بقي ساكنا وهو يفرك يديه . سمعت الريح تهب في الأشجار، كما تفعل في هذه الفترة من المساء آتية من جهة الجنوب الغربي. قال : تعال ساريك شيئا".

تسلقنا درجا خلف البيت أوصلنا الى سطيحة تطوها عظة ، وخلفها كانت تمتد الجنينة وسور من الأشجار "كان مريضا جدا في اليومين التاليين . هل يطلب مني أن اتصل هاتفيا بالطبيب الانجليزي".

"ألم تفعل ذلك ؟".

كف العربي عن السير ونظر الي . "كان علي أن أنطق كل شيء أولا . رفضت مريم أن تلمسه بيديها. كان هذا في موسم الأمطار. كان مفطر بالطين والدم عندما عدت هنا فوجدته . في اليوم التالي أعطيته حماما وغيرت الملاءات والألحفة . ثم نظفت البيت لانهم كانوا قد لوثوا كل شيء بالطين عندما أتوا به الى الداخل .  تعال معي، سترى أين كان عليهم أن يأخذوه ".

كنا قد عبرنا الجبنة فأخذنا نسير فى العشب العالي الذي يحاذي طرف الغابة كانت ثمة درب تنحرف الى اليمين خلال شبكة من الشجيرات الواطئة ، الغابة تبعناها ونحن نخطو فوق الصخور والجذوع الساقطة حتى وصلنا الى بئر حجرية قديمة . انحنيت فوق الجدار الصخري الذي يحيط بها فرأيت السماء تنعكس عل شكل دائرة صغيرة في قعرها البعيد.

"كان عليهم أن يسحبوه من هناك الى هنا، كما ترى ، وأن يمسوا به لكي يبقى ساكنا فوق البئر مباشرة بينما هم يخدشون العلامات في قدميه ، بحيث أن الدم المتقطر يسقط في الماء. فهو لن ينفع اذا سقط عل حافة البئر. وكان عليهم أن ينقشوا نفسر العلامات التي رسمها الفقيه على الورق لانقاذ البنت الصغيرة . هذا سب جدا في الظلام والمطر. لكنهم فعلوا اللازم . لقد رأيت الندوب عندما أعطيته الحمام ،".

سألته محترسا ان كان يرى أية علاقة بين كل هذا وموت مارش . كف عن التحديق في البئر واستدار على عقبيه وبدأنا نمشي عائدين الى البيت . "لقد مات لأن ساعته حلت ".

وهل أزيلت العين ؟ سألته .. هل استعادت الطفلة قدرتها على السير: لكنه لم يسمع بأي شيء ، لأن مريم ذهبت بعد أيام معدودة لتعيش مع أختها في قنيطرة .

عندما عدنا الى السيارة ، وبدأنا بالعودة الى المدينة . ناولته المال : فحدق فيا بضع لحظات قبل أن يدسه في جيبا.

تركته في المدينة وأنا أحسر بخيبة غامضة وعرفت أنني كنت أتوقع طوال الوقت ان أجد أحدا تثبت عليه التهمة، بل كنت آمل في ذلك حقا. ولكز ما هو الجرم ؟ لم تكن هناك أية نية في الجريمة ليسر سوى امرأة تنحرن في ظلام الجهل العتيق . هكذا كنت أفكر، في التاكسي الذي أخذته ، عائدا الى بيتي.
 
 
بول باولز
ترجمة: سركون بولص
(شاعر ومترجم عربي يقيم في سوريا)

شاهد أيضاً

حياة كافية

يقينا لم يكن يتوقع أن يحدث له هذا الأمر، أن تصدمه سيارة مجنونة في شارع …